أن من البيان لسحرا وأن من الشعر لحكمة والأمر بهجاء المشركين
الحديث الأول:
عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من البيان سحرا "١.
معنى الحديث: إن بعض البيان يكشف الحقيقة ويوضح المشكل فيستميل القلوب ويجذبها كما يستمال بالسحر.
وهذا الحديث قاله ﵊ حين قدم وفد تميم وفيه الزبرقان وعمرو ابن الأهتم فخطبا ببلاغة وفصاحة ثم فخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد بني تميم والمطاع فيهم والمجاب لديهم أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أذنيه. فقال الزبرقان: والله لقد علم مني أكثر مما قال ما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك والله إنك للئيم الخال حديث المال ضيق العطن أحمق الولد والله.
يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا وما كذبت فيما قلت ثانيا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا.
فقال رسول الله ﷺ:"إن من البيان لسحرا".
قال الميداني: "هذا المثال في استحسان النطق وإيراد الحجة البالغة"٢.
١ أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي.
ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة أن البيان أعم من كونه نثرا فيدخل فيه الشعر لما يشتمل عليه من أوجه البيان وصفوف التشبيهات والمحسنات التي تجذب..
_________________
(١) الميداني - مجمع الأمثال والزرقاني - فيض القدير ٢/٥٢٤.
[ ١٦٠ ]
الحديث الثاني:
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما" وفي رواية: "إن من الشعر لحكمة"١.
والمعنى أنه ليس كل شعر غواية بل منه ما يتضمن إقامة الحق والحث على الخير، كانت العرب تطلق اسم الحكمة على قوة جامعة لرزانة العقل والرأي وشرافة الخلق ومن هذا سموا الرجل العاقل المهذب حكيما. وكذا يطلقونها على فصل الخطاب وهو القول الواضح عند العقل والقلب والحكم والفضاء حقا كان أو باطلا قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون﴾ قال النووي في تعريف الحكمة: "فيها أقوال مضطربة وقد صفا لنا منها أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله تعالى بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصبر عن الهوى والباطل وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام. نعم الإفراط في كل شيء مذموم وخير الأمور أوسطها"٢.
الحديث الثالث:
عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" متفق عليه. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ اللهم أيده بروح القدس؟ ". قال أبو هريرة: نعم". أخرجه مسلم. وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم". أخرجه أبو داود.
عن كعب بن مالك حين أنزل الله ﵎ في الشعر ما أنزل أتى النبي ﷺ فقال: "إن الله ﵎ قد أنزل في الشعر ما قد علمت وكيف ترى فيه؟ فقال النبي ﷺ: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه". أخرجه أحمد.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه من طريق ابن عباس والجملة الثانية ثابتة في البخاري بلفظ إن من الشعر لحكمة من طريق أبي قاله الزرقاني ٢/٢٤. وانظر ابن حجر فتح_ ١٠/٢٠٢ باب أن من البيان سحرا. ٢ ابن حجر فتح ١٠/٢٠٢.
[ ١٦١ ]
وفي رواية له: "والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر".
وعن عائشة ﵂ قالت: "استأذن حسان بن ثابت رسول الله ﷺ في هجاء المشركين فقال رسول ﷺ: "فكيف بنسبي؟ " فقال: "لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين" متفق عليه. وعن هشام عن أبيه قال: "ذهبت أسب حسان عند عائشة فقالت: لا تسبه فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ". أخرجه الإسماعيلي.
في هذه الأحاديث جواز الشعر بل استحبابه إذا كان هادفا إلى صالح الإسلام وتدعيم الدعوة الإسلامية ورفع صرحها ونقض مباني الشرك وعبادة الأوثان.
دخل حسان بن ثابت ﵁ في الإسلام حتى إذا أخذ شعراء قريش في هجاء الرسول وصحبه من المسلمين انبرى لهم بلاذع هجائه وكان رسول الله يحثه على ذلك ويدعو له بمثل: "اللهم أيده بروح القدس".
ولما قال له الرسول: "كيف بنسبي؟ " قال له: "لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين". فكان يهجوهم بأفعالهم وبما يختص عاره بهم.
واستمع الرسول إلى بعض هجائه لهم فقال: "لهذا أشد عليهم من وقع النبل".
وفي حديث عنه ﷺ أنه قال: "أمرت عبد الله بن رواحة بهجاء قريش فقال وأحسن وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن وأمرت حسان بن ثابت فشفى وأشفى".
وما ذلك إلا أنه لم يكن يهجو قريشا بالكفر وعبادة الأوثان إنما كان يهجوهم بالأيام التي هزموا فيها ويعيرهم بالمثالب وهذا طبيعي لأنهم كانوا مشركين فعلا فلو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغا. وبحق سمى حسان شاعر الإسلام وشاعر ورسوله الكريم ﷺ فقد عاش يناضل عنه أعداءه من قريش واليهود ومشركي العرب راميا لهم جميعا بسهام مصمية.
[ ١٦٢ ]