حمل القدماء إلينا ثلاث روايات عن فتح العرب لخراسان، أما الرواية الأولى فتفيد أنه كان سنة ثماني عشرة للهجرة١. وهي رواية ضعيفة مرفوضة، لأن العرب لم يقضوا على فلول الفرس، ولم يملكوا بلدهم إلا سنة إحدى وعشرين في موقعة نهاوند٢، التي سموها "فتح الفتوح"، لأنه لم يكن للفرس بعدها اجتماع. وأما الرواية الثانية فتدل أنه حدث سنة اثنتين وعشرين وهي رواية صحيحة مقبولة، لأن العرب انطلقوا من فارس إلى الأقاليم المجاورة لها التي تمهد السبيل لاحتلال خراسان وفتحها، فاجتاحوا الري٤، وقومس٥ وطبرستان٦، وجرجان٧، وهمذان٨، وأصبهان٩، سنة اثنتين وعشرين، ثم اقتحموا خراسان من جهة الطبسين في السنة نفسها، وغلبوا
_________________
(١) ١ تاريخ الرسل والملوك للطبري ٥: ٢٦٨٠، وسنشير إليه بالطبري، والكامل في التاريخ، لابن الأثير ٣: ٣٣، وسنشير إليه بابن الأثر. ٢ الطبري: ٥: ٢٥٩٦، وابن الأثير ٣: ٥. ٣ الطبري: ٥: ٢٦٨٢، وابن الأثير ٣: ٣٣. ٤ الطبري ٥: ٢٦٥٣، وابن الأثير ٣: ٣٤. ٥ الطبري ٥: ٢٦٥٦، وابن الأثير ٣: ٢٥. ٦ الطبري ٥: ٢٦٥٩، وابن الأثير ٣: ٢٥. ٧ الطبري ٥: ٢٦٥٧، وابن الأثير ٣: ٢٥. ٨ الطبري ٥: ٢٦٣٥، وابن الأثير ٣: ١٧. ٩ الطبري ٥: ٢٦٣٧، وابن الأثير ٣: ١٨.
[ ٢١ ]
على أكثر نواحيها. وأما الرواية الثالثة فتنبئ بأنه وقع سنة إحدى وثلاثين١، وهي تكملة للرواية الثانية، لأن أهل خراسان نكثوا بعد وفاة عمر بن الخطاب، وثاروا على عمالهم، شأنهم في ذلك شأن أهل فارس٢، وكرمان٣، وسجستان٤، فندب عثمان بن عفان، عبد الله بن عامر، أمير البصرة لقمع ثورتهم، واسترداد بلادهم، فتوجه إليها واستعادها من أدناها إلى أقصاها في سنتين.
وقد ظلت السيادة العربية بخراسان قلعة مزعزعة منذ أن استكمل ابن عامر استرجاعها حتى انتهى الصراع بين علي ومعاوية على الحكم، وتولى معاوية الخلافة٥، فأسند لابن عامر ولاية البصرة، وجعله مسئولا عن إدارة خراسان، فاستعمل عليها قيس بن الهيثم السلمي٦، فكان بها حتى سنة ثلاث وأربعين، ثم عزله ابن عامر عنها، لتأخره في إرسال خراجها، وولاها عبد الله بن خازم السلمي، فوليها سنة٧. ثم اعفى ماوية ابن عامر من إمارة البصرة، لعجزه عن ضبطها، ووكل شئون خراسان إلى عبد الله بن أبي شيخ، أو إلى طفيل بن عوف اليشكريين٨، وفي سنة خمس وأربعين عين معاوية على البصرة زياد بن أبي سفيان، فجعل خراسان أرباعا، واستعمل على مرو الشاهجان أمير بن أحمر اليشكري، وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مرو الروذ، والفارياب، والطالقان قيس بن الهيثم السلمي، وعلى هراة. وباغيس، وبوشنج نافع بن خالد الطاحي الأزدي٩.
_________________
(١) ١ الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري ص: ١٣٩، وسنشير إليه بالدينوري، وتاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٧. وفتوح البلدان للبلاذري ص: ٣٩٤، والطبري ٥: ٢٨٨٤، وابن الأثير ٣: ١٢٣. ٢ ابن الأثير ٣: ١٢١. ٣ ابن الأثير ٣: ١٢٧. ٤ ابن الأثير ٣: ١٢٨. ٥ الطبري ٥: ٢٩٠٦، وابن الأثير ٣: ١١٩، وتاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٧. ٦ الطبري ٧: ١٧، وابن الأثير ٣: ٤١٦، وفتوح البلدان ص: ٣٩٩. ٧ ٧: ٦٥، وابن الأثير ٣: ٤١٧، وفتوح البلدان ص: ٤٠٠. ٨ الطبري ٧: ٦٧، وابن الأثير ٣: ٤٤٠. ٩ الطبري ٧: ٧٩، وابن الأثير ٣: ٤٥١، وفتوح البلدان ص: ٤٠٠.
[ ٢٢ ]
وفي سنة خمسين ولي الحكم بن عمرو الغفاري خراسان لزياد، فغزا طخارستان، وغنم غنائم كثيرة١، ثم إنه توفي، واستخلف قبل وفاته أنس بن أبي أناس الكناني، فصرفه زياد، وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بالولاية، وبعث الربيع بن زياد الحارث٢ في خمسين ألفا من البصرة والكوفة بعيالاتهم، فسكنوا خراسان. وفتح أيضا قوهستان عنوة٣. وقبل أن يموت الربيع أوصى بالولاية لابنه عبد الله، فعاجله الأجل، ومات بعد أبيه بشهرين، فقام مقامه خليد بن عبد الله الحنفي، فأقره زياد٤.
وفي سنة أربع وخمسين ولى معاوية على خراسان عبيد الله بن زياد، فقطع نهر جيحون إلى بخارى، وفتح راميتن، ونسف، وبيكند، وكلها من مدن بخارى، فأقام بخراسان سنتين٥، حتى إذا ما توفي والده اختاره معاوية واليا للبصرة، فاستعمل على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي، فلم يغز، ولم يفتح٦. ولم يلبث معاوية أن فصل خراسان عن البصرة، وإدارة عبيد الله بن زياد، وبعث إليها سعيد بن عثمان بن عفان، فعبر النهر إلى سمرقند، فخرج إليه الصغد فصالحوه ثم سار إلى الترمذ، ففتحها صلحا٧. ثم عزله معاوية منها سنة ثمان وخمسين لأنه خاف أن يخلعه ويطالب بالخلافة٨. وولى عليها بعد سنة عبد الرحمن بن زياد، فأخذ أسلم بن زرعة الكلابي، وحبسه، لأنه اتهمه بالخيانة، واستصفى منه ثلاثمائة ألف درهم، وكان عبد الرحمن ضعيفا فلم يغز غزوة واحدة، وبقي بخراسان سنتين٩.
_________________
(١) ١ الطبري ٧: ٨١، وابن الأثير ٣: ٤٥٢، وفتوح البلدان ص: ٤٠٠. ٢ انظر ترجمته في طبقات خليفة بن خياط ص: ٤٧٩، والتاريخ الكبير ٢: ١: ٢٦٨، والمعارف ص: ٤٤١، والجرح والتعديل ١: ٢: ٤٦١، والاستيعاب ص: ٤٨٨، وأسد الغابة ٢: ١٦٤، والإصابة ١: ٥٠٤، وتهذيب التهذيب ٣: ٢٤٣، وتقريب التهذيب ١: ٢٤٤. ٣ الطبري ٧: ٨١، ١٥٥، وابن الأثير ٣: ٤٨٩، وفتوح البلدان ص: ٤٠١. ٤ الطبري ٧: ١٦١، وابن الأثير ٣: ٤٩٣. ٥ الطبري ٧: ١٦٩، وابن الأثير ٣: ٤٩٩، وانظر فتوح البلدان ص: ٤٠١، وتاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٥. ٦ الطبري ٧: ١٧٢، وابن الأثير ٣: ٥٠٢. ٧ تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٥ والطبري ٧: ١٧٧، وابن الأثير ٣: ٥١٢. ٨ أنساب الأشراف ٥: ١١٧، وفتوح البلدان ص: ٤٠٣. ٩ تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٥، وفتوح البلدان ص: ٤٠٣، والطبري ٧: ١٨٩، وابن الأثير ٣: ٥٢١.
[ ٢٣ ]
وفي سنة إحدى وستين استعمل يزيد بن معاوية على خراسان سلم بن زياد، فظل عليها خمسة سنوات، أحسن فيها السيرة، وعدل بين الناس، وغزا ما وراء النهر، وافتتح مدينة مما يلي خارزم، عجز من سبقه من العمال عن فتحها، وأغار على سمرقند، ووجه جيشا إلى خجندة فانهزم١.
وحين بلغ الناس بخراسان موت معاوية بن يزيد، اضطربوا، ونابذوا سلما وخلعوه، فتركهم، واستخلف على مرو الشهجان المهلب بن أبي صفرة، وعلى مرو والفارياب والجوزجان سليمان بن مرشد البكري، وعلى هراة أوس ابن ثعلبة البكري٢.
ثم غلب عبد الله بن خازم على خراسان ما يزيد على سبع سنوات، حارب في أولاها بكر بن وائل، وقتل زعماءها، وأفنى خلقا كثيرا منها بمساعدة بني تميم. وسرعان ما تنكر لبني تميم، ومنعهم من الاستقرار بهراة، فخالفوه وقتلوا ابنه محمدا بهراة، وقارعوه بمرو الشاهجان ومرو الروذ ونيسابور٣. ثم قتله بحير بن ورقاء التميمي. وكان عبد الله بن مروان قد كتب إلى بكير بن وشاح التميمي أن يبايع له، ووعده ومناه، حين رفض ابن خازم الانصياع له، فحبس بحيرا، وادعى أنه هو الذي قتل ابن خازم، وظل مسيطرا على خراسان عاما وبعض عام. فانقسم بنو تميم على أنفسهم، فخشي العرب أن يستطير الشر بينهم، ويقهرهم عدوهم، فسألوا عبد الله أن يولي عليهم عاملا قرشيا لا ينفس عليه أحد. فأرسل إليهم أمية بن عبد الله الأموي فقدم إلى خراسان ولم يعرض لبكير بن وشاح بسوء، وبينما كان أمية مشغولا بغزو بخارى سنة سبع وسبعين ثار عليه بكير بمرو الشاهجان، فخف أمية إليها، وحاصره، فاصطلحا، ولكن بكيرا مضى يؤلب الناس للثورة على أمية، ولم يزل أمية متغافلا عنه، حتى إذا أثبت له أنه يحرض الناس عليه سجنه، وأمر بقتله، فقتله بحير بن ورقاء بسيفه٤.
_________________
(١) ١ الطبري ٧: ٣٩٩، ٤٠٥، وابن الأثير ٤: ٩٦، وياقوت ٢: ٤٠٤. ٢ تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٣٩، وفتوح البلدان ص: ٤٠٣، والطبري ٧: ٤٨٩، وابن الأثير ٤: ١٥٥. ٣ الطبري ٧: ٥٩٣، وابن الأثير ٤: ٢٠٨. ٤ تاريخ اليعقوبي ٣: ١٨، وفتوح البلدان ص: ٤٠٥، والطبري ٨: ٨٣١، وابن الأثير ٤: ٣٤٥.
[ ٢٤ ]
وفي سنة ثمان وسبعين أقصى عبد الملك بن مروان عن خراسان وسجستان أمية بن عبد الله، وضمهما إلى الحجاج بن يوسف، عامل العراق، فعين على خراسان المهلب بن أبي صفرة، فسيرة المهلب ابنه حبيبا إليها، ثم قدمها، واستمر واليا عليها إلى أن وافته المنية سنة اثنتين وثمانين. وهو قافل من كس إلى مرو الشاهجان. وأغار في ولايته على كس والختل وبخارى١. واستخلف قبل مماته ابنه يزيد ففتح قلعة باذغيس، ثم نحاه الحجاج عن الإمارة سنة خمس وثمانين٢. وعهد بها إلى أخيه المفضل، فكان بخراسان تسعة أشهر، غزا فيها باذغيس وشومان وآخرون، فظفر وغنم، وقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ٣. ثم أقصى الحجاج جميع المهالبة عن خراسان، وسجنهم، وأهانهم، لأنهم كانوا خصومه السياسيين، الذين ينازعونه على السلطة، والذين يتعصبون للأزد، ويضيقون على قيس٤. واستعمل عليها قتيبة بن مسلم الباهلي، فبقي بها حتى سنة ست وتسعين وفي السنة التي وصل فيها قتيبة إلى خراسان سار إلى الصغانيان فصالحه ملكها، ثم مضى إلى آخرون وشومان من طخارستان فصالحه ملكها، واستخلف على الجند أخاه صالحا، ورجع إلى مرو الشاهجان، ففتح صالح كاشان وأورشت وأخشيكت، وكلها من فرغانة٥. وفي السنة الثانية صالح قتيبة ملك باذغيس٦ واستعد للإغارة على بيكند، وهي أدنى مدائن بخارى إلى نهر جيحون، ولم يكد يتقدم إليها حتى استغاث أهلها بالصغد، واستمدوا من حولهم، وأخذوا الطرق عليه، فأوشك أن ينهزم، غير أنه ظفر بهم في النهاية، ودخل المدينة بالقوة وقتل من بها من الجند، وأصاب من الغنائم والسلاح وآنية الذهب والفضة ما لا يحصى كثرة٧. وفي السنة التالية توجه إلى تونكث من
_________________
(١) ١ تاريخ اليعقوبي ٣: ٢٢، وفتوح البلدان ص: ٤٠٧، والدينوري ص: ٢٨٠، والطبري ٨: ١٠٣٢، ١٠٤٠، وابن الأثير ٤: ٤٨٨، ٤٥٣. ٢ الطبري ٨: ١١٣٨، وابن الأثير ٤: ٥٠٢. ٣ الطبري ٨: ١١٤٤، وابن الأثير ٤: ٥٠٥، وفتوح البلدان ص: ٤٠٧. ٤ الطبري ٨: ١١٣٨، وابن الأثير ٤: ٥١١. ٥ الطبري ٨: ١١٨٠، وابن الأثير ٤: ٥٢٣، وتاريخ اليعقوبي ٣: ٣١، وفتوح البلدان ص: ٤٠٨. ٦ الطبري ٨: ١١٨٤، وابن الأثير ٤: ٥٢٧. ٧ فتوح البلدان ص: ٤١٠، والطبري ٨: ١١٨٥، وابن الأثير ٤: ٢٥٨.
[ ٢٥ ]
قرى الشاش فصالحه أهلها، كما صالحه أهل رامدين، إلى مرو الشاهجان، وخلف على الجند أخاه عبد الرحمن، فزحف إليه الصغد وأهل فرغانة، فناهضهم حتى كادوا يظهرون عليه. فرجع قتيبة إليه، وانهزم الترك شر هزيمة.
وفي سنة تسع وثمانين أمره الحجاج بغزو بخارى، فعبر النهر من زم، فلقيه الصغد، وأهل كس ونسف في طريق المفازة، فقاتلوه فانتصر عليهم، ولكنه عجز عن التغلب على ملك بخارى، فعاد إلى مرو الشاهجان١. فكتب إليه الحجاج يعنفه. فانطلق سنة تسعين إلى بخارى وحاصرها، فاستنصر ملكها، بالصغد فنصروه، فقويت شوكته بهم، فلم ييأس قتيبة، بل ظل الأمل يغمر قلبه، فصبر، واحتمل هزيمة مقدمته من الأزد، وما سببته من ضعف جانبه، ولكنه أخذ يحمس بني تميم، فاستبسلوا في القتال، ولم يزالوا يجاهدون حتى انتصروا على أهل بخارى والصغد انتصارا عزيزا. ففتحت المدينة، وأذعن ملكها، وتقهقر الصغد إلى بلادهم٢. ولما رأوا ما ألحقه قتيبة بأهل بخارى، وفد ملكهم عليه فصالحه٣.
وفي السنة نفسها نكث نيزك طخارستان، وفاوض ملوك بلخ، ومرو الروذ والطالقان، والفارياب، والجوزجان على التمرد، فثاروا معه، واستظهر بكابل شاه، وطلب إليه أن يلجأ إلى بلاده إذا هزم. ثم خلع النيزك جيغويه ملك طخارستان وقيده، وأخرج عامل قتيبة من طخارستان. وبلغ قتيبة ما فعل النيزك، فجمع قواته من البلدان، وسير أخاه عبد الرحمن في اثني عشر ألفا إلى البروقان، وأوصاه بالمقام فيها حتى ينتهي فصل الشتاء، ثم بالتوجه منها إلى طخارستان. وسار قتيبة بنفسه إلى الطالقان فأوقع بأهلها٤، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخضع في السنة التالية الفارياب والجوزجان، واجتاز شعب خلم الصعب، وطوق حاميته وشتتها، وحصر النيزك بالقلعة التي تحصن فيها، ثم احتال عليه فأخرجه منها، وقتل ابن أخيه، ونائب
_________________
(١) ١ فتوح البلدان ص: ٤١٠، والطبري ٨: ١١٩٨، وابن الأثير ٤: ٥٣٥. ٢ الطبري ٨: ١٢٠١، وابن الأثير ٤: ٥٤٢. ٣ الطبري ٨: ١٢٠٤، وابن الأثير ٤: ٥٤٣. ٤ تاريخ اليعقوبي ٣: ٣٢، والطبري ٨: ١٢٠٤، وابن الأثير ٤: ٥٤٤.
[ ٢٦ ]
ملك طخارستان، وكثيرين ممن انضموا إليهم وناصروهم١. ثم زحف إلى شومان فحاصرها وقتل ملكها، وإلى كس ونسف ففتحها، وأنفذ أخاه عبد الرحمن إلى الصغد، فقبض من ملكها المبلغ الذي صالح قتيبة من قبل عليه٢. وفي سنة اثنتين وتسعين غزا سجستان، واقتحمها، فأرسل إليه زنبيل كابل يطلب الصلح فصالحه٣.
وفي السنة التالية أغار على خوارزم بالتواطؤ مع ملكها، لأن أخاه الأصغر غلبه عليها، واشترط عليه أن يدفع أخاه إليه إذا دخلها، فوافقه قتيبة، ومضى إلى خوارزم، فأسر خرزاذ، وسلمه للشاه مع غيره ممن خالفوه٤، ولكن أهل خوارزم لم يلبثوا أن وثبوا بعامل قتيبة عليهم، فبعث إليهم أخاه عبد الرحمن، كما وجه إليهم فرقة أخرى عليها المغيرة بن عبد الله، فهرب الشاه إلى بلاد الترك، وقدم المغيرة، فقتل وسبى، وصالحه الباقون على الجزية٥.
وفي السنة ذاتها أرسل أخاه عبد الرحمن إلى سمرقند، لأن أهلها نكثوا بما عاهدوه عليه سنة إحدى وتسعين، فأحاط بهم، وشدد الطوق عليهم، فاستنجدوا بملك الشاش، وملك فرغانة، وخوفوهما أن العرب إذا قهروهم فإنهم سيثنون بهما، فدفعا إليهم جمعا من الفرسان، وأولاد الملوك، فانكسروا انكسارا منكرا، وذل الصغد، ورمى قتيبة مدينتهم بالمجانيق، حتى ثلم في سورها ثلمة احتلها جنوده بعد قتال مرير، فصالحوه على الجزية. وشرطوا عليه أن يبني بالمدينة مسجدا، ثم يخرج منها، فدخلها وأحرق الأصنام، وأبقى جالية عربية. ثم رجع إلى مرو الشاهجان٦.
وفي سنة أربع وتسعين اجتاز قتيبة نهر جيحون، وفرض على أهل بخارى وكس، ونسف وخوارزم عشرين ألفا من المقاتلين، فأتوه فوجههم إلى الشاش، وسار هو إلى فرغانة، فلما وصل إلى خجندة، استجاش أهلها وناهضوه في معارك متعددة كان له
_________________
(١) ١ الطبري ٨: ١٢١٨، وابن الأثير ٤: ٥٤٩. ٢ الطبري ٨: ١٢٢٧، وابن الأثير ٤: ٥٥٣. ٣ الطبري ٨: ١٢٣٥، وابن الأثير ٤: ٥٦٩. ٤ فتوح البلدان ص: ٤١٠، والطبري ٨: ١٢٣٧، وابن الأثير ٤: ٥٧٠. ٥ ابن الأثير ٤: ٥٧٥. ٦ تاريخ اليعقوبي ٣: ٣٣، والطبري ٨: ١٢٤١، وابن الأثير ٤: ٥٧١.
[ ٢٧ ]
النصر فيها، ثم صار إلى كاشان. وعندما أنجز الجنود الذين سيرهم إلى الشاش مهمتهم انصرف إلى مرو الشاهجان١. وفي العام اللاحق بعث إليه الحجاج جيشا من العراق، فغزا بهم، فلما كان بالشاش أو كشمين بلغه خبر وفاة الحجاج، فساءه وأحزنه، فعاد إلى مرو الشاهجان٢.
وفي آخر سنة من ولايته زحف نحو مدينة كاشغر، وهي أقرب المدن التابعة للصين، وحمل مع الناس عيالاتهم، ليضعهم بسمرقند، واجتاز فرغانة، وأمن الطريق إلى كاشغر وأنفذ إليها جيشا فتوغل فيها، وغنم وسبى٣.
وبينما كان قتيبة بفرغانة، مات الوليد بن عبد الملك، واستخلف أخوه سليمان وكان يكره الحجاج وموظفيه، ويقدم يزيد بن المهلب ومساعديه، فقدر قتيبة حينما بلغه كيد ابن المهلب له أن سليمان لا بد أن يبعده عن الولاية، ويمثل به، على نحو ما أبعد عمال الحجاج وعذبهم، فهم بخلع سليمان، إلا أن القبائل لم تقف بجانبه، بل مكرت له، وتواطأت مع الأعاجم على الغدر به. وكان مصيره أن لقي مصرعه بسيوف الخيانة، فاختفى بسقوطه عامل من أكبر العمال وأجدرهم، وقائد من أنجب القواد وأقدرهم، جعل همه الغزو، حتى دوخ الترك، وثبت السيادة العربية بما وراء النهر٤.
وتولى الإمارة بعد مقتله وكيع بن أبي سود التميمي، زعيم المؤامرة، فأقصاه سليمان عنها بعد تسعة أشهر، وأسندها إلى يزيد بن المهلب، فسبقه ابنه مخلد إلى خراسان، وقدمها هو سنة سبع وتسعين، فاستهل عهده بالإغارة على جرجان لكي يضاهي بفتحه لها فتوحات قتيبة فيما وراء النهر، التي طالما ذكره سليمان بها، وعظم أمامه أمرها. فسار إليها في جيش كثيف عداده مائة ألف، وقيل: مائة وعشرون ألفا من أهل الشام والعراق وخراسان سوى الموالي والمتطوعة. فبدأ بقوهستان فحاصرها حتى احتلها
_________________
(١) ١ الطبري ٨: ١٢٥٦، وابن الأثير ٤: ٥٨١. ٢ الطبري ٨: ١٢٦٧، وابن الأثير ٤: ٥٨٣. ٣ الطبري ٨: ١٢٧٥، وابن الأثير ٥: ٥. ٤ نقائض جرير والفرزدق ١: ٣٥٠، وتاريخ اليعقوبي ٣: ٤٠، وفتوح البلدان ص: ٤١٢، والطبري ٨: ١٢٨٢، وابن الأثير ٥: ٣.
[ ٢٨ ]
وصالحه أهلها، ثم مضى إلى جرجان، فاستقبله أهلها وصالحوه دون قتال، فطمع في طبرستان، فأسرع إليها، وضرب عليها حصارا من ثلاث جهات، فطلب إليه إصبهبذها الصلح فرض، والتحم معه قواد يزيد في معركة حامية انتصروا عليه فيها، فصعد بمن بقي معه من الجنود إلى قمة جبل، فتعقبوه فهزمهم. وحينئذ كاتب الإصبهبذ أهل جرجان أن يقطعوا الطريق إلى دار الإسلام عن يزيد، وأن يمنعوا عنه المؤونة والمدد، فثاروا بجرجان، وقتلوا الحامية العربية بها، ولم يتمكن يزيد من النجاة بنفسه، واستنقاذ جيشه إلا بعد أن توسط بينه وبين الإصبهبذ حيان النبطي، قادد الفرقة الخراسانية في الجيش العربي، فوادعه الإصبهبذ، وسمح له بالانسحاب من بلاده١.
وفي السنة نفسها صمم يزيد على فتح جرحان، لأن أهلها تمردوا عليه، وغدروا به، فزحف إليهم، ولم يتحول عنهم إلا بعد أن مزقهم وقتلهم، وصلبهم، ودمر مدينتهم، ثم رممها وعمرها٢.
ولكن ولاية يزيد لم تطل، فقد توفي سليمان، وخلفه عمر بن عبد العزيز، فصرفه عن خراسان، وزج به في الحبس، وطالبه بما اجتمع عنده من الأموال الضخمة التي كتب بها إلى سليمان، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي٣. فكان عليها عاما وبعض عام، ثم نحاه عمر عنها، لأنه كتب إليه أن يضع الجزية عمن أسلم من أهل خراسان، وأن يفرض لجنودهم عطاء، بعد أن شكا إليه أبو الصيداء صالح بن طريف من ظلم الجراح لهم، وعدوانه عليهم، فلم يسقط الجزية عن مسلميهم، ولا أجرى رزقا على مقاتليهم، ورد على عمر بأنهم لم يسارعوا إلى الإسلام إلا تخلصا من الجزية، وأنهم لم يختتنوا. فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمدا نبيا، ولم يبعثه خاتنا. واستقدمه، وعين مكانه عبد الرحمن بن نعيم الغامدي الأزدي على حرب خراسان، وعبد الرحمن بن عبد الله القسيري على خراجها، وأوصاهما بالعدل: فلم يزل عبد
_________________
(١) ١ تاريخ اليعقوبي ٣: ٤٠، والطبري ٩: ١٣١٨، وابن الأثير ٥: ٢٩. ٢ الطبري ٩: ١٣٣٠، وابن الأثير ٥: ٣٤. ٣ تاريخ اليعقوبي ٣: ٤٦، وفتوح البلدان ص: ٤١٥، والطبري ٩: ١٣٥١، وابن الأثير ٥: ٤٨.
[ ٢٩ ]
الرحمن بن نعيم الغامدي على خراسان حتى مات عمر، وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف١.
وفي خلافة يزيد بن عبد الملك ارتفع شأن القيسية والمضرية بخراسان، إذ ولي يزيد أخاه مسلمة على العراق، فاستعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز الأموي، فأخذ عمال عمر بن عبد العزيز وحبسهم ثم أطلقهم، كما أخذ نفرا من موظفي يزيد بن المهلب اختانوا أموالا، فسجنهم وعذبهم حتى مات بعضهم، وأشفى غيرهم على الهلاك٢.
وفي سنة اثنتين ومائة اضطربت سمرقند، وكانت ملتاثة قبل مجيء سعيد إليها فقد جمع خاقان الترك، واستعان بالصغد، وحاصر قصر الباهلي، فهادنه من كان به من العرب، وصالحوه، وكانوا قبل ذلك قد استمدوا عثمان بن الشخير عامل سمرقند، فجاء المدد من جميع القبائل، واشتبكوا مع الترك واستردوا قصر الباهلي٣.
وفي السنة نفسها عبر سعيد النهر، وأغار على الصغد لأنهم نقضوا العهد وأعانوا الترك، فأوقع بهم، وأدبهم، ثم سار إلى الترك، فحطموا أولى كتائبه، التي تقدمت نحوهم، فحمل بنو تميم على الترك، وجاهدوهم جهادا عنيفا حتى قدم الأمير، فحققوا بعض النصر، ولكن المعركة لم تنته٤.
وحدث أن انكسر خراج العراق وخراسان، في أيام مسلمة، فعزله أخوه يزيد عنهما، وعين عليهما عمر بن هبيرة الفزاري٥، فأعفى سعيد بن عبد العزيز من ولاية خراسان، وكان يقاتل الترك بسمرقند، وأوفد إليها سعيد ابن عمرو الحرشي، فوافهاها والجيش بإزاء العدو بسمرقند، فاستنهض همم الجنود، وحضهم على الاستبسال في النضال٦ فخاف الصغد لأنهم كانوا قد ظاهروا الترك على العرب في عهد سعيد بن
_________________
(١) ١ تاريخ اليعقوبي ٣: ٤٦، وفتوح البلدان ص: ٤١٥، والطبري ٩: ١٣٥٢، وابن الأثير ٥: ٥١. ٢ تاريخ اليعقوبي ٣: ٥٤، والدينوري ص: ٢٣٢، وفتوح البلدان ص: ٤١٦، والطبري ٩: ١٤١٨، وابن الأثير ٥: ٩٠. ٣ الطبري ٩: ١٤٢٢، وابن الأثير ٥: ٩٢، والبداية والنهاية ٩: ٢٢٢. ٤ الطبري ٩: ١٤٢٩، وفتوح البلدان ص: ٤١٦، وابن الأثير ٥: ٩٥. ٥ الطبري ٩: ١٤٣٢، وابن الأثير ٥: ٩٨. ٦ الطبري ٩: ١٤٣٨، وفتوح البلدان ص: ٤١٦، وابن الأثير ٥: ١٠٣.
[ ٣٠ ]
عبد العزيز. فخرجوا إلى خجندة وسألوا ملك فرغانة أن ينزلهم ببلاده، وأن يحميهم. وفي سنة أربع ومائة توجه الحرشي إليهم، وطوقهم بخجنده، ونصب عليهم المجانيق، وقتل أميرهم وجماعة منهم، لأنهم قتلوا الأسرى العرب الذين كانوا بأيديهم١.
وكان الحرشي يستخف بابن هبيرة، ولا يتقيد بتعاليمه، ولا ينفذ أوامره. وكانا- وهما قيسيان- يتنافسان في السلطة والعظمة. فاغتنم ابن هبيرة قتل الحرشي للصغد، ونحاه عن خراسان، وولى عليها مسلم بن سعيد ابن زرعة الكلابي٢. فغزا الترك سنة خمس ومائة، فلم يفتح ولم يفلح. ثم غزا مدينة أفشينة من مدائن الصغد، فصالحه ملكها وأهلها٣. ثم أخذ يتأهب للهجوم على الترك والصغد، حتى إذا ما جهز حملة إلى فرغانة، وقطع النهر: تمردت عليه ربيعة والأزد ببلخ، فرد إليهم نصر بن سيار، فقضى على فتنتهم، وأمرهم باتباع أميرهم٤، فساروا إليه، وحين وصل مسلم فرغانة تطورت الأحداث تطورا سريعا إذ مات يزيد بن عبد الملك، وبويع أخوه هشام، فصرف ابن هبيرة عن العراق، واستعمل عليها خالد بن عبد الله القسري، فولى أخاه أسدا على خراسان، وكتب إلى مسلم أن يتم غزوته. فتقدم حتى تخطى خجنده، واقتحم بلاد الترك، فحاربوه وفتكوا بجنده، فضعفت قوته، وعجز عن الانسحاب عبر نهر الشاش، وأصابت المجاعة جيشه، فمات عدد منهم بالجوع والعطش، ولم يعد إلى خجنده إلا بعد جهد جهيد٥.
ولم يوفق أسد القسري بخراسان لا في سياسته الداخلية، ولا في غاراته الخارجية، أي توفيق، بل أخفق أشد الإخفاق، فقد أقام الحسن بن أبي العمرطة الكندي على سمرقند بدلا من هانئ بن هانئ فهاجمه الترك، فردهم على أعقابهم، ورجع إلى أسد، وخلف على عمله ثابت قطنة الأزدي٦. وحاول أسد الإغارة على الترك
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٤٤٢، وابن الأثير ٥: ١٠٧. ٢ تاريخ اليعقوبي ٣: ٥٦، وفتوح البلدان ص: ٤١٦، والطبري ٩: ١٤٥٤، وابن الأثير ٥: ١١٥. ٣ الطبري ٩: ١٤٦٢. ٤ تاريخ اليعقوبي ٣: ٥٦، والطبري ٩: ١٤٧٣، وابن الأثير ٥: ١٢٧. ٥ الطبري ٩: ١٤٧٧، وفتوح البلدان ص: ٤١٧، وابن الأثير ٥: ١٢٩. ٦ الطبري ٩: ١٤٨٤، وابن الأثير ٥: ١٣١.
[ ٣١ ]
مرتين، فرجع منهماخائبا١. فأخذ يغزو مناطق خراسان الشاقة الوعرة، فقد غزا غرجستان فصالحه ملكها، وغزا الغور، وغنم منها أموالا كثيرة٢.
وفي سنة تسع ومائة أمر هشام خالدا القسري بتنحيه أخيه أسد عن خراسان، لأنه تعصب لليمانية، حتى أفسد الناس، وأهان المضرية، وضرب نصر بن سيار، ونفرا معه من مضر بالسياط، وحلقهم وسيرهم إلى أخيه مدعيا أنهم أرادوا الوثوب به٣. فاستدعاه خالد، فاستخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، فأقام بها صيفا. ثم ولاها هشام أشرس بن عبد الله السلمي. وكان رجلا فاضلا خيرا، وكان يسمى الكامل بفضله٤. فافتتح عهده بمحاولته إصلاح الأوضاع المتردية بسمرقند، فدعا أهلها إلى الإسلام على أن ترفع عنهم الجزية، ووجه إليهم أبا الصيداء صالح بن طريف، وساعده في مهمته الحسن بن أبي العمرطة الكندي، عامل سمرقند، فدخلوا فيه أفواجا، وشيدوا المساجد، فكتب غوزك إخشيد سمرقند إلى أشرس أن الخراج انكسر لكثرة الداخلين في الإسلام، وقلة ما يجبى ممن بقي من أهل سمرقند على دينه. فضيق أشرس على الذين أسلموا، وسقطت عنهم الجزية، وراح يطالبهم بالاختتان، وإقامة الفرائض، وقراءة سورة من القرآن. ثم أقصى الحسن بن أبي العمرطة الكندي عن سمرقند، وعين مكانه هانئ بن هانئ، وأمره بأخذ الجزية ممن كانت تؤخذ منه. فامتنع أهل سمرقند عليه، واعتزلوا في سبعة آلاف على مقربة من سمرقند، وانضم إليهم أبو الصيداء، وعدد من تميم والأزد وبكر. فقبض هانئ على رؤساء العرب الذين ناصروا الترك، وأرسلهم إلى مرو الشاهجان. وألح في جمع الجزية، واستهان بعظماء العجم والدهاقين، وأساء معاملتهم، فثار الصغد وأهل بخارى ثورة عارمة، واستنصروا الترك، فخرج أشرس إليهم غازيا، وأقام بآمل على شط نهر جيحون الغربي أشهرا. ثم قطع قطن بن قتيبة بن مسلم النهر، فأطبق عليه الصغد والترك وأهل بخارى، وشلوا قوته، فلم يستطع التقدم ولا التأخر، فوجه إليه أشرس كتيبة فكت عليه
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٤٩٢، وابن الأثير ٥: ١٣٩. ٢ الطبري ٩: ١٤٨٩، وابن الأثير ٥: ١٣٩. ٣ فتوح البلدان ص: ٤١٧، والطبري ٩: ١٤٩٧، وابن الأثير ٥: ١٤٢. ٤ الطبري ٩: ١٥٠٢.
[ ٣٢ ]
الحصار. ثما اجتاز النهر إلى بيكند، فلم يصلها إلا بعد مشقة كبيرة. وبذل كل ما في وسعه لبلوغ بخارى، فلم يبلغها إلا بعد معارك طاحنة خاضها مع الترك، وقتل فيها جملة من فرسان العرب، ومات منهم سبعمائة عطشا. ومن بخارى سير أشرس حملة إلى كمرجة بالقرب من بيكند، فلاقاها خاقان في الترك وأهل فرغانة وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى، وسدد عليها الطوق، فأبلى جنودها بلاء حسنا في الدفاع عن أنفسهم، ورفضوا الاستسلام، فاحتال خسرو بن يزدجرد على الموقف، وأعطاهم الأمان على أن لا يلتحقوا بأشرس في بخارى، بل أن يعودوا إلى الدبوسية من أعمال الصغد١.
وهكذا فشل أشرس فشلا ذريعا في تحسين أحوال سمرقند السيئة، إذ لم يشرع في تطبيق ما اقترحه من تغييرات مالية برفع الجزية عمن أسلم منهم، حتى أعلن كثيرون إسلامهم، فتضاءلت الأموال التي كان الدهاقين يجمعونها، والتي كان مفروضا عليهم أن يدفعوها دون نقص أو تأجيل، لأنه كان من شروط صلحهم حين فتحت بلادهم أن يؤدوا مبلغا محددا كل سنة للفاتحين. فأذن أشرس للدهاقين بتحصيل الجزية ممن كانت تحصل منهم قبل إسلامهم. فكان ذلك مبعث سخطهم وعصيانهم، مما اضطر أشرس إلى محاربتهم، لإرغامهم على دفع الجزية، فجلب لنفسه ولجيشه هزائم متوالية بمواقع متعددة، انتهت بضرب خاقان طوقا قويا عليه ببخارى، لم يقدر على كسره، ولم يستطع الانفلات منه. وعندئذ رأى هشام أن يعزله ويولي مكانه الجنيد بن عبد الرحمن المري، فسار إلى ما وراء النهر وشق طريقه إلى أشرس بصعوبة بالغة، لأن الترك والصغد انقضوا عليه عندما عبر النهر، فشتتهم بعد قتال ضار، وواصل تقدمه نحو أشرس، فلما كان ببيكند عاود الترك الانقضاض عليه، فكاد يهلك، ثم ظهر عليهم، فجمع خاقان الترك وهاجمه عند رزماق بالقرب من سمرقند، فدارت الدائرة على الترك، ونجح الجنيد في فك الحصار عن سمرقند، وفي انتزاع أشرس ومن كان معه من الجند، وقفل عائدا إلى مرو الشاهجان٢.
_________________
(١) ١ فتوح البلدان ص: ٤١٧، والطبري ٩: ١٥٠٧، وابن الأثير ٥: ١٤٨. ٢ الطبري ٩: ١٥٢٧، وفتوح البلدان ص: ٤١٨، وابن الأثير ٥: ١٥٦.
[ ٣٣ ]
وفي سنة اثنتي عشرة ومائة عزم الجنيد على غزو طخارستان، فبعث إليها كتائب عديدة تتقدم إليها من جهات مختلفة، ولم تكد تلك الكتائب تتفرق عنه حتى هاجم الترك سورة بن الحر التميمي بسمرقند، فاستمد الجنيد، ولم تكن لديه قوة، لأن معظم جيشه كان غازيا. فقرر إغاثته، فقطع النهر، ونزل بكس، ومنها سار إلى سمرقند سالكا إليها طريقا جبليا صعبا. فلما كان بشعب جبلي وعر قريب منها فاجأه خاقان في جيش ضخم من الترك والصغد، وأهل فرغانة والشاش، فأحاطوا به، وصارعوه صراعا شديدا، وقتلوا عددا كبيرا من جيشه. ولولا ثبات نصر بن سيار وفرسانه المغاوير، وتفاني جنود الفرقة الخراسانية في القتال لأبيد الجنيد وجيشه، لأن خاقان لم يتراجع بجنوده، بل استمر يحاصر الجيش العربي، فاستنجد الجنيد بسورة بن الحر التميمي، فتوجه إليه من سمرقند، وبينما هو غير بعيد منه هاجمه الترك وقتلوه. وتمكن الجنيد في النهاية من دحر الترك، ودخول سمرقند، فأسرع خاقان إلى بخارى، فتبعه الجنيد إليها، وضربه عند الطواويس ضربة قاضية، وبذلك كللت حملة الجنيد باسترداد سمرقند وبخارى، وبإجلاء عيالات الجنود العرب من سمرقند، إلى مرو الشاهجان١.
وفي سنة ست عشرة ومائة خلع هشام الجنيد عن خراسان، لأنه تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب٢. وكان هشام يكره يزيد، ويعتبره خارجا على بني أمية، لأنه ثار عليهم بالبصرة في مطلع القرن الثاني٣. واستعمل عليها عاصم بن عبد الله الهلالي، فوصل إلى مرو الشاهجان، وقد مات الجنيد حتف أنفه، فحبس عمارة بن حريم، ابن عم الجنيد، وحبس موظفي الجنيد، وعذبهم٤.
ولم يكد عاصم يستقر بمرو الشاهجان حتى ثار الحارث بن سريج التميمي بالنخذ، بين الفارياب وزم واليهودية وآمل، ودعا إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله،
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٥٣٢، وابن الأثير ٥: ١٦٢. ٢ الطبري ٩: ١٥٦٤. ٣ الطبري ٩: ١٤١٤. ٤ الطبري ٩: ١٥٦٥، وفتوح البلدان ص٤١٨، وابن الأثير ٥: ١٨٢.
[ ٣٤ ]
والبيعة للرضا. فكان لدعوته صدى واسع في صفوف العرب المتذمرين، وفي نفوس الأعاجم الذين طالما شكوا من الطغيان، وضجوا من الضرائب الباهظة التي لم تكن تسقط عنهم ولا تخف عليهم، حتى بعد إسلامهم، فاحتل الفارياب وبلخ والجوزجان والطالقان ومرو الروذ، وهم على مرو الشاهجان في جيش من الأعاجم ودهاقين المقاطعات التي استولى عليها، وانضم إليه بعض العرب الساخطين من الأزد وتميم. فصد عاصم هجومه الأول على المدينة فعسكر بباب مرو الروذ١.
وفكر عاصم في ضخامة المسؤولية، وصعوبة المشكلات المالية التي أثارت أهل خراسان وما وراء النهر، وقدر أن يستقيل من الولاية، فكتب إلى هشام أن يعفيه، وأن يضيف خراسان إلى صاحب العراق، "فتكون موادها ومنافعها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قريب، لتباعد أمير المؤمنين منها، وتباطأ غياثه عنها"، فأضافها إلى خالد بن عبد الله القسري عامل العراق، وأشار عليه أن يبعث إليها أخاه أسدا، ليصلح ما اضطرب من شئونها، ويضع حدا للفتنة بها. فلما أقبل أسد حبس عاصما وحاسبه، لأنه كان اتفق مع الحارث على خلع هشام ومحاربته إذا رفض العمل بالكتاب والسنة، وأطلق سراح عمارة بن حريم، وأخلى سبيل موظفي الجنيد، وقاتل خالد بن عبد الله الهجري الذي والى الحارث بآمل، وعطف على معكسر الحارث، فلم يستطع اقتحامه، ومنع أهل الترمذ من الأعاجم المسلمين الحارث من دخول مدينتهم، فانتقل إلى طخارستان، ثم سار أسد إلى سمرقند، فصرف عنها الهيثم الشيباني، لأنه دخل في طاعة الحارث٢، ورجع إلى بلخ، فسير منها جديع بن علي الكرماني الأزدي إلى قلعة التبوشكان، حيث لجأ الحارث عند أصهاره من التغلبيين فأنزل بهم جديع هزيمة ساحقة، وسبى من كان بالقلعة من العرب والموالي، والذراري، وباعهم فيمن يزيد بسوق بلخ.
وأقام أسد ببلخ، وجعلها مقره الإداري، ونقل الدواوين إليها،
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٥٦٦، وابن الأثير ٥: ١٨٣. ٢ الطبري ٩: ١٥٨٩، وابن الأثير ٥: ١٨٦.
[ ٣٥ ]
وأسكن بها الجنود العرب الذين كانوا بالبروقان١. وغزا طخارستان ففتح وأصاب سبيا٢. وفي سنة تسع عشرة ومائة هاجم الختل على الشاطئ الشرقي لنهر جيحون، مقابل بلخ، فاستعان أميرها بخاقان الترك، فأعانه، فأرسل الأمير إلى أسد يعلمه بقدوم خاقان، وينصحه بمغاردة بلاده لئلا يوقع الترك به، فتعاديه العرب. فعمل أسد بنصيحته، بعد تباطؤ، فقدم الأثقال، فقطعت النهر، وأدرك خاقان من تأخر من العرب، فقاتلهم، ثم عبر النهر إلى الضفة الغربية، وهاجم طليعتهم التي عسكرت بالأثقال في بطن واد، ونجا أسد هو ومن معه من المقاتلة بمشقة٣.
ولم يسكت خاقان عن أسد، فقد ذهب إلى المنطقة الشرقية من طخارستان ويقال: إن الحارث بن سريج استدعاه إليها، فأجلى أسد العرب من الجوزجان وأنزلهم ببلخ، وقاد بنفسه جيشا جرارا من أهل فلسطين، وقنسرين، وحمص، ودمشق، ومن الأزد، وربيعة، وتميم، ومن الجوزجان، وألحق بخاقان هزيمة ساحقة بعد جولات عديدة، وسبى وغنم. وبقي خاقان بفلوله في طخارستان مدة، ثم رجع إلى وطنه، ورحل معه الحارث بن سريج. وبعد رجوعه اغتاله رجل من أعوانه، وهو كورصول، فاختلف الترك وتشتتوا، وعاد أسد إلى بلخ٤.
ثم جدد أسد الإغارة على الختل، إذ وجه إليها مصعب بن عمرو الخزاعي، فقتل أميرها، وفرق جنوده في أوديتها، فامتلأت أيديهم بالغنائم والسبي٥.
وفي سنة عشرين ومائة توفي أسد ببلخ، فناب منابه جعفر بن حنظلة البهراني، فعمل أربعة أشهر، وفي السنة نفسها أعفى هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري من ولاية العراق، وقلدها يوسف بن عمر الثقفي، فوكل حكم خراسان لجديع بن علي الكرماني الأزدي، فلم يرض هشام عنه، فأقصاه وعين عليها نصر ابن
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٥٩١، وابن الأثير ٥: ١٩٧. ٢ الطبري ٩: ١٥٩١، وابن الأثير ٥: ١٩٨ ٣ الطبري ٩: ١٥٩٣ ٤ الطبري ٩: ١٥٩٣ ٥ الطبري ٩: ١٦٢٩.
[ ٣٦ ]
سيار الكناني، فجفا اليمانية وربيعة، وفصلهم من الوظائف، وأعطاها للمضرية أربع سنوات١. وعمرت خراسان في ولايته عمارة لم تعمرها من قبل، وأحسن السيرة والجباية، ووضع الخراج عمن أسلم٢.
واستهل نصر ولايته بمقاتلة الترك إذ غزا ما وراء النهر من جهة باب الحديد، ثم قصد سمرقند مارا بورغسر، ومنها اتجه إلى الشاش، فحال بينه وبين قطع نهر الشاش كورصول التركي، والحارث بن سريج، ولكن جيشه الكثيف الذي كان يتألف من العرب، ومن أهل بخارى وسمرقند وأشروسنة، سرعان ما تغلب على الترك، وقتل زعيمهم كورصول، فاقتحم نصر الشاش، فتلقاه ملكها بالصلح والهدية والرهائن. وكان من نصوص الصلح أن يخرج الحارث بن سريج من بلاده فأخرجه إلى فاراب. ومضى نصر إلى فرغانة، فصالحه صاحبها بعد محاصرة قاسية٣.
وكان نصر خبيرا بخراسان ومشكلاتها التي تهم العرب والأعاجم، إذ عاش بها أكثر عمره متنقلا في المناصب الرسمية الإدارية والعسكرية، فبذل جهدا كبيرا لإصلاح أوضاعها السيئة، إذ عدل عن العصبية القبيلة، لأنه أحس بعمق قيمة الوحدة، وأثرها في صيانة السيادة العربية وحمايتها من العدو الخارجي، فعامل القبائل بالإنصاف، مع أنه انحاز في صدر ولايته إلى مضر، واطرح الأزد وربيعة، كما غضب على قيس بعد أن حاول يوسف بن عمر الثقفي تنحيته عن الحكم٤. وعمل على تحسين أحوال أهل خراسان الأصليين، وبين خطته الإصلاحية في خطبة ألقاها بجامع مرو الشاهاجان، قال فيها: "استعملت عليكم منصور بن عمر بن أبي الخرقاء، وأمرته بالعدل عليكم. فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه. أو ثقل عليه في خراجه، وخفف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك إليه، يحوله عن المسلم إلى المشرك". فما كانت الجمعة الثانية حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم،
_________________
(١) ١ الدينوري ص: ٣٥١، وتاريخ اليعقوبي ٣: ٧٥. ٢ الطبري ٩: ١٦٦٤، وابن الأثير ٥: ٢٢٧. ٣ الطبري ٩: ١٦٩٤، وابن الأثير ٥: ٢٣٦. ٤ الطبري ٩: ١٧٢٥.
[ ٣٧ ]
وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم، فحول ذلك عليهم، وألقاه عن المسلمين، ثم صنف الخراج حتى وضعه مواضعه، ثم وظف الوظيفة التي جرى عليها الصلح، فكانت مرو الشاهجان يؤخذ منها مائة ألف سوى الخراج، أيام بني أمية١.
وبذلك كان يمكن أن تستقيم الأحوال بخراسان، ويتآلف العرب والعجم تآلفا قويا، ويستأنفوا حياة لا تفرقة ولا تسلط فيها. غير أن موت هشام بن عبد الملك، وقيام الوليد بن يزيد من بعده، وفتك ابن عمه يزيد بن الوليد به، وما صاحبه من تفكك الأسرة الأموية، وتصارع أبنائها على الخلافة حتى توفي يزيد بن الوليد، واستخلف مروان بن محمد، وما تعرض له نصر من الحسد والتآمر قد أضعف موقفه، إضعافا شديدا، وكانت الطامة الكبرى في تأثير الأحداث في الوضع بخراسان. فقد استفحل النزاع بين اليمنية والمضرية، وتعقد برجوع الحارث بن سريج إلى مرو الشاهجان ومحالفته الكرماني، ومخالفتهما نصرا. وازداد الوضع ترديا بظهور أبي مسلم على المسرح، وامتناع نصر عن موافقته على الدعوة للرضا من آل محمد، وما تبع ذلك من تعاظم الخطر الذي أخذ يحدق بنصر، وإخفاق القبائل العربية في التصدي لأبي مسلم بعد أن تهادنت من أجل التفرغ لقتاله، فأدى ذلك إلى غلبة أبي مسلم على مرو الشاهجان، واندحار نصر عنها٢.
_________________
(١) ١ الطبري ٩: ١٦٨٨، وابن الأثير ٥: ٢٣٦. ٢ الطبري ٩: ١٨٥٥، وما بعدها، وابن الأثير ٥: ٣٠٧، وما بعدها.
[ ٣٨ ]