لم يترك الشعراء العرب حادثة صغيرة ولا كبيرة وقعت بخراسان إلا ألموا بها، وبينوا مواقف قبائلهم منها، فقد كانوا يقظين على الأحداث الداخلية وتطوراتها، بصيرين بخفايا السياسة الأموية ونتائجها، مقدرين لانعكاساتها على قبائلهم وحلفائهم، عارفين بتأثيراتها في مقدرتهم الذاتية، إزاء القوى الخارجية التركية التي كانت تتحين الفرص للانقضاض عليهم، والفتك بهم، بحيث لا نبالغ إذا قلنا: إنهم عرضوا لكل المسائل الإدارية والسياسية، والمشكلات العصبية والقبلية، والفتن الداخلية، بكل تفاصيلها ودقائقها، سواء كانوا من أنصار الوحدة والتضامن، أو من دعاة الفرقة والتطاحن. ونحن نورد كل ما ظفرنا به من أشعارهم في هذا الجانب، مرتبا على السنوات لا مبوبا في موضوعات، حتى يتسق مع القضايا التي أحطنا بها في الفصل السابق، ويكون موضحا لها.
ولما كان الوجود العربي بخراسان لم يتأكد ولم يتوطد إلا بعد أن انتهى النزاع بين علي ومعاوية على الحكم، وصفا الجو لمعاوية، وفاز بالخلافة، وسير ولاته على الأمصار، وازداد عدد العرب من القبائل المختلفة بخراسان، ونظموا تنظيما سياسيا وعسكريا، وأصبح لكل منهم دوره الإداري والحربي، كما أصبح لكل منهم أطماعه في السلطة والنفوذ، فقد خلت الفترة الأولى من أي شعر فيه إشارة إلى الأوضاع الداخلية التي لم تكن صورتها قد استقرت، ولم تكن اتجاهاتها قد تحددت. أما بعد ذلك فيكثر الشعر، ويحمل في تضاعيفه كل ما دار من أحداث.
[ ٨١ ]
ففي سنة إحدى وخمسين مات الحكم بن عمرو الغفاري١ عامل خراسان لزياد بن أبي سفيان، أمير العراق، وكان قد استخلف قبل وفاته أنس بن أبي أناس الكناني٢ وكتب بذلك إلى زياد، فعزل أنسا، ووليد خليد بن عبد الله الحنفي، فغضب أنس غضبا شديدا، وهتف بهذه الأبيات مصورا سخطه على سياسة زياد، ورأيه في بني حنيفة، وكيف أنهم لم يكونوا يصلحون للولاية والحكومة، بل للحرث والزرع وفيها يقول٣:
ألا من مبلغ عني زيادا مغلغلة يخب بها البريد٤
أتعزلني وتطعمها خليدا لقد لاقت حنيفة ما تريد
عليكم باليمامة فاحرثوها فأولكم وآخركم عبيد
ولما توفي يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وقتل يزيد بن زياد بسجستان، وأسر أخوه أبو عبيدة بها أيضا٥، أخفى سلم بن زياد هذه الأخبار السيئة عن العرب بخراسان، لكيلا يموجوا ويضطربوا. فبلغت بعضهم، ومنهم ابن عرادة الشاعر، فصاح بمقطوعة أخذ فيها على سلم إخفاءه الأخبار والأسرار عنهم، وإيصاده بابه من دونهم، وأعلمه أنهم يعرفون كل ما وقع، وما بدا معه، أن دولة بني أمية انتقضت أركانها انتقاضا، إذ يقول له فيها٦:
يا أيها الملك المغلق بابه حدثت أمور شأنهن عظيم
قتلى بجنزة والذين بكابل ويزيد أعلن شأنه المكتوم٧
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٧: ٣٦٦، والتاريخ الكبير ١: ٢: ٣٢٨، والجرح والتعديل ١: ٢: ١١٩، والاستيعاب ص: ٣٥٦، وأسد الغابة ٢: ٣٦، والبداية والنهاية ٨: ٤٧، والإصابة ١: ٣٤٦، وتهذيب التهذيب ٢: ٤٣٦، وتقريب التهذيب ١: ١٩٢. ٢ انظر ترجمته في الشعر والشعراء ص: ٧٣٧، والإصابة ١: ٦٩، وخزانة الأدب ٣: ١٢٠. ٣ الطبري ٧: ١٥٥. ٤ المغلغة: الرسالة. يخب: يسرع. ٥ الطبري ٧: ٤٨٨. ٦ الطبري ٧: ٤٨٨، وابن الأثير ٤: ١٥٤. ٧ جنزة: مدينة بأرمينية. وكابل: ولاية من ثغور طخارستان.
[ ٨٢ ]
أبني أمية إن آخر ملككم جسد بحوارين ثم مقيم١
طرقت منيته وعند وساده كوب وزق راعف مرثوم٢
ومرنة تبكي على نشوانه بالصنج تقعد مرة وتقوم٣
وكان من نتائج إذاعة هذا الشعر في الناس، وانتشاره بينهم، أن أظهرهم سلم على ما حجبه عنهم، وفاوضهم في مبايعته ومساندته حتى يجتمع العرب على خليفة. فوالوه وأيدوه شهرين، ثم وثبوا به، فرجع إلى دمشق، وخلف عليهم المهلب بن أبي صفرة.
وفي سنة خمس وستين قاومت بكر بن وائل عبد الله بن خازم٤ حين هجم عليها بهراة، بعد أن قتل سليمان بن مرثد بمرو الروذ، وأخاه عمرا بالطالقان، وكان بنو تميم يساعدونه في هجومه عليها، فاحتل المدينة، وقتل من بكر مقتلة عظيمة. وفي ذلك يقول المغيرة بن حبناء التميمي معيرا بكرا بانهزامها ومذلتها، وبفتك ابن خازم بعليتها وسراتها٥:
وفي الحرب كنتم في خراسان كلها قتيلا ومسجونا بها ومسيرا
ويوم احتواكم في الحفير ابن خازم فلم تجدوا إلا الخنادق مقبرا
ويوم تركتم في الغبار ابن مرثد وأوسا تركتم حيث سار وعكسرا٦
وسرعان ما تضاربت مصالح بني تميم الاقتصادية والسياسية مع مصالح عبد الله بن خازم، فقد منعهم من الاستقرار بهراة استقرار الفاتحين٧. فخرجوا عليه في السنة
_________________
(١) ١ حوارين: قرية من قرى حمص، وبها مات يزيد بن معاوية. وثم: هناك. ٢ الراعف: السائل. والمرثوم: المكسور الذي تتقطر الخمر منه. ٣ المرنة: المرأة النائحة الصالحة. والنشوات: جمع نشوة، وهي السكر، وفي الأصل: "نشوانه" بالنون، والنشوان: السكران. والصبخ: الدف. ٤ انظر ترجمته في الحبر ص: ٢٢١، والمعارف ص: ٤١٨، والاستيعاب ص: ٨٨٦، وأسد الغابة ٣: ١٤٨، والبداية والنهاية ٨: ٣٢٦، والإصابة ١: ٣٠١، وتهذيب التهذيب ٥: ١٩٤، وتقريب التهذيب ١: ٤١١. ٥ الطبري ٧: ٤٩٦. ٦ أوس: هو أوس بن ثعلبة البكري، فر إلى سجستان وبها مات بعد احتلال ابن خازم لهراة. ٧ الطبري ٧: ٥٩٣.
[ ٨٣ ]
التي أيدوه فيها على بكر، واجتاحوا المدينة، وقتلوا ابنه محمدا، واستمروا ينازعونه عليها، ويناهضونه فيها سنتين كاملتين١ فقال موسى٢ بن عبد الله بن خازم يتحسر لاغتيال تميم أخاه محمدا، وما نجم له من تفرق صفوف تميم وقيس وتناحرهم، بعد أن كانوا متحالفين متعاونين على خصومهم من بكر، ويحتج كذلك لاقتصاص أبيه منهم، وملاحقته لهم، فإنهم هم الذين نكثوا العهد، ونقضوا الحلف، وهم الذين عادوه وقاتلوه، وهم الذين أصروا على مخالفتهم له ومنازعتهم إياه. وهو لذلك حين ينتقم منهم، فإنه لا يجور عليهم، بل يجزيهم سوءا بسوء٣:
ومن عجب الأيام والدهر أصبحت تميم وقيس بالرماح تشاجر
وكنا يدا حتى سعى الدهر بيننا ففرقنا والدهر فيه الدوائر٤
يفرق ألافا ويترك عالة أناسا لهم وفر من المال وافر٥
هم بدأونا بالقطيعة وارتضوا له خطة لا يرتضيها المعاشر٦
_________________
(١) ١ الطبري ٧: ٥٩٥. ٢ جاء في معجم الشعراء للمرزباني في ذكر من اسمه مرداس ص: ٢٧٤: "مرداس تميم بخراسان، وكانت تميم قتلت ابنه محمد بن عبد الله". ففي النص نقص وتخليط، لأن المعروف أن عبد الله بن خازم كان له خمسة أبناء، وهم "موسى، ومحمد، ونوح، وخازم، وإسحاق" "انظر جمهرة أنساب العرب ص: ٢٦٢". أما محمد فقتله بنو تميم بهراة سنة خمس وستين. "انظر الطبري ٧: ٥٩" وأما موسى فقتله المفضل بن المهلب بن أبي صفرة بالترمذ سنة خمس وثمانين "انظر الطبري ٧: ١١٥٤" وأما أبناؤه الثلاثة الآخرون فلم يكن لهم شأن ولا ذكر بخراسان. ولعل الصحيح أن الأبيات لموسى بن عبد الله بن خازم، ومما يقوي ذلك أنه كان شاعرا، "انظر معجم الشعراء ص: ٢٨٧" ولعل النص يستقيم على هذا النحو: "قال موسى بن عبد الله بن خازم، وكانت تميم قتلت أخاه محمد بن عبد الله بخراسان". ٣ معجم الشعراء ص: ٢٧٤. ٤ في الأصل: فصرفنا، وهو تحريف ظاهر. والدوائر: الدواهي والهزيمة والسوء والشر. ٥ العالة: الذي يتكفل غيره به، وينفق عليه. والوافر: الكثير وفي الأصل داثر. والدثر: المال الكثير من الإبل، ولم يستعمل داثر بهذا المعنى. ٦ المعاشر: القريب والصديق.
[ ٨٤ ]
فما كان ظلما قتلنا القوم إذ بغوا وضاقت عليهم في البلاد المصادر١
وللأبيات أهمية تاريخية كبيرة، لأنها تكشف كشفا دقيقا عن تحالف قيس وتميم في هذه الفترة المبكرة، لاتفاق مصالحهم المختلفة، ولأنها تبين عن معاداتهم جميعا لبكر، ومما لم يطلعنا عليه المؤرخون. بمثل هذا الوضوح المطلق.
وعندما ضيق ابن خازم على بني تميم بهراة، تفرقوا في مدن خراسان، فمضى بحير بن ورقاء إلى نيسابور، واتجه دثار بن شماس العطاردي ناحية أخرى، وقيل: أتى سجستان، وأخذ عثمان بن بشر بن المحتفر إلى فرتنا، فنزل قصرا بها، وسار الحريش بن هلال ناحية مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم، فلحقه بقرية من قراها يقال لها: قرية الملحمة، أو قصر الملحمة، فتنازلا طويلا، صمد الحريش لابن خازم صمودا شديدا، وصده صدا عنيفا. وفي ذلك يقول الخريش يصف قوة بأسه وصلابته، وحسن بلائه في مقارعته لابن خازم عامين متصلين، ويصف سهره وحذره، وامتشاقه لرمحه، وسله لسيفه، ومعالجته لفرسه٢:
أزال عظم يميني عن مركبة حمل الرديني في الإدلاج والسحر٣
حولين ما اغتمضت عيني بمنزلة إلا وكفي وساد لي على حجر
بزي الحديد وسربالي إذا هجعت عني العيون محال القارح الذكر٤
_________________
(١) ١ المصادر: المواضع. ٢ الطبري ٧: ٥٩٨، وابن الأثير ٤: ٢١٠،. ٣ الرديني: الرمح. والإدلاج: سير آخر الليل. ٤ البز: السلاح التام يدخل فيه الدرع والمغفر والسيف. والسربال: الدرع. والمحال: الكيد والتدبير وروم الأمر بالحيل، والقارح: الفرس في الخامسة. والذكر من الحديد: أيبسه وأشده وأجوده. ولعله استعار هذا الوصف للفرس.
[ ٨٥ ]
نهايتهم، يتألم لفقدهم، ويعتذر من تقصيره من إغاثتهم، بأنه بذل كل ما في وسعه، وينعي على قومه تخاذلهم وجبنهم، ويرثي أبطال قبيلته، الذين لاقوا مصارعهم، ويصور ما انتابه من غم وهم، وما أصابه من قنوط ويأس١:
أعاذل إني لم ألم في قتالهم وقد عض سيفي كبشهم ثم صما٢
أعاذل ما وليت حتى تبددت رجال وحتى لم أجد متقدما
أعاذل أفناني السلاح ومن يطل مقارعة الإبطال يرجع مكلما٣
أعيني إن انزفتما الدمع فاسكبا دما لازما لي دون أن تسكبا دما٤
أبعد زهير وابن بشر تتابعا وورد أرجي في خراسان مغنما٥
أعاذل كم من يوم حرب شهدته أكر إذا ما فارس السوء أحجما٦
١ وهكذا استمر ابن خازم يتعقب بني تميم بنواحي خراسان، التي تبعثروا فيها، ولجأوا إليها، وينكل بمن يقع بيديه منهم أبشع التنكيل، ويمثل بهم أشنع التمثيل، حتى كسر شوكتهم، وحطم كبرياءهم، وقتل زعماءهم، وحتى أرغم الحريش بن خلال على الاستسلام والإذعان له بقرية الملحمة. فهادنه الحريش وصالحه على أن يخرج من خراسان كلها، ولا يعود إلى قتاله، ووصله بن خازم بأربعين ألف درهم، وضمن له قضاء دينه.
_________________
(١) ١ الطبري ٨: ٧٠٠، وابن الأثير ٤: ٢٥٦. ٢ لم ألم: لم آت من الأفعال ما ألام عليه. والكبش: سيد القوم، يريد به ابن خازم، وكان الحريش ضربه برأسه ضربة أطارات فروته على وجهه. وعض السيف: جرح وصمم: مضى في العظم وقطعه. ٣ المكلم: المجرح. ٤ أنزفت العين: ذهب ماؤها ونضب. واللازم: المفروض. ٥ زهير: هو زهير بن ذؤيب وابن بشر: هو عفان بن بشر بن المحتفر، وورد: هو ورد بن الفلق العنبري، وكلهم من فرسان بني تميم وسادتهم. ٦ فارس السوء: فارس الهزيمة والشر، ضد فارس الصدق.
[ ٨٦ ]
فكان لما حاق ببني تميم من الهزائم المتلاحقة أثر بالغ في نفوس أبنائهم وشعرائهم، فأخذوا يتلاومون، وجعل كل فريق يلقي التبعة على الفريق الآخر، كما مر بنا في أبيات الحريش السابقة، وكما يتضح من هذين البيتين لأحد شعرائهم، وهو يشيد فيها بالحريش وبطولته وغنائه في القتال، ويرمي غيره بالتقاعس والانهزام، ويردد أنهم لو صبروا صبره لما قدر ابن خازم عليهم،، ولما استطاع البطش بهم، بل لتغلبوا عليه، وأذاقوه مر الهزيمة، وشر الانكسار١.
فلو كنتم مثل الحريش صبرتم وكنتم بقصر الملح خير فوارس
إذا لسقيتم بالعوالي ابن خازم سجال دم يورثن طول وساوس٢
ومع كل ما لحق بني تميم من الكرب بهراة حتى تقهقروا عنها واستبد ابن خازم بها، وتشتتوا في مدن خراسان، ومع كل ما حل بهم من التفرق والتمزق بمرو الروذ حتى سيطر ابن خازم عليها، وفتك بهم فتكا ذريعا فيها، فقد بقيت منهم بقية بنيسابور كان بحير بن ورقاء على رأسها، فأشعلت هناك ثورة على ابن خازم سنة اثنتين وسبعين، فأسرع إليها، وأناب على مرو الروذ بكير بن وشاح التميم. وبينما كان يحارب بحيرا طلب إليه عبد الملك بن مروان أن يبايع له على أن يفوض إليه حكم خراسان سبع سنين، فأنف من قبول هذا العرض، فكاد عبد الملك له، وكتب إلى ابن وشاح أن ينضوي تحت لوائه، ويدخل في طاعته على أن يوليه على خراسان، فوافق ابن وشاح على ذلك. وهنا ضعف مركز ابن خازم، فقرر التوجه إلى الترمذ، والانضمام إلى ابنه موسى بها، فاتبعه ابن ورقاء وقتله أحد الموالي الذين كانوا معه، وهو وكيع بن الدورقية الخوزستاني، وكان ابن خازم قتل أخاه لأمه من قبل. فقال وكيع يذكر صرعه لابن خازم، وأخذه بثأره منه٣:
_________________
(١) ١ الطبري ٧: ٥٩٧. ٢ السجال: جمع سجل وهي الدلو الضخمة المملوءة ماء، وجعلها هنا مملوءة دما. ٣ فتوح البلدان ص: ٤٠٦.
[ ٨٧ ]
ذق يا بن عجلى مثل ما قد أذقتني ولا تحسبني كنت عن ذاك غافلا١
وكتب ابن ورقاء إلى عبد الملك أنه أحبط تمرد ابن خازم، وسفك دمه، وأرسل رسولا من بني غدانة ليحمل إليه الخبر، ولم يبعث معه بالرأس، فاغتصبه ابن وشاح، وحبس ابن ورقاء، وأرسل إلى عبد الملك، فحار في الأمر، ولم يتبين حقيقته. فقال رجل من بني سليم يأسف الهلاك ابن خازم، ويأسف لبعده عن قومه، وانقطاعه عنهم، مما هيأ الفرصة لأعدائه، فأطاحوا به، وحزوا رأسه:٢
أليلتنا بيسابور ردي علي الصبح ويحك أو أنيري٣
كواكبها زواحف لا غبات كأن سماءها بيدي مدير٤
تلوم على الحوادث أم زيد وهل لك في الحوادث من نكير٥
جهلن كرامتي وصددن عني إلى أجل من الدنيا قصير
فلو شهد الفوارس من سليم غداة يطاف بالأسد العقير٦
لنازل حوله قوم كرام فعز الوتر في طلب الوتور٧
فقد بقيت كلاب نابحات وما في الأرض بعدك من زئير
_________________
(١) ١ ابن عجلى: عبد الله بن خازم السلمي، وأمه عجلى، وكانت سوداء، أحد غربان العرب في الإسلام: "انظر الكامل للمبرد ١: ٢٤١، والمحبر ص: ٣٠٨". ٢ الطبري ٨: ٨٣٤. ٣ ويحك: كلمة تقال رحمة لمن تنزل به بلية، وتنصب على المصدرية. ٤ البيت لمهلهل بن ربيعة. "انظر أمالي القالي ٢: ١٢٧". والزواحف: المعييات التي لا تقدر على النهوض والاغبات مثلها، كررها توكيدا لما اختلف اللفظ. "كأن سماءها بيدي مدير". يريد أن سماءها أثقل من أن يديرها مدير، فهو إذا تكلف إدارتها لم يقدر عليها. ٥ النكير: النكران والرد. ٦ العقير: المعقور المجروح. ٧ الوتر: الثأر. والوتور: كثير الجناية على غيره.
[ ٨٨ ]
ونشأ عن سجن ابن وشاح لابن ورقاء، ونسبته قتل ابن خازم إلى نفسه، واستئثاره بالسلطة من دونه أن تشعب بنو سعد التميميون إلى شعبتين، إذ ساعدت عوف بن وشاح، وأيدت مقاعس والبطون ابن ورقاء، فاستطار الشر بين المجموعتين المتناحرتين على السلطة، واستمر الخلاف بينهما على أشده سنتين. وفي سنة أربع وسبعين تفاقم العداء بينهم، وتعاظم خطره، فاتفق العرب بخراسان على أن يكتبوا إلى عبد الملك بن مروان أن يعين عليهم واليا قرشيا، حتى يخلصهم من الفتنة والهلكة، فانتخب أمية بن عبد الله الأموي وسيره إليهم. فقال رجل من بكر بن وائل يصف ما ثار من الخصام والصدام بين عشائر بني تميم، وما نجم عنه من تسلط ابن وشاح عليهم، ويعلن انتهاء الأزمة وانفراجها، بقدوم أمية إليهم١:
أتتك العيس تنفخ في براها تكشف عن مناكبها القطوع٢
كأن مواقع الأكوار منها حمام كنائس بقع وقوع٣
بأبيض من أمية مضرحي كأن جبينه سيف صنيع٤
وحاول ابن ورقاء الانتقام لنفسه، فخف لاستقبال أمية، وحذره من غدر ابن وشاح، فلم يستمع أمية إليه، بل ثبت موظفي ابن وشاح في مناصبهم وجرب أن يستميله ويصانعه بتوليته قيادة شرطته، فأبى فولاها ابن ورقاء٥، فسخط وراح يتربص بأمية. وفي سنة سبع وسبعين غزا أمية بخارى والترمذ، وأقام ابنه زيادا عنه بمرو الشاهجان، وكلف ابن وشاح بملازمته، حتى يعنى به ويضبط عمله. فانتهز فرصة غياب أمية، وأخذ ابنه فحبسه، ودعا الناس إلى خلعه فأجابوه. وبلغ أمية النبأ،
_________________
(١) ١ الطبري ٨: ٨٦١. والأبيات في الأغاني "طبعه الساسي" ١٢: ٦٩، وفي اللسان ٣: ٣٥٨، ١٠: ١٥٦ لعبد الرحمن بن الحكم يمدح معاوية بن أبي سفيان وفي اللسان ١٠: ١٥٦، للأعشى أو لزياد الأعجم. ٢ البري: جمع برة، وهي الحلقة في أنف البعير. والمناكب: جمع منكب، وهو مجتمع عظم العضد والكتف. والقطوع: جمع قطع، وهي النمرقة والطنفسة تكون تحت الرحل على كتفي البعير. ٣ الكور: الرحل، والبقع: التي خالط بياضها لون آخر. ٤ المضرحي: السيد السري الكريم، والصنيع: السيف المجلو المصقول اللامع. ٥ الطبري ٨: ٨٦٢.
[ ٨٩ ]
فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع إلى مرو الشاهجان، فقضى على الفتنة، وصفح عن ابن وشاح. وعندما تأكد من أنه لم ينصرف عن الكيد له، والتحريض عليه، سجنه، وأمر بقتله، ووكل به ابن ورقاء، فضرب عنقه، وقال له قبل أن ينفذ الحكم فيه "لا يصلح بنو سعد ما دمنا حيين"١. فتصدعت صفوف بني سعد، وامتلأت صدور بني عوف والأبناء غضبا على ابن ورقاء، وأخذ شعراؤهم يحضونهم على الأخذ بثأر ابن وشاح. ومما قيل في ذلك هذه الأبيات لعثمان بن رجاء، أحد بني عوف ابن سعد٢:
لعمري لقد أغضيت عينا على القذى وبت بطينا من رحيق مروق٣
وخليت ثأرا طل واخترت نومة ومن يشرب الصبهاء بالوتر يسبق٤
فلو كنت من عوف بن سعد ذوابة تركت بحيرا من دم مترقرق٥
فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا بعوف فعوف أهل شاء حبلق٦
دعوا الضأن يوما قد سبقتم بوتركم وصرتم حديثا بين غرب ومشرق٧
وهبوا فلو أمسى بكير كعهده صحيحا لغاداهم بجأواء فيلق٨
وقال عثمان بن رجاء أيضا يستنهض بني عوف والأبناء ويحمسهم لإدراك ثأرهم ونفي العار عنهم٩:
_________________
(١) ١ الطبري ٨: ١٠٢٢، ١٠٣١. ٢ الطبري ٨: ١٠٤٨، وابن الأثير ٤: ٤٥٧. ٣ القذى: المكروه والعار. والبطين: عظيم البطن. والمورق: المصفى. ٤ طل: أهدر. ٥ ذؤابة القوم: أعلاهم وأشرفهم. ٦ الحبلق: الغنم الصغار لا تكبر. ٧ في الأصل: دع. ٨ الجأواء: الكتيبة التي يعلو لونها السواد لكثرة الدروع. ٩ الطبري ٨: ١٠٤٨، وابن الأثير ٤: ٤٥٨.
[ ٩٠ ]
فلو كان بكر بارزا في أداته وذي العرش لم يقدم عليه بحير١
ففي الدهر إن أبقاني الدهر مطلب وفي الله طلاب بذاك جدير
وعلم ابن ورقاء أن الأبناء يهددونه، فقال يعتد بقوة عزيمته، ومقدرة أنصاره، ويفتخر بدقه عنق ابن وشاح بسيفه٢:
توعدني الأبناء جهلا كأنما يرون فنائي مقفرا من بني كعب
رفعت له كفي بحد مهند حسام كلون الملح ذي رونق عضب٣
ولم تنته الخصومة بين عشائر بني سعد إلا سنة إحدى وثمانين، حين تعاقد سبعة عشر رجلا من بني عوف ابن كعب بن سعد على الطلب بدم ابن وشاح٤. فخرج أحدهم من بادية البصرة إلى خراسان، وهو صعصعة بن حرب العوفي، واغتال ابن ورقاء بآخرون، وهو غاز مع المهلب بن أبي صفرة٥، بعد أن غير اسمه ولقبه، وانتحل شخصية رجل من بكر بن وائل. فأهدر المهلب دم صعصعة وقتله. فثار بنو عوف والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما طلب بثأره، فنازعتهم مقاعس والبطون، حتى خاف العرب أن يعظم الأمر فقال أهل الحجى: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم ابن ورقاء بواء وسواء بدم ابن وشاح. فودوا صعصعة. فقال رجل من الأبناء بمدحه، وينوه بما تجشم من الصعاب والعقاب، وما بذل من الجهد حتى قتل ابن ورقاء٦:
_________________
(١) ١ أداته: سلاحه. ٢ الطبري ٨: ١٠٤٨، وابن الأثير ٤: ٤٥٨. ٣ الحسام والعضب: السيف القاطع. الرونق: الماء واللمعان. ٤ الطبري ٨: ١٠٤٩. ٥ انظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٧: ١٢٩، وطبقات خليفة بن خياط ص: ٤٧٨، والمحبر ص: ٢١٦، والتاريخ الكبير ٤: ٢: ٢٥، والمعارف ص: ٣٩٩، وشرح نهج البلاغة ٤: ١٤٤، والجرح والتعديل ٤: ١: ٣٦٩، ووفيات الأعيان ٥: ٣٥٠، والبداية والنهاية ٩: ٤٣، وشذرات الذهب ١: ٩٠. ٦ الطبري ٨: ١٠٥١.
[ ٩١ ]
لله در فتى تجاوز همه دون العراق مفاوزا وبحورا
ما زال يدأب نفسه ويكدها حتى تناول في خرون بحيرا
وفي سنة خمس وثمانين فصل الحجاج بن يوسف، أمير العراق، يزيد بن المهلب١ عن ولاية خراسان، وكلف بها أخاه المفضل، فجعل يستحث يزيد على السفر إلى العراق، فقال له: إن الحجاج لا يقرك بعدي، وإنما دعاه إلى توليتك مخافة أن أمتنع عليه. فظن المفضل أن أخاه حسده. فخرج يزيد عائدا إلى العراق، فاستغنى الحجاج عن المفضل، فقال أحد الشعراء هذه الأبيات للمفضل وأخيه عبد الملك، يتهمهما فيها بقصر النظر، مما جعل الحجاج يطرد المهالبة جميعا من خراسان٢:
يا ابني بهلة إنما أخزاكم ربي غداة غدا الهمام الأزهر
أحفرتم لأخيكم فوقعتم في قعر مظلمة أخوها المعور٣
جودوا بتوبة مخلصين فإنما يأبى ويأنف أن يتوب الأخسر
وكان يزيد بن المهلب استشار الحضين بن المنذر الرقاشي البكري٤ قبل أن يرحل عن خراسان، فنهاه عن السفر، ونصحه أن يقيم ويعتل، وأن يكتب إلى عبد الملك بن مروان ليقره، فإنه حسن الرأي فيه. فلم يعمل يزيد بمشورته، وقال له: "إنما نحن أهل بيت بورك لنا في الطاعة، وأنا أكره الخلاف" فقال الحضين فيه هذين البيتين، شامتا به، وساخرا منه، وقد جرد من منصبه، وراجعته نفسه فيه٥:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
وما أنا بالباكي عليك صبابة وما أنا بالداعي لترجع سالما
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في المعارف ص: ٣٠٠، ووفيات الأعيان ٦: ٢٧٨. ٢ الطبري ٨: ١١٤٢. ٣ المعور: أعمى العين. ٤ انظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٧: ١٥٥، وطبقات خليفة بن خياط ص: ٤٨٧، والتاريخ الكبير ٢: ١: ١٢٨، والجرح والتعديل ١: ٢: ٣١١، وتهذيب التهذيب ٢: ٣٩٥، وتقريب التهذيب ١: ١٨٥. ٥ الطبري ٨: ١١٤٢، وابن الأثير ٤: ٥٠٤.
[ ٩٢ ]
وفي سنة ست وتسعين أراد الوليد بن عبد الملك أن يجعل ولاية العهد لابنه عبد العزيز، وأن يخلع أخاه سلمان عنها، فأيده الحجاج بن يوسف، وقتيبة بن مسلم١، فمات الوليد في السنة نفسها، واستخلف سليمان، فخافه قتيبة٢، وتوقع منه غدرا وشرا، فغزا فرغانة، وهناك حث مقاتلة القبائل على رفض الانصياع له، فلم يؤيدوه في هذه المغامرة السياسية الخطيرة، واستغل رؤساء الأخماس من الأزد، وبكر، وتميم الموقف، وراحوا يخططون لخلعه، وكان الأزد هي التي بدأت بالكيد له، ثم اجتمع زعيمها بحلفائه من بكر، فصوبوا رأيه. لكنهم كانوا يعرفون أن تميما أضخم الأخماس وأقواها، وأنها إن لم تشترك معهم في المؤامرة، فإنها ستأخذ جانب قتيبة، وستنكل في النهاية بهم٣. فمشوا إلى رئيسها وكيع بن أبي سود التميمي٤، وكان ناقما على قتيبة، لأنه نحاه عن رئاسة بني تميم، ولم يحترمه حين استشفع عنده للأهاتم من بني قومه، فوافقهم، فأسندوا إليه قيادتهم، ثم وثبوا بقتيبة فقتلوه، فادعى شعراء كل قبيلة أن سادتها وفرسانها هم الذين اغتالوه جزاء وفاقا لتجبره عليهم. وظلمه لهم.
فهذا ثابت قطنة الأزدي، يصور حال قتيبة بفرغانة، وما آل إليه من المذلة قبل أن يقتل، وما انتهى إليه من مصير مروع فظيع، فقد قطعت رأسه، ولطخ الدم جبينه تلطيخا، بعد أن كان في حياته عاتيا متسلطا٥:
ألم تر أن الباهلي بن مسلم بفرغانة القصوى بدار هوان
تمور أسابي الدماء بوجهه وقد كان صعبا دائم الخطران٦
وهذا نهار بن توسعة يفتخر بأن قومه من بكر هم الذين سفكوا دمه، لأنه طغى وبغى. يقول:٧
_________________
(١) ١ الطبري ٨: ١٢٨٤. ٢ انظر ترجمته في المعارف ص: ٤٠٦، ومعجم الشعراء ص: ٢١٢، ووفيات الأعيان ٤: ٨٦، والبداية والنهاية ٩: ١٦٧، وخزانة الأدب ٣: ٦٥٧. ٣ الطبري ٨: ١٢٨٩. ٤ جمهرة أنساب العرب ص: ٢٢٦. ٥ نقائض جرير والفرزدق ١: ٣٦٤. ٦ الأسابي: طرائق الدم، ودائم الخطران: كثير الوعيد والتهديد. ٧ الطبري ٩: ١٣٠١.
[ ٩٣ ]
ولما رأينا الباهلي بن مسلم تجبر عممناه عضبا مهندا١
وهذا الحضين بن المنذر الرقاشي، سيد بكر، يتمدح بأن حلفاءه من الأزد هم الذين فتكوا به، وأنهم هم الذين ساعدوا تميما على الأخذ بثأرها منه، إذ اختاروا لقتله رجلين جبارين، وانتخبت هي رجلا هزيلا، أسود الأنف، مختوم الذراعين، أصم الأذنين، قبيح الخلقة، بشع الوجه، وهو وكيع بن أبي الأسود، يقول٢:
وإن ابن سعد وابن زحر تعاورا بسيفهما رأس الهمام المتوج٣
وما أدركت في قيس عيلان وترها بنو منقر إلا بالازد ومذحج
عشية جئنا بابن زحر وجئتم بأدغم مرقوم الذراعين ديزج٤
أصم غداني كأن جبينه لطاخه نقس في أديم ممجمج٥
أما بيهس بن حاجب التميمي فيذهب إلى أن وكيعا هو الذي ثار لقتلى عشيرته من الأهاتم، وانتصر للخلافة، ولسليمان بن عبد الملك، إذ لم يكد ينادي شجعان قومه حتى لبوا نداءه، لأن من عادتهم أن يسرعوا إلى المستغيث، ويتسابقوا إلى المعالي، مع إعداد العدة للحرب، والفوز فيها بالنصر. يقول٦:
ورد على سعد وكيع دماءها حفاظا وأوفى للخليفة بالعهد
ولما دعى فينا وكيع أجابه فوارس ليسوا بالرباب ولا سعد
فوارس من أبناء عمرو بن مالك سراع إلى الداعي سراع إلى المجد
_________________
(١) ١ تقول العرب للرجل إذا سود قد عمم. وكانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة حمراء. "اللسان ١٥: ٣٢٠" ونهار يشاكل بين تعميم الرجل بالعمامة الحمراء إذا سود، وبين تعميمه بالسيف إذا قتل. ٢ نقائض جرير والفرزدق ١: ٣٦٢، والطبري ٩: ١٢٩٧. ٣ ابن زحر: هو جهم بن زحر بن قيس الأزدي. وابن سعد هو سعد بن نجد الأزدي "الاشتقاق ص: ٤٠٧". ٤ الديزج: الأدغم. ٥ اللطاخة: البقعة. والنفس: الحبر. والممجمج: كثير اللحم. ٦ نقائض جرير والفرزدق ١: ٣٦٥.
[ ٩٤ ]
ميامين لا كشف اللقاء لدى الوغى ولا نكد إن حشت الحرب بالنكد١
وتمجد وكيع بن أبي سود تمجدا كثيرا بنفسه، فيه العجب والكبر، وفيه الصلف والغرور، إذ يقول مصورا ازورار العرب عنه، وتحاميهم له، لبذاءة لسانه، وكثرة شره وأذاه٢:
قد جربوني ثم جربوني من غلوتين ومن المئين٣
حتى إذا شبت وشيبوني خلوا عناني وتنكبوني
ويقول معتزا بنسبه وأصالته٤:
أنا ابن خندف تنميني قبائلها للصالحات وعمي قيس عيلانا
وعلى نحو ما تمدح القبائل العربية في خراسان بالثورة على قتيبة، وعزا كل منهم قتله إلى قبيلته أو إلى حلفائها، تمدح الشعراء في العراق من القبائل نفسها بذلك. فالطرماح بن حكيم الطائي القحطاني الكوفي يكرر المعاني التي رجعها شعراء الأزد كثيرا بخراسان، مع الإفاضة فيها، والتعظيم لأمرها، ومع الإحساس القوي بالعصبية لأهل اليمن والتعالي بهم على العرب كافة، ومع المن على المسلمين والخلفاء الأمويين. فقومه هم الذين صانوا للعرب وحدتهم وسيادتهم، وهم الذين وفوا للخليفة، لأنهم حماة الإسلام في أول عهده، وأنصار الأمويين، الذائدين عنهم، الموطدين لحكمهم، وذلك قوله٥:
لولا فوارس مذحج ابنة مذحج والأزد زعزع واستبيح العسكر
_________________
(١) ١ الميامين: المباركون، والكشف: الذين لا تروس معهم في الحرب والنكد: المسئومون. وحشت: اسعرت وهيجت. ٢ الطبري ٩: ١٢٩٨. ٣ الغلوة: الغاية قدر رمية بسهم. ٤ الطبري ٩: ١٢٩٨، ونقائض جرير والفرزدق ١: ٣٦٣. ٥ ديوانه ص: ٢٤٨، والطبري ٩: ١٣٠٢.
[ ٩٥ ]
وتقطعت بهم البلاد ولم يؤب منهم إلى أهل العراق مخبر
واستطلقت عقد الجماعة وازدري أمر الخليفة واستحل المنكر١
قوم هم قتلوا قتيبة عنوة والخيل جانحة عليها العثير٢
بالمرج من مرج الصين حيث تبينت مضر العراق من الأعز الأكثر
إذ حالفت جزعا ربيعة كلها فتفرقعت مضر ومن يتمضر
وتناقلت أزد العراق ومذحج للموت يجمعها أبوها الأكبر٣
من مذحج والازد حين تجمعت للحرب زمزمة تغط وتهدر٤
كفت الذين تغيبوا من قومهم من كان يعرف منهم أو ينكر
والأزد تعلم أن تحت لوائها ملكا قراسية، وموت أحمر٥
والأزد تعلم ما يقال ضحى غد تحت اللواء فتستحد وتصبر٦
قحطان تضرب رأس كل متوج وعلى بصائرها وإذ لا تبصر
في عزنا انتصر النبي محمد وبنا تثبت في دمشق المنبر#
أما الفرزدق شاعر بني تميم في البصرة فينسب كل ما حدث بخراسان إلى قومه، ويستشعر مكانة قبليته استشعارا عارما. ويبدئ ويعيد في المعاني التي رددها شعراء تميم بخراسان، مع الإسهاب فيها، والتضخيم لها، فإذا قومه هم الذين أراقوا دم قتيبة، ومنعوا أخاه ضرارا من الموت، وإذا هم الذين جاهدوا جهادا قويا لإعلاء كلمة الله في الأرض، فانتشر الإسلام في كل ناحية، وارتفع صوت المؤذن في كل
_________________
(١) ١ استطلقت عقد الجماعة: اختل نظامها وانحلت وتفرقت. ٢ جانحة: مائلة على شق في جريها حين الغارة من فرط النشاط. والعثير: الغبار. ٣ تناقلت: أسرعت. ٤ الزمزمة: الصوت البعيد تسمع له دويا، وتغط: تهدر. ٥ الملك القراسية: القوي العظيم. وموت أحمر: أي وثم مت أحمر، رفعه على الابتداء. ٦ تستحد: تغضب وتثور للحرب.
[ ٩٦ ]
زاوية، وإذا وكيع بن أبي سود هو الذي انتصر للأمة والدين والخليفة فاستحق جنات الخلد، يقول١:
ومنا الذي سل السيوف وشامها عشية باب القصر من فرغان
عشية لم تمنع بنيها قبيلة بعز عراقي ولابيمان
عشية ود الناس أنهم لنا عبيد إذ الجمعان يضطربان
عشية ما ود ابن غراء أنه له من سوانا إذ دعا أبوان٢
عشية لم تستر هوازن عامر ولا غطفان عورة ابن دخان٣
رأوا جبلا يعلو الجبال إذا التقت رؤوس كبيريهن ينتطحان
رجال على الإسلام إذ ما تجالدوا على الدين حتى شاع كل مكان٤
وحتى دعا في سور كل مدينة مناد ينادي فوقها بأذان
فيجزى وكيع بالجماعة إذ دعا إليها بسيف صارم وسنان
جزاء بأعمال الرجال كما جزى ببدر وباليرموك فيء جنان
وواضح من كل الأبيات والمقطوعات التي استشهدنا بها، والتي نظمها الشعراء في خراسان والعراق، بعد هلاك قتيبة أن ما يشيع فيها من المنافسة والمفاخرة والمكاثرة يعود إلى سببين أساسيين: الأول استبداد الروح الجاهلية، والعصبية القبلية بنفوس قبائلهم، وقوة إحساسهم بالفردية والذاتية، وضعف تمثلهم لفكرة الوحدة والأمة. والثاني رغبة كل قبيلة في منافقة سليمان بن عبد الملك ومصانعته، فقد أعلن شعراء كل قبيلة أن قومهم رفضوا الخروج عليه، وعدوا عصيان قتيبة له عبثا وجرما كبيرا، ولذلك فإنهم انفصلوا عن قتيبة، وفتكوا به، إيمانا منهم بحق سليمان في الخلافة، واعتقادا منهم بأن الفتنة يجب أن توأد مهدها، لما تنذر به من أخطار جسيمة.
_________________
(١) ١ ديوانه ٢: ٣٣١، ونقائض جرير والفرزدق ١: ٣٥١، والطبري ٩: ١٣٠١. ٢ ابن غراء: هو ضرار بن مسلم أخو قتيبة بن مسلم، وأمه غراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة. ٣ ابن دخان: لقب باهلة. ٤ تجالدوا: جاهدوا وصبروا.
[ ٩٧ ]
تهدد الدين، وتوهن جانب المسلمين ولسنا نشك في أنهم إنما كبروا هذه المعاني، وجهروا بها، لأن كل قبيلة كانت تطمع في أن يكافئها سليمان بالولاية لقاء تعلقها به، ووفائها له.
وقام وكيع بن أبي سود التميمي بالولاية، بعد ذلك الاضطراب وتلك الفوضى، ففرح العرب واستبشروا خيرا، حتى إن نهار بن توسعة البكري نفخ في رأسه، وعظم دوره، ومضى يحبب للناس شخصيته، معلنا أنهم أسلموا إليه زمام أمرهم، لأنه مشهور بفنائه في الحروب، مذكور بوفائه للخليفة، وأنه قادهم قيادة سليمة، وساسهم سياسة عادلة، فاجتمعت كلمتهم، والتأمت صفوفهم، واتحدوا بزعامته تحت راية الإسلام، وفي ذلك يقول١:
أراد بنو عمرو لتهلك ضيعة فقد تركت أجسادهم بمضيع
ستبلغ أهل الشام عنا وقيعة صفا ذكرها للحنظلي وكيع
وقد أسندت أهل العراق أمورها إلى حامل ما حملوه منيع
له راية بالثغر سوداء لم تزل تفض بها للمشركين جموع
مباركة تهدي الجنود كأنها عقاب نحت٢ من ريشها لوقوع
على طاعة المهدي لم يبق غيرها فأبنا وأمر المسلمين جميع
على خير ما كانت تكون جماعة على الدين دينا ليس فيه صدوع
ولكن وكيعا أخلف ظنون العرب به، وخيب آمالهم فيه، فقد تحكم برقابهم، وبطش بهم، ولم يقف عند اضطهادهم والتعدي عليهم، بل خرج على حدود الشرع وقواعده، فإذا هو لا يقنع بجلد السكران جلدا، بل يسفك دمه سفكا. فلما روجع في ذلك "وقيل له: ليس عليه القتل، إنما عليه الحد، قال أنا لا أعاقب بالسياط،
_________________
(١) ١ نقائض جرير والفرزدق ١: ٣٦٤. ٢ نحت: اعتمدت.
[ ٩٨ ]
إنما أعاقب بالسيف"١. فساءت سيرته في ولايته التي لم تتجاوز تسعة أشهر، ورجع نهار بن توسعة البكري عن رأيه الأول فيه، وراح يندد به، ويشهر بحكمه الغاشم، إذ يقول٢:
وكنا نبكي من الباهلي فهذا الغداني شر وشر
وحين ولي يزيد بن المهلب خراسان لسليمان بن عبد الملك، وغزا جرجان وطبرستان، كان على خزائنه شهر ابن حوشب الأشعري٣، فرفع عليه أنه أخذ خريطة، فسأله عنها فأتاه بها، فدعا يزيد من رفع عليه فشتمه، ووهبها لشهر فقال: لا حاجة لي فيها، فقال القطامي الكلبي، أو سنان بن مكحل النميري: يغمز شهرا، ويستهجن أن يسرق شيئا بخسا، وهو من كبار القراء، مما حط من قيمته، ودنس سمعته٤:
لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
أخذت به شيئا طفيفا وبعته من ابن جرير إن هذا هو الغدر
وقال مرة النخعي يتهم يزيد بن المهلب بإفساد خيرة القراء من كبار موظفيه٥:
يا بن المهلب ما أردت إلى امرئ لولاك كان كصالح القراء
وفي إمارة سعيد بن عبد العزيز على خراسان وشى عبيد الله بن عبد الحميد بن عامر بن كريز بجهم بن زحر الجعفي وجماعة من أهل اليمن، ونقل إلى سعيد أنهم
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٣٠١، ونقائض جرير والفرزدق ١: ٣٦٤. ٢ نقائض جرير والفرزدق ١: ٣٦٤، والطبري ٩: ١٣٠١. ٣ انظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٧: ٤٤٩، وطبقات خليفة بن خياط ص: ٧٩٤، والتاريخ الكبير ٢: ٢: ٢٥٩، والمعارف ص: ٤٤٨، والجرح والتعديل ٢: ١: ٣٨٢، وحلية الأولياء ٦: ٥٩، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ٦: ٣٤٥، وتاريخ الإسلام: ٤: ١٣، وتذكرة الحفاظ ١: ١٠٣، والبداية والنهاية ٩: ٣٠٤، والنجوم الزاهرة ١: ٢٧١، وغاية النهاية في طبقات القراء ١: ٣٢٩، وتهذيب التهذيب ٤: ٣٦٩، وتقريب التهذيب ١: ٣٥٥، وشذرات الذهب ١: ١١٩. ٤ الطبري ٩: ١٣٢٩، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ٦: ٣٤٦، وانظر المعارف ص: ٤٤٨، وتهذيب التهذيب ٤: ٣٧٠. ٥ الطبري ٩: ١٣٢٩.
[ ٩٩ ]
احتجنوا أموالا في أثناء عملهم مع يزيد بن المهلب، فسجنهم، ثم عذبهم، حتى يؤدوا الأموال التي طولبوا بها، فهلك جهم، فثار ثابت بن قطنة الأزدي له، وأخذ يتوعد عبد الله وأتباعه بالقتل، يقول١:
أتذهب أيامي ولم أسق ترفلا وأشياعه الكأس التي صبحوا جهما٢
ولم يقرها السعدي عمرو بن مالك فيشعب من حوض المنايا لها قسما
ويدل هذا الخبر مع شعر مرة النخعي على سياسة يزيد بن المهلب المالية، وكيف أنه كان يختان الأموال، ويعرض هبات على المسؤولين عنها، لكي يغضوا الطرف عما كان يستولي عليه منها، وكيف أنه كان يوظف أبناء عشيرته وأهل اليمن، ويطلق أيديهم في أعمالهم دون محاسبة أو مراقبة.
وعندما اندلعت الفتنة بالبروقان بين المضرية، وبين اليمنية والربعية، وانهزم الأخيرون، وقتل بنو تميم عمرو بن مسلم الباهلي الذي اجتمعوا إليه، وولوه قيادتهم، قال بيان العنبري التميمي يصف حرب بني تميم، وكيف أنهم محقوا رؤوس الفتنة من الأزد وبكر، وأوقعوا في قلوبهم الذعر، فإذا البكريون كلما ذكروا ذلك اليوم يبكون ويتألمون، ويعير البكريين بالجبن والتخاذل، لأنه ليس من طبعهم الثبات في الميدان حين يشتد القتال٣:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعة لآل تميم أرجفت كل مرجف٤
تظل عيون البرش بكر بن وائل إذا ذكرت قتلى البروقان تذرف٥
هم أسلموا للموت عمرو بن مسلم وولوا شلالا والأسنة ترعف٦
وكانت من الفتيان في الحرب عادة ولم يصبروا عند القنا المتقصف٧
_________________
(١) ١ أنساب الأشراف ٥: ١٦٢. ٢ ترفل: هو عبيد الله بن عبد الحميد بن عامر بن كريز. ٣ الطبري ٩: ١٤٧٧. ٤ ارجفت: أفزعت. والمرجف: الذي يولد الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب الناس. ٥ البرش: جمع أبرش، وهو الذي في لونه نقطة حمراء وأخرى سوداء أو غبراء. ٦ ولوا شلالا: أي مطرودين متفرقين. وترعف: تقطر دما. ٧ المتقصف: المتكسر.
[ ١٠٠ ]
وقال نصر بن سيار الذي قاد بني تميم يذكر إيقاعه ببكر، شامتا بهم، لأنهم لم يقتنعوا بمحالفة الأزد في موقعة البروقان فحسب، بل حالفوا أيضا عمرو بن مسلم الباهلي، وكانوا يرجون أن يحقق لهم النصر العظيم، فجروه وجروا أنفسهم إلى معركة خاسرة، متشفيا بخالد بن عبد الله القسري، لما آل إليه من الحبس على يد يوسف بن عمر الثقفي بالعراق، سنة عشرين ومائة١:
أرى العين لجت في ابتدار وما الذي يرد عليها بالدموع ابتدارها
وما أنا بالواني إذا الحرب شمرت تحرق في شطر الخميسين نارها
ولكنني ادعو لها خندف التي تطلع بالعبء الثقيل فقارها
وما حفظت بكر هنالك حلفها فصار عليها عار قيس وعارها
فإن تك بكر بالعراق تنزرت ففي أرض مرو علها واوزرارها٢
وقد جربت يوم البروقان وقعة لخندف إذ حانت وآن بوارها
اتتني لقيس في بجيلة وقعة وقد كان قبل اليوم طال انتظارها
وفي ولاية أسد بن عبد الله القسري٣ الأولى على خراسان أحس البكريون إحساسا قويا أنه تنكر لهم، وأبعدهم عن المراكز الهامة، وأنه مال للأزد ميلا شديدا، فقدمهم وخصهم بأرفع الوظائف، فتضجروا وتسخطوا، وجعل أبو البريد البكري ينطق في شعره عن تذمرهم وتبرمهم، ويلوم الأزد، ويأخذ عليهم أنهم تحللوا من الحلف المعقود بينهم وبين قومه في البصرة، على أن يكونوا متساوين متساندين، إذ يقول٤:
إن تنقض الأزد حلفا كان أكده في سالف الدهر عباد ومسعود٥
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٤٧٥، ١٦٥٤. ٢ العل: الشربة الثانية، وعل الضارب المضروب: تابع عليه الضرب. ٣ انظر ترجمته في التاريخ الكبير ١: ٢: ٥٠، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ٢: ٤٦١ وابن الأثير ٥: ٢١٦، وميزان الاعتدال ١: ٢٠٦، والبداية والنهاية ٩: ٣٢٥، وتهذيب التهذيب ١: ٢٥٩، وتقريب التهذيب ١: ٦٣. ٤ الطبري ٩: ١٤٩٧. ٥ مسعود: هو مسعود بن عمرو الأزدي: ومالك: هو مالك بن مسمع البكري.
[ ١٠١ ]
ومالك وسويد أكداه معا لما تجرد فيها أي تجريد١
حتى تنادوا أتاك الله ضاحية وفي الجلود من الإيقاع تقصيد٢
فمشى به أحد الأزد، إلى عبد الرحمن بن صبح، عامل أسد على بلخ، فأنكر ما نسب إليه، وأنشد عبد الرحمن بيتا من شعره يؤكد فيه تمسك قومه بمحالفة الأزد، وحرصهم على صداقهم، يقول٣:
الأزد إخوتنا وهم حلفاؤنا ما بيننا نكث ولا تبديل
ولم يقف أسد في ولايته الأولى عند حرمان بكر من المناصب الكبيرة، فقد تخطاه إلى التضييق على مضر، وحبس أنصارها، فسجن نصر بن سيار، ونفرا من مضر، وجلدهم، فتحرك بنو تميم، وحاولوا إطلاق سراح نصر بالقوة، فنهاهم نصر عن اللجوء إلى السلاح في كل مشكلاتهم، فساقه أسد وبقية المضريين إلى أخيه خالد بالعراق، وكتب إليه أنهم فكروا في الثورة عليه. فلما قدم بهم عليه لام أسدا واتهمه بأنه تساهل في معاقبتهم، لأنه اكتفى بضربهم دون قتلهم٤. فقال نصر يستهجن اعتقال أسد له، ويذم كل من تحدروا من قسر، ويدمغهم بالصغار والمهانة، وبالدهاء والخيانة، لأنهم يتسلطون على الناس، ويضطهدون أشرافهم، ويتنقصون أقدارهم٥:
بعثت بالعتاب في غير ذنب في كتاب تلوم أم تميم
إن أكن موثقا أسيرا لديهم في هموم وكربة وسهوم
رهن قسر فيما وجدت بلاء كإسار الكرام عند اللئيم
أبلغ المدعين قسرا وقسر أهل عود القناة ذات الوصوم٦
_________________
(١) ١ التجريد: انتضاء السيف، وإخراجه من غمده. ٢ التقصيد: التكسير. ٣ الطبري ٩: ١٤٩٨. ٤ الطبري ٩: ١٤٩٨، ١٤٩٩. ٥ الطبري ٩: ١٥٠٠. ٦ الوصوم: جمع وصم وهو الصدغ في العود دون بينونة، والعيب في النسب.
[ ١٠٢ ]
هل فطتم عن الخيانة والغد ر أم أنتم كالحاكر المستديم١
وقال عرفجة الدارمي التميمي يستغرب أن يكون دعاة الخليفة وحماته من أمثال نصر بن سيار مقيدين يسامون العذاب في الحبس، وخصومه الحقيقيون أحرارا يعيشون ويفسدون٢:
فكيف وأنصار الخليفة كلهم عناة وأعداء الخليفة تطلق٣
بكيت ولم أملك دموعي وحق لي ونصر شهاب الحرب في الغل موثق٤
كذلك هاج بنو تميم في البصرة، وكشف الفرزدق عن حنقهم وتحفزهم في أبيات هدد بها خالد بن عبد الله القسري، إذ يقول فيها: إن قومه إنما أحجموا عن إنقاذ نصر بالعنف، لأنهم اعتصموا بحبل الله، ولاذوا بالصبر، كراهية لمخالفة بني أمية، وخشية من تطور الأحداث وتفجرها٥:
أخالد لولا الله لم تعط طاعة ولولا بنو مروان لم توثقوا نصرا
إذا للقيتم دون شد وثاقه بني الحرب لا كشف اللقاء ولا ضجرا٦
والقصيدة طويلة، وقد ندد في آخرها ببني أمية وأنذرهم وخوفهم٧.
وحين أمعن أسد في محاباة الأزد، وأفرط في العصبية حتى أفسد الناس٨، استدعاه هشام بن عبد الملك من خراسان، وولى عليها أشرس بن عبد الله السلمي،
_________________
(١) ١ الحاكر: من حكر إذا ظلم وتنقص وأساء المعاشرة. ٢ الطبري ٩: ١٥٠٠. ٣ العناة: جمع عان، وهو الأسير. ٤ الغل: القيد. ٥ الطبري ٩: ١٥٠٠. ٦ الكشف: الذين لا تروس معهم، أو الذين لا يثبون في الحرب ولا يصدقون القتال. الضجر: جمع ضجور، وهو ضيق النفس القلق المتبرم. ٧ ديوان الفرزدق ١: ٣٢٣. ٨ الطبري ٩: ١٥٠١.
[ ١٠٣ ]
فارتاح أكثر العرب من قيس وتميم لتعيينه أميرا لهم، واعتدوه نعمة، أسبغها الله عليهم، إذ حباهم بقائد قوي تقي، مبارك ميمون، وذلك قول رجل منهم١:
لقد سمع الرحمن تكبير أمة غداة أتاها من سليم إمامها
إمام هدى قوى لهم أمرهم به وكانت عجافا ما تمخ عظامها٢
وللأشعار التي قيلت في موقعة البروقان، وفي سياسة أسد بن عبد الله القسري الداخلية قيمة تاريخية عظيمة، لأنها تعرض العلاقات القبلية والمحالفات السياسية بين القبائل العربية بخراسان عرضا غاية في البساطة والدقة، ولأنها تؤكد جملة الحقائق التي استخلصناها من الأخبار التاريخية، حين تحدثنا في الفصل الأول عن طبيعة تلك العلاقات والمحالفات، فهي من ناحية ترجح أن التحالف بين قبائل كل مجموعة كان يدور في دائرة المصالح المشتركة، بل كان يقوم في جوهره على أساسها، وأن قبائل كل مجموعة من المجموعتين المتسابقتين كانت تتضافر وتتعاون على قبائل المجموعة الثانية، ما دامت مصالحها ملتقية متفقة. وهذا واضح أشد الوضوح في موقف تميم ونصر بن سيار من الأزد وبكر في معركة البروقان. وفي انتقام أسد للأزد وبكر من تميم وأعوانها فيما بعد. وهي من ناحية ثانية تقطع بأن التعاضد أو التساند بين قبائل الحلف الواحد لم يكن قويا ولا متصلا، وإنما كان يضعف، وكانت تمر به فترات من التخلخل والفتور، لأن القبيلة المحالفة لقبيلة أخرى إنما كانت تدعمها وتشد أزرها ما دامت ترعى لها حقوقها ومنافعها، وتنحاز إليها، فإذا ما تعصبت إحداهما لنفسها، وجارت على الأخرى، أخذت القبيلة المضطهدة المغبونة تتململ وتنتقد القبيلة الباغية المستبدة، لعلها تثوب إلى الرشد والسداد، وتفيء إلى الحق والصواب. وهذا ظاهر على أكمل وجه في تعصب أسد للأزد وإهماله لبكر.
ومع أن القدماء وصفوا أشرس بن عبد الله السلمي بالخير والفضل والكمال٣.
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٥٠٢. ٢ العجاف: جمع عجف وهو المهزول: وأمخ العظم: صار فيه مخ. وهو دليل القوة. ٣ الطبري ٩: ١٥٠٢.
[ ١٠٤ ]
فإن يجيى بن الحضين، سيد بكر، لم يسعده اختياره واليا لخراسان، لأنه كان من قيس، فملأت عليه المخاوف والشكوك نفسه، بحيث لم تؤثر في عقله الواعي فحسب، بل أثرت أيضا في عقله الباطن، فإذا هو يهجس بكرهه له في الأحلام، وإذا هو ينشر في قبيلته أنه رأى في المنام قبل قدوم أشرس قائلا يقول له: "أتاكم الوعر الصدر، الضعيف الناهضة، المشئوم الطائر"١ وإذا هو يتكهن بفشل أشرس تكهنا، ويتنبأ بأنه سيورط الجيش العربي في التهلكة، إذ يقول٢:
لقد ضاع جيش كان جغر أميرهم فهل من تلاف قبل دوس القبائل٣
فإن صرفت عنهم به فلعله وإلا يكونوا من أحاديث قائل
وخرج الحارث بن سريج التميمي٤ بالنخد في إمارة عاصم بن عبد الله الهلالي، وسيطر على أكثر مدن خراسان الشرقية والجنوبية، وكاد يستولي على مرو الشاهجان، لولا ثبات عاصم في مجابهته، وصدق بكر بقيادة يحيى بن الحضين في مواجهته٥. ولكنهم لم ينتصروا عليه انتصارا حاسما، فأقام بقرية زرق على مقربة من المدينة، ثم عاد إلى محاربة عاصم. وكان الحارث يرى رأي المرجئة، فحمل عليه نصر بن سيار حملة شديدة، ليصد الناس عن الانضمام إليه، ويصرف أشياعه عنه، وهي حملة أذاعها في قصيدته النونية الطويلة التي تجري على هذا النمط٦:
دع عنك دنيا وأهلا أنت تاركهم ما خبر دنيا وأهل لا يدومونا
إلا بقية أيام إلى أجل فاطلب من الله أهلا لا يموتونا
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٥٠٥. ٢ الطبري ٩: ١٥٠٥. ٣ جغر: لقب أشرس بخراسان. ٤ انظر ترجمته وأخبار ثورته في الطبري "طبعة دار المعارف" ٧: ١١٧- ١٢٥، ٣٢٩- ٣٤٢، والعيون والحدائق ٣: ١٨٨، والملل والنحل ١: ٤٠، وابن الأثير ٥: ١٢٨، والبداية والنهاية ١٠: ٢٦، ولسان الميزان ٢: ١٤٢، والسيادة العربية ص: ١٢٣، وتاريخ الدولة العربية ص: ٤٤٢، ٤٥٩، والفرق الإسلامية في الشعر الأموي ص: ٢٧٣. ٥ الطبري ٩: ١٥٧١. ٦ الطبري ٩: ١٥٧٥.
[ ١٠٥ ]
وأكثر تقى الله في الأسرار مجتهدا إن التقى خيره ما كان مكنونا
واعلم بأنك بالأعمال مرتهن فكن لذاك كثير الهم محزونا
إني أرى الغبن المردى بصاحبه من كان في هذه الأيام مغبونا
تكون للمرء أحيانا فتمنحه يوما عثارا ويوما تمنح اللينا
بينا الفتى في نعيم العيش حوله دهر فأمسى به عن ذاك مزبونا١
تحلو له مرة حتى يسر بها حينا وتمقره طعما أحايينا٢
هل غابر من بقايا الدهر تنظره إلا كما قد مضى فيما تقضونا٣
فامنح جهادك من لم يرج آخرة وكن عدوا لقوم لا يصلونا
واقتل مواليهم منا وناصرهم حينا تكفرهم والعنهم حينا
والعائبين علينا ديننا وهم شر العباد إذا خابرتهم دينا
والقائلين سبيل الله بغيتنا لبعد ما نكبوا عما يقولونا٤
فاقتلهم غضبا لله منتصرا منهم به ودع المرتاب مفتونا
إرجاؤكم لزكم والشرك في قرن٥ فأنتم أهل إشراك ومرجونا
لا يبعد الله في الأجداث غيركم إذ كان بينكم بالشرك مقرونا٦
ألقى به الله رعبا في نحوركم والله يقضي لنا الحسنى ويعلينا
كيما نكون الموالي عند خائفة عما تروم به الإسلام والدينا
وهل تعيبون منا كاذبين به غال ومهتضم حسبي الذي فينا
يأبى الذي كان يبلى الله أولكم على النفاق وما قد كان يبلينا
فهو يسفه الحارث ويكفره لأنه اتبع مذهب المرجئة، ويحثه على ترك الاعتقاد
_________________
(١) ١ المزبون: المدفوع الممنوع. ٢ تمقره: من مقره إذا جعله مرا، ويريد تذيقه مر العيش. ٣ الغابر هنا: الباقي. ٤ نكبوا: مالوا. ٥ لزكم: شدكم وألصقكم. والقرن: الحبل الذي يقرن به بعيران. ٦ الأجداث: جمع جدث، وهو القبر.
[ ١٠٦ ]
به، وينقض مبادئ المرجئة وما تقوم عليه من القول بأن العمل لا يدخل في الإيمان، لما في قولهم من شرك، وإلحاد، وتعطيل للفروض ويبرهن له على فساد معتقده بأن الدنيا لا تستقر على حال، وأن زينتها لا تدوم مهما تكثر وتعطل وتتصل. ويدعوه في النهاية إلى ندب نفسه لمكافحة من لا يقيمون الصلاة.
ولكن دعاية ضد الحارث والمرجئة لم تجد نفعا، كما أن عاصما لم يتمكن من التغلب عليه، فاختلت الأوضاع بخراسان واضطربت، فعزل هشام بن عبد الملك عاصما عن إدارتها، وأرسل إليها أسد بن عبد الله القسري. فلما علم عاصم بفصل هشام له، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتابا على أن ينزل الحارث أي كور خراسان شاء، وعلى أن يناشدا هشاما العمل بالكتاب والسنة، فإن امتنع اتفقا عليه١، وحارباه معا. وساندته أكثر القبائل إلا بكرا فإنها خالفته وقال سيدها يحيى بن الحضين: "هذا خلع لأمير المؤمنين"٢. فقال خلف بن خليفة البكري في موقف يحيى٣:
أبى هم قلبك إلا اجتماعا ويأبى رقادك إلا امتناعا
بغير سماع ولم تلقني أماول من ذات لهو سماعا
حفظنا أمية في ملكها ونخطر من دونها أن تراعا٤
ندافع عنها وعن ملكها إذا لم نجد بيديها امتناعا
أبى شعب ما بيننا في القديم وبين أمية إلا انصداعا٥
ألم نختطف هامة ابن الزبير وننتزع الملك منه انتزاعا
جعلنا الخلافة في أهلها إذا اصطرع الناس فيها اصطراعا
نصرنا أمية بالمشرفي إذا انخلع الملك عنها انخلاعا
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٥٧٧. ٢ الطبري ٩: ١٥٧٧. ٣ الطبري ٩: ١٥٧٧- ١٥٧٩. ٤ نخطر: نخرج للقتال نشيطين. ٥ الشعب: أبو القبائل الذي ينسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم.
[ ١٠٧ ]
ومنا الذي شد أهل العراق ولو غاب يحيى عن الثغر ضاعا
على ابن سريج نقضنا الأمور وقد كان أحكمها ما استطاعا
حكيم مقالته حكمة إذا شتت القوم كانت جماعا
عشية زرق وقد أزمعوا قمعنا من الناكثين الزماعا
ولولا فتى وائل لم يكن لينضج فيها رئيس كراعا١
فقل لأمية ترعى لنا أيادي لم نجزها واصطناعا
أتلهين عن قتل ساداتنا ونأبى لحقك إلا اتباعا
أمن لم يبعك من المشترين كآخر صادف سوقا فباعا
أبى ابن حضين لما تصنـ ـعين إلا اضطلاعا وإلا اتباعا
ولو يأمن الحارث الوائلين لراعك في بعض من كان راعا
وقد كان أصعر ذا نيرب أشاع الضلالة فيما أشاعا٢
كفينا أمية مختومة أطاع بها عاصم من أطاعا
فلولا مراكز راياتنا من الجند خاف الجنود الضياعا
وصلنا القديم لها بالحديث وتأبى أمية إلا انقطاعا
ذخائر في غيرنا نفعها وما إن عرفنا لهن انتفاعا
ولو قدمتها وبان الحجا ب لارتعت بين حشاك ارتياعا
فأين الوفاء لأهل الوفاء والشكر أحسن من أن يضاعا
وأين ادخار بني وائل إذا الذخر في الناس كان ارتجاعا
ألم تعلمي أن أسيافنا تداوي العليل وتشفي الصداعا
إذا ابن حضين غدا باللوا ء وأسلم أهل القلاع القلاعا
إذا ابن حضين غدا باللوا ء أثار النسور به والضباعا٣
_________________
(١) ١ يقال للضعيف الدفاع: فلان لا ينضج الكراع، والكراع: ما دون من الدواب. ٢ الأصعر: المعرض بوجهه كبرا. ذو نيرب: أي ذو شر ونميمة. ٣ أثار النسور به والضباعا: كناية عن ظفره بأعدائه، وقتله لهم في كل حرب يقاتلهم فيها.
[ ١٠٨ ]
إذا ابن حضين غدا باللوا ء ذكى وكانت معد جداعا١
وإنما أنشدنا القصيدة بتمامها. لأنها تشرح مواقف قبيلة بكر ومطالبها، وأخفى أحاسيسها وعواطفها، ولأنها توضح موقف الخلفاء الأمويين منها. فمن ناحية كان زعماء بكر يتصرفون في المحن والشدائد تصرفا بارعا فيه كثير من الدهاء، بحيث كانوا يبدون معه، وكأنهم لم يتأثروا بالإحن والضغائن القبلية، ولم يراعوا منافعهم الشخصية، ولم ينساقوا وراء المحالفات السياسية. ويظهر هذا في رفض يحيى بن الحضين البكري الموافقة على المعاهدة التي أبرمت بين الحارث وعاصم، والتوقيع على الكتاب الذي كتباه إلى هشام، وارتضته بقية القبائل، لأنه رأى في ذلك خروجا على الخليفة، وخلعا له، فقدر أن الواجب يفرض على عاصم أن يواصل قتاله للحارث، حتى يقضي عليه قضاء مبرما، لا أن يسالمه ويساومه، ثم يلتقي معه على عصيان الخليفة. ولذلك فإنه حثه على متابعة نضاله للحارث، وجاهده معه قبل أن يتفقا مجاهدة قوية٢.
ولكننا نشك في نزاهة موقف يحيى بن الحضين، ونعتقد بأنه كان موقفا سياسيا قبليا، لا نضاليا قوميا، وإذا استذكرنا أن عاصما بن قيس، وأن الحارث بن تميم، وأن هاتين القبيلتين كانتا أكثر القبائل منافسة لبكر، وأنه كان يخشى أن تغلبا على خراسان، فتستبعدا قبيلته وتستذلاها، اتضح لنا كيف أن موقفه لم يكن بوازع من ضميره، ولا بدافع من حرصه على مصلحة الأمة وطاعة الخليفة، وإنما كان موقفا مبنيا على انتهاز الأحداث واستغلالها لمنفعة قبيلته، وكان أيضا موقفا قائما على المكر بتميم وقيس والدس عليهما عند هشام، وقد نجح في تحقيق هذه الغاية، إذ عين هشام أسد بن عبد الله القسري واليا على خراسان، فعاقب عاصما، وقمع قيسا وتميما.
ومن ناحية أخرى لم يكلف الخلفاء الأمويون رجلا من سادة بكر بولاية خراسان، على امتداد حكمهم لها، ولم يصانعوها إلا نادرا. ومع أنها نكبت في عهد عبد الله بن
_________________
(١) ١ الجداع: الموت والهلال. ٢ الطبري ٩: ١٥٧١. ٣ الطبري ٩: ١٦٩٢.
[ ١٠٩ ]
خازم نكبة عظيمة، إذ قتل منها عددا كبيرا، ويقدر في بعض الروايات بثمانية آلاف١، فإنها ظلت تساهم في الغزوات الخارجية، وتشارك في الأحداث الداخلية وفق ارتباطاتها وظروفها ومصالحها، دون أن يثق الأمويون بها، أو يعترفوا بفضلها. وخلف بن خليفة البكري يذكر هشاما بذلك كله في قصيدته، ويدعوه دعوة صريحة إلى تغيير مواقفه القديمة الثابتة من القبائل، وتقديره لها تقديرا جديدا، وتمييزه بينها تمييزا عادلا، يعتمد على إيمانها به، وذيادها عنه، بحيث يولي السلطة في النهاية أصدقها موالاة له، وأصلبها مدافعة عنه.
غير أن هشاما كان سيء الظن لا في قبيلة بكر وحدها، بل في قبائل ربيعة كلها، كما كان يرى أنها لا تصلح للإمارة، إذ كان يقول: "إن ربيعة لا تسد بها الثغور"٢. وإذا استرجعنا تعليل عبد الله بن خازم للخصومة بين بكر ومضر، عندما طلبت بكر من أوس بن ثعلبة أن يخرج مضر كلها من خراسان، حتى تنقاد له، وتصالح ابن خازم، وقد قتل سادتها بمرو الروذ والطالقان، وتقدم إليها بهراة في جيش من تميم، وهو "أن ربيعة لم تزل غضابا على ربها منذ بعث الله النبي من مضر"٣ انجلى الغموض الذي يكتنف موقف الخلفاء الأمويين من بكر، وانكشف لنا أنهم كانوا يعلمون مدى حقدها عليهم، وحسدها لهم، وأنهم لذلك كانوا يفسرون مواقفها المؤيدة لهم، على أنها مناورات سياسية فيها الخبث والدهاء والبراعة، لا على قرارات نزيهة خالصة من أجلهم.
وكان من نتائج خروج عاصم بن عبد الله الهلالي على طاعة الخليفة أن حبسه أسد بن عبد الله القسري، بعد وصوله إلى خراسان، وحاسبه حسابا عسيرا، فتبرم من عنفه به، معتقدا بأنه ليس من العدل والإنصاف في شيء أن يكون أسد العدو الذي يخاصمه، والقاضي الذي يحاكمه، إذ يقول٤:
_________________
(١) ١ الطبري ٧: ٤٩٦. ٢ الطبري ٩: ١٦٦٢. ٣ الطبري ٧: ٤٩٣. ٤ معجم الشعراء ص: ١١٨.
[ ١١٠ ]
تخاصمني بجيلة ثم تقضي لأنفسها لبئس الحكم ذاكا
إذا ما كان خصمك يا بن عمرو هو القاضي الذي يقضي علاكا١
وحسبك من بلاء أن تولى قضاء في أمورك من دهاكا٢
ويظهر أن أسدا لم يهتم لصرخات احتجاجه، ولم يرحمه، بل مضى يسومه سوء العذاب، فكبر عليه المصاب، وتمنى لو هلك قبل أن يقبض عليه وذلك قوله٣:
أضحت بجيلة من خوفي مسلطة خطب جليل لعمري شأنه عجب
يا ليتني مت لم تظفر بجيلة بي كذلك الدهر بالإنسان ينقلب
وفي سنة عشرين ومائة مات أسد ببلخ، وأقصى هشام أخاه خالدا عن العراق، واستعمل عليها يوسف بن عمر الثقفي، فولى على خراسان جديع بن علي الكرماني الأزدي، فلم يتقبله هشام، ولم يرض عنه، فأعفاه وأبعده، وعهد بالولاية إلى نصر بن سيار٤، فقال يعبر عن فرحته، لاختياره لها، وظفره بها، ويفتخر بشخصيته، وكيف أن قوته وبسالته في الحرب، وما عرف عنه من حفظه للعهود، وإخلاصه للخليفة، وامتثاله لأوامره، هي التي زكته لهذا المنصب الرفيع، ويمدح أيضا هشاما، مشيدا بشجاعته وأصالته، وكيف أنه ورث الخلافة عن أجداده الأنجاد الأمجاد٥.
أبت لي طاعتي وأبى بلائي وفوزي حين يعترك الخصام
وإنا لا نضيع لنا ذماما ولا حسبا إذا ضاع الذمام٦
ولا نغضي على غدر وإنا نقيم على الوفاء فلا سلام
خليفتنا الذي فازت يداه بقدح الحمد والملك الهمام
نسوسهم به ولنا عليهم إذا قلنا مكارمه جسام
_________________
(١) علاكا: أي عليك. ٢ دهاه: ختله وأصابه بمنكر. ٣ معجم الشعراء ص: ١١٨. ٤ الطبري ٩: ١٦٦٣. ٥ الطبري ٩: ١٦٦٥، وابن الأثير ٥: ٢٢٨. ٦ الذمام: الحرمة، وكل ما يلزمك حفظه.
[ ١١١ ]
أبو العاصي أبوه وعبد شمس وحرب والقماقمة الكرام١
ومروان أبو الخلفاء عال عليه المجد فهو له نظام
وبيت خليفة الرحمن فينا وبيتاه المقدس والحرام
ونحن الأكرمون إذا نسبنا وعرنين البرية والسنام٢
فأمسينا لنا من كل حي خراطيم البرية والزمام٣
لنا أيد نريش بها ونبرى وأيد في بوادرها السمام٤
وبأس في الكريهة حين نلقى إذا كان النذير بها الحسام
فاصطنع نصر المضريين، واستعان بهم، ولم يستعمل في السنوات الأربع الأول من ولايته إلا مضريا٥، فاستاء الأزد، وقال رجل من أهل الشام من اليمانية: "ما رأيت عصبية مثل هذه"، فقال نصر: "بلى، التي كانت قبل هذه"٦، يعني انحياز أسد بن عبد الله القسري للأزد وأهل اليمن. وازدهرت الحياة بخراسان في إمارته، وعمرت البلاد عمارة لم تعمر قبل مثلها، وصلحت أحوال العرب والعجم. فقال سوار بن الأشعر يمدحه، موازنا بين عهده وما عم فيه من الطمأنينة، والاستقرار والانتعاش، وعهد أسد وما ساد فيه من الرعب والقلق والكساد٧:
أضحت خراسان بعد الخوف آمنة من ظلم كل غشوم الحكم جبار
لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت اختار نصرا لها نصر بن سيار
وهو يدعي أن يوسف بن عمر الثقفي هو الذي انتخب نصرا أميرا لخراسان، لينقذ العرب بها من مفاسد سياسة أسد السابقة، ويرفع عنهم الحيف والعسف. وهو بذلك يزيف وقائع التاريخ وحقائقه، إذ الصحيح أن يوسف لم يزك نصرا، بل تشكك
_________________
(١) ١ القماقمة: جمع قمقام، وهو من الرجال السيد الكثير الخير، الواسع الفضل. ٢ العرنين: أول الأنف حيث يكون فيه الشمم. ٣ الخراطيم: جمع خرطوم، وهو الأنف أو مقدمه، وخراطيم القوم سادتهم ومقدموهم في الأمور. ٤ السمام: جمع سم. والبوادر: جمع بادرة، وهي أول ما يسبق من الإنسان عند الغضب. ٥ الطبري ٩: ١٦٦٤. ٦ الطبري ٩: ١٦٦٤. ٧ الطبري ٩: ١٦٦٥، والبداية والنهاية ٩: ٣٢٦.
[ ١١٢ ]
في أمره في رسالة بعث بها إلى هشام، وعرض فيها عليه أسماء عدد من سادة العرب بخراسان، ليختار منهم واليا لها، وقدم القيسية وأطراهم، وأخر نصرا، وطعن عليه، زاعما أنه "قليل العشيرة بخراسان"١.
وفي سنة ثلاث وعشرين ومائة أرسل نصر وفدا من أهل الشام وأهل خراسان إلى العراق، وصير عليهم مغراء ابن أحمر النميري القيسي٢، وكان على العراق حينئذ يوسف بن عمر الثقفي القيسي، وكان يتعصب لقيس، ويكره نصرا ويحسده، لأن خراسان دانت له، واستقامت في ولايته، وكان يود لو جعلت إليه، فولى عليها قيسيا. فلما وفد مغراء عليه، ساءه أن يستأثر نصر بن سيار الكناني بحكم خراسان، من دون قيس، وأن يغلبها على منطقة نفوذها وسلطانها٣. فأطعمه إن هو تنقص نصرا عند هشام بن عبد الملك أن يوليه السند. وأشار عليه أن يعيبه بالشيخوخة والضعف، فتردد مغراء في أول الأمر، لأن نصرا أسدى إليه جميلا لا يجحد، "إذ "كان مغراء رأس أهل قنسرين بخراسان، فآثره نصر، وسنى منزلته، وشفعه في حوائجه، واستعمل ابن عمه الحكم بن نميلة على الجوزجان، ثم عقد له على أهل العالية"٤. ولكنه لم يلبث أن وافقه، ونفذ ما أغراه به، ودفعه إليه، فعاب نصرا عند هشام، ولم تخف المكيدة عليه، فقد عرف أنها من تدبير يوسف، ثم علم نصر بما حدث، "فتغير لقيس، وأوحشه ما صنع مغراء". وفي ذلك يقول أبو نميلة، صالح بن الأبار، مولى عبس، معرضا بمغراء، وواصما له بالغدر والخيانة، والتنكر لمن أحسن إليه، ورفع مكانته، ومشيدا بنصر وسياسته العادلة، وأن كل ما أرجف به المرجفون عنه لم يضر به، ولم يحط من شأنه٥:
فاز قدح الكلبي فاعتقدت مغراء في سعيه عروق لئيم٦
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٦٦٣. ٢ الطبري ٩: ١٧١٩. ٣ الطبري ٩: ١٧٢٠. ٤ الطبري ٩: ١٧٢٣. ٥ الطبري ٩: ١٧٢٤. ٦ الكلبي: هو حملة الكلبي، وكان من أعضاء الوفد. وحين نقص مغراء نصرا عند هشام بأنه شيخ متهالك، كذبه حمله، وقال: "كذب والله ما هو كما قال، هو هو" "انظر الطبري ٩: ١٧٢١".
[ ١١٣ ]
فأبيني نمير ثم أبيني ألعبد مغراء أم لصميم
فلئن كان منكم لا يكون الغدر والكفر من خصال الكريم
ولئن كان أصله كان عبدا ما عليكم من غدره من شتيم
وليته ليت وأي ولاة بأياد بيض وأمر عظيم
اسمنته حتى إذا راح مغبو طا بخير من سيبها المقسوم
كاد ساداته بأهون من نهقة عير بعفرة مرقوم١
فضربنا لغيرنا مثل الكلب ذميما والذم للمذموم
وحمدنا ليثا ويأخذ بالفضل ذوو الجود والندى والحلوم
فاعلمن يا بني القساورة الغلب وأهل الصفا وأهل الحطيم٢
أن في شكر صالحينا لما يد حض قول المرهق المرصوم٣
قد رأى الله ما اتيت ولن ينقص نبح الكلاب زهر النجوم
فاعتذرت القيسية لنصر، فلم يقبل اعتذارهم، بل أسرف في إبعادهم وإهانتم، فقال في ذلك بعض الشعراء، يأخذ على نصر تجبره على القيسية، وإذلاله لأشرافهم النابهين، وتقريبه لرجال القبائل الأخرى، وإجلاله للمغمورين منهم٤:
لقد بغض الله الكرام إليكم كما بغض الرحمن قيسا إلى نصر
رأيت أبا ليث يهين سراتهم ويدني إليه كل ذي والث غمر٥
ومنذ سنة ست وعشرين ومائة استفحل الخلاف بين أبناء البيت الأموي على السلطة، إذ قتل يزيد بن الوليد ابن عمه الوليد بن يزيد، وظل الخلاف مستحكما
_________________
(١) ١ المرقوم: المخطط المزين. ٢ القساورة: جمع قسورة، وهو العزيز الذي يقهر غيره. والغلب: الغالبون. والصفا: أحد جبلي المسعى. والحطيم: حجر مكة، أو جدار الكعبة. ٣ المرهق: الذي يغشى المحارم، والموصوم: المعيب في نسبه. ٤ الطبري ٩: ١٧٢٥. ٥ السراة: جمع سري، وهو الشريف، والوالث: الذي لا يحكم العهد أو العقد ولا يؤكده، والغمر: المغمور الذي لا يجرب الأمور، ولم تحنكه التجارب.
[ ١١٤ ]
بينهم حتى سنة ثمان وعشرين ومائة، حين غلب مروان محمد على الخلافة. فكان لذلك الصراع العنيف المتصل آثاره السيئة في خراسان، فقد عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر الثقفي عن العراق، وقلدها منصور بن جمهور الكلبي١، فسعى إلى تولية أخيه منصور على خراسان، فامتنع عليه نصر٢.
وأشاعت الأزد أن منظورا قادم، فهدد نصر بقتله، واتخذ مجموعة من التدابير، ليضبط أمور خراسان، ويسيطر على مقاليد الحكم فيها، أهمها أنه تخلى عن العصبية القبلية، وأشرك أكثر القبائل في الوظائف، فولى ربيعة واليمن، وولى يعقوب بن يحيى بن الحضين البكري على طخارستان، ومسعدة بن عبد الله اليشكري على خوارزم، ثم أتبعه بأبان بن الحكم الزهراني، واستعمل المغيرة بن شعبة الجهضمي على قوهستان، وأمرهم جميعا بحسن السيرة٣. فدعا المغيرة قومه من بكر بقوهستان إلى مبايعة نصر فبايعوه، فقال يصف موالاتهم له، وينوه بموقفه السليم الحازم، ويثني عليه لتمكينه للعرب بخراسان ومساواته بينهم، وبره بهم، ويعلن أن قومه واثقون به، مطمئنون إليه، ثابتون على عهدهم له، حتى ينجلي الأمر، وينتهي الصدام بين بني أمية، ويلتئم شملهم، وتستقيم سياستهم٤:
أقول لنصر وبايعته على جل بكر وأحلافها
يدي لك رهن ببكر العرا ق سيدها وابن وصافها
أخذت الوثيقة للمسلمين لأهل البلاد وألافها
إذ آل يحيى إلى ما تريد أتتك الرقال بأخفافها٥
دعوت الجنود إلى بيعة فأنصفتها كل إنصافها
وطدت خراسان للمسلمين إذا الأرض همت بإرجافها٦
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٨٣٦. ٢ الطبري ٩: ١٨٤٦. ٣ الطبري ٩: ١٨٤٧. ٤ الطبري ٩: ١٨٤٧. ٥ الرقال: جمع مرقل ومرقال، وهي الناقة السريعة. ٦ الإرجاف: التزلزل.
[ ١١٥ ]
أجار وسلم أهل البلا د والنازلين بأطرافها
فصرت على الجند بالمشرقين لقوحا لهم در أخلافها١
فنحن على ذاك حتى تبين مناهج سبل لعرافها
وحتى تبوح قريش بما تجن ضمائر أجوافها
فأقسمت للمعبرات الرتا ع للغزو أوفى لأصوافها٢
إلى ما تؤدي قريش البطا ح أحلافها بعد أشرافها
فإن كان من عز بز الضعيـ ف ضربنا الخيول بأعرافها٤
إذا ما تشارك فيه كبت خواصرها بعد إخطافها٥
فنحن على عهدنا نستديم قريشا ونرضى بأحلافها
سنرضى بظلك كنا لها وظلك من ظل أكنافها
لعل قريشا إذا ناضلت تقرطس في بعض أهدافها٦
وتلبس أغشية بالعراق رمت دلو شرق بخطافها٧
وبالأسد منا وإن الأسود لها لبد فوق أكتافها
فإن حاذرت تلفا في النفا ر فالدهر أدنى لإتلافها
فقد ثبتت بك أقدامنا إذا انهار منهار أجرافها٨
_________________
(١) ١ اللقوح: الناقة الحلوب. ٢ المعبرات: النوق كثيرة الوبر. والرتاع: الراعية. ٣ أعراف الخيل: منابت الشعر في أعناقها. ٤ العلائف: جمع عليف، وهي الناقة التي تعلف للسمن. والأواري: المعالف. ٥ الإخطاف: السرعة. ٦ تقرطس: تصيب. ٧ الخطاف: الحديدة التي تعقل بها البكرة من جانبيها، فيها المحور. ٨ الأجراف: جمع جرف، وهو ما أكل السيل من أسفل شق الوادي أو النهر.
[ ١١٦ ]
وجدناك برا رؤوفا بنا كرأمة أم وإلطافها١
وتشابه هذه القصيدة في الأغراض المشروحة فيها، والغايات المتوخاة منها، قصيدة خلف بن خليفة البكري، التي تمثلنا بها قبل قليل على وقوف يحيى بن الحضين البكري إلى جانب الخلافة، ورفضه التوقيع على الميثاق الذي أبرم بين عاصم بن عبد الله الهلالي، والحارث بن سريج التميمي. فإن المغيرة انضم إلى نصر، واتخذ جانب الخلافة في وقت مبكر. بل منذ اللحظة الأولى التي بدأ الأزد يتصدون فيها لنصر ويناوئونه، ويسعون للعبث بولايته، وإفساد الأمر عليه، إذ وهب نفسه للذب عن نصر، ونذر قبيلته للدفاع عن الخلافة دون أن يعبأ بمحالفة قومه للأزد، أو يمالئ جديع بن علي الكرماني، لأنه استشرف أن الظرف لا يحتمل التردد والتأجيل، ولا يسمح بالمماطلة والمراوغة. وتمنى لو حذا يحيى بن الحضين البكري حذوه، وحالف نصرا، فشد من أزره، وقوى موقفه، وهو يراجع الأمويين في تغافلهم عن قبيلته، وعدم انتفاعهم لها، وقلة اعتمادهم عليها، وتجاهلهم لقيمتها، وجحودهم لخدماتها، مع أهميتها وقدرتها، ومع ما لها من الأفضال العظيمة عليهم، والمواقف الكريمة منهم.
ولكن البكريين الذين كانوا بمرو الروذ، ومرو الشاهجان، كان لهم موقف آخر من الأحداث، إذ لم يكفوا عن معارضة نصر، ولم يعزفوا عن معاونة جديع بن علي الكرماني، ولم يتمثلوا مصلحة الأمة إلا في زمن متأخر، فلم تغن مسالمتهم لنصر شيئا، ولم تجد مصافاتهم له نفعا، ولم يمنع تأييدهم له من تردي الأمر بخراسان، وانهيار الدولة الأموية. فقد تشغبت جماعة من الأزد على نصر بمرو الروذ سنة ست وعشرين ومائة، مدعين أنه لم يدفع لهم عطاءهم، فحذرهم من الفرقة، وذكرهم بأنهم "مسلحة٢ في نحور العدو"٣، فلم يهتموا لنصحه، ولم يطيعوا لرأيه، بل زادوا من عنادهم له، ومعاداتهم إياه. فتعمق الشعور بالمأساة المرتقبة نفوس بعض الشعراء
_________________
(١) ١ الرامة: العطف، وإلطاف الأم: رفقها وبرها وتحفيها وإتحافها. ٢ المسلحة: القوم الذين يحفظن الثغور من العدو، لئلا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم به، ليتأهبوا له. ٣ الطبري ٩: ١٨٥٧.
[ ١١٧ ]
القيسيين، فإذا الحارث بن عبد الله بن الحشرج الجعدي يهيب بالعرب من القبائل المختلفة أن يتحدوا، ولا يألوا جهدا في تبصيرهم بعواقب الفتنة، فإنه يقول١:
أبيت أرعى النجوم مرتفقا إذا استقلت تجري أوائلها٢
من فتنة أصبحت مجللة قد عم أهل الصلاة شاملها
من بخراسان والعراق ومن بالشام كل شجاه شاغلها
فالناس منها في لون مظلمة دهماء ملتجة غياطلها٣
يمسي السفيه الذي يعنف بالجهل سواء فيها وعاقلها
والناس في كربة يكاد لها تنبذ أولادها وحواملها
يغدون منها في ظل مبهمة عمياء تغتالهم غوائلها٤
لا ينظر الناس في عواقبها إلا التي لا يبين قائلها
كرغوة البكر أو كصيحة حبلى طرقت حولها قوابلها
فجاء فينا أزرى بوجهته فيها خطوب حمر زلازلها
على أن عزل يزيد بن الوليد لمنصور بن جمهور الكلبي عن العراق، وتوليته عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، لأن أهلها كانوا يميلون إلى أبيه٥، وتثبيت الأخير لنصر على خراسان، أزعج الأزد، وحملهم على إظهار بغضهم لنصر، وتحديهم له، كما أثار الكرماني، الذي كان يكره نصرا، لأنه أحسن إليه، وحقن دمه في ولاية أسد ابن عبد الله القسري، ولأن نصرا لما ولي صرفه عن رئاسة الأزد، وصيرها لحرب بن عامر الواشجي، فمات حرب، فأعاد الكرماني عليها، فلم يلبث إلا يسيرا حتى عزله،
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٨٥٧. ٢ مرتفقا: متكئا على مرفقه. ٣ الدهماء: الفتنة السوداء المظلمة. والغياطل: جمع غيطلة، وهي الظلمة المتراكبة. والملتجة: الشديدة الكثيفة. ٤ الغوائل: الدواهي. ٥ الطبري ٩: ١٨٥٤.
[ ١١٨ ]
وصيرها لجميل بن النعمان١، وكان الكرماني يسعى للزعامة بكل الوسائل، حتى ليقال فيه: "إنه لو لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية، لتنصر وتهود"٢. فجعل يتربص بنصر، فهاجت المضرية، وألحت على نصر أن ينفيه أو يعتقله أو يقتله٣، فلم يمتثل لعواطفها الملتهبة، بل هدأ من غضبها، وتركه طليقا، حتى لا يتضاعف الموقف توترا وتفجرا، ثم إنه قبض عليه وحبسه، حين توثق من أنه يترصد له، ويذيع في الأزد أنه كان يخطط منذ زمن طويل للثورة على بني أمية، وأن غايته من طاعتهم أن يكبر ولداه ويقلدا السيوف، فيطلب بثأر المهالبة منهم٤. ففر بعد وقت قصير من حبسه، ومضى يستثير الأزد. حتى إذا تكاثروا انتحى بهم في مرج نوش، فقال خلف بن خليفة البكري٥:
أصحروا للمرج أجلى للعمى فلقد أصحر أصحاب السرب٦
إن مرج الأزد مرج واسع تستوي الأقدام فيه والركب
ومن غريب الأمر أن يؤلب هذا الشاعر البكري الأزد على الوثوب بنصر، وهو نفسه الذي دعا قبل عشر سنوات إلى ضرورة تضامن العرب من القبائل المختلفة وترابطهم، من أجل حماية الوجود العربي بخراسان، وفي سبيل المحافظة على الخلافة، ولكن استغرابنا سرعان ما يزول، فبكر خراسان لم تقطع صلاتها بالأزد، ولا تخلت عن أسلوب المناورة، فمن جهة ظلت تفي في هذه الفترة من الأزمة لحلفها مع الأزد، ليكون لها نصيب في السلطة إن انتصروا على مضر، ومن جهة ثانية ظلت ترقب تطور الفتنة، حتى إذا رأت أن من مصلحتها أن تتخذ قرارا بالانفصال عن الأزد، فعلت ذلك، لتحظى بغنيمة، وتفوز بحظ في الحكومة القائمة.
وخلف بن خليفة إنما يلتزم بمنهج قبيلته السياسي، ويصدر عن خطتها المرحلية،
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٨٥٩. ٢ الطبري ٩: ١٨٥٩. ٣ الطبري ٩: ١٨٥٨. ٤ الطبري ٩: ١٨٥٨. ٥ الطبري ٩: ١٨٦٢. ٦ أصحر: خرج. والسرب: الإبل الكثيرة.
[ ١١٩ ]
فقد استمرت بكر تساند الأزد على نصر ومضر منذ ابتداء النزاع إلى سنة تسع وعشرين ومائة، حين قتل الكرماني، فاختلف ميزان القوى، وانعكس اتجاه الأحداث، وأخذ الموقف يتمخض عن نتائج لم تكن متوقعة، حينئذ نظر زعيم بكر إلى موضعها وفائدتها، وقرر تبديل موقعها وموقفها، فانحاز إلى نصر ومضر، ليعزز مكانة قبيلته، ويضمن مستقبلها.
ونزل نصر بباب مرو الروذ بإزاء الكرماني، واجتمع إليه أنصاره، غير أنهما لم يصطدما، بل جنحا للسلم وتصافيا١. ولكن عودة الحارث بن سريج التميمي إلى مرو الشاهجان سنة سبع وعشرين ومائة فجرت الأزمة ثانية، إذ كان الكرماني يضمر العداء لنصر، وإن أظهر أنه صالحه، فتعاقد مع الحارث على مقارعته معا إذا لم يعمل بالكتاب والسنة ولم يستمل أهل الخير والفضل٢. وزاد من تفجر الموقف أن فاز مروان بن محمد بالخلافة، فعين على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، فكتب لنصر بعهده على خراسان، فبايع لمروان بن محمد، فثار الحارث، ونابذ نصرا، زاعما أن يزيد بن الوليد هو الذي أمنه، وأنه أصبح يتوجس من مصيره، فاقتتلا، واستولى سلم بن أحوز، قائد نصر، على أكثر أبواب المدينة ونواحيها٣، فقال المنذر الرقاشي البكري، ابن عم يحيى بن الحضين البكري يصف صبر القاسم الشيباني في قتاله لسلم٤:
ما قاتل القوم منكم غير صاحبنا في عصبة قاتلوا صبرا فما ذعروا
هم قاتلوا عند باب الحصن ما وهنوا حتى أتاهم غياث الله فانتصروا
فقاسم بعد أمر الله أحرزها وأنت في معزل عن ذلك مقتصر
فهذا الشاعر البكري لا يزال يفصح عن مناهضة قومه بمرو الشاهجان لنصر
ومضر، ويعتد بصمود بعض قادتهم أمام سلم بن أحوز التميمي، لأنه يصدر عن رأي
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٨٦٣. ٢ الطبري ٩: ١٨٨٩. ٣ الطبري ٩: ١٩١٧. ٤ الطبري ٩: ١٩٢٣.
[ ١٢٠ ]
قبيلته، ويسوغ سياستها، ويؤيد موقفها، شأنه في ذلك شأن خلف بن خليفة البكري.
فتزلزل مركز الحارث، فساعده الكرماني، فاختل جانب نصر اختلالا شديدا فتقهقر إلى نيسابور، وانفرد الحارث والكرماني بالمدينة، ثم إنهما تنازعا فقتل الكرماني الحارث وصلبه، فخلت المدينة لأهل اليمن، فهدموا دور المضرية، ونهبوا أموالهم١. فقال نصر يعرب عن فرحته بمقتل الحارث، لما ألحق بالعرب من الضرر، ولما أنزل بمضر من المكروه والشر٢:
يا مدخل الذل على قومه بعدا وسحقا لك من هالك
شؤمك أردى مضرا كلها وعض على قومك بالحارك٣
ما كانت الأزد وأشياعها تطمع في عمرو ولا مالك
ولا بني سعد إذا الجموا كل طمر لونه حالك٤
وكان لغلبة الكرماني على المدينة، وتدميره لمنازل المضريين، واغتصابه لأموالهم، وإهانته لهم وقع بالغ على نفوسهم، عبر عنه شعراؤهم من النساء والرجال بمرارة وحسرة. فهذه أم كثير الضبية تأخذ على بني تميم تقاعسهم وإحجامهم، وتتوجع لما تردت إليه أحوالهم، بحيث تحكم الكرماني فيهم، وتسلط عليهم، وتهددهم بالتبرؤ منهم إذا لم يهبوا لاسترداد المدينة، ولم يثوروا لشرفهم. فإنها تقول لهم٥:
لا بارك الله في أنثى وعذبها تزوجت مضريا آخر الدهر
أبلغ رجال تميم قول موجعة أحللتموها بدار الذل والفقر
إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم حتى تعيدوا رجال الأزد في الظهر
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٩٣٤. ٢ الطبري ٩: ١٩٣٥، والبداية والنهاية ١٠: ٢٧. ٣ عض: كسر. والحارك: أعلى الكاهل. ٤ الطمر: الفرس الجواد المستفز للوثب، المستعد للعدو، وبنو عمرو ومالك وسعد من عشائر بني تميم. ٥ الطبري ٩: ١٩٣٥.
[ ١٢١ ]
إني استحيت لكم من بذل طاعتكم هذا المزوني يجبيكم على قهر
وهذا عباد بن الحارث يطالب نصرا بالمبادرة إلى استرجاع المدينة، ويشرح له وضعهم البائس، وموقفهم الحرج، فقد بطش بهم الأزد بطشا عنيفا، وقتلوهم تقتيلا، ويدعو على مضر بالهلاك إن لم تغضب لهم، ولم تسارع إلى إنقاذهم، يقول١:
ألا يا نصر قد برح الخفاء وقد طال التمني والرجاء٢
وأصبحت المزون بأرض مرو تقضي في الحكومة ما تشاء٣
يجوز قضاؤها في كل حكم على مضر وإن جار القضاء
وحمير في مجالسها قعود ترقرق في رقابهم الدماء
فإن مضر بذا رضيت وذلت فطال لها المذلة والشقاء
وإن هي أعتبت فيها وإلا فحل على عساكرها العفاء٤
وقال ينبه المضريين اللاهين عن خطر الأزد، ويظهرهم على استبعادهم لقومهم، لعلهم يتيقظون٥:
ألا يا أيها المرء الذي قد شفه الطرب٦
أفق ودع الذي قد كنت تطلبه ونطلب
فقد حدثت بحضرتنا أمور شأنها عجب
الأزد رايتها عزت بمرو وذلت العرب
فجاز الصفر لما كا ن ذاك وبهرج الذهب٧
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٩٣٥، والبداية والنهاية ١٠: ٢٧. ٢ برح: زال وانقشع. ٣ المزون: اسم من أسماء عمان. والمزون: الملاحون. ويعني بهم الأزد. لأنهم كانوا ملاحين "انظر معجم البلدان ٤: ٥٢٢، واللسان ١٧: ٢٩٤". ٤ أعتبت: تركت ما كنت أجد عليها من أجله، ورجعت إلى ما أرضاني عنها، بعد إسخاطها إياي عليها. ٥ الطبري ٩: ١٩٣٦. ٦ شفه: لذعه وأنحله وذهب بعقله. ٧ الصفر: جمع صفراء، وهي الذهب، وبهرج الذهب: زيف وغش.
[ ١٢٢ ]
فاستفزت هذه الصيحات والصرخات نصرا، فتحفز لاستخلاص المدينة من أيدي الأزد، ووجه إليها خيرة جيشه وقادته، فاصطدموا في حرب بطيئة مع الأزد وربيعة بقيادة الكرماني. وعلى الرغم من أنهم حاولوا اقتحام المدينة واحتلالها مرارا، واستماتوا في القتال، فإنهم لم يتمكنوا من دخولها واستعادتها. فاستمد نصر يزيد بن عمر بن هبيرة، والي العراق، ووصف له في أبيات من شعره ما شاع بخراسان من الاضطراب خلال العامين الماضيين، وحذره من خطورة الوضع، وأنه ينذر بعاقبة وخيمة إذا استمر في التدهور، ولم يعالج معالجة حكيمة حازمة، إذ يقول مستصرخا له١:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه وقد تبينت ألا خير في الكذب
إن خراسان أرض قد رأيت بها بيضا لو أفرخ قد حدثت بالعجب
فراخ عامين إلا أنها كبرت لما يطرن وقد سربلن بالزغب٢
فإن يطرن ولم يحتل لهن بها يلهبن نيران حرب أيما لهب٣
فلم يمده بأحد، لأنه كان مشغولا بمجالدة الخوارج بالعراق٤، فاستغاث بمروان بن محمد في الشام، وأعلمه، "حال أبي مسلم، وخروجه، وكثرة من معه، ومن تبعه". وكتب إليه بهذه الأبيات يصور له الفتنة القائمة، والكارثة المحتومة، إن لم ينجده بمدد من عنده، وفيها يقول٥:
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٩٧٣، ومروج الذهب ٣: ٢٥٧، والبداية والنهاية ١٠: ٣٣. ٢ سربلن: اكتسين، والزغب: أول ما يبدو من ريش الفرخ. ٣ ويقول الدينوري إن نصرا بعث تلك الأبيات إلى مروان بن محمد. ويضيف إليها بيتين هما: يا أيها الملك الواني بنصرته قد آن للأمر أن يأتيك من كتب أضحت خراسان قد باضت صقورتها وفرخت في نواحيها بلا رهب "الدينوري ص: ٣٦٠". ٤ الطبري ٩: ١٩٤٤، ١٩٧٤، ومروج الذهب ٣: ٢٥٧. ٥ الدينوري ص: ٣٥٧، والعقد الفريد ٤: ٤٧٨، ومروج الذهب ٣: ٢٥٥، والطبري ٩: ١٩٧٣، والأغاني "طبعة دار الكتب ٧: ٥٦، والعيون والحدائق ٣: ١٨٩، وابن الأثير ٥: ٣٦٥، والبداية والنهاية ١٠: ٣٢.
[ ١٢٣ ]
أرى خلل الرماد وميض جمر فيوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب مبدؤها الكلام
فإن لم تطفئوها تجن حربا مشمرة بشيب لها الغلام
فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام
فإن يقظت فذاك بقاء ملك وإن رقدت فإني لا ألام
فإن يك أصبحوا وثووا نياما فقل قوموا فقد حان القيام
ففري عن رحالك ثم قولي على الإسلام والعرب السلام١
ويقال: إن مروان لم ينجده، وإنما أشار عليه أن يعتمد على قوته، ويتصرف على قدر طاقته٢. ويقال: بل أرسل إلى هبيرة "يأمره أن ينتخب من جنوده اثني عشر ألف رجل، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفة والبصرة، ويولي عليهم رجلا حازما، يرضى عقله وإقدامه، ويوجه بهم إلى نصر بن سيار". فاعتذر له، وكتب إليه "أن من معه من الجنود لا يفون باثني عشر ألفا، ويعلمه أن فرض الشام أفضل من فرض العراق، لأن عرب العراق ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية، وفي قلوبهم إحن"٣.
وعندما عجز نصر عن السيطرة على الوضع بمرو الشاهجان، وقطع الأمل من مساعدة ابن هبيرة له، وفقد الرجاء في ضرب مروان بعثا إليه، أخذ يبث حملة إعلامية إلى العرب بالمدينة، مستثيرا لعواطفهم الدينية والقومية، فقد حث ربيعة على الانفصال عن الكرماني والأزد، والكف عن مناصرتهم على إخوتهم المضريين، وناشدهم أن يتآلفوا ليقفوا في وجه أبي مسلم الذي أصبح يهدد وجودهم ومصيرهم، وحذرهم كذلك من شيعته إذ وصفهم بأنهم غرباء دخلاء، لا ينتمون إلى العرب المشهورين، ولا إلى الموالي المعروفين، وراح يردد أنهم يعتنقون مذهبا مخالفا للإسلام، ومنافيا لكل ملة ونحلة مألوفة، وأنهم لا يبتغون سوى إبادة العرب، يقول٤:
_________________
(١) ١ فري عن رحالك: ابحثي عنها، وانظري إليها. ٢ الطبري ٩: ١٩٧٣. ٣ الدينوري ص: ٣٦٠. ٤ الدينوري ص: ٣٦١، والعقد الفريد ٤: ٤٧٩، وابن الأثير ٥: ٣٦٧.
[ ١٢٤ ]
أبلغ ربيعة في مرو وإخواتها أن يغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب
ما بالكم تلقحون الحرب بينكم كأن أهل الحجا عن فعلكم غيب١
وتتركون عدوا قد أظلكم فيمن تأشب لا دين ولا حسب
ليسوا إلى عرب منا فنعرفهم ولا صميم الموالي إن هم نسبوا٢
قوم يدينون دينا ما سمعت به عن الرسول ولا جاءت به الكتب
فمن يكن سائلي عن أصل دينهم فإن دينهم أن تقتل العرب
فلم تكترث ربيعة لدعايته، ولم تبال بندائه، بل استمرت تدعم الأزد، وتشدد الكرماني في مخالفته لنصر، واحتياله للانتصار عليه، بتردده على معسكر أبي مسلم، وتواطئه معه، فخاف نصر أن ينحاز الكرماني بمن معه من الربعية واليمنية إلى أبي مسلم، فتكون نهايته، فلجأ إلى موادعته ومصالحته، ليفرق بينه وبين أبي مسلم، وبدءا يتفاوضان، فلما آنس نصر منه غفلة دس إليه ابن الحارث بن سريج في طائفة من الفرسان فقتله. وقد تباينت الآراء في مقتله. فمن قائل: إنه كان بإيعاز من نصر٣، ومن قائل: إنه لم يكن له علم به٤. ولكن نصرا يعترف في شعره بأنه دبر مقتله، ويصرح بأنه لم يرض عن مؤازرة ربيعة له، وانسلاخها عن الأزد، بعد أن استفحل الخطر المطبق عليه، واهتز موقفه، لأنها ناهضته في أول الأمر، وأعانت الكرماني، عن إصرار، يدفعها إلى ذلك منافستها للمضريين، وسعيها للاستيلاء على السلطة منهم، ورغبتها في قهرهم وتحطيمهم، إذ يقول٥:
لعمري لقد كانت ربيعة ظاهرت عدوي بغدر حين خابت جدودها٦
وقد غمزت منا قناة صليبة شديدا على من رامها الكسر عودها
_________________
(١) ١ الحجا: العقل والفطنة. ٢ فيمن تأشب: أي انضم إليه، والتف عليه من أخلاط الناس. ٣ الدينوري ص: ٣٦٢، والطبري ٩: ١٩٧٥، وجمهرة أنساب العرب ص: ٣٨١. ٤ تاريخ الدولة العربية، الحاشية ص: ٤٦٥. ٥ الدينوري ص: ٣٦٣. ٦ في الأصل: ظافرت.
[ ١٢٥ ]
وكنت لها حصنا وكهفا وجنة يؤول إلى كهلها ووليدها
فمالوا إلى السوءات ثم تعذروا وهل يفعل السوءات إلامريدها
فأوردت كرمانيها الموت عنوة كذاك منايا الناس يدنو بعيدها١
فتأزم الوضع بعد هلاك الكرماني تأزما شديدا، وحين رأى العرب أن أبا مسلم هو الذي استفاد من انقسامهم واقتتالهم، تعاقدت عامة قبائلهم على المسالمة. ليشتغلوا بمجاهدة أبي مسلم. فتحللت ربيعة من حلفها مع الأزد، ومالت إلى نصر ومضر، تأمينا في أغلب الظن لمنفعتها وتمكينا لمصيرها. وراح يحيى بن نعيم بن هبيرة البكري يتوسط بين شيبان بن سلمة الحروري، حليف الكرماني، وبين نصر، ووفق في وساطته، فقد تهادنا، كما سالم علي بن جديع الكرماني نصرا. غير أن أبا مسلم نجح في تحريض ابن الكرماني على نصر، بتذكيره بقتل نصر لأبيه، وتعييره بمسالمته له، وسكوته عن المطالبة بثأره منه، فعاد إلى مقاتلة نصر٢، فتزلزت قوته، فانهزم إلى نيسابور، سنة ثلاثين ومائة، وخلصت مرو الشاهجان لأبي مسلم.
ويقال إن نصرا بعث قبل وفاته بمدينة ساوه بين الري وهمذان بكتاب إلى مروان بن محمد، ضمنه أبياتا من شعره أنبأه فيها بخروجه عن خراسان، بعد أن بذل كل ما استطاع للسيطرة على الأمر، وضبطه وإحكامه، وأخبره أيضا بقيام الدولة العباسية: وبخطرها الذي أصبح ينذر بسقوطه وزواله بين يوم وآخر. وفيها يقول له٣:
إنا وما نكتم من أمرنا كالثور إذ قرب للناخع٤
أو كالتي يحسبها أهلها عذراء بكرا وهي في التاسع
_________________
(١) ١ يبدو أن نصرا كان ينظم بعض مقطوعاته بعد الأحداث التي يتكلم فيها عليها، كهذه المقطوعة فإنه يشير فيها إلى قتله للكرماني، وإلى تحول ربيعة عن الأزد، مع أن ربيعة إنما انحازت إليه بعد مقتل الكرماني. ومثل هذه المقطوعة مقطوعة ثانية سبق أن استشهدنا بها على واقعة البروقان التي حدثت سنة ست ومائة، فإنه ذكر فيها إيقاعه بربيعة، كا ذكر فيها أيضا حبس يوسف بن عمر الثقفي لخالد بن عبد الله القسري، سنة عشرين ومائة. ٢ الطبري ٩: ١٩٧٥. ٣ الدينوري ص: ٣٦٠، ومروج الذهب ٣: ٢٥٨. ٤ الناخع: من نخع الشاة أو الثور إذا ذبحه حتى بلغ القطع إلى النخاع.
[ ١٢٦ ]
من مبلغ عني الإمام الذي قام بأمر بين ساطع
إني نذير لك من دولة قام بها ذو رحم قاطع
والثوب إن أنهج فيه البلى أعيا على ذي الحيلة الصانع١
كنا نداريها فقد مزقت واتسع الخرق على الراقع٢
وبذلك باءت بالفشل الخطوة السياسية العميقة التي اتخذها يحيى بن نعيم بن هبيرة البكري، بموادعته لنصر، ولم ترد على قبيلته شيئا من المكاسب التي توخاها منها، على نحو ما آتت خطوة يحيى بن الحضين البكري ثمارها حين أيد الخليفة على عاصم بن عبد الله الهلالي، والحارث بن سريج التميمي، وحققت لقبيلته أكبر الفائدة، لأنه غامر بوقوفه بقبيلته مع الكرماني زمنا طويلا، واستغل رجوعه إلى نصر ومضر في ظرف متأخر، ووضع متدهور فجنى على قبيلته وحلفائها، وقضى على مضر وحلفائها. ولو أن حرصه على وجود العرب وسيادتهم هو الذي أملى عليه أن يتخذ قراره النهائي بالانقطاع عن الأزد، لكان ينبغي عليه أن يتخذه منذ اشتعال الفتنة الأخيرة بين اليمنية والمضرية.
ومما يرجع تفسيرنا لمواقف بكر تفسيرا سياسيا قبليا، ويغري به، هذا الالتحام الوثيق الذي نبصره بين مواقف قادتها من الأحداث وسيرها، ومواقف شعرائها. فقد كانوا عصبة واحدة متراصة متعاونة، لا يخالف أحدهم الآخر ولا يشذ عنه. ومرد ذلك فيما نعتقد وضوح تمثلهم لسياسة قبيلتهم، وصدورهم جميعا عنها، ودقة علمهم بمصلحتها، وإخلاصهم في العمل لها. فعندما كانت بكر ضالعة مع الأزد، دافع شعراؤها عن موقفها، وصوبوا رأي زعمائها، كما مر بنا عند خلف بن خليفة، والمنذر الرقاشي، وحينما آلت إلى نصر ومضر تشبث شعراؤها بخطتها، وانتصروا لها. ويظهر ذلك في قطعة من قصيدة رواها المرزباني لعمارة بن فراس الحنفي قالها بعد تحول قبيلته عن
_________________
(١) ١ انهج: انتشر. ٢ ويقول الدينوري: إن نصر نظم الأبيات قبل أن يهرب من خراسان، وأنه أرسلها يستعجل نجدة مروان بن محمد. ولكن مضمون الأبيات يدل على أنه قالها بعد أن غادر خراسان، وخرج الأمر عن سلطانه. "انظر الدينوري ص: ٣٦٠".
[ ١٢٧ ]
الأزد والتحاقها بنصر. فهو ينعي فيها على العرب من ربيعة ومضر اصطدامهم
وتصارعهم على السلطة، فإذا هم يفني بعضهم بعضا، وإذا النتيجة المحققة لتنازعهم استهلاكهم لقوتهم، وانحطاط مكانتهم، وسهولة وقوعهم فريسة في أيدي أعدائهم، وذلك قوله١:
أمست ربيعة في مرو وإخوتها على عظيم من الأحداث والخطر
يا ليت شعري بمرو الشاهجان غدا أي الأميرين من بكر ومن مضر
يصلي بقتل ذريع في مغمضة حتى يصير ذليلا غير ذي نفر٢
أما قيس فكان رأيها في الأزمة غاية في الصراحة والصرامة، فقد وقفت بجانب تميم، ولم تشمت بها، لتغلب الأزد وبكر عليها، ولم تتردد في مناصرتها مع أنها قتلت عبد الله بن خازم السلمي، كما أنها مالت إلى نصر، ولم تفرح بانهزامه أمام الكرماني، ولم تتأخر عن مساندته٣، مع أنه جفاها وأبعدها٤ بعد أن رماه مغراء بن أحمر عند هشام بن عبد الملك بأنه شيخ متهالك لا يصلح للولاية٥. وكان موقف شعرائها مماثلا لموقفها، فقد تعالوا عن الحزازات والثارات، وقدمنا أن عبد الله بن الحشرج الجعدي حذر من النتائج الوخيمة للفتنة منذ بدايتها، ونضيف إلى ذلك أبياتا للمفضل بن خالد السلمي يعلن فيها أنه نهى الأزد عن التمادي في الفوضى والشغب حتى ينجوا جميعا من الهلاك، وأنه حين تبين له أنهم يتعظوا ولم يعتبروا انتقدهم، واتهم الكرماني بالتورط في المغامرة والمؤامرة، إذ يقول فيها٦:
قد قلت للأزد قولا ما ألوت به نصحا وأعدت القول لو نفعا٧
_________________
(١) ١ معجم الشعراء ص: ٧٨. ٢ المغمضة: الأمر العظيم الذي يركبه الرجل، وهو يعرفه، فكأنه يغمض عينيه عنه تعاميا وهو يبصره. ويصلي: يحرق. ٣ الطبري ٩: ١٩٢٩. ٤ الطبري ٩: ١٧٢٣. ٥ الطبري ٩: ١٧٢١. ٦ معجم الشعراء ص: ٢٩٨. ٧ ما ألوت به نصحا: أي لم أدع نصحا.
[ ١٢٨ ]
يا معشر الأزد إني قد نصحت لكم فلا تطيعوا جديعا أيما صنعا
فما تناهوا ولا زادتهم عظة إلا لجاجا وقالوا الهجر والقذعا١
يا معشر الأزد مهلا قد أظلكم ما لا يطاق له دفع إذا وقعا
وواضح أن المنازعات التي احتدمت بين القبائل العربية بخراسان هي التي استغرقت أكثر الشعر الذي تصايح به الشعراء وهم يصفون مواقف قبائلهم منها. فقد استفرغوا معظم ما نظموه في الحديث عن معاداة عبد الله ابن خازم لبكر، ومخالفة تميم له، وفتكها به، وما نشأ عنه من تطاحن عشائرها، وفي الحديث عن اجتماع الأزد وبكر وتميم على خلع قتيبة بن مسلم، واغتيالها له، وما نجم عنه من ادعاء كل قبيلة منها أنها هي التي وثبت به، لأنها كانت أحرص على طاعة الخليفة، وفي الحديث عن الفتنة الأخيرة بين اليمنية والمضرية وأخطارها، وآثارها ونتائجها.
ويؤكد هذا الشعر بمجموعه الحقائق التي أسسنا عليها تصورنا للمنافسة التي اشتدت بين تلك القبائل في الحكم، وهي أن العصبية القبلية والمحالفات الحزبية، وما ارتبطت به من المنافع السياسية والمادية كانت سبب كل خلاف وتباغض واقتتال، فقد سيطرت كل هذه العوامل على وجدان كل قبيلة، وحددت اتجاهها وسياستها، وحملتها على إهمال فكرة الأمة والوحدة، وإيثار مصلحة الجماعة على مصلحتها. فقلما أنار هذا الإحساس قلوب زعمائها وشعرائها، وقلما خفف من حميتهم لقبائلهم وحلفائها. وحتى من كانوا يتخلون عن عصبيتهم في بعض الأحيان، فقد كانوا لا يلبثون أن يعودوا إليها.
ولكن لابد من التمييز بين موقف الأزد وبكر، وموقف تميم وقيس، فقد كانت القبيلتان الأوليان موتورتين، وكانتا مصدر الشغب والفوضى باستمرار، لأنهما كانتا تسعيان للسلطة، وتريدان استبعاد القبيلتين الأخريين.
_________________
(١) ١ اللجاج: التمادي في الشر. والهجر: القبيح من القول. والقذاع: الفحش من الكلام الذي يقبح ذكره.
[ ١٢٩ ]