ذكر الأديب: حبيب زيَّات (ت ١٣٧٣ هـ) (٢) عددًا من الكتب المؤلفة في الطبخ وآداب المائدة، واستعرض كتاب «الطباخة» للفقيه: ابن المبرد (ت ٩٠٩ هـ)، وتحدث عن فن الطبخ وإصلاح الأطعمة في الإسلام، ودخول عدد من الأطعمة من الفرس والروم على المسملين بعد الفتوحات الإسلامية.
وذكر غلبة الفن الفارسي على الموائد العباسية، ومثَّل بعدد من الأطعمة منها: السنبوسج.
_________________
(١) باختصار من مقال عن «مآكل العرب»، نشره في «مجلة المقتبس» (٣/ ٥٦٩)، عدد (٣٣)، وبينه وبين مقال حبيب زيات في «الخزانة الشرقية» (٤/ ٢) تشابه.
(٢) هو حبيب بن نقولا بن إلياس الزيات الدمشقي، الفرنسي موطنًا ومدفنًا، النصراني. ولد ١٢٨٨ هـ، وتوفي (١٣٧٣ هـ)، أنشأ مجلة أدبية تاريخية متخصصة بالمشرقيات سمَّاها «الخزانة الشرقية»، صدر الجزء الأول منها: يوليو ١٩٣٦ م. له ترجمة في: «الأعلام» للزركلي (٢/ ١٦٧)، «معجم المؤلفين» لكحالة (١/ ٥٢٦).
[ ٢٣ ]
واستعرض كتاب «الطبخ وإصلاح الأغذية المأكولات» لأبي محمد المظفر بن نصر بن سيار الورَّاق.
وأشار إلى عدم وجود شئ يُذكر عن موائد الأمويين، بخلاف العباسيين فقد بلغ الطبخ أوجه ونقل ما قيل بين يدي المستكفي فيما أورده المسعودي في «المروج».
وتحسَّر على فقدان كتاب «الطعام والإدام في صفة ألوان الطعام وما يقدم على الخوان» (١٥٠٠ ورقة) لأبي عبدالله محمد المسبِّحي.
واستعرض كتاب ابن سيَّار، وفيه: صنعة المحشوات واللقانق والسنبوسجات. (١)
دراسة مطولة عن الأطعمة عند العرب
ثمة دراسة مطولة جميلة عن الأطعمة عند العرب، كتبتها الباحثتان: سليمى محجوب، ودرية الخطيب في تحقيقهما لكتاب «الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب» لابن العديم (ت ٦٦٠ هـ) ط. معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب (١٤٠٨ هـ).
جاء الجزء الأول كاملًا عن المؤلف والكتاب، وفيه:
(١/ ٤١) تاريخ الأطعمة عند العرب قبل الإسلام
(١/ ٥٧) حسن اختيارهم لأنوا ع الطعام، ثم بعدها مسائل في الأطعمة والمؤاكلة والضيافة، وذكرتا عيوب المؤاكلة نقلًا من الغزي.
_________________
(١) «الخزانة الشرقية» لحبيب زيات (٢/ ١١٢)، و(٣/ ١٣١)، و(٤/ ١ - ٢٣).
[ ٢٤ ]
(١/ ٨٧) علم العرب في الطعام.
(١/ ١٠٩) الأطعمة في عصر الرسول - ﷺ -، وصدرالإسلام.
(١/ ١٣٧) الأغذية والأعشاب وفن المداواة بها عند العرب.
(١/ ١٧٧) أطعمة العرب في العصر الأموي ذكرتا أن العرب تأثروا كثيرًا بالحضارات الأخرى في أبواب الأطعمة بعد اتساع رقعة العالم الإسلامي.
(١/ ١٨١) أثر الروم والفرس في تطوير أطعمة العرب.
(١/ ١٩٣) استعمل العرب في العهد الأموي الفوط والملاعق، وكانت الملاعق من خشب، وتجلب ملاعق من الفخار من الصين.
(١/ ٢٠١، و٢٤٢) الأطعمة في العصر العباسي، وأكثر الأطعمة دخولًا: الأطعمة الفارسية، وفيه كثُرَتْ المصنفات في فن الطبخ.
(١/ ٢٥٤) مسرد في الكتب المؤلفة في الطبخ في العصر العباسي.
(١/ ٢٧٨) أطعمة البويهيين.
(١/ ٢٩٨) الأطعمة في مصر.
(١/ ٣١٩) الأطعمة في مصر في عهد العبيديين.
(١/ ٣٥٥) الأطعمة في عهد الأيوبيين والمماليك.
(١/ ٤٠٥) أثر الحروب الصليبية في العادات والأطعمة وتأثر الإفرنج خاصة بأطعمة العرب، ونقلهم عددًا منها إلى أوربا.
أتمنى أن تفرد المقدمة في كتاب مستقل باسم المحققتين.
[ ٢٥ ]
وانظر أيضًا في المؤلَّفات:
مقدمة تحقيق: محمد شقرون لكتاب «فضالة الخوان» للتجيبي (ص ٩ - ١٢)، و«معجم الموضوعات المطروقة» للحبشي - ط. المجمع الثقافي في «أبو ظبي» - (٢/ ٧٩٠).
للأستاذة د. سهام الدبابي الميساوي كتاب كبير جدًا بعنوان: «الطعام والشراب في التراث العربي»، نشر كلية الآداب والفنون في تونس ٢٠٠٨، مفيد متنوع، ولم أجد فيه شيئًا عن «السمبوسة».
* * * *
[ ٢٦ ]
من معاني السمبوسة: المثلَّث، فكُلُّ مثلَّث سمبوسة! !
سبق ذكرُ قولِ د. ف عبدالرحيم: ( فارسي «سنبوسه»، وأصل معناه: مثلَّث الشكل، ومِنْ ثمَّ يُطلَق كذلك على قطعة قماش مثلَّثةٍ، تُغَطِّي بها المرأةُ رأسَها.). (١)
فهل يدل هذا على أن «السمبوسة» في الفارسية تعني: مُثلَّث؟ !
قال العلامة: أحمد تيمور باشا (ت ١٣٤٨ هـ) - ﵀ -: (من أنواع السنبوسك الآن: البُفُّ؛ لأنه يُصنَع رقيقًا منفوخًا.
والعامة تقول للقطعة المثلَّثَة من الثوب، أو نحوه: سنبوسكة.
يقولون: سنبوسكة، ولا يقولون مثلَّثة مطلقًا.
وأحال إلى: «ديوان سبط ابن التعاويذي - النسخة المطبوعة ص ٧٦ - أبيات في سنبوسجة كافور، وأنها وعاء للطيب، مثلَّث). (٢)
وهذه صورة القصيدة التي أحال إليها أحمد تيمور من «ديوان التعاويذي» (ت ٥٨٣ هـ):
مع التنبُّه إلى خطأ ونكارة قوله: ويا مفتاح باب الرجاء والفرَج! !
فمفتاح باب الرجاء والفرج بيد رب العالمين - جل وعلا - وحده لا شريك له.
_________________
(١) «معجم الدَّخِيل في اللغة العربية الحديثة ولهجاتها» (ص ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) «معجم تيمور الكبير» (٤/ ١٣٨ - ١٣٩).
[ ٢٧ ]
فائدة: ديوان سبط ابن التعاويذي نشره المستشرق: مرجليوث، وقد قال الزركلي في «الأعلام» (٦/ ٢٦٠) عن الديوان: (اقتنيتُ مخطوطةً منه، فظهرَ لي أنَّ ناشرَه الأستاذ «مرجليوث» تَعمَّدَ حَذْفَ كَثيرٍ مِن شِعْرِهِ، ومَلأَهُ أغلَاطًَا، وحبَّذَا لَوْ يُعادُ نَشْرُهُ).
فدلَّ هذا على أن المثلَّثَ يُطلق عليه: سمبوسة!
ولا أدري عن تأثر ابن الملقِّن بهذا الاصطلاح، فذكر مثلثًا بأنه: على صفة السمبوسة!
قال ابن الملقِّن الشافعي (ت ٨٠٤ هـ) - ﵀ - في شرح الحديث الثاني عشر: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبائهم مساجد» قال:
(ثامنها: تحرم الصلاة إلى قبره - ﷺ - والسجود له؛ لما حرض ومنع منه من الصلاة إلى قبر غيره من الأنبياء صلَّى اللهُ وسلَّم عليهم، ومنع من السجود له في حياته فبعد موته أولى، ولما علم الصحابة والتابعون ذلك لم يبنوا الحجرة النبوية (١) ــ
_________________
(١) فائدة: أفضل مَن تكلَّم عن الحجرة النبوية ــ على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ، هو الشيخ: عبدالرحمن بن سعد الشثري في كتابه «حجرة النبي - ﷺ - تاريخها وأحكامها»، مجلد (٥٣٠ صفحة)، طُبع عام (١٤٣٥ هـ).
[ ٢٨ ]
على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ــ مربَّعةً، بل بنوها من جهة شمالها مثلثة على صفة «السنبوسك»؛ لِئلا يُصلَّى هناك ويُسجد، وهذا كله تعريف لمقام الربوبية فإنه المتفرد بالعبادة، وكلما أوهم تعظيمًا كان فعلُه حرامًا، إلَاّ ما قرره الشرع من التوقير والتعظيم للأشياء المضافة إليه - ﷾ -: ككتاب الله تعالى، وبيته، والحجر الأسود، ومساجده، وأنبيائه وأوليائه وأحبابه والعلماء به وبأحكامه ونحو ذلك من غير مجازفة ومجاوزة لحد في ذلك.
وأما التعظيم المطلق فهو لله تعالى لا يشركه فيه غيره). (١)
طريقة عمل السمبوسة (شعرًا)
ذُكرت قصيدة في وصف «السنبوسة» من نظم إسحاق بن إبراهيم الموصلي المعروف بالمُغنِّى (ت ٢٣٥ هـ) - ﵀ -
ذكرها أبو الحسن المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) - ﵀ - (٢) في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر»
_________________
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» لابن الملقِّن (٤/ ٥١٩) حديث (١٢).
(٢) المسعودي، عراقي المولد والنشأة، من نسل الصحابي: عبدالله بن مسعود - ﵁ -، له ميول شيعية، وكتابُه من أعجب كتب التاريخ، تعِب في جمعه وتأليفه، اعتمدَ على مصادر متنوعة، منها ما أخذه من طريق التجربة والمشاهدة، وذوي الصلة المباشرة بالأحداث. مع ماله من رحلات واسعة. وعنده سعة أفق وحرص على ذكر مصادره، وله منهج متميز ساهم في تطوير فكرة التاريخ، وذلك بطَرْق موضوعات جديدة تاريخية، من ذلك: المقارنة مع الثقافات العالمية، والجمع بين الدراسات الجغرافية والتاريخية، وطَرْقه أبوابًا من علوم الاجتماع وعلم النفس، قبل ظهورها مستقلة وله اهتمام بالتاريخ الفارسي، وقد اعتُبر كتابه هذا من المصادر المهمة فيه. نزعته الشيعية أثَّرَت على كتاباته في تاريخ الخلفاء الراشدين، والأمويين، والعباسيين، ودخله الهوى فيه، وكتابه الآخر: «التنبيه والإشراف» أحسن حالًا من «المروج» في هذا الباب، لذا ينبغي الحذر عند قراءته. ويورد شيئًا من الخرافات والأساطير ولم يكن مؤمنًا بها، وإذا لم يورد حكمًا عليها، عزا القول إلى راويه. لم يرض عنه عددٌ من العلماء الذين ترجموا له؛ بسبب المعلومات التاريخية التي حادَ فيها عن الصواب. ما سبق منتقى يسير من خاتمة الكتاب التالي: «منهج المسعودي في كتابة التاريخ» د. سليمان بن عبدالله السويكت، وهي رسالته الدكتوراه من «جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية»، طُبِعت عام (١٤٠٧ هـ). أقول: لأجل نزعته الشيعية، اهتم الرافضة بهذا الكتاب، واعتمدوا عليه كثيرًا، وطبعوه مرارًا. قال ابن تيمية - ﵀ - في «منهاج السنة» (٤/ ٨٤): (وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب مالا يحصيه إلا الله). = = = قال الذهبي - ﵀ - في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٦٩): (كان أخباريًا، صاحب ملح وغرائب وعجائب وفنون، وكان معتزليًا). قال ابن حجر - ﵀ - في «لسان الميزان» (٥/ ٥٣٢): (وكتبه طافحة بأنه كان شيعيًا متعزليًا ..). ونقده ابن العربي في كتابه «العواصم من القواصم» وانظر أيضًا كتاب: «نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية» للشيخ د. سليمان العودة (ص ٤٨). فائدة: ذكر الشيخ: محمد بن ناصر العبودي - حفظه الله - أنه قرأ كتاب «مروج الذهب» على شيخه قاضي بريدة الشيخ: عبدالله بن حميد، في الجامع الكبير في «بريدة».
[ ٢٩ ]
قال المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) - ﵀ -: [وقال آخر: يا أمير المؤمنين ــ أي المستكفي بالله (١) - لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في صفة «سنبوسج»:
_________________
(١) المستكفي هو أبو القاسم عبدالله ابن المكتفي: علي ابن المعتضد العباسي. بويع له بالخلافة (٣/ ٢/ ٣٣٣ هـ)، وخُلِع في (٢٣/ ٨/ ٣٣٤ هـ)، فخلافته: سنة وأربعة أشهر إلا أيامًا. ومات في السجن سنة (٣٣٨ هـ) - ﵀ -، وعمره ست وأربعون سنة. واستقل بملك العراق معز الدولة، وضعف دست الخلافة جدًا، وظهر الرفض والاعتزال ببني بويه، نسأل الله العفو. انظر: «سير أعلام النبلاء» (٢٩/ ١٠٥)، «تاريخ الخلفاء» للسيوطي (ص ٦١٣).
[ ٣٠ ]
يا سائلي عن أطيب الطعام سألتَ عنه أبصرَ الأنام
اعمِدْ إلى اللحم اللطيف الأحمر فدقه بالشحم غير مُكثر
واطرح عليه بصلًا مدورا وكرنبًا رطبًا جنيًا أخضرًا
وألقِ السذاب بعده موفرًا ودار صيني وكف كزبرًا
وبعده شيء من القرنفل وزنجبيل صالح وفلفل
وكف كمُّون وشيء من مري وملء كفين بملح تدمر
فدُقَّه يا سيدي شديدًا ثم أوقد النار له وقودًا
واجعله في القدر وصُب الماء من فوقه واجعل له غطاء
حتى إذا الماء فنى وقلا ونشفته النار عنه كلا
فلُفَّه إن شئت في رقاق ثم أحكم الأطراف بالإلزاق
أو شئتَ خذ جزءًا من العجين معتدل التفريك مستلين
فابسطه بالسويق مستديرًا ثم اطفرن أطرافه تطفيرًا
وصُبَّ في الطابق زيتًا طيبًا ثم اقلُهُ بالزيت قليًا عجبًا
وضعه في جام له لطيف ووسطه من خردل حريف
[ ٣١ ]
وكله أكلًا طيبًا بخردل فهو ألذ المأكل المعجل (١)
وإليك صورة من القصيدة، من طبعة المستشرق:
والعجبُ أني لم أجد هذه القصيدة في مصدر آخر، لا في ترجمة إسحاق - في المراجع التالية، خاصةً «الأغاني» لأبي الفرج فقد أطال جدًا في ترجمته، وكذا «تاريخ دمشق» - ولا في مَن نقل عن المسعودي، رغم ظرافة هذه القصيدة، وقِدَمِها، وعجبتُ أن الثعالبي لم يذكرها، ولم يذكر شيئًا عنها، سوى بيت كشاجم، مع أنه ذكر عددًا من المنقولات في الأطعمة - والله أعلم ـ. (٢)
وإسحاق بن إبراهيم هو:
_________________
(١) «مروج الذهب» للمسعودي تحقيق: شارل، ط. الجامعة اللبنانية (٥/ ٢٥٣)، وفي تحقيق: محي الدين عبدالحميد (٤/ ٣٦٥). وقد أشار لها د. رجب بن عبدالجواد إبراهيم في كتابه «ألفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري - دراسة في ضوء مروج الذهب للمسعودي ـ» (ص ٣٢٢).
(٢) في عدد من كتبه، منها: «أحسن المحاسن» كما في (ص ٣١٢) وما بعدها. خاصة من (ص ٣٣٢).
[ ٣٢ ]
إسحاق بن إبراهيم بن ماهان، ويقال: ميمون، أبو محمد، ويقال: أبو صفوان التميمي، المعروف والدُه بالموصلي.
صاحب الغناء، وقد نادم جماعة من الخلفاء، وكان محببًا إليهم. وكان ابن الأعرابي يصفه بالصدق والحفظ. وقال إبراهيم الحربي: كان ثقة عالمًا.
وقال الخطيب البغدادي: (كان حسن المعرفة حلو النادرة جيد الشعر، مذكورًا بالسخاء، معظمًا عند الخلفاء).
قال ابن حجر في «لسان الميزان»: (وموضعه من العلم ومكانه من الأدب ومحله من الرواية وتقدمه في الشعر ومنزلته في المجالس أشهر من أن يدل عليها. وأما الغناء فكان أصغر علومه حتى كان المأمون مع معرفته وعلمه يقول: لولا ما سبق لإسحاق وشُهر به عند الناس من الغناء؛ لولَّيته القضاء بحضرتي، لأنه أعف وأصدق وأكثر دينًا وأمانة من كثير من القضاة).
(ت ٢٣٥ هـ) - ﵀ -. (١)
_________________
(١) انظر في ترجمته: «تاريخ الطبري» (٩/ ١٢٢ - ١٢٣)، «الأغاني» للأصفهاني (٥/ ٢٦٨ إلى ٤٣٥)، «تاريخ بغداد» للخطيب (٧/ ٣٥٤)، «طبقات الشعراء» لابن المعتز (٣٦٠ - ٣٦٢)، «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٨/ ١٤٢)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (١/ ٢٠٢ - ٢٠٥)، «الوافي بالوفيات» للصفدي (٨/ ٣٨٨ - ٣٩٣)، «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي (٢/ ٢٦٠ - ٢٨٠)، «معجم الأدباء» لياقوت (٢/ ٥٩٤)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١١/ ١١٨)، «تاريخ الإسلام» للذهبي (٥/ ٧٨٩)، «البداية والنهاية» لابن كثير ــ ط. التركي - (١٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، «نزهة الألباء» (١١٦)، «إنباه الرواة» (١/ ٢١٥)، «لسان الميزان» لابن حجر (٢/ ٣٨)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ٨٢). أُفردت ترجمته في كتابين: الأول: لمحمود بن أحمد الحفي ضمن «سلسلة أعلام العرب». والثاني بعنوان: «إسحاق بن إبراهيم الموصلي عالم الموسيقى والغناء في العصر العباسي» أ. د. خلف رشيد نعمان، ط. الدار العربية للموسوعات، ولم أجد فيهما القصيدة.
[ ٣٣ ]
طريقة عمل السمبوسة (نثرًا)
قال مؤلِّف «كنز الفوائد في تنويع الموائد»:
[صفة السنبوسك الحلو:
تحتاج إلى سكر، وقطر، أو عسل نحل، وماء ورد، وبندق، وشيرج، ورقاق الكنافة، فتَدقَّ السكر، وتحمِّصَ البندقة، وتدقَّه خشنًا، وتعجن بالقطر مع السكر المدقوق وماء الورد، ويُعمل فيه أو يعجن بالعسل النحل.
وتقطَّع ورق الكنافة عرض أربع أصابع، ويُعمَل عليه قليل من الحشو بقدر ماتريد، وتلف إلى آخرها على الحشو، ويلبَّس بقليل عجين، ويُقلى بالشيرج، ويُعمَل في الصحون، وترش عليه السكر والبندق المحمَّص، ويُقدَّم.
صفة السنبوسك الحامض:
يؤخذ من اللحم المدقوق ما يُختار، فيُلقى في القدر، ويوضع منه مرقة، وقليل المصطكاء، وحوائج بقل، وشيرج، وخلّ، وفلفل، وبندق، أو لوز، ورقاق بناع الكنافة، فتَدُقَّ جميعَ اللحم ناعمًا، ويُقرَّص قرصة واحدة بقدر الرغيف أو دونه على قدر اللحم، ويُسلَق، ثم يقلَب في الطاجن، ويُقطَف ريمه إلى حيث يستوي، فيُشال ويدقّ طريقًا أخرى ناعمًا، وتُخرَج عروق اللحم، وتُعلَّق الطاجن على النار، وتُعمل فيه الشيرج.
وتقلي اللحم المدقوق فيه حتَّى يُحمَّر ثاني مرَّة، ويسكب الخل في الطاجن، وتخرّط
[ ٣٤ ]
عليه حوائج البقل، ويُقلَب حتى يذبل، ويسمط اللوز خشنًا، والبندق يحمَّص ويدق كذلك، ويلقى عليه، ويُدق الفلفل ويُعمَل عليه. ولا تزال تغلي عليه حتى ينشف جميع الخل الذي عليه، فتقطع الرقاق عرض أربع أصابع، وينزل على النار بالحوائج، ويبرَّد.
ويؤخذ منه على قدر ما يحتاج، فتعمل منه في كل ورقة، وتلفَّ إلى آخرها، وتلبس بقليل عجين، ويقلى بالشيرج، ويقطع عليه حوائج البقل الأخضر، ويُعمل في الأوعية، ويُعمَل السنبوسك، وترشَّ عليه ياسمين]. انتهى. (١)
وفي كتاب «الطبيخ في المغرب والأندلس» لمؤلف مجهول (٢) بيان أن السنبوسك في «المغرب والأندلس» نوعان: سنبوسك الملوك، وسنبوسك العامة، والثانية: ثلاثة أنواع. وللأندلسييين طريقة أخرى في عملها وقد ذكر وصفها.
تحذير صحي: أُخلي مسؤليتي عن هذه الوصفة في كتاب «كنز الفوائد»، فإنها طلاسم مخيفة، الضرب فيها كثير، والأسماء غريبة، كغرابة أسماء محققيها ودار نشر الكتاب! !
ومن يعمل هذه الوصفة، فإن مآله نزلة معوية، ومشاكل صحية باطنية وظاهرية.
_________________
(١) «كنز الفوائد في تنويع الموائد» (ص ٤٩ - ٥٠) وهو من كتب التراث لمؤلِّفٍ مجهول، تحقيق: مانويلا ماريف وديفيد واينز. ط. دار النشر فرانتس شتيز شتوتكارت، بيروت ١٤١٣ هـ، ط. الأولى ١٩٩٣ م، إشراف المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، طبع في المطبعة الكاثوليكية. الكتاب (٤١٥ صفحة بالفهارس)، وفيه: (٢٣) بابًا.
(٢) (ص ١١٧ و٢١٣) حققه ونشره: أمبروزيو أويثى ميراندا، ط. صحيفة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، المجلدان التاسع والعاشر ١٩٦١ - ١٩٦٢ م. أفاده د. رجب بن عبدالجواد إبراهيم في كتابه: «ألفاظ المأكل والمشرب في العربية الأندلسية - دراسة في نفح الطيب للمقري» (ص ٤٠ - ٤١).
[ ٣٥ ]
ما كتبتُه لك إلا لتقرأه وتعلَمَ كيف تعاني النساء الأوَل أو الرجال الأوَل في إعداد الطعام، وتسأل الله العافية.
هل تراني الآن انسللَتُ منها ليَ لا عليَّ؟
قال ابن رزين التجيبي الأندلسي (١) (زمَنُ تأليف كتابه قبل منتصف القرن ٧ هـ) - ﵀ -: (عمل السنبوسك: يؤخذ قدر الكفاية من السكر، ويُحلَّ بماء الورد، ويُضاف إليه لوز مدروس كالعجين، ويُحك برفق على نار ليِّنة، حتى يلتفَّ ويصير مثل حشو القاهرية (٢) ثم يُترك على النار، ويضاف إليه لوز مقشور مهشَّم، وسنبل، وقرنفل، ويسير مصطكى، وزنجبيل، بعدما تحل هذه العقاقير مسحوقة في ماء ورد قد حلَّ فيه قليل كافور ومسك.
ويُعجَن الجميع حتى يمتزج ويلتحم، ويُعمَل منه أقراص غليظة كروية الشكل، على قدر الكف، وهذا هو السنبوسك حقيقة، والذي يصنعه أهل افريقية محشوًا باللحم، فليس بمستحسن، ولا مستطاب) ا. هـ. (٣)
وكلامه - ﵀ - منكر غريب! ! [[ابتسامة]]؛ لأمور:
١. أن «السنبوسك» شرقية، فارسية ثم عربية، فأنَّى لأندلسي الحكم فيها.
_________________
(١) اسمه: أبو الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم محمد بن بن أبي بكر بن رزين التجيبي الأندلسي، فقيه، أديب، كاتب.
(٢) ذكر المؤلف طريقة عمل القاهرية (ص ٢٤٨).
(٣) «فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان» لابن رزين التجيبي (ص ٢٥١).
[ ٣٦ ]
٢. وهي مثلثة محشوة باللحم بإجماع! ! ومن معاني السمبوسة: المثلَّث، وقول المؤلف بأنها: قرص غليظ، وكروية الشكل، وبقدر الكف، غير محشوة باللحم، وجَزْمُهُ بأن هذه هي السنبوسك الحقيقية، قول غير صحيح البتة، ووصفه المذكور يطابق قرص خبز، لا قطعة صغيرة محشوة! ! وقريب من وصفه ما يسمى بيتزا بالخضار! !
٣. قوله بأن السنبوسك الأفريقية باللحم غير مستحسنة، غير صحيح، لأن أصلها شرقية محشوة باللحم، وقيمتها الحقيقة باللحم، وعدم الاستحسان والاستطابة إنما هي من المؤلِّف فقط - رأيٌّ شخصي - مخالف لإجماع الأمة! ! فالناس كلهم! قد تلذذوا بها واستحسنوها شكلًا ومضمونًا [[ابتسامة]].
قال محمد بن الحسن بن محمد بن علي الكاتب البغدادي (ت ٦٣٧ هـ) - ﵀ -: (وأما السنبوسج فهو أن يؤخذ اللحم الموصوف في عمل المقلوبة (١)، ويقطع الخبز الرقيق المتخذ لذلك، ويحشى باللحم المذكور بعد أن يقطع سيورًا، ويُعمل مثلثًا ثم يلصق بيسير عجين، ويقلى في الشيرج، ثم يرفع.
وأما الذي يسمى المكلل فهو أن يحشى عوض اللحم بالسكر واللوز المدقوق ناعمًا المعجمون بماء الورد، وإما بالحلواء الصابونية (٢)، ويقلى بالشيرج.
_________________
(١) ذكرها المؤلف قبل السمبوسة مباشرة (ص ١١٤) وهو اللحم الأحمر يشرَّح ثم يدق بالساطور ويحول إلى الهاون فيدق ناعمًا مهما أمكن إلخ
(٢) تكلم عليها المؤلف في باب الحلاوات (ص ١٤٦)
[ ٣٧ ]
وفي الناس من يخرجه من الشيرج، يجعله في الجلاب ثم يرفعه منه ويتركه في السكر المدقوق ناعمًا المطيب بالمسك والكافور لمن أراده). (١)
قال ابن الحشَّاء (ت ٦٤٧ هـ) - ﵀ -: (السنبوسك: عجين يُحشى بسكَّر ولوز مدقوقين، أو سكر وفستق، ويثنى طرفاه كالقرطاس، ويُقلى في الدهن، وربما حُشي بلحم مدقوق مع أفاويه، ويسمى سنبوسك اللحم، وهو صنف معروف عندنا بالمغرب، ويُسمُّونه الفرتلَّات، وأكثر ما يحشونه بلحم الكبد). انتهى. (٢)
قال ابن العديم (ت ٦٦٠ هـ) - ﵀ -: (السنبوسك وهو أربعة أنواع:
١. يؤخذ لحم الأفخاذ والتقاوير، يدق على قرمية بساطور، ويلصق إلى أن ينضج، ثم يصفى عنه الماء، ويدق في الهاون إلى أن ينعم، ثم يجعل في دست، ويقلب عليه دهن ألية، وكزبرة يابسة، ودار صيني، ومصطكا، وفلفل، ويُحمَّص، فإذا تحمَّص يجعل عليه بقدونس مخروط جزءان، ونعنع جزء، وسذاب نصف جزء، ويغلى غلية، ثم
_________________
(١) «الطبيخ» (ص ١١٤ - ١١٥) تحقيق د. قاسم السامرائي، ط. الوراق للنشر في بيروت ٢٠١٤. فائدة: ذكر المحقق أن الكتاب طبع قديمًا عام (١٣٥٣ هـ) في الموصل بتحقيق داوود الجلبي الموصلي، ولم ينتشر لقلة نسخه المطبوعة، ثم طبعها عن نشرة الجلبي: فخر البارودي عام ١٩٦٤ م، وذكر السامرائي أن الجلبي أدخل في النص ماليس منه من كتاب منهاج البيان للطبيب ابن جزلة
(٢) «مفيد العلوم ومبيد الهموم» المشهور بمعجم المنصوري (ص ٩٣)، وقد أورده كاملًا د. محمد زكور في نهاية تحقيقه لكتاب «المنصوري» للرازي (ص ٨١٨)، ومنه نقلت النص أعلاه.
[ ٣٨ ]
يقلب عليه ماء ليمون، وخل، ويغلى إلى أن ينقص الخل وماء الليمون، وبعد ذلك يحشى في رقاق السنبوسك على العادة، فإنه أجود ما عُمِل.
٢. نوع آخر: يزاد في هذا الحشو: سماق، وقلب جوز، وفستق.
٣. نوع آخر: تؤخذ حلوى قطع، تحشى في رقاق السنبوسك عوض اللحم، ويقلى، فإنه مليح لتشهير الطعام.
٤. نوع آخر: لباب خبز يصبغ بزعفران، ويقلب عليه سكر مدقوق، وعسل نحل، وشيرج، ويعمل مثل الأسيوطية (١)، فإذا استوى يعمل فيه خشخاش، وقلب فستق، ويُحشى به السنبوسك أيضًا، فإنه غاية).
ثم ذكر في موضع آخر نسخة سنبوسك تسمى فضيل وذكر وصفها وطريقتها. (٢)
وذكر المحققتان (٢/ ٨٢٧) تعريفًا وشرحًا لما ورد في الكتاب: (سنبوسك، سنبوسق.
معرب سنبُوسَه، فارسية، وباليونانية بزماورد، ويقال له أيضًا: سنبوسج: عجين بالسمن أو الشيرج، يرق ويحشى بلحم ناعم القطع، مطيبًا بالأفاوية والأبزار والبصل، يطوى، ثم يقلى، أو يخبز). (٣)
_________________
(١) تكلم عليها المؤلف في (٢/ ٦٣٨).
(٢) «الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب» لابن العديم (٢/ ٥٥٣ و٧٥٤) تحقيق: سليمى محجوب، ودرية الخطيب، ط. معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب ١٤٠٨ هـ.
(٣) المصدر السابق (٢/ ٨٢٧).
[ ٣٩ ]
قال خضر بن علي الآيديني (ت ٨١٦ هـ تقريبًا) - ﵀ -: (السنبوسق: أجودُه المحمَّض بمياه الفواكه، أو بالخل.
وهو: حارٌّ، غليظٌ، طويلُ الوقوفِ في المعدة، مُعطِّش، يُبخِّر إلى الرأس، ينفع أصحاب الكدِّ والرياضة القويَّة، والهضوم الجيِّدة، وإذا انهضَم غذَّى كثيرًا، وخبزُهُ لايكاد ينهضم.
وصنعته: أن يُعمَلَ مُدَقَّقُه، وتُحمَّض، ويُحشَّى به رِقاق السنبوسق، ويُقلى في الدهن). (١)
جاء في كتاب «قاموس الصناعات الشامية» (٢): (سنبوسكاني: هو البغاجاتي - المتقدم في حرف الباء - بمعنى واحد في اصطلاح أهل الشام يطلق اللفظ من حيث المعنى على بائع «السنبوسك»، وهو كما في التذكرة:
«عجين يُحكم عجنه بالأدهان كالسمن، ويُحشى بلحم قد نُعِّمَتْ قِطَعُه، وفُوِّه، وبُزِّر، ويُطوى عليه، ويقلى في الدهن، أو يخبز».
وقد يقال للمعمول بهذا في اصطلاح أهل الشام «بريكات».
وتارة يعمل به إلا أنه يُحشى باللوز والفستق مع السكر، وقد تقم في حرف الباء أن هذه الحرفة كثيرة الوجود بدمشق جدًا، ويتعيش بها أمم كثيرة، وهي رائجة في
_________________
(١) «شفاء الأسقام ودواء الآلام» للآيديني - تحقيق د. فاتن إبراهيم - (ص ٢٦٤).
(٢) الكتاب لمحمد القاسمي (ت ١٣١٧ هـ)، وأتمه ابنُه: جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢ هـ) بمساعدة خليل العظم (ت ١٣٤٢ هـ)، ثم نشره: ظافر بن جمال القاسمي.
[ ٤٠ ]
بلدتنا، لتبذير أهلها، والله المسهل).
وقال قبل ذلك في (ص ٤٥): [بغاجاتي: وهو السنبوسكاني - الآتي ذكره في حرف السين ـ، وهو من يصنع الرقاق من العجين الأبيض، من خالص ناعم الطحين، ويجعل كالورق في رقته، ثم يمده مدورًا على مقدار الصينية - بواسطة آلة تسمى النشابة، وهي عصا من خشب بطول ذراع ونصف ـ، ويضعه فيها طبقًا فوق طبق
ثم ذكر المؤلف الطريقة لهذا العجين، وما يوضع فيه وبحسبه يُسمى نمورة، أو بقلاوة، والبغاجا، والفطائر التي تسمى (كُلْ واشْكُرْ)، والكنافة، والغُرَيبة. (١)
* * * *
_________________
(١) «قاموس الصناعات الشامية» (١/ ٤٥ و١٨٦)، دلني على هذه الفائدة في كتاب الصناعات الشامية، الأستاذ البحاثة: أبو عبدالرحمن، وئام بن بدر السوري - جزاه الله خيرًا - ١٢/ شوال/ ١٤٣٩ هـ.
[ ٤١ ]
السمبوسة في الشعر
قال أبو منصور الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) - ﵀ -: وأحسن وأظرف ما سمعتُ في وصف أطعمة شتى قول كُشاجم (١)، وكتب بها إلى صديق له يستدعيه:
متى تنشط للأكل * فقد زُخرِفَت الجُونَة
وقد زيَّنها الطاهي * لنا أحسن تزيينة
إلى أن قال:
وفرُّوج وطَهْيُوجٍ * قصَدْنا لك تطجينَه
وسنبوسكَةٍ مقلوْ * وَةٍ في إِثْرِ طَرْذِيْنَهْ
إلى أن قال:
يولِّدْنَ لذي التخمـ * ـة جوعًا ويُشَهِّينَه.
وهي في خمس وعشرين بيتًا. (٢)
قال شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي (ت ١٠٦٩ هـ) - ﵀ -: (كقوله - أي كشاجم - في استدعاء صديق له:
وسنـبوسجـة مقلوْ * وَة في إِثر طَرْزينَه
وعندي لك دستجة * مطبوخ وقنينه
_________________
(١) هو: محمود بن الحسين (ت ٣٦٠ هـ)، وأبيات في «ديوانه» ــ تحقيق د. النبوي شعلان ــ بتقديم وتأخير (ص ٤٠١ - ٤٠٢).
(٢) «أحسن المحاسن» (ص ٣٤٠)، والقصيدة في «ديوان كشاجم» تحقيق د. النبوي شعلان (ص ٤٠١).
[ ٤٢ ]
وطيهوج وفرُّوج * أجدنا لك تطجينه
فما عذرك أن لا * ترى في سكره طينه.
«سنبوسجة»: رقائق يُحشَى، وأهلُ مصر يقولون له: سنبوسك.
وطرزينه: اسم طعام معرَّب أيضًا.
وطيهوج كديجور، ودستجة معرَّب دستي، وهو: الجرَّة الصغيرة.
وقوله: في سكر طينه. من أمثال المولَّدِين، يقال: سكران طينه، بمعنى: لا يتماسك). (١)
من قصائد السراج الورَّاق (ت ٦٩٥ هـ) - ﵀ -:
ما أنصف الصَّحنَين منِّي واصِفٌ * عجلت بديهة فكرة المتوالي
لم يهد ملك الصِّين أحسنَ منهما * أخوين كالقمَرين عند كمال
أرز تجاوره هريسة فستق * كالخدِّ حفَّ بعارِض سبال
ويروقني مع ذا وذا سنبوسج * حُلو الضمير مرقَّق السِّربال
عجبًا له كلُّ الأنام تحبُّه * وله من الأقوام شخصٌ قالِ (٢)
_________________
(١) «شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدَّخِيل» - ط. الوهيية ١٢٨٢ هـ - (ص ٤٧).
(٢) ذكرها ابن فضل الله العُمَري (ت ٧٤٩ هـ) في «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» - ط. أبو ظبي - (١٩/ ٢٢٣). انتقى ابنُ فضل الله من ديوان السراج مقطوعات وقصائد، وأطول قصيدة اختارها قصيدة في رثاء حمار. قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٥/ ٨١٢): (السراج الوراق، المصري الأديب المشهور، رفيق أبي الحسين الجزار. مات بمصر في جمادى الأولى، اسمه عمر بن محمد بن حسن، وشعره سائر، عاش ثمانين سنة، مدح أكابر). وله ترجمة في: «فوات الوفيات» للكتب (٣/ ١٤٠)، وانظر: «الأعلام» للزركلي (٥/ ٦٣).
[ ٤٣ ]
السمبوسة في «الهند» في القرن ٨ هـ
ذكر ابن بطوطة (ت ٧٧٩ هـ) - ﵀ - (١) في «رحلته» أثناء حديثه عن «الهند»: (ثم يجعلون شيئًا يسمونه سموسك (٢)، وهو لحم مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير، موضوع في جوف رقاقة مَقلوَّة بالسَّمِن، يضعون أمام كل إنسان خمس قطع من ذلك أو أربعًا ..). (٣)
وقال في موضع آخر: (ذكر عادتهم في إطعام الناس في الولائم.
وعادتُهم ببلاد الهند وببلاد السَّرا أنَّه إذا فُرغ من أكل الطعام في الوليمة جعل أمام كلِّ إنسان من الشرفاء والفقهاء والمشايخ والقضاة وعاءٌ شِبْهُ المهْدِ، له أربعُ قوائم، مَنْسوجٌ سطحُه من الخوض، وجعل عليه الرقاق ورأس غنم مشويٍّ، وأربعة أقراص معجونة بالسمن، مملوَّة بالحلواء الصابونية، مغطاة بأربع قطع من الحلواء كأنها الآجر، وطبقًا صغيرًا مصنوعًا من الجلد فيه الحلواء والسموسك، ويُغطَّى ذلك الوعاء
_________________
(١) اسمه: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي، أبو عبد الله الطنجي.
(٢) علَّق محقق الرحلة: عبدالهادي التازي المغربي بقوله: من أصل فارسي: (Sanbusa) وهي على شكل مثلَّث، على نحو ما نُسمِّيه في المغرب «البريوات» جمع «بريوة»، تصغير براءة: الرسالة الصغيرة، أطلق عليها تشبيهًا؛ لأنها تُطوَى على وافي داخلها من لوز ونحوه).
(٣) «رحلة ابن بطوطة» (٣/ ٩١). المسماة بِـ «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» تحقيق: عبدالهادي التازي - ط. أكاديمية المملكة المغربية - في خمس مجلدات.
[ ٤٤ ]
بثوب قطن جديد، ومَن كان دون مَن ذكرناه جُعِل أمامَه نصفُ رأسِ غنم، ويُسمُّونه الزلَّة، ومقدار النصف مما ذكرناه.
ومن كان دون هؤلاء أيضًا جُعل أمامه مثل الربع من ذلك، ويرفع رجال كلِّ أحدٍ ما جُعل أمامه.
وأول ما رأيتهم يصنعون هذا بمدينة السرا، حضرة السلطان أوزبك، فامتنعتُ أن يرفع رجالي ذلك إذْ لم يكن لي به عهد!
وكذلك يبعثون أيضًا لدار كبراء الناس من طعام الولائم). (١)
استفدتُ هذين النصين في «رحلة ابن بطوطة» من د. عبدالعزيز بن حميد الحميد ــ الأستاذ في كلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض - في كتابه النافع المفيد: «ابن بطوطة وجهوده اللغوية والجغرافية - ألفاظ الأطعمة والأشربة أنموذجًا ـ». (٢)
وقد نقل د. الحميد من: الألفاظ الفارسية المعرَّبة، ومن التجيبي، والمحبِّي، ودوزي، والتوبخي. وأفادَ أنَّ د. عادل خلَف ذكر أنَّ السموسك هندية فارسية. (٣)
وذكر د. الحميد في (ص ٤٠) في جدول إحصائي بالأطعمة المذكورة في «رحلة ابن بطوطة»، فذكر أن «السموسك» طعام، البلد: الهند، اللغة: الهندية أو الفارسية.
وأقول: إنَّ ذِكرَ ابن بطوطة (ت ٧٧٩ هـ) لهذه الأكلة في «الهند» لايدل على أنها هندية، فقد ذُكرت قبل ابن بطوطة بعدة قرون، وظاهر الاسم المختوم بالكاف
_________________
(١) «رحلة ابن بطوطة» (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٢) (ص ٥٦). والكتاب حاز على جائزة ابن بطوطة للدراسات ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩ م.
(٣) «معجم ألفاظ ابن بطوطة» د. عادل خلف (ص ٧١).
[ ٤٥ ]
«سنبوسك» يدل على أن اللفظة فارسية، ولعل نطق الهنود لها بتحريف وتخفيف «سمُّوسك» وربما هي بتشديد الميم - والله أعلم ـ.
السمبوسة في «الأندلس»
قال أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت ١٠٤١ هـ) - ﵀ - في الباب السادس: الوافدون على الأندلس من أهل المشرق، في ترجمة: رئيس المغنين: أبي الحسن علي بن نافع، الملقَّب بِـ «زرياب» مولى المهدي العباسي (ت ٢٣٨ هـ):
( ومما اخترعوه من الطبيخ اللون المسمَّى عندهم بالتفايا (١)، وهو مصطنع بماء الكزبرة الرطبة محلى بالسنبوسق والكباب، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب). (٢)
_________________
(١) قال إحسان عباس في تحقيقه لِـ «نفح الطيب»: (التفايا: عددها صاحب «كتاب الطبيخ» من بسائط الأطعمة، وهي أنواع منها: التفايا البيضاء: وتُحضَّر من لحم الضأن الفتي السمين في قطع صغار، ويُضاف إليها ملح وفلفل وكزبرة يابسة ويسير من ماء بصلة مدقوقة، ومغرفة من الزيت العذب، وماء، وتجعل على نار لينة وتحرك، ويجعل فيها بندق ولوز مقشر مقسوم، فإذا أردتها خضراء أضفتَ إليها ماء الكزبرة الرطبة. ومنها: تفايا مبيضة، وأخرى: مقلية، وأنواعٌ منها مشرقية. «كتاب الطبيخ ٨٥ - ٨٨، ١١٨ - ١١٩»).
(٢) «نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب» تحقيق: إحسان عباس (٣/ ١٢٧ - ١٢٨) في الباب السادس: الوافدون على الأندلس من أهل المشرق. وانظر: «ألفاظ المأكل والمشرب في العربية الأندلسية - دراسة في نفح الطيب للمقري» د. رجب بن عبدالجواد إبراهيم (ص ٤٠ - ٤١).
[ ٤٦ ]
عُلِمَ من هذا أن «السنبوسق» في الأندلس وردت عليهم من المشرق.
وسبق ذكرُ قول ابن رزين التجيبي الأندلسي (ت القرن ٧ هـ).
لُقِّبَت السمبوسة بِ «جامع سفيان الثوري» في الحديث والأثر والفقه
الإمام سفيان بن سعيد الثوري الكوفي (٩٧ هـ - ١٦١ هـ) - ﵀ - إمام في العلم والعمل والزهد والورع، ألَّف كتابًا جامعًا سُمِّي «جامع سفيان الثوري الكبير» في الفقه والحديث، وهو من أوائل ما صُنِّف في الحديث مرتبًا على الأبواب.
ذكر أبو داوود في رسالته إلى أهل مكة بأن جامع سفيان من أحسن ما وضع الناس من الجوامع.
بلغ الجامع شهرة لم تبلغه كثير من المصنفات.
وللإمام سفيان ثلاثة جوامع: الكبير
_________________
(١) وهو الذي يُضرب به المثل . والجامع الوسط، والصغير. انظر: «جامع سفيان الثوري - منزلته، معالمه، رواياته» لرياض بن حسين عبداللطيف البغدادي (غلاف ٨٢ صفحة) ط. الدار الأثرية في عمَّان، ط. الأولى (١٤٣١ هـ). * * * *
[ ٤٧ ]
لَقَّبَ الطفيليون (١) «السمبوسة» ب «جامع سفيان»، كما لقبوا كثيرًا من الأطعمة:
أصل المثَل:
قال الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) - ﵀ -: (جامع سفيان، يُضرب المثل بجامع سفيان
_________________
(١) الطُفيلي: الذي يدخل وليمةً لم يُدعَ إليها، وقد تطفَّل. قال الأصمعي: الطفيلي: الداخل على القوم من غير أن يدعي، مأخوذ من الطَّفَل: وهو إقبال الليل على النهار بظلمته. وأرادوا أن أمره يظلم على القوم، فلا يدرون من دعاه، ولا كيف دخل إليهم. قال يعقوب: هو منسوب إلى طفيل: رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان، وكان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها، فكان يقال له، طفيل الأعراس، وطفيل العرائس. وكان يقول: «وددت أن الكوفة بركة مصهرجة فلا يخفى عليَّ منها شيء». والعرب تسمِّى الطفيلي: الوارش. وله أسماء أخر، حكى ابن بري عن ابن خالويه: الطفيلي، والوارش، والواغل، والارشم، والزلال، والقسقاس، والدامر، والدامق، والزامج، واللعمظ، واللعموظ، والمكزم. انظر: «الصحاح» للجوهري (٥/ ١٧٥٢)، «تاج العروس» (٢٩/ ٣٧٥)، وقد جمع العلامة: محمد المكي حسين أسماءَ الطفيلي في كتابه «أسماء لغوية» (ص ٢٢٨ - ٢٣٤). وللخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) كتاب مطبوع، وعنوانه «التطفيل وحكايات الطفيليين، وأخبارهم، ونوادر كلامهم، وأشعارهم» ــ تحقيق د. عبدالله عسيلان - (غلاف ٢٤٠ صفحة).
[ ٤٨ ]
الثوري في «الفقه» للشي الجامع كلَّ شئ، كما يُضرب المثل بسفينة نوح.
وعهدي بأبي بكر الخوارزمي إذا رأى رجلًا جامعًا أو كتابًا، قال: ما هوَ إلا سفينة نوح، وجامع سفيان، ومخلط خراسان.
وقال أبو عبدالله بن الحجاج:
بالله قولوا لي ولا تغضبوا * لستُ من الحق بغضبان
فقرٌ وذلٌّ وخمول معًا * أحسنتَ يا جامعَ سفيان. (١)
وانظر في تلقيب «السمبوسة» بِـ «جامع سفيان» (٢)
* * * *
_________________
(١) «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» للثعالبي (١/ ٢٩١) رقم (٢٤٤)، وانظر فيه أيضًا: (١/ ٩٩) رقم (٤٣)، و(١/ ٣٢٤). ونقل ما سبقَ المحِبيُّ (ت ١١١١ هـ) - ﵀ - في كتابه «ما يُعوَّل عليه في المضاف والمضاف إليه» (٢/ ٦٥٠) رقم (٣٥٢١).
(٢) «نثر الدر» للآبي (ت ٤٢١ هـ) (٢/ ١٨٧)، «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢ هـ) (٩/ ١٣٢)، «جامع سفيان الثوري - منزلته، معالمه، رواياته ـ» لرياض بن حسين عبداللطيف البغدادي (ص ٣١ - ٣٤).
[ ٤٩ ]
السمبوسة في كتب الفقه
ذكرها الحنابلة في باب الربا، والشافعية في: البيع، وفي الأيمان، والحنفية في باب الأيمان.
الحنابلة:
قال الموفَّق ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) - ﵀ - في باب الربا والصرف:
(في بيع الحنطة وفروعها، وفروعها نوعان: أحدهما: ماليس فيه غيره كالدقيق والسويق، والثاني: مافيه غيره كالخبز والهريسة والفالوذج والنَّشاء، وأشباهها، ولايجوز بيع الحنطة بشئ من فروعها، وهي ثلاثة أقسام
ثم تحدث عن مسألة بيع بعض فروعها ببعض
ثم قال:
فصل: فأما مافيه غيره، كالخبز، وغيره، فهو نوعان: أحدهما: أن يكون مافيه من غيره غير مقصود في نفسه، إنما جُعِل فيه لمصلحته، كالخبز والنَّشَاء، فيجوز بيع كل واحد منهما بنوعه، إذا تساويا في النشافة والرطوبة، ويعتبر التساوي في الوزن، لأنه يقدَّر به في العادة، ولا يمكن كيله
إلى أن قال: ولا يجوز بيع الرَّطْبِ باليابس؛ لانفرادِ أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فأشبهَ الرُّطَبَ بالتمر.
ولا يمنع زيادةُ أخذِ النار من أحدهما أكثر من الآخر حالَ رطوبتهما إذا لم يَكْثُرْ؛
[ ٥٠ ]
لأن ذلك يسير، ولا يمكِنُ التحرُّزُ منه، أشبَهَ بيعَ الحدِيثة بالعتيقة. ولا يلزم ما فيه من الملح والماء؛ لأن ذلك ليس بمقصودٍ فيه، ويراد لمصلحته، فهو كالملحِ في الشَّيْرَج.
وإنْ يَبِسَ الخُبْزُ، فَدُقَّ، وجُعِلَ فَتِيتًَا، بِيعَ بمثله كَيلًا؛ لأنه أمكنَ كَيْلُهُ، فرُدَّ إلى أصلِه.
وقال ابن عقيل: فيه وجْهٌ آخر، أنه يباع بالوزن؛ لأنَّه انتقل إليه.
النوع الثاني، ما فيه غيرُه مما هو مقصود، كالهريسة، والخَزِيْرَةِ، والفالوذج، وخُبْزِ الأبَازير، والخُشْكَنَانِجْ، والسنبوسك، ونحوه، فلا يجوز بيع بعضه ببعض، ولا بيعُ نوعٍ بنوعٍ آخر؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يشتمل على ما ليس من جنسه، وهو مقصود، كاللحم في الهريسة، والعسل في الفالوذج والماء، والدهن في الخزيرة. ويكثر التفاوت في ذلك، فلا يتحقق التماثل فيه.
وإذا لم يمكن التماثل في النوع الواحد، ففي النوعين أولى). (١)
جاء في «الإقناع» للحجاوي (ت ٩٦٨ هـ) - ﵀ - مع شرحه «كشاف القِناع عن الإقناع» للبهوتي (ت ١٠٥١ هـ) - ﵀ - في أبواب الربا والصرف: [[(ولا) يصح بيع (دقيق حَبِّ) كبُرٍّ (بسويقه) لأن النار قد أخذت من السويق، فهو كبيع الحنطة المقلية بالنيئة.
(ولا) يصح بيع (خبز، وزَلابية، وهَرِيسة، وفالوذج، ونشأ، ونحوها) كسنبوسك، وحَريرة (بحَبِّهِ) لأن فيها ماءً، فلا يتَأتى العلم بالمماثلة ]
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٨١ - ٨٤)، وانظر: «الشرح الكبير على المقنع» (١٢/ ٥٦).
[ ٥١ ]
وقال: [(فإن كان فيه) أي في المطبوخ (من غيره من فروع الحنطة مما هو مقصود كالهريسة والحريرة والفالوذج وخبز الأبازير فلا يجوز) أي الخبز المضاف إليه الأبازير المقصودة لا اليسيرة التي لا تُقصد كما تقدم (والخُشْكَنَانِك، والسنبوسك، ونحوه) كالكعك، (فلا يجوز بيع بعضه ببعض) كبيع هريسة بهريسة؛ لأنه من مسألة مُدِّ عجوة ودرهم، وتأتي.
(ولا) يصح أيضًا (بيع نوع منه بنوع آخر) كبيع خبز بهَريسة، أو هريسة بحريرة، أو سنبوسكة بخُشْكَنانكة لما تقدم]]. (١)
الشافعية:
في متن «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) - ﵀ -: (والخبز يتناول كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا) بتشديد اللام مع القصر على الأشهر (وذُرة) بمعجمة وهاؤها عوض عن واو أو ياء (وحمص) بكسر ففتح أو كسر وسائر المتخذ من الحبوب
قال الشرواني (ت ١٣٠١ هـ) - ﵀ - في حاشيته: (قول المتن يتناول كل خبز) أي: وإن لم يقتت اختيارا فيما يظهر اهـ. ع. ش. ويتناول الكنافة والسنبوسك المخبوز والبقلاوة؛ لأنها تخبز أولا م ر بخلاف ما إذا قليت أولا فالضابط أن الخبز يتناول كل ما خبز.
_________________
(١) «كشاف القِناع عن الإقناع» للبهوتي - ط. وزارة العدل - (٨/ ١٦ و٢٠). وانظر: «الروض المربع بحاشية ابن قاسم» (٤/ ٥٠٥).
[ ٥٢ ]
وإن قُلي وحدَث له اسم يخصه دون ما قلي أولا فلا يتناول المقلي كالزلابية والقطائف سلطان وقليوبي اهـ. بجيرمي، عبارة الرشيدي: وكذا الكنافة والقطائف المعروفة خبزا وأما السنبوسك فإن خبز فهو خبز، وإن قلي فلا، وإن كان رقاقه مخبوزا؛ لأنه جدد له اسم آخر وكذا الرغيف الأسيوطي؛ لأنه مقلي وإن كان رقاقه مخبوزا أو لا؛ لأنه لا يسمى رغيفا من غير تقييد م ر اهـ. سم على حج ومنه يؤخذ أن ما استمر على اسمه عند الخبز يحنث به، وإن تجدد له اسم غير الموجود عند الخبز لا يحنث به كالسنبوسك المخبوز رقاقه كان عند الخبز يسمى رقاقا فلما قلي صار يسمى سنبوسكا، بخلاف السنبوسك المخبوز على هيئته كذا فهمته من تعاليلهم وأمثلتهم فليراجع اهـ.
ابن قاسم العبادي (ت ٩٩٢ هـ) - ﵀ -: (قوله والخبر يتناول كل خبز إلخ) ينبغي أن السنبوسك خبز إن كان مخبوزا إلا إذا كان مقليا م ر.
ابن قاسم العبادي: (قوله ــ أي الهيتمي ـ: والبقسماط والرقاق خبز)، وكذا الكنافة والقطائف المعروفة وأما السنبوسك، فإن خبز فهو خبز، وإن قلي فلا، وإن كان رقاقه مخبوزا؛ لأنه حدث له اسم آخر، وكذا الرغيف الأسيوطي؛ لأنه مقلي، وإن كان رقاقه مخبوزا أو لا؛ لأنه لا يسمى رغيفا من غير). (١)
ما سبق في أبواب البيع، وجاء ذكرُها في باب الأيمان!
ففي حاشية المغربي الرشيدي (ت ١٠٩٦ هـ) على «نهاية المحتاج» للرملي (ت ١٠٠٤ هـ)
_________________
(١) «تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي» (١٠/ ٣٨ - ٣٩).
[ ٥٣ ]
قال الرشيدي: قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُعْهَدْ بِبَلَدِهِ) بَحَثَ ابْنُ قَاسِمٍ عَدَمَ الْحِنْثِ إذَا أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْخُبْزَ لَا يَتَنَاوَلُهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ وَشَمَلَ مَا ذَكَرَ الْبُقْسُمَاطَ وَالرُّقَاقَ) وَكَذَا الْكُنَافَةُ وَالْقَطَائِفُ الْمَعْرُوفَةُ، وَأَمَّا السَّنْبُوسَكُ فَإِنْ خُبِزَ فَهُوَ خُبْزٌ وَإِنْ قُلِيَ فَلَا، وَإِنْ كَانَ رُقَاقُهُ مَخْبُوزًا لِأَنَّهُ وُجِدَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ، وَكَذَا الرَّغِيفُ الْأَسْيُوطِيُّ لِأَنَّهُ يُقْلَى وَإِنْ كَانَ رُقَاقُهُ مَخْبُوزًا أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَغِيفًا بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ الشَّارِحِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَا اسْتَمَرَّ عَلَى اسْمِهِ عِنْدَ الْخَبْزِ يَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْخَبْزِ لَا يَحْنَثُ بِهِ، كَالسَّنْبُوسَكِ الْمَخْبُوزِ رُقَاقُهُ كَانَ عِنْدَ الْخَبْزِ يُسَمَّى رُقَاقًا فَلَمَّا قُلِيَ صَارَ يُسَمَّى سَنْبُوسَكًا، بِخِلَافِ السَّنْبُوسَكِ الْمَخْبُوزِ عَلَى هَيْئَتِهِ كَذَا فَهِمْته مِنْ تَعَالِيلِهِمْ وَأَمْثِلَتِهِمْ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ خُبِزَ ثُمَّ بُسَّ حَنِثَ بِهِ) اُنْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ دَقَّ الْخُبْزَ وَسَفَّهُ الْآتِي عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ). (١)
الحنفية:
ذُكرت في باب الأيمان.
قال ابن عابدين الدمشقي الحنفي (ت ١٢٥٢ هـ) - ﵀ -: [[«قوله ومنه» أي: من الخبز الرقاق، وينبغي أن يُخصَّ ذلك بالرِّقاق البيساني بمصر، أما الرقاق الذي يُحشى بالسكر واللوز فلا يدخل تحت اسم الخبز في عرفنا كما لا يخفى. بحر.
قلت: وذلك كالذي يعمل منه البقلاوة والسنبوسك. وينبغي أيضًا أن لا يحنث بالكعك والبقسماط؛ لأنه لا يُسمَّى خبزًا في العُرف «قوله لا الفطائر» الذي في الفتح والبحر: القطائف وأما الفطائر فالظاهر أنها كذلك، فهي اسم عندنا لما يُعجن بالسَّمن ويخبز أقراصًا كالخبز، ولا يُسمَّى خبزًا في العرف، وكذا ما يُوضع في الصواني ويُخْبَز
_________________
(١) «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج مع حاشية المغربي الرشيدي» (٨/ ٢٠٠).
[ ٥٤ ]
ويُسمَّى بغاجه فلا يحنث به، وكذا الزلابية]]. (١)
السمبوسة في كتب الحسْبَة
الاحتساب على صانعي السنبوسة:
كان الاحتساب في الزمن السابق على كل شئ، وأما الآن في التنظيمات الجديدة في عدد من الدول فالاحتساب على المطاعم والمتاجر مِن عمل «وزارة التجارة»، و«البلديات»، ونحوهما.
ذكر عبدالرحمن بن نصر الشيزري الشافعي (ت ٥٩٠ هـ تقريبًا) - ﵀ - وصفًا مطولًا في الاحتساب على أصحاب المطاعم، وذكر أنواعًا من الغش التجاري، ومنها: ( منهم من يحشو السنبوسك بلحوم السمك المشوية، والتوابل، ومنهم من يغشها بالباقلا المنبت المقشور، وبياض البصل.
ويعرف جميع ذلك بأن يشق [المحتسب] النقانق قبل قليها، فيظهر ما فيها للعين. وإذا وضعت في المقلاة فلا تكاد تعرف؛ لأنهم ينخسونها بالسفود إذا قاربت النضج، فيسيل ما فيها من الغش، وتنضجه النار، فلا يعرف، ويكون دهنها الذي تقلى به طيب الطعم، والرائحة غير عتيق، ولا متغير، ثم ينثرون عليها بعد قليها الأبازير الطيبة، والتوابل المسحوقة الصالحة لها، والله أعلم). (٢)
ومثله ابن بسام المحتسب (ت منتصف القرن ٥ هـ) - ﵀ - فقد ذكر في الباب الحادي عشر: في الطباخين وغشهم.
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٧٧٦).
(٢) «نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة» (ص ٣٨ - ٣٩).
[ ٥٥ ]
قال - ﵀ -: (وكذلك غش السنبوسك يبين قبل قَلْيه وبعد قَليه، فإنه يُغش بالباقلاء المقشر المنبت، وبيان البصل، فإذا فتحتَه رأيتَه عادمًا اللحم، وهو ما ذكرناه، فاعلم أنه مغشوش، وقد يعمل فيه من لحوم الأسماك المشوية والتوابل). (١)
يُستَكثر في زمننا في عدد من بلدان المسلمين إنكار الناس تبرجَ النساء، واختلاطهن بالرجال، ورفع الأصوات الغنائية فضلًا عن الرقص والتمايل، وغيرها، وقد كان الاحتساب في القرون السالفة شاملًا شؤون الناس كلها، وانظر مثلًا الاحتساب على المتاجر والمطاعم في المصادر التالية في الحاشية. (٢)
* * * *
_________________
(١) «نهاية الرتبة في طلب الحسبة» - تحقيق الفيفي - (ص ١٤٥).
(٢) «رسالة في القضاء والحسبة» لابن عبدون التجيبي (ت ٥٢٧ هـ) (ص ٩٩ وما بعدها)، «تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر» لمحمد بن أحمد العقباني التلمساني (ت ٨٧١ هـ) (ص ٢٧٤ وما بعدها)، «نصاب الاحتساب» لعمر السنامي (ت ق ٧ هـ) (ص ٢٣٠).
[ ٥٦ ]
ممن ذكَر السمبوسة
١. علي بن الحسين بن محمد، أبو الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦ هـ). ذكر أنها قُدِّمت للخليفة المتوكل ــ بُويع له بالخلافة (٢٣٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٤٧ هـ) ــ: فجيء بخروف وسنبوسج، وأشياء قريبة المأخذ من طعام مثله. (١)
٢. قال أبو بكر الرازي (ت ٣١٣ هـ): سنبوسك. (٢)
٣. في ترجمة أبي بكر بن مجاهد المقرئ (ت ٣٢٤ هـ) لفَّات، وسنبوسج. (٣)
٤. ذُكر أنَّ الأمير: علي بن كامة وُضع له سم في «سنبوسق»، ومات (٦/ ١١/ ٣٧٤ هـ). (٤)
٥. المحسن بن علي التنوخي البصري (ت ٣٨٤ هـ): سنبوسج. (٥)
٦. في ترجمة صدقة بن الحسن بن الحسين بن بختيار الحداد (ت ٥٦٣ هـ). سنبوسج (٦)
٧. محمد بن محرز الوهراني المغربي (ت ٥٧٥ هـ). السنبوسك المورد، والدجاج
_________________
(١) «الديارات» لأبي الفرج الأصبهاني (ص) في حديثه عن «دير صليبا».
(٢) «الحاوي في الطب» للرازي - عناية: طعيمي، ط. دار إحياء التراث - (٧/ ٣٧٦).
(٣) كما في ترجمته في «تاريخ بغداد» للخطيب (٦/ ٣٥٣).
(٤) «تاريخ بيهق» لأبي الحسن علي بن زيد البيهقي (ت ٥٦٥ هـ) - ط. دار اقرأ - (ص ٢٦٠).
(٥) «الفرج بعد الشدة» للتنوخي (٤/ ٤٢٧).
(٦) كما في ترجمته في «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (٤/ ١٤٤٨).
[ ٥٧ ]
المسمن. (١)
٨. محمد أمين بن فضل الله المحبِّي الحموي الأصل، الدمشقي (ت ١١١١ هـ): سنبوسكة. (٢)
من أخبار السمبوسة
السنبوسة من طعام الملوك
فقال أبو الحسن القفطي (ت ٦٤٦ هـ) - ﵀ -: ( حضرت اليوم في مجلس الملك الرحيم أتابك طغرل الظاهري وحضرت المائدة وفيها طعام الملوك: شواء، وشرائح وسنبوسج وحلاوات وغيرها كما جرت العادة، فتأملته فنفرت نفسي منه ولم تقبله، مع كوني قد قارب الظُّهرَ ولم أتغدَّ. (٣)
وفي حديث ابن بطوطة ــ كما سيأتي - ما يدل على أنها من طعام كبار القوم في «الهند».
لا يمُدُّ المرءُ يدَه في مجلس الملوك إلى «سنبوسة» مشتهاة!
_________________
(١) كما في ترجمته في «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٢/ ٥٦٢).
(٢) «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» (٣/ ٢٢٩).
(٣) «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (٥/ ٢٠٣٤).
[ ٥٨ ]
قال علي بن عبد الله الغزولي البهائي الدمشقي (ت ٨١٥ هـ) - ﵀ -: (ولا يمدُّ يدَه إلى قطعةِ لحمٍ مشهورة، ولا بيضة منضورة، ولا «سنبوسجة» مشتهاة، ولا ما تقع الشهوة عليه، ولا ما تسارع النفس إليه ..). (١)
هل رِضا الرجل في «بطنه»؟
اشتهر عند بعض النساء اللاتي تبالغ في إرضاء زوجها بأنواع مسرفة من الطبخ، أنَّ رِضى الرجل متوقف على سفرة الطعام! ! ولا ينبغي الحرص على هذا، إن تضمَّن إسرافًا وتبذيرًا.
ذكر أبو العباس المبرِّد (ت ٢٨٥ هـ) - ﵀ - خبرًا عن أحد العشاق:
قال: (وذكروا أن أبا القمقام بن بَحْر السَّقَّاء، عَشِقَ مَدينية، فبعث إليها: إنَّ أخوانًا لي زاروني، فابعثي إلي برؤوسٍ حتى نتغدَّى، ونصطَبِح على ذِكرك، ففَعَلَتْ.
فلما كان في اليوم الثاني بعثَ إليها: إنَّا لم نفترق، فابعثي إلي بسنبوسكٍ حتى نصطبح اليوم على ذكرك.
فلما كان في اليوم الثالث، بعث إليها: إن أصحابي مقيمون فابعثي إليَّ ببقرييَّة قَدِيَّة، وجَزُورِيَّةٍ شهية، حتى نأكلها، ونصطبح على ذكرك.
فقالت لرسوله: إني رأيتُ الحُبَّ يحلُّ في القَلبِ، ويفيضُ إلى الكبدِ والأحشاء، وإنَّ حُبَّ صاحِبَنا هذا، ليس يُجاوِزُ المعِدَة). (٢)
_________________
(١) «مطالع البدور ومنازل السرور» (١/ ١٤٤).
(٢) «الكامل» للمبرد (٢/ ٨٦٩).
[ ٥٩ ]
علَّق أبو الحسن علي بن إبراهيم البلنسي القشتيلي (ت ٥٧١ هـ) - ﵀ - بقوله: (السنبوسك: لحم مدقوق بالأبازير الرقاق). (١)
الكرم بالسمبوسة، وموقفٌ محرج
ذكر ابن الطقطقي (ت ٧٠٩ هـ) - ﵀ - في وصف أبي جعفر المنصور المستنصر بالله ــ بويع له بالخلافة سنة (٦٢٣ هـ) ــ، وأنه كان شهمًا جوادًا يباري الريح كرمًا وجودًا، وكانت هباته وعطاياه أشهر من أن يدل عليه، وأعظم من أن تُحصى، ولو قيل: إنَّه لم يكن في خلفاء بني العباس مثله لصدق القائل (ت ٦٤٠ هـ).
ذكر أنه استوزَر: نصير الدين أبي الأزهر أحمد بن محمد بن الناقد (ت ٦٤٢ هـ)، وذَكر نصير الدين موقف مُحرِج، قيل: بأنه قبل الوزارة عمل في بعض الأعياد «سنبوسجًا» كثيرًا، وأحبَّ أنْ يُداعب بعض أصحابه، فأمر أن يحشى سبعون سنبوسجة بحبِّ قطن ونخالة وتجعل مفردة، وعمل «سنبوسجا كثيرًا» كجاري العادة، وركب إلى دار الخليفة فطلب منه عمل شيء من «السنبوسج»، فذكر أنَّ عنده شيئًا مفروغًا منه، وأمر خادمًا له بإحضار ما عنده من «السنبوسج»، فمضى الخادم عن غير معرفة بذلك المحشوِّ بحبِّ القُطن ومزج الجميع، ووضعه في الأطباق ليحمله إلى دار الخليفة، فجاء الجواري والخدم وقالوا: أعطونا حصَّتَنا من هذا، فأخذوا منه مئة «سنبوسجة»، وحمل الخادم الأطباق بما فيها إلى دار الخليفة، فلما حمل «السَّنبوسج»
_________________
(١) «القرط على الكامل» لأبي الحسن القشتيلي (ص ٥٣٨).
[ ٦٠ ]
وصار بدار الخليفة، ورجع ابن الناقد إلى داره سأل عن «السنبوسج» المحشوِّ بحبِّ القطن، فقالوا له: ما عرفنا بشيء من ذلك، وفلان الخادم جاء ومزجَ الجميع، وأخذه ومضَى، فلم يشكَّ أنه هالك وكادت تسقط قوَّته خوفًا وخجلًا، فقال: أما تخلَّف منه شيء قط؟ قالوا: قد اقتطع الجواري والخدم منه حدود مئة «سنبوسجة»، فقال: أحضروها فأُحضِرَتْ وفتحت بين يديه، فوجد السبعين «سنبوسجة» المحشوَّة بحبِّ القُطْن قد حصلت بأيدي الجواري والخدم في جملة ما أخذوه لأنفسهم، لم تشذَّ منهم واحدة إلى دار الخليفة). (١)
تنوع المأكولات من العادات السيئة صحيًا
من العادات القبيحة في الأكل وفي الولائم: الإسراف والتبذير
ذكر عبدالله النديم (ت ١٣١٤ هـ) في مجلة «التنكيت والتبكيت» مقالًا جميلًا بعنوان «عادة قبيحة ألفناها» في بيان هذه العادات السئية، وقد مثَّل بالمأكولات المتعددة على السُّفرَة: السنبوسك. (٢)
النهم في أكل السمبوسة
قال ابن العمراني (ت ٥٨٠ هـ) - ﵀ -: (حكى محمد بن عبد الملك الزيات في وصف المعتصم العباسي وكان في بكرة كل يوم إذا وقف يتعمَّم، يُلقِمُه خادمٌ «
_________________
(١) «الفخري في الآداب السلطانية» - تحقيق: مايو - (ص ٣١٦ - ٣١٧).
(٢) «مجلة التنكيت والتبكيت» العدد الأول ١٨٨١ م (ص ٩٢)، تقديم: د. عبد العظيم رمضان، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر ١٩٩٤ م.
[ ٦١ ]
السنبوسك» فعَدُّوا عليه إلى أن فرغ من التعميم مئة وخمسين سنبوسكة! ! (١)
أقول: الله أعلم بصحة هذا.
كثير من الناس في رمضان يتشبهون بالأسواري الأكول
ذكر ابن قتيبة الدينوري ت ٢٧٦ هـ مبالغة مستطرفة:
(قيل للحارثي: لمَ لا تؤاكل الناس؟
فقال: لو لم أترك مؤاكلتهم إلا لنزوعي عن الأسواري (٢) لتركتها!
ما ظنكم برجل نهش بضعة لحم بقر فانقلع ضرسه وهو لا يدري. وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت عيناه وسكر، وسدر [تحيَّر] وتربَّد وجهه [تغيَّر]، وغضب، ولم يسمع ولم يبصر، فلما رأيتُه وما يعتريه ويعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل الجوز والتمر والباقلّى؛ ولم يفجأني قطّ وأنا آكل تمرًا إلا استفَّه سَفَّا وزدَ [رمى] به زودًا، ولا وجده كنيزًا إلا وتناول القطعة منه كجمجمة الثور كدمها كدما [عضها بأدنى فيه]، ونهشها طولًا وعرضًا، ورفعًا وخفضًا، حتى يأتي عليها؛ ثم لا يقع عضُّه إلا على الأنصاف والأثلاث؛ ولا رمى بنواةٍ قطّ، ولا نزع قمعًا، ولا نفى عنه قشرًا، ولا فتَّشه مخافة السوس والدود). (٣)
_________________
(١) «الإنباء في تاريخ الخلفاء» لابن العمراني - تحقيق السامرائي - (ص ١٠٨).
(٢) الأسواري موصوف بالشرَه كما في «البخلاء» للجاحظ (٦٠ ــ ٦٤).
(٣) «عيون الأخبار» (٣/ ٢٢٨).
[ ٦٢ ]
قيل لأبي الحارث جُمَّين: ما أطيب الأصوات؟
قال: نشنشة المقالي بين غمغمة القدور، ولا تنسَيَنَّ قرقرة القناني! (١)
من النصائح في الأكل:
رُبَّ أكلة تمنع أكلات، البِطنَة تُذهِب الفطنة.
قال جالينوس: العاقل يترك ما يُحبُّ لِيستغنيَ عن العلاج بما يَكره، والصبرُ على الامتناع عما يَشتهي أهونُ من أكلِ مالا يَشتهي.
سئل حكيم: كم آكل؟ قال: فوق الجوع، ودون الشِّبَع. (٢)
من أسماء الأكول:
الجُرْضُم، الجُرَجْمان، السرواط، القرشبّ، الهِقَمّ، الهِلباجة، المُفَوَّهُ، اللَّهِمْ، الفارهة، الجُراف، البلْعَم، الفيِّه، القرضوف، المجلِّح، الأكول، السَّرْهَب، المِخْضَد، الجعظري، الشولقي، المسحوت، العُتُلُّ. (٣)
كثرة الأكل في رمضان - وغيره - تُضعف عن القيام والخشوع لصلاة الليل: التهجد، وتجلب الكسل والخمول، وتباعد بين المرء وتدبر القرآن.
نقل الجاحظ عن أبي عبدالرحمن الثوري: لا أدَّى حق الركوع والسجود ذو كِظَّة،
_________________
(١) «أحسن المحاسن» للثعالبي (ص ٣٢٦).
(٢) «أحسن المحاسن» للثعالبي (ص ٣١٤ - ٣١٥).
(٣) انظرها مع شرحها في كتاب: «أسماء لغوية» لمحمد المكي بن الحسين (ص ٢٤٩ - ٢٥٢).
[ ٦٣ ]
ولا خشعَ ذو بِطنَة. (١)
* * * *
صورة النشرة الأولى (٢/ ٩/ ١٤٢١ هـ) في أربع صفحات
الخلاصة:
السمبوسة = السنبوسة = السنبوسك = السنبوسق = السنبوسق = سنبوسجه، قُلْ ما شئت، فاللفظةُ الأعجمية يُلعَب بها، أكثرها ورودًا: السنبوسك
وأحسنُها عندي وأقربها:
السمبوسة = السنبوسة؛ لخفتها وبعد الكاف الفارسية.
هذه الأكلة الرمضانية العجيبة «الفارسية» هي الوحيدة المعمَّرة: باسمها، ووصفها، ومضمونها، لا أعرف لها مثيلا، عمرها أكثر من (١٢٠٠) سنة! !
_________________
(١) «أحسن المحاسن» للثعالبي (ص ٣١٨).
[ ٦٤ ]
وهي ضمن أطعمة كثيرة انتقلت من «الفرس» إلى «العرب» في الدولة العباسية.
فأول ذِكْرٍ لها - فيما بين يدي من المصادر ـ: أول القرن الثالث، في قصيدة إسحاق بن إبراهيم الموصلي (ت ٢٣٥ هـ) التي ذكرها المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) في «مروج الذهب» ولم أرها عند غيره!
ثم ذكَرَهَا: الفقهاء: الحنابلة، والشافعية، والحنفية، وذكرها بعضُ أهل الحديث، ورجالُ الحسبة، والأدباء، والشعراء، والمؤرخون، والرحَّالة، ومُؤلِّفو كتب الطبخ التراثية
وقد شُبِّهت لجمالها وجودتها وتنوع مضمونها بكتاب كبير جميل - مفقود ـ: «الجامع الكبير للإمام سفيان الثوري في الحديث والأثر والفقه»! «جامع سفيان».
ويُقال بأن معنى سمبوسة في الفارسية أو غيرها = مثلث، فكُلُّ مثلث سمبوسة.
وهي عجين، محشوٌّ باللحم والخضروات، شكلها مثلَّث، وتُقلَى بالزيت.
وهي مع لذَّتِها وحُسْنِها، لا تناسب الصحة، خاصةً في زماننا هذا، لأمور:
١. كثرة مرضى الضغط.
٢. كثرة مرضى الكلسترول.
٣. كثرة السمنة.
[ ٦٥ ]
٤. كثرة مرضى القولون، وعُسْر الهضم، وعجينُها عَسر الهضم - كما في قول الآيديني ـ.
٥. قِلَّة الحركة عند غالب الناس.
٦. غالبًا ما تؤكل مع أصناف عديدة، فيزيد ثقلها، والبلاء بها.
٧. أنها أضرار مجتمعة: لحم - وكثرة اللحوم في زماننا ممرضة ـ، وعجين عسر الهضم، وقليٌّ بالزيت.
فإن قلتَ يوجد صنعة لها بالفرن، دون قلي:
فالجواب: تبقى الأضرار السبعة السابقة (ابتسامة).
وقد عجبتُ ولا زلتُ أعجب مِن الجمع بين: السمبوسة والفول في سُفْرَةِ العَشاء في رمضان! ! وهي عادة من عادات بعض المناطق في بلادنا، لأن الجمع بين الاثنين يسدُّ مسالك المعدة والأمعاء، والسمعَ والبصرَ، والنَّفَس، والإدراك، ويحبس الجوارح عن الحركة فضلًا عن الصلاة (ابتسامة).
وما أحسن قول خضر بن علي الآيديني (ت ٨١٦ هـ تقريبًا) - ﵀ - عن السمبوسة
_________________
(١) سبق نقله ـ: (وهو: حارٌّ، غليظٌ، طويلُ الوقوفِ في المعدة، مُعطِّش، يُبخِّر إلى الرأس، ينفع أصحاب الكدِّ والرياضة القويَّة، والهضوم الجيِّدة، وإذا انهضَم غذَّى كثيرًا، وخبزُهُ لايكاد ينهضم).
[ ٦٦ ]
أقول: ومع ذلك كلِّه، كُلْ مِن الطيِّبات ولا تخف! ولا تُكثِر، واستعن بعد ذلك بالرياضة الجادَّة، وتذكَّر إخوانك الفقراء والمشرَّدين الذين لا يجدون مأكلًا، ثم أنفِقْ مما آتاك اللهُ، واشكُر اللهَ كثيرًا، واجعل الأولويات في رمضان:
كلُّ عمل يُبلِغُكَ التقوى، الذي من أجله شرع اللهُ صيام رمضان.
أيها القارئ، مابين يديك، هو أول بحث عن «السمبوسة» مفرد، أسأل اللهَ أن يحفظه من السرقة، أوالنقل دون عزو، فمن الأمانة والبركة العلمية: النقل مع العزو إلى صاحب الفائدة.
نصيحة:
احرص - يا عبدالله ويا أمة الله
_________________
(١) على هذا الشهر المبارك، فقد اختاره الله من بين الأشهر، وخصَّه بميزات وخصائص، فالمغبون من أدركه رمضان، ولم يستفد منه، ولم تغفر ذنوبه. رمضان، شهر: الصلاة = النافلة، والصيام، والصدقات، والقرآن، والعمرة، والذكر، والدعاء، والجود بالخير بأنواعه فليس الشهر المبارك للَّهْوِ والعبث والأكل، ومتابعة المسلسلات - وما أكثرها - والرياضة، وكثرة الذهاب إلى الأسواق، والاهتمام المبالغ فيه في شراء وإعداد وأكل الأطعمة. العمرُ قصير، والدنيا متاعٌ زائل، والموفَّق مَن عمَرَ وقته في طاعة الله، فالنعيم
[ ٦٧ ]
الحقيقي، والمتعة الكاملة في جنات عدن ونهر، اعمَلْ ليقال لك في الجنة: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ الإنسان: (٢٢)
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الطور: (١٩) والمرسلات ٤٣
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ الحاقة: (٢٤) ويُقال عنك ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الواقعة: (٢٤)
﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأعراف: (٤٣)
﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الزخرف: (٧٢)
فالدنيا دار عمل، والآخرة دار الجزاء، ومَن صرفه الشيطان عن العمل في الأوقات الفاضلة، فغيرها من باب أولى.
اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعنَّا على صيام رمضان وقيامه، واجعلنا ممن يصومه ويقومه، ويقوم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا.
اللهم صلِّ على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه:
إبراهيم بن عبدالله بن عبدالرحمن المديهش
مدينة الرياض
النشرة الرابعة (١/ ٨ /١٤٤١ هـ)
[ ٦٨ ]