[ ١٣٣ ]
كان عند الخرجي المذكور خادمة رعبوبة من أهل بلاده. فلما عزم على الفرار رأى أن يغادرها في منزله لتصون حاجته فيه. وإِنما أبى أن يستصحبها معه لأنه كان متزوجا بامرأة هي دونها في الحسن. كما جرت العادة في بلاد الإفرنج من أن الخادمة غالبا تكون فوق مخدومتها في القسامة والجمال ودونها في الدراية والمعارف. فوقع في خاطر زوجته أنه إذا نشبت فيها عوالق الفخ أولا ربما اتخذ زوجها تلك الخويدمة في فراشها وطاب عنها نفسا. وإن أول شيء تتعلمه البنت من أمها قبل زواجها هو منع الأسباب التي تبعث زوجها على الاستغناء عن شخصها أو عن ذكرها. ولذلك كان من عادة نساء الإفرنج أن يهدين إلى بعولتهن صورهن وأن كانت شنيعة ليجعلوها في قمصهم. أو خصلا من شعورهن وان تكن حمراء ليتختموا بها. ثم بدأ مشكل آخر وهو أن الخادمة إذا بقيت وحدها في الدار لم تأمن من أن يتسور عليها أحد في الليل فيقع المحذور. ويحمي التنور. ويكسر المجبور. ويمد المجزور. ويطم المحفور. ويذال المذخور. ويحرث البور. وتفك الطلاسم عن المسحور. ويفتق المشصور. ويسمد الصعبور. ويوسع الصنبور. ويبعثر المطمور. وتذلّل العبسور. ويصدع الفاثور. ويخرب القهقور. وينقر في الناقور فتتثلم شوكة الزنبور. فارتأى بعد أن رفع يديه بالابتهال إلى الله تعالى أن يضم إليها رجلا من أهل بلاده نحيفا قشعومًا اعتقاد انه لا يقدر على ارتكاب شيء من الأفعال التي جرّت هذه القوافي المتعددة. وذلك من جملة الأغلاط الفاضحة التي اشتهرت بين الناس أعني أهم في الغالب من دون مراجعة النساء والاستشهاد بقولهن إن النحيف لا يقدر على ما يقدر عليه السمين. وكان الأولى أن لا يستبدوا في ذلك. فمكث القشعوم مع الخادمة في أهنأ عيش.
[ ١٣٤ ]
أما ما كان من الخريجيين فإن مخرجهم أي مربيهم وكل بهم ذلك الرجل اللبيب. وأوعز إليه في أن يحظرهم عن الخروج عن الخروج وأن لا يدع أحدًا من أقاربهم يدخل إليهم وأن يستخدم رجلًا ليشتري لهم ما يلزم من الخارج ولا يستلم منه شيئًا إلا بعد أن يغمسه في الحل أو يبخره بالشيح. وغير ذلك مما عرف في اصطلاح الإفرنج لمنع أسباب الوباء. وكان هذا الوكيل من مشاهير علماء ملته. وكان في مبدأ أمره كافرًا لا يعتقد بدين من الأديان. لكنه كان حميد الخصال حسن الأخلاق. غير أن كفره حال بينه وبين رزقه فأضطر إلى أن ينحاز إلى الخرجيين من أهل بلاده ففرحوا بهدايته كثيرًا وأحسنوا إليه إحسانًا وفيرًا فأنقلب هزله جدًا وتمكنت منه الوساوس والأوهام حتى أعتقد أخيرًا أنه أهل للكرامات والمعجزات. فكان يتمنى أن يسنح له فرصة لذلك. وأتفق في هذا الأوان أن مات بالطاعون ذلك الخادم الذي كان يشتري لوازم الدار. فلما جاء الدفانون ليحملوه أعترضهم الوكيل من داخل الدار فخافوا أن يخالفوه لكونه من الإفرنج فأنه لهم عند أهل مصر حرمة زائدة. ثم أنه مضى إلى موضع منفرد وجثًا على ركبتيه وهو يدعو الله ﷾ لأن يحقق له صدق عقيدته. ثم فتح الباب وخرج وألقى نفسه على جثة الميت وجعل فمه في أذنه وهو يناديه قائلًا: يا عبد الجليل "اسم الميت" أني أدعوك باسم المسيح ابن الله لأن تعود من ظلمة الموت إلى نور الحياة. ثم أصغى ليستمع الجواب فلم يجبه أحد. فأشار إلى الدفانين أن اصبروا. ثم سار إلى ذلك الموضع الذي صلىّ فيه أولًا. وغير ركعته بأن جعل فمه بين فخذيه وهو يجمجم في الدعاء وذلك على منوال الياس النبي حين صلىّ لإنزال المطر بعد أن قتل أنبياء بعل. وكان عددهم أربعمائة وخمسين نبيًا على ما ذكر في الفصل الثامن عشر من سفر الملوك الأول. إلا أن بين الداعيين فرقًا. وهو أن النبي صلى هكذا بعد القتل وصاحبنا هذا قبل الأحياء. وكان الأولى أن يرفع عبد الجليل إلى غرفة كما فعل النبي المذكور بابن الأرملة التي كانت تعوله. وكان دعاؤه إلى الله لإحيائه أن قال أيها العرب الهي أجلبت الشر أيضًا على هذه المرأة بقتل ابنها الخ. ثم أنه شبح يديه حتى صارت جثته على شكل صليب. ثم قام ناشطًا مسرورًا وأسرع في أن ألقي جثته على الميت وأعاد في أذنيه كلامه الأول. فلما لم يجبه أحد ورأى الميت لم يزل مفتوح الفم مطبق الجفنين ولم يمشِ مرة هنا ومرة هناك ولم يعطس سبع عطسات كما عطس أبن المرأة الذي أحياه النبي اليشع على ما ذكره في الفصل الرابع من سفر الملوك الثاني، ذهب إلى المطبخ وأمر الطباخ بأن يصنع له مرقة على الفور. فلما صبت المرقة أقبل بها إلى عبد الجليل وجعل يفرغ منها في حلقه وذلك مشغول عنه بناكر ونكير. فلما أعياه أمره أمر الدفانين أن يحملوه وقال ما عليّ ذنب في كوني لم أرد أن أبعثه وإنما الذنب عليه. ثم أقبل إلى حجرة الفارياق وقال له لا تؤاخذني يا خليلي بعجزي عن أحياء الخادم فإن زمن الانتشار لمّا يبلغ. ولكني لا أتراخى في عقيدتي بأن أفعل ذلك المرة الآتية إن شاء الله.
[ ١٣٥ ]
فلما سمع الفارياق ذلك أضطرب باله وثار دمه غيظًا وحزنًا. فأصابه في ذلك اليوم الداء الفاشي فخرج تحت أبطه سلعة كالأترجة وحمّ وأخذه صداع أليم. فأما الوكيل فلم يصبه شيء. وذلك من الأسرار التي يعجز عن إدراكها الحكماء. ثم أن الفارياق كان حال مرضه يفكر فيما جرى عليه وهو وحيد غريب لا مؤنس عنده يسليه. ولا طبيب يداويه. وكان يقول في نفسه إذا مت على هذه الحالة فمن عساه يتمتع بكتبي هذه التي سهرت الليالي على نسخها. نعم أن الموت على كل حال صعب مكروه غير أن موت الفتى مثلي غريبًا أصعب وإني قد ابتليت والحمد لله في هذه المدينة بجميع أنواع الأدواء المصبوغة بلون الحمام. فإذا فسح الله الآن في أجلي فلا أفارق هذه الدنيا إلا قرير العين بنجل يرثني. وأن لم يكن عندي من حطام الدنيا غير الكتب. كيف لا وقد جاء عن أبي شلوم ولد سيدنا داود أنه نبي له جدارًا ليذكر به بعد موته إذ لم يكن له خلف. فلا تزوجنّ فإن لم يأتني خلف فالطوب بمصر كثير. اللهم يسر. غوثك يا كريم. يا رحمان. يا رحيم. ثم لما كان يمعن النظر في حال الزواج ويتصور مشاقه وشدائده التي يرى أودّاءه ومعارفه يقاسونها ويئنون من باهظ حملها، يرجع عن عزمه ويسخر من استحالة عقله وضعف فهمه لضعف جسمه ثم يعتذر لنفسه بأن كل إنسان إذا عاش مدة حياته على رأي لم يوافق رأي الجماعة وكان يعتقد وهو حيّ صحيح الجسم معافى أنهم كلهم على ضلال وأنه هو وحده على هدى فإذا أدركه ضعف جسم لم يلبث أن يتغير عقله فيميل عن مذهبه الأول. كما جرى لبيون الفيلسوف ولكثير غيره من الحكماء والفلاسفة.
ثم أن الله تعالى تدارك الفارياق برحمته. ومنّ عليه بالشفاء من علته. فقام من فراشه كأنما قام من جدته وأقبل على الطنبور يعزف به ويغني فدعه الآن على الحالة ولا تنغص عليه عيشته. وشمر أذيالك معي لنطفر فوق هذا الأجيج المتأجج أمامنا فيما يلي هذا.