حاجب بن ذبيان ١:
هو من بني مازن التميميين. وأخباره في كل أطوار حياته ناقصة نادرة. ولكننا إذا ضممنا ما حفظ منها، إلى ما سلم من شعره استطعنا أن نرسم لسيرته صورة تقريبية. ولعله ولد بالبصرة، وترعرع فيها. ويشير شعره إلى أنه نشأ نشأة بائسة، فمن ناحية كان أخوه زرارة يكرهه ويزور عنه٢. ومن ناحية أخرى تردت أحواله، وازداد فقرا فوق فقر بعد أن تزوج، وكثر أطفاله، حتى إنه عجز عن توفير القوت لهم، حين أصاب العرب جدب، فقصد عبد الملك بن مروان بدمشق سائلا ومستجديا٣.
ويظهر أنه لم يطق سوء وضعه العائلي والمالي، فقرر الرحيل إلى خراسان التماسا للحياة الهادئة، وسعيا وراء أسباب الرزق. ففيما يرويه أبو الفرج الأصفهاني من أخباره أنه كان بخراسان في عهد يزيد بن المهلب٤. ولسنا ندري هل وصل إليها في ولايته الأولى، أم في ولايته الثانية، لأن أبا الفرج الأصفهاني لم يحدد ذلك، ولأن ما بقي من أخباره وأشعاره لا يعين على تبين الفترة التي هاجر فيها إلى خراسان.
_________________
(١) ١ انظر أخباره في الشعر والشعراء ٢: ٦٣١، والأغاني "طبعة دار الكتب" ١٤: ٢٦٤، وأمالي المرتضي ٢: ١٠٥، وجمهرة أنساب العرب ص: ٢١١، وابن خلكان ٥: ٣٥١. ٣ البيان والتبيين ٣: ١٥٤. ٣ ياقوت ٢: ٦٥٧. ٤ الأغاني ١٤: ٢٦٤.
[ ٢٨٥ ]
وقد حسنت حاله بعد نزوله بخراسان، إذ أخذ يمدح المهلب ويحظى بجوائزه١، كما أصبح جنديا نظاميا يتقاضى راتبا ثابتا، ويفوز بنصيب من الغنائم. واشتبك في معركة هجائية مع ثابت قطنة، كان سببها حسد ثابت له على اهتمام ابن المهلب به، وسوقه الصلات الكبيرة إليه. ولقبه بحاجب الفيل٢. واستمرا يتبادلان الهجاء إلى سنة ست ومائة٣. وبعد هذا التاريخ لا نظفر بشيء من أخباره، ولا نعرف نهايته ومصيره.
ولم يذكر القدماء أن حاجبا كان له ديوان مفرد، ولكنهم ذكروا أن شعره كان مجموعا في أشعار بني مازن٤. واحتفظ ياقوت الحموي بمختارات منه، دون أن ينص على جامعه أو جامع أشعار بني مازن. والمعروف أن أبا سعيد السكري هو الذي صنع أشعار بني تميم٥.
ويصح أن نوزع ما بقي من شعره مفرقا في المصادر المختلفة بين موضوعين كبيرين: الأول الشعر القبلي والسياسي، وهو يشتمل على مدائحه وفخرياته، والثاني الشعر الذاتي، وهو يشتمل على كل ما قاله في العتاب، والاستنجاد، والرثاء والهجاء، والحنين إلى الوطن.
أما مدائحه فأكثر ما نقل إلينا منها في الثناء على يزيد بن المهلب، ولعله أنشده أولها وأطولها بعد وصوله إلى خراسان. فهو يصف فيها رحلته الطويلة إليه، وما أمله من الخير فيه، وهو فرس، ودرع، وسيف، ورمح، ويقول أبو الفرج الأصفهاني إنه وهبه كل ما طلب، وأمر له بألفي درهم. وهي تتوالى على هذا النحو٦:
_________________
(١) ١ الأغاني ١٤: ٢٦٥. ٢ الأغاني ١٤: ٢٦٤، وجمهرة أنساب العرب ص: ٢١١. ٣ الطبري ٨: ١٤٨٠، ١٤٨٦، وابن الأثير ٥: ١٣٢، ١٥٠. ٤ ياقوت ٢: ٦٥٧، ٣: ٥٩٠. ٥ مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، للدكتور ناصر الدين الأسد ص: ٥٤٦. ٦ الأغاني ١٤: ٢٦٤.
[ ٢٨٦ ]
إليك امتطيت العيس تسعين ليلة أرجي ندى كفيك يا بن المهلب١
وأنت امرؤ جادت سماء يمينه على كل حي بين شرق ومغرب
فجد لي بطرف أعوجي مشهر سليم الشظا عبل القوائم سلهب٢
سبوح طموح الطرف يستن مرجم أمر كإمرار الرشاء المشذب٣
طوى الضمر منه البطن حتى كأنه عقاب تدلت من شماريخ كبكب٤
تبادر جنح الليل فرخين أقويا من الزاد في قفر من الأرض مجدب
فلما رأت صيدا تدلت كأنها دلاة تهاوي مرقبا بعد مرقب٥
فشكت سواد القلب من ذئب قفرة طويل القرا عاري العظام معصب٦
وسابعة قد أتقن القين صنعها وأسمر خطي طويل محرب٧
وأبيض من ماء الحديد كأنه شهاب متى يلق الضريبة يقصب٨
وقل لي إذا ما شئت في حومة الوغى تقدم أو اركب حومة الموت أركب
فإني امرؤ من عصبة مازنية نماني أب ضخم كريم المركب
وله مقطوعة ثانية في مديحه، ينوه فيها بسياسته العادلة الحازمة التي تتمثل في ردعه للعابثين والخارجين، وعطفه على الضعفاء والبائسين، يقول٩:
_________________
(١) ١ العيس: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة. ٢ الطرف: الكريم من الخيل. وأعوجي: نسبه إلى أعوج، وهو فرس كريم سابق كان لبني هلال، وإليه تنسب الخيل الكرام. والشظا: عظم لاصق بالركبة. وعبل: ضخم. والسلهب: ما عظم وطالت عظامه. ٣ السبوح: الذي يسبح بيديه في السير. واستن افرس في المضمار: جرى في نشاطه على سنته في جهة واحدة. ومرجم: يرجم الأرض بحوافره. والإمرار: إحكام الفتل. والرشاء: الحبل. ٤ كبكب: جبل بعرفات. والشماريخ: رؤوس الجبال. ٥ الدلاة: الدلو. تهاوى: تساقط. المرقب: الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب. ٦ سواد القلب: بته. والقرا: الظهر. والمعصب: الجائع. ٧ المحرب: المحدد المسنون. ٨ الأبيض: السيف. والشهاب: شعلة من نار ساطعة. والضريبة: ما يضرب. ويقضب: يقطع. ٩ الأغاني ١٤: ٢٦٧.
[ ٢٨٧ ]
شم الغيث وانظر ويك أين تبعجت كلاه تجدها في يد ابن المهلب١
يداه يد يخزي بها الله من عصى وفي يده الأخرى حياة المعصب٢
وله مقطوعة ثالثة في مديحه أنشدناها في الفصل السابق٣.
وإنما عددنا مدائحه من شعره القبلي والسياسي، لأنها تكشف عن موقفه من المهالبة في أثناء حكمهم لخراسان، وكيف أنه لم ينفر منهم، ولم يظهر بغضا لهم، غضبا لقبيلته، أو احتجاجا على نهوضهم بالولاية. ولكنه سرعان ما غير رأيه فيهم، وخاصة بعد تمرد ابن المهلب على الأمويين، وفتك مسلمة بن عبد الملك به، مما نستنبط منه أنه لم يشد بسياسته وأسرته، لأنه كان غافلا عن العصبية القبلية، أو لأنه كان جاهلا بطبيعة العلاقات السياسية بين القبائل العربية بخراسان، بل لأنه كان يبتغي المنفعة العاجلة التي يصلح بها أموره. فنحن نستشف من شعره الذي قاله في القضاء على ثورة المهالبة، شماتة بهم، ومطاولة لمسلمة بن عبد الملك، وبني أمية بمؤازرة بني تميم لهم، وانتقادا لسياستهم، وما بنيت عليه من اعتماد على المهالبة، وتقوية لهم، فإذا هم حين اشتدت شوكتهم يغدرون بأولي نعمتهم، ويحاولون الإطاحة بهم. ونستشف منه مراجعة للأمويين، لعلهم يبدلون موقفهم من بني تميم، ويقرون بقدرتهم وضخامتهم، ويعترفون بإخلاصهم ووفائهم. وقد عبر عن كل ذلك في قصيدة لامية طويلة ضاع أكثرها، ووصل أقلها وأدلها على عصبيته القبلية ومنها قوله٤:
أمسلم إنا قد فصحنا فهل لنا بذاكم على أعدائكم عندكم فضل
حقنتم دماء المصلتين عليكم وجر على فرسان شيعتك القتل
وفاتهم العريان فساق قومه فيا عجبا أين البراءة والعدل
_________________
(١) ١ شام البرق: نظر إليه أين يمطر. وي: اسم فعل بمعنى أعجب، والكاف للخطاب. تبعج السحاب بالمطر: انفرج عن الوبل الشديد. وكلية السحاب: أسفله. ٢ المعصب: الذي عصبته السنون أي أكلت ماله. والذي يتعصب بالخرق من الجوع. ٣ الأغاني ١٤: ٢٦٦. ٤ ياقوت ٣: ٥٩٠، والحيوان ١: ١٩١، والبيان والتبيين ٢: ١٤٨.
[ ٢٨٨ ]
وكم من عدو قد أعنتم عليكم بمال وسلطان إذا سلم الحبل
كذي الكلب لما أسمن الكلب رابه بإحدى الدواهي حين فارقه الجهل١
ونحن بنو الفحل الذي سال بوله بكل بلاد لا يبول بها فحل
أبى الناس والأقلام أن يحسبوهم إذا حصل الأخماس أو يحسب الرمل٢
فإن غضبوا شد المشارف منهم ملوك وحكام كلامهم فصل
كذلك مضى حاجب يصرح بسروره لفناء من فني من المهالبة، وحبس من نجا منهم من الموت، وفي ذلك يقول٣:
فإن أرحل فمعروف خليلي وإن أقعد فما بي من خمول
لقد قرت بقندابيل عيني وساغ لي الشراب إلى الغليل٤
غداة بنو المهلب من أسير يقاد به ومستلب قتيل
أرأيت إلى تقلبه وتلونه؟ لقد مدح المهالبة وأطراهم، وهم في مواقع السلطة، وهو بحاجة إليهم، ثم ذمهم وقدح فيهم، حين اضمحل نفوذهم، وبطش بهم وانطلق يفاخر بقبيلته ودورها في قمع المهالبة، وسفك دمائهم، وتجاوز ذلك إلى معاتبة الأمويين، بل إلى تقريعهم لتفريطهم في قبيلته، واتكالهم على المهالبة.
ويؤكد ما نقل عن فخرياته شموخه بقبيلته، واعتداده بها، وانحيازه لها. ومنه قوله يعتز بثروتها وكثرة إبلها، وخشية الناس من التعرض لها، أو التفكير في الإغارة عليها٥:
_________________
(١) ١ رابه: تعرض له وأزعجه. ٢ الأخماس: القبائل العربية الخمس الكبيرة في البصرة وخراسان. وحصل ميز، أخذه من قوله: حصلوا الناس في الديوان: أي ميزوا بين شاهدهم وغائبهم وحيهم وميتهم. ٣ ياقوت ٤: ١٨٣. ٤ قندابيل: مدينة بالسند، كانت فيها وقعة لهلال بن أحوز المازني التميمي على آل المهلب "انظر ياقوت ٤: ١٨٣". ٥ ياقوت ٣: ٦٠٢.
[ ٢٨٩ ]
ما إبل في الناس خير لقومها وأمنع عند الضرب فوق الحواجب
من الإبل الحادي عضيدة خلفها من الحزن حتى أصبحت بعباعب١
ومنه قوله يتمدح بعظمتها وسطوتها، وأن أحدا لا يجرؤ على تحديها، بل على المطالبة بثأره منها٢:
فإن بفلج والجبال وراءه جماهير لا يرجو لها أحد تبلا٣
وإن على حوف اللهابة حاضرا حرارا يسنون الأسنة والنبلاء٤
ومنه قوله يكاثر بشدة رجالها، وأنهم لا تنبو ضربات سيوفهم، بل تقع في الصميم، وتقطع رؤوس أعدائهم٥:
وقائلة وباكية بشجو لبئس السيف سيف بني رباب
ولو لاقى هلال بني رزام لعجله إلى يوم الحساب٦
وأما شعره الذاتي فلم يسلم منه على كثرة موضوعاته إلا أبيات ومقطوعات معدودة، منها هذا البيت الذي يستعطف به أخاه زرارة مبينا له ما تعمقه من الحزن والأسى، وما لحقه من الهوان والأذى، بعد أن انفصل عنه، ومفضلا الهلاك على أن يظل متحاميا له، متحاملا عليه٧:
عجلت مجيء الموت حين هجرتني وفي القبر هجر يا زرار طويل
_________________
(١) ١ عباعب: ماء لبني قيس بن ثعلبة قرب فلج. ٢ ياقوت ٤: ٣٧٢. ٣ التبل: العداوة التي يطلب لها. ٤ اللهابة: موضع في ديار بني ضبة من تميم، والحاضر: الحي العظيم المقيم. والحوف: الناحية والجانب والحرف. ومنه حوف الوادي والموضع. ٥ الأغاني "طبعة دار الكتب" ٣: ٥٨. ٦ هلال بن رزام: هو هلال بن الأسمر المازني التميمي. "انظر الأغاني ٣: ٥٢" وقال: نسب بيتيه السابقين لقوم من بني رباب من بني حنيفة في شيء كان بينهم فيه أربع ضربات بالسيف "الأغاني ٣: ٥٨" ٧ البيان والتبيين ٣: ١٥٤.
[ ٢٩٠ ]
ومنها قطعة من قصيدة وفد بها على عبد الملك بن مروان، ووصف له بها مجاعة عمت العرب، واشتدت على قومه، كما استغاث به، ورجاه أن يجري عليه بعض المال، ليقيم به رمق أهله وعياله. وفيها يقول١:
وما أنا يوم دير خناصرات بمرتد الهموم ولا مليم٢
ولكني ألمت بحال قومي كما ألم الجريح من الكلوم
بكوا لعيالهم من جهد عام خريق الريح منجرد الغيوم
أصابت وائلا والحي قيسا وحلت بركها ببني تميم٣
أقاموا في منازلهم وسيقت إليهم كل داهية عقيم
سواء من يقيم لهم بأرض ومن يلقي اللطاة من المقيم٤
أعني من جداك على عيال وأموال تساوك كالهشيم٥
أصدت لا يشيم لها حوارا عقيلة كل مرباع رؤوم٦
ومنها بيتان نعى بهما أخاه معاوية، وصور فيهما ما أصابه من الهم والأرق لوفاته، يقول٧:
تطاول بالبيضاء ليلي فلم أنم وقد نام قساها وصاح دجاجها٨
معاوي كم من حاجة قد تركتها سلوبا وقد كانت قريبا نتاجها٩
_________________
(١) ١ ياقوت ٢: ٦٥٧. ٢ المليم: الذي أتى ذنبا يلام عليه. ٣ البرك: الصدر: ومعظم الشيء. ٤ ألقى بلطاته: أقام بموضعه. وألقى لطاته: طرح نفسه. والمعنى الثاني هو المقصود في البيت. ٥ تساوك: تسير سيرا ضعيفا مضطربا لهزالها وإعيائها. والهشيم: النبت اليابس المتكسر. ٦ شام: تطلع نحو الشيء يبصره منتظرا له. والحوار: الجواب. وعقيلته كل شيء: خيرته والمرباع: الناقة التي ولدها معها، أو التي تلد في أول الربيع. ٧ ياقوت ١: ٧٩٤. ٨ البيضاء: ماء لبني عقيل ثم لبني معاوية بن عقيل، ومعهم فيها عامر بن عقيل. وقسا: جبل بالعالية في بلاد بني تميم. ٩ الناقة السلوب: التي ألقت ولدها لغير تمام.
[ ٢٩١ ]
ومن أهاجيه لثابت قطنة. وفيه يقول ساخرا منه، ومعيرا له حصره، وقد صعد المنبر بسمرقند يوم جمعة في ولاية أسد القسري الأولى، وخطب الناس فارتج عليه١:
أبا العلاء لقد لقيت معضلة يوم العروبة من كرب وتخنيق٢
أما القران فلم تخلق لمحكمه ولم يسدد من الدنيا لتوفيق
لما رمتك عيون الناس هبتهم فكدت تشرق لما قمت بالريق
تلوي اللسان وقد رمت الكلام به كما هوى زلق من شاهق النيق٣
وله يقول، وقد تغيب عن حضور معركة بفرغانة في عهد مسلم بن سعيد الكلابي، يتهكم به، زاعما أن أصله مغمور، وأنه لا قبل له بالحرب، وإنما هو ملاح ماهر، يحسن أن يحرك المجاذيف، ويراقب آلات السفينة٤:
نقضي الأمور وبكر غير شاهدها بين المجاذيف والسكان مشغول٥
لا يعرف الناس منه غير قطنته وما سواها من الأنساب مجهول
وآخر ما نستشهد به من شعره الذاتي قطعة في الحنين، ينزع فيها إلى ديار قومه، ولعله قالها، وهو بخراسان٦:
هل رام نهي حمامتين مكانه أم هل تغير بعدنا الأحفار٧
ليت شعري غير منية باطل والدهر فيه عواطف أطوار
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء ٢: ٦٣١، والطبري ٩: ١٤٨٦، والأغاني ١٤: ٢٦٤، وأمالي المرتضي ٢: ١٠٥، وابن خلكان ٥: ٣٥١. ٢ يوم العروبة: يوم الجمعة. ٣ النيق: أرفع موضع في الجبل. ٤ الطبري ٩: ١٤٨٠، والأغاني ١٤: ٢٦٦. ٥ السكان: مؤخرة السفينة وذنبها. ٦ ياقوت ١: ١٥٣، ٢: ٣٣٠. ٧ النهي: الغدير: وحمامتين: مثنى حمامة. وهي ماء لبني سعد. والأحفار: علم لموضع في بادية العرب.
[ ٢٩٢ ]
هل ترسمن بي المطية بعدها يحدى القطين وترفع الأخدار١
فشخصية حاجب -كما تحددها أشعاره- شخصية منافقة متذبذبة، فإنه كان إذا انفك من قيود العصبية في فترة من الفترات، لا يلبث أن يخضع لها ويكبل نفسه ومدائحه وفخرياته تطلعنا على تأرجحه وتحزبه، وذلك أنه صانع المهالبة وهم أحياء يسبغون عليه من خيرهم، كما تناسى قبليته وهو فقير مشرد يلوذ بهم، فلما نكبوا انحرف عنهم، وطعن فيهم، وأحس ضخامة قبيلته ومكانتها، وراح يطاول بها، ويفصح عن تحيزه لها، وهو بذلك يقترب اقترابا شديدا من نهار بن توسعة البكري، ويماثله في منافقته وتقلبه وعصبيته.
وإذا كان حاجب يصور تمجد بعض عشائر بني تميم بعظمتها وسيادتها، وشعورها بحقيقتها ومقدرتها، ويعكس أمانيها وطموحها وشغبها وتمردها، فإن المغيرة بن حبناء يصور صلاح بعض عشائر بني تميم واستقامتها، ويعكس إيمانها بالجماعة، وتلاحمها معها، وانقيادها للحق، وعملها مع جميع القادة الذين كانوا يولون عليها.
_________________
(١) ١ رسمت الناقة: أثرت في الأرض من شدة وطئها. والقطين: المقيمون في الموضع لا يكادون يبرحونه. والخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت.
[ ٢٩٣ ]