بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبي بعده
أما بعد
فالتقنية الحديثة جعلتنا نقرأُ ما يُحزِن أكثر مما يُفرح، والنفسُ ضعيفة إن لم تخرُجْ بها - أحيانًا - عن الأحزان، وأخبار أمتنا الموجعة؛ أقعدتْكَ حتى تشرَق بنَفَسِكَ؛
ومع أحوال المسلمين المؤلمة تأتي أصواتُ مَرَدَةِ المنافقين والمنافقات
_________________
(١) في عدد من بلاد المسلمين وَخَزَاتٍ في القلب، تستِجِرُّ دمَعَات حَارَّة، بعد دعواتٍ صادِقَة في السَّحَر، وأوقات الإجابة بأن يُعِزَّ اللهُ الإسلامَ وأهلَه، ويذل المنافقين والكفرة أعظم أَلَمٍ أن تقرأ مِن مرَدة منافقي زماننا تهكمًا بدين الإسلام، وشعائره، وأهله المتمسكين به رجالًا ونساءً، ولا يخفى على مؤمن أنَّ اللَّهَ أمرَ في كتابه بمجاهدة الكافرين والمنافقين كليهما، وجهادُ المنافقين بالحُجَّةِ والبَيان. ومع الدعاء بأن يُعِزَّ اللهُ دينَه وأهلَه، يُبَيِّنُ أهل العلم الحقيقة الشرعية، لِيحذر المسلمون ما يلبِّسُه عليهم أهلُ النفاق، ثم يُناصِحوا المسؤول بالطريقة الشرعية، والدينُ النصيحة، وما عليك إلا البلاغ ومع ذلك وبعدَه لا بُدَّ للمرء مِن تنَفُّسٍ عَميق؛ لِيخفِّفَ ما يجدُه قلبُه - ولا يُلام ـ؛ وإلا آلَمَ نفسَه وجرَّ عليها الأمراض، واللهُ - ﷿ - يقول لنبيِّه - ﷺ -: فلا تذهَبْ نَفسُكَ عليهم حسرات: قال تعالى: ﴿(٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا﴾ فاطر: (٨) وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ الشورى: (٤٨)
[ ٤ ]
وسُبحان مَن نوَّع بين عباده: منهم مَن يستجم بالمعرفة قراءةً، ومنهم: بالاسترخاء سياحةً، ومنهم بالصيد، ومنهم بالملاهي المباحة، ومنهم بالملاهي المحرمة، والناس أجناس وإنَّ الاستجمام بالمعرفة كتابةً أعظم منها قراءة.
وللأُوَل أكتب لي ولهم ما تجمع لديَّ في قصاصات ــ دُوْنَ قَصْدٍ مِنِّي لِلْبَحْثِ فِيْهَا ــ (١):
_________________
(١) أصلها: مقالة لطيفة رائعة، بعنوان: «السمبوسة في الأدب العربي» للأستاذ: إبراهيم باجس، نشرها في «جريدة الرياض» (عدد ١٠٧٨٤) يوم الجمعة (٤/ ٩/ ١٤١٨ هـ)، وفيها نقلان، الأول: من معجم الفارسية، والثاني: قصيدة إسحاق من «مروج الذهب» للمسعودي. استلطفتُ ورودها عند المسعودي في ذلك الزمن، فحفظت المقالة عندي، ثم زدت عليها يسيرًا، ونشرتها في مجمع تعليمي - مسندًا الفائدة لصاحبها ـ، ثم بدأت أضيفُ إليها ما أقف عليه ــ دون قصد للبحث - من معلومات تراثية عن هذه الأكلة المعَمَّرَة. وهكذا، بعض المؤلفات، والبحوث، والمقالات لا يُقدِّر المرءُ كتابتَها ابتداءً، وإنما تأتي مفاجئةً أحيانًا بعد مرور عدد من فوائدها، فكأن بعضَها تفرض نفسها فرضًا على الكاتب - وهذه المقالة عن السمبوسة من هذا الباب ـ. وفي هذه النشرة الرابعة، دعني أحدثك - مادمتُ معك الآن في حديث سمَر ـ: أنني منشرح الصدر لإخراج هذه الأحاديث أكثر من ذي قبل، وإن أصبحَتْ تأليفًا مِن بَعد البحث، القادمِ بعدَ المقال؛ لأنني استعرضت بعد نشرتي الثالثة عددًا من المقالات الصحفية والتقنية التي تتحدث عن هذه الأكلة، فوجدتها كلامًا ليس فيه خيط من خيوط المعرفة الصحيحة الموثَّقة!! وكأن قصد أصحابها لفت النظر إلى الصحيفة فقط ، نعم، كلها كذب وافتعال ونسبة كاذبة للتراث، ولم يَعزُ مقالٌ مما وقفت عليه إلى مصدر واحد، فتجد المقالات مليئة بالكلمات الصحافية التي يرددها مدعو الثقافة في البلاد العربية، مثل: إن هذه الأكلة ترجع فيما قيل إلى الهند، وقد دخلت العالم العربي بعد الاستعمار البريطاني ويحكى في التاريخ أنها جلبت من إندونيسيا بواسطة التجار الحضارم، ثم وصلت الحرمين وهي كما في بعض الأساطير تنسب لمدينة اسمها سمبوسة في العراق، وقيل: سُم بوسَة، والأكلة مما تُقدم لامبراطور الصين !! هذه الأساليب الدالة على خواء المعلومات من جماعة: (أثبتت الدراسات الغربية وأثبتت المراكز البحثية)!! فإن كانت المعلومة شرقية، ربطوها بامبراطور الصين، أو حاكم الهند، ولابد من الإشارة إلى التجار، أو الحجاج، هذه أساليب الفارغين من بعض الكتاب أصحاب «أثبتت الدراسات» بمثل هذه الأكاذيب من مدعي الثقافة تنتشر كثير من المعلومات بين الناس حتى تصبح من المسلَّمات هذا الموضوع أنموذج، لما ينتشر عند الناس، من كلام مرسل لم يوثَّق بمصدر تراثي وأنت ترى أن هذه الأكلة مذكورة في كتب: الفقه، والحُسْبة، والتاريخ، واللغة، والأدب، والطبخ من كتب تراث المسلمين الأصيل فلعل من فوائد كتابة ما كتبتُ أن تكون أنموذجًا لأهمية الرجوع إلى المصادر في أي موضوع كان، وعدم الالتفات إلى خرافات الكتبة المعاصرين الذين يكتبون معلوماتهم من ظنونهم ويعزونها إلى التاريخ دون مصدر نعم ما المانع أن يُعزى إلى مصدر أو مصدرين أصليين للمعلومات الواردة في المقال ولو كان المقال في صحيفة، مادم أن الموضوع تراثيٌّ وتزداد الأهمية في زماننا هذا؛ لأن أبناءنا وبناتنا بل ورجالنا ونساءنا إذا أرادوا الحديث أو الكتابة عن موضوع ما، كالشاي، أو القهوة مثلًا، ضغطوا كلمة واحدة في (قوقل) ولن يجدوا في الغالب إلا كلام عَوامٍّ قُحِّ، مدون في صحيفة ورقية أو تقنية أو منتديات، وقد تُنوقِل كثيرًا، كلٌّ ينقل من الآخر، حتى يظن القارئ أنَّ هذا أمرٌ متَّفقٌ عليه متواتر بين الناس، وأنها الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها!! مع أنه لم يَعزُ أحدٌ منهم إلى كتاب علمي فضلًا عن عدة مصادر بالمجلد والصفحة!! ألا فلنُعلِّم أولادَنا أنَّ ما تجدونه في «قوقل» مكتوبًا ومنطوقًا لا يُعتمد عليه مالم تقف عليه في عدة مصادر أصلية، وإلا زادت الخرافات والأكاذيب، ثم نتَّهم تاريخنا القديم والجديد لأنه روَّج هذه الأكاذيب!! وتزداد الأهمية درجات بعد درجات إذا علمنا أن أولادنا - يا للأسف الشديد - مفتونون بالكتب الغربية المترجمة، لا يلتفتون إلى كتب التراث الغنية المميزة في كل الفنون - والسمبوسة التي بين يديك خير مثال ـ، ساعدهم في هذا البُعد أناس يُرى أنهم مثقفون قدوة، يتبعون ما يريد منهم الشباب، ويرون أن الثقافة الجديدة الأجنبية هي التي تلفت الأنظار، وتُلبس متحدثها التحضر والحداثة الثقافية وأحيلك إلى ما كتبته في مقدمة كتابي «منهج الدميري في كتابه حياة الحيوان»، أزعم أن فيه عبرةً ونذارة. وما دمتُ معك في مجلس سمَر، فَلِمَ تعاتبني على هذا الاستطراد - وليس باستطراد في الحقيقة - بل هو بيان أهمية الكتابة التراثية في غالب شؤوننا، مع إتباعها بالكتب المعاصرة؛ لنفخر به، ونرفع به رؤوسنا. معارفنا العامة، وثقافتنا إذا وُثِّقت من المصادر العربية وحُرِّرت، كان هذا علامة على التوثيق والتحرير في شؤوننا كلها: في ديننا، ودنيانا، وعلى عنايتنا بالضبط والإتقان والله المستعان.
[ ٥ ]
إنَّ أحاديثَ السَّمَر والمذاكرة - وهذه منها - تتسم بالتخفف من قيود التقييد، وشروط التحديث (١) فيها إطلاق للقلم على سجيته بعد مراعاة المحاذير الشرعية؛ لترويح النفس (٢) وإن لم يكن ثمة جدٌّ في العلم، كانتشار الاستراحات في وقتنا وإن لم يكن ثمة تعب في البدن= مثل حال السابقين الكادحين.
مع أنَّ أحاديثَ السَّمَر أهم من الاستراحات، لأنها تغذية للمعرفة في الغالب، وفي الاستراحات تخمة في البدن غالبه.
وأمر آخر: عند السابقين تعب في البدن وراحة في النفس، وعند اللاحقين راحة في البدن وتعب في النفس؛ فأدب السمر لتخفيف شئ يسير - لمن أحب القراءة ـ، وترويح عن الهم الجاثم على قلوب المسلمين الغيورين، من ضعف وهوان الأمة الإسلامية، وشيوع التمرد على أحكام الدين، والاستهزاء بشعائره وعلمائه وولاة
_________________
(١) بالمناسبة: هل توجد دراسة جامعية في «السُّنَّة وعلومها» عن أحاديث المذاكرة؟ ثم وجدت كتابًا بعنوان «فن المذاكرة عند المحدِّثين - معالمه وأعلامه ـ» د. محمد بن إبراهيم العشماوي المصري، ط. جائزة دبي الدولية للقرآن ١٤٣٤ هـ، مجلد لطيف (١٥١ صفحة)، وانظر فيه (ص ١٢٩ - ١٣٤).
(٢) انظر: «الكامل» للمبرِّد (٢/ ٨٤٩)، وغيره كثير ممن تحدث عن ترويح النفوس، فإنها تمَلُّ كما تمَلُّ الأبدان.
[ ٧ ]
أمره، وعامة المستقيمين والمستقيمات على شرعه، من لدن المنافقين في العالم الإسلامي - قاتلهم اللهُ أنى يؤفكون ـ.
هذا، وقد أخذَتْ المحاضراتُ والمسامرات حيِّزًا لابأس به في كتب التراث، وللعلم: فالتراث العربي والشرعي لايحيط به فرد أو مجموعة، لكثرته وتعدده، مع ما جُهِل عنوانه، أو عُلِمَ ولم يعرف مكانه. (١)
هذه الكتب في مجال المسامرة والمحاضرة، والإمتاع والمؤانسة فيها خروج من الجِدِّ إلى أبواب من الهزل المباح، تلقيحًا للفكر، وترويحًا للنفس، فأَلقِ نظرة عابرة في «عيون الأخبار» لابن قتيبة، و«الكامل» للمبرد، و«الإمتاع والمؤانسة» و«البصائر» للتوحيدي، و«ألف باء للألباء» للبلوي، «بهجة المجالس وأنس المجالس» لابن عبدالبر، و«محاضرات الأدباء» للراغب، و«ربيع الأبرار» للزمخشري، و«العِقْد» لابن عبدربه، و«زهر الآداب»، و«مسامرة الندمان»، و«نشوار المحاضرة» للتنوخي، و«كنز الكتاب»، و«الجليس الصالح» للجريري، و«لمح الملح»، وعَددٍ من كتب أبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ)، وغيرها كثير، ستجد المتعة والمُلَح، والفائدة في اللغة والأدب.
قال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) - ﵀ -: (ولم تزَلْ أفَاضِلُ النَّاسِ وأكابِرُهُمْ تُعجِبُهُمْ المُلَحُ، ويُؤُثِرُونَ سَمَاعَهَا، ويَهُشُّونَ إلى المذَاكَرَةِ بِهَا؛
_________________
(١) في مقدمة كتابي «منهج الدميري في كتابه حياة الحيوان» استطراد في بيان أهمية كتب التراث الإسلامي، وغَنَائِه بكل ما يمتع ويفيد؛ وإنكار تغريب الثقافة.
[ ٨ ]
لِأنَّهَا جِمامُ النَّفْسِ ومُسْتَراحُ القَلْبِ، وَإليْهَا تُصْغِي الأَسْمَاعُ عِنْدَ المحُادَثَةِ، وبِهَا يَكُوْنُ الاستِمْتَاعُ في المؤانَسَةِ). (١)
قال الأصمعيُّ (ت ٢١٦ هـ) - ﵀ -: (النوادر تشحذ الأذهان، وتفتح الآذان). (٢)
أما بعد
فقد غلَّبَ الناصحون في حديثهم قبل رمضان، الحديثَ عن النَّهَمُ في المشتريات والإسراف في المأكولات إلخ الكلام المعروف.
أما الآن فقد خفى هذا الصوت - بعض الشئ، ولا لَوْم ـ؛ لِوجود ما هو أعظم وأطمُّ، أقصد به تلك الاستعدادات الهائلة في القنوات الفضائية من شهر محرَّم - قبل رمضان بِـ ٨ أشهر - إلى إعداد مسلسلات فيها محرَّمات، وفيها إساءة للدين، واستهزاء بما جاء به سيد المرسلين - ﷺ -، وتشويه للتاريخ الإسلامي، وخلفاء المسلمين، فخزي - والله - صدور هذه المهازل في بلاد المسلمين كلها؛ استخفافًا بمكانة هذا الشهر الفضيل المبارك، شهر القرآن، والنوافل، والصدقات، والبرِّ، والجود، والإحسان!!
هذا الاستعداد لرمضان منذ ثمانية أشهر، لأجل ماذا؟
أَلأَجْلِ أن الصيام ثقيل، ورمضان حزين، أم لتقريب العباد لرب العالمين؟!
_________________
(١) «التطفيل» للخطيب - تحقيق عٌسيلان - (ص ٥٩).
(٢) «التطفيل» للخطيب (ص ٦٠).
[ ٩ ]
أم للفوز بجنة اللهِ التي أعدت للمتقين؟
لن أنسَ إعلانًا = دعايةً خبيثة في (رمضان ١٤٢٠ هـ أو ١٤٢١ هـ) عنوانها
[خير جليس في رمضان mbc]
سبحان الله، في كل بلد مسلم يَعُدُّ أهل اللهو مسلسلات لإلهاء الناس عن رمضان، وإبعادهم عن التقوى فيه، فضلًا عن تضمنها مخالفات شرعية.
ذلك الشهر الفضيل الذي تُصفَّد فيه مَرَدَةُ الشياطين، يبقى من إخوانهم من مرَدَةِ شياطين الإنس على وفاء لهم وبِرِّ
_________________
(١) واللهُ حسيبهم أجمعين ـ بالله عليك - ياعبدَالله - أين موقع هذه المسلسلات ومثيلاتها من قول الله «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: (١٨٣) حريٌّ بالعاقل أن يحفظ صيامَه وصيامَ أهله وأولاده، ويُرشدَهم إلى تعظيم ورعاية الشهر الفضيل المبارك، ولا يخوضوا فيه مع الخائضين: كلامًا، أو مشاهدة، أو حضورًا اللهم استعملنا فيما يرضيك. واحفظ اللهم ديننا وأمننا ووحدتنا وولاة أمرنا وعلماءنا وجنودنا، وكلَّ مَن يخدم دينَه، وبلاده في الخير. اللهم انصر واحفظ جنودنا المرابطين على الحدود، وأعز المسلمين في كل مكان وانصرهم على مَن بغى عليهم.
[ ١٠ ]
اللهم أعنَّا على صيام رمضان وقيامه، وقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا فيه من المقبولين.
* * * *
[ ١١ ]