[ ١٠ ]
كان للفارياق ارتياح غريزي من صغره لقراءة الكلام الفصيح وإمعان النظر فيه ولالتقاط الألفاظ الغريبة التي كان يجدها في الكتب: فإن أباه قد أحرز كتبًا عديدة في فنون مختلفة، وكان أي الفارياق يتهافت منذ حداثته على النظم من قبل أن يتعلم شيئًا مما يلزم لهذه الصنعة. فكان مرة يصيب ومرة يخطئ، مع اعتقاده إن الشعراء أفضل الناس وأن الشعر أجل ما يتعاطاه الإنسان. فقرأ يومًا في بعض الأخبار عن شاعر كان في حداثته أبله مغفلًا، ثم صار أمره إلى أن نبغ فينظم القصائد المطولة وأجاد، فما حكي عنه أنه سكر يومًا فقعد في نحو ناموس وجعل يخطب منه خطبة أبي العِبَر طرد طبك طلندي بك يك نك من البلوعة. وأنه أراد يومًا أن يتسور حائطا ليتناول من بعض الثمر فوقع في فخ كان نصبه صاحب البستان للحيوانات.. وإنه قال يومًا لأمه إن عند فلان خادمة نظيفة غسلت اليوم باب دارها فجاء أسود يلمع. وإنه رأى يوما صبيًا قد قلع أحد أضراسه فسار واقترض درهمًا وقال للحجام اقلع ضرسي أنا أيضًا فإنه غير قاطع في الأكل. ولعل ينبت لي في مكانه ضرس أحد منه. وقيل له يوما قد دونت عنك حكايات من حمقك كثيرة فقال بودي لو أن أحدًا يقرأها علي لأضحك ومرض أخوه يومًا فقال أبوه لزوجته قد أضره الطعام الذي أكله أمس. فقال نعم قد أضر الأكل والخادمة معًا. فقال أبوه ما دخل الخادمة هاهنا. فقال لعلها أعطته ما لم يحب. ورأت أمه على ثيابه دمًا فقالت له ما هذا الدم. قال قد وقعت فجرى دمي وهو أحسن. فقد يقال من وقع وجرى منه دم صح وتقوى. وجرح يده بسكين فرمى بها وقال هذي السكين لا تساوي شيئًا. فقال أبوه لو كانت كذلك لما جرحت يدك فقال كل إنسان يجرح يده في الدنيا سواء بسكين أو غيرها. وقال مرة قد رأيت في السوق جبنا أبيض كالزفت. وقيل له لم لا تغسل يدك أغسلها فتعود وسخة في الحال. ولست أقدر على تنظيفها لكون دمي وسخًا. ورأى ذات يوم رجالًا مصلوبين فقال لأمه يا أم إذا عاشت هؤلاء الرجال أيضًا أفيقدر الذين صلبوهم على صلبهم مرة أخرى. وكان قوم يسألون عن منزل شخص فقال أنا أعرف مقرّه. قيل كيف عرفته. قال قد رأيت الرجل يمشي في السوق على رجليه. وقال يومًا من الثمانية إلى التسعة يمضي الوقت أسرع من الستة إلى السبعة. وقيل له أتحب اللحم أكثر من السمك قال أظن أني أحب هذا أكثر. وقال له أبوه إذا كنت تغيب عنا أفتحسن أن تكتب لنا كتابًا. قال نعم أكتبه وأجيء به أوصله إليكم. وسمع أباه يثني على حزٍ اشتراه وكان به فرحًا. فقال قد كانت ساعة سعيدة إنكم لم تشتروه. ورأى أباه يكتب كتابًا فقال له هل تستطيع يا أبت أن تقرأ ما تكتبه. فقال له كيف لا وأنا الذي كتبته. فال أما أنا فلا أستطيع. ورأى أباه يتأسف على طير فقده. فقال له بارك الله في الساعة التي طار فيها. فقال له يا أحمق إنا نتأسف على فقده قال له ولم لم تبنِ له دارًا. قال أو يُبني للطائر دار. قال إنما أعني عودين يجعلان من هنا وهناك. ووصف مرة حيوانات رآها فقال ورأيت أيضًا خنزيرًا أكبر مني وشكا وجعًا في رجله فقال ليت هذي الرجل تبلى. وكان أبوه يفسر له معنى أنقذ بأن قال له إذا وقع أحد في النار مثلًا وذهبت وأخرجته منها فلذلك هو الإنقاذ. فال ولكنه قد احترق فكيف أنقذه. وعلى فرض إني وضعت هذا السفود في النار ثم أحرجته منها أفيكون ذلك أيضًا إنقاذًا. وفسر له يومًا آخر معنى يلوم فقال إذا أبطأ عليك شخص في شيء وقلت له لِمَ تكاسلت فذلك يكون لومًا. فقال وأقول له أيضًا لمَ كبرت لِم صغرت لِم قصرت. ولامته أمه على نحره عند الكلام فقال لها ألا لا تلوميني ولكن لومي روحي. وأراد أبوه أن يخرج في يوم ماطر ثم عدل خوفًا من المطر. فقال لأمه يا أماه من عمّ الله أنا لم نخرج اليوم فإن الهواء كان طيبًا. واشترت له أمه ثوبًا فصلته قال لها أو يزول لون هذا الثوب. قالت لا أدري. قال أرجو أن يزول فلعله يصير أحسن. وقالت له أوان الشتاء وهو لابس قميصًا فقط البس ثوبك فوق القميص. فقال لها لا لأني أبرد به أكثر. ولامه أبوه على قراءته بصوت صلق فقال له لم هذا الصلق في القراءة قال لا أقدر أن أصرخ أكثر. وخفي عليه يومًا معنى الزيارة فقالت له أمه إذا سرت اليوم إلى السيدة فلانة لأنظرها فقد زرتها. قال قد فهمت إنك تسيرين إليها كي تخدعيها. وقالت له أمه إن فلانة التي تحسن إليك
[ ١١ ]
قد ماتت فسكت ساعة ثم قال. قد حزنت عليها كما حزنت على موت أمي. الله يبعثها إلى الجنة هي وزوجها حالًا. وقال يومًا لوالده أن معلمنا اليوم قد أشترى قضيبًا ليضرب به الأولاد ولكنهم يغضبونه عمدًا حتى يضربهم به فينكسر فأستريح أنا أيضًا. وقال لأمه وقد مرضت إذا جئناك بالطبيب ولم يشأ الله أن يشفيك فما الحاجة إلى دواء. لها مرة أخرى استعملي هذا الدواء فلعلك تمرضين. وأراد يومًا أن يوقد النار فقال أردت أن أطفئها فما انطفأت. وقالت له أمه سر إلى فلانة وقل لها لأي شيء تخافين من أمي إنما هي بشر من بني آدم مثلك. فقال أقول لها تقول لك أمي لأي شيء تنفرين منها إنما هي من بني الحيوانات مثلك. وقال مرة في شيء أعجبه تبارك الله من كل عين. وقيل له يومًا أن فلانًا يريد أن يأخذك إلى مدرسته ليلمك. فقال بعثه الله إلى الجنة قال له أبوه أتريد أن تميته. قال فكيف أقول إذًا. قال أطال الله عمره. قال طوله الله. وقال لأمه أتعطينني الليلة من تلك الحلواء. فقالله أن عشنا إلى الليلة. قال نحن نعيش إلى غد فكيف لا نعيش إلى الليل- انتهى.
فطالع بذلك أحد الألباء في بلاده وقال له قد ظهر لي أن هذا الكلام أبله مأموه. أو مدله توه. أو مسمه مسبوه. أو عمه مشدوه. أو نمه معتوه. فكيف صار بعد ذلك شاعرًا. فقال له يحتمل أن كلامه هذا كان قد تعمده ليضحك به أبويه. أو أنه كان بليد البادرة ولكنه حديد الفاكرة. فإن من الناس من يدهش للسؤال فلا يكاد يجيب إلا خطأ. فإذا أعمل فكرة في خلوة أحسن كل الإحسان. أو أنه قصد بذلك أن يكون نبها مشهورًا بين الناس ولو بحماقة ورقاعة. فإن أكثر الناس يحاول الشهرة بأي وجه كان. فمنهم من يتعاطى الترجمة للكتب والتعليم وهو لا يدري شيا. ولكنه يفرح بأن يضع اسمه في أول الكتاب وبأن يحشيه بعبارات ركيكة وأقوال سخيفة من عنده أو بأن يروي عنه فيقال فلان كذا وكذا ويكون قوله خطأ وهذرًا. ومنهم من يتربع في صدر المجلس بين إخوانه وإقرانه ويطفق يحكي لهم حكايات عن بلاد بعيدة ويخلط كلامه ببعض ألفاظ تعلمها من لغة العجم. فيقول لهم مثلا صان فاصون. وباردون موسيو. ودنكوي. وفاري ول. إشارة إلى إنه أطال السياحة في بلاد فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وتعلم لغاتهم وهو يجهل لغته التي نشأ عليها. ومنهم من يتخذ له عمامة كبيرة يضاهي بها بعض العلماء. فإن كبر العمامة يدل على كبر الرأس. وكبر الرأس يدل على جودة العقل وصواب الرأي. ومنهم من يتكلف محاكاة لهجة ما ممن عرفوا بالفصاحة فتراه يتشدف ويجعم ويستعمل ألفاظا ًفي غير محلها.
وبعد فلا ينبغي أن يكون الشاعر عاقلًا أو فيلسوفًا. فأن كثيرًا من المجانين كانوا شعراء. أو كثيرًا من الشعراء كانوا مجانين. وذلك كأبي العبر وبهلول وعليان وطويس ومزبد. وقد قالت الفلاسفة إن أول الهوس الشعر وأحسن الشعر ما كان عن هوس وغرام. فأن الشعر العلماء المتوقرين لا يكون إلا مكرزمًا.
[ ١٢ ]
فلما سمع الفارياق ذلك زهد في الشعر ورغب عنه إلى حفظ الألفاظ الغربية لكنه لم يلبث أن رجع إلى خلقه الأول. وذلك أن أباه أخذه معه إلى بعض القرى البعيدة ليجبي المال المضروب على سكانها إلى خزنة الحاكم. فأنزله أهلها منزلًا كريمًا. وكان بالقرب من منزله جارية بديعة الجمال فجعل الفارياق على صغره ينظر إليها نظر المحب الراني جريًا على عادة الأغرار من العشاق. من أنهم يبتدئون العشق في جاراتهم استخفافًا للطلب واستشفاعًا بالجارية. كما أن عادة الجارات تهنيد جيرانهن وتغميرهم إشارة إلى إنه لا ينبغي البحث عن الطبيب البعيد إذا أمكن التداوي عند القريب. غير أن المحنكين في الحب يبعدون في الطلب ويرودون أنزح منتجع. لأنهم لما جعلوا دأبهم وديدنهم إشباع النفس من هواها كان عندهم السعي في ذلك فرضًا واجبًا. ووجدوا في الإبعاد والنصب لذة عظيمة. إذ من فتح فاه رجاء أن تتساقط الأثمار فيع لم يعدّ إلا مع العاجزين. والحاصل أن الفارياق هوى جارته لأنه كان غرًا. وإنها هي استهوته وأطعمته لكونها جارة. ولأن منزلته من حيث كونه مع أبيه كانت تميل الناس إليه. غير أن مدة إقامته هناك لم تطل. وأضطر إلى الرجوع مع أبيه وقد بقي كلفًا بالجارية. فلما حان الفراق بكى وتحسر وتنفس الصعداء. ونخره الوجد لأن ينظم قصيدة يعبر بها عن غرامه فقال من جملة أبيات.
أفارقها على رغم وأني أعادر عندها والله روحي
وهي أشبه بنفس شعراء عصره الذين يقسمون أيمانًا مغلطة بأنهم قد عافوا الطعام والشراب شوقًا وغرامًا. وسهروا الليالي الطويلة وجدًا وهيامًا. وإنهم ناسمون وقد ماتوا وكفنوا وحنطوا ودفنوا. وهم عند ذلك يتلهون بأي لهوة كانت. ثم أنه لما أطلع أبوه على تلك البيات الفراقية لامه عليها ونهاه عن النظم. فكأنما كان قد أغراه به. فإن من طبع الأولاد في الغالب الخلاف لما يريد منهم آباؤهم ثم أنه فصل من تلك القرية حزينًا كئيبًا متيمًا مفتونًا.