(ترجمة الأستاذ وهيب كامل) ليس لدىّ من المادة ما يمكننى من التحدث بإسهاب عن العالم البعيد الشهرة أبى محمد بن قتبية (المتوفى سنة ٢٧٦ هـ أو قبلها ببضع سنوات) . أما كتابه «الشعر والشعراء» الذى أنشره الآن فقد اشتهر بين العلماء من مخطوطة فينا. وترجم نلدكة مقدمته إلى اللغة الألمانية سنة ١٨٦٤ م، ونشر «ريترهوزن» [١] متنه مع ترجمة هو لاندية فى سنة ١٨٧٥ م. و«ريترهوزن» هذا اعتمد فى ترجمته على المخطوطة التى كانت فى حوزة شيفر. والنص فى مخطوطة شيفر هذه يتفق مع مخطوطة فينا فى كل المواضع تقريبا، ويتفق كذلك مع النسخة التى أثبت بعضها سوكين، وأثبت بعضها الآخر أحد الشرقيين فى دمشق، معتمدين على المخطوطة التى كانت فى حوزة مصطفى أفندى السباعى. وقد أعطاها العالمان العظيمان بريم وسوكين هدية إلى مكتبة ليدن.
ونص هذه النسخة يختلف فى مواضع كثيرة مع مخطوطة فينا، وهو فى الغالب أغزر منها مادة بكثير. فمثلا يذكر ابن خلكان موضعا من كتاب «الشعر والشعراء» فلا نجده فى مخطوطة فينا ولكنا نجده قد ورد فى هذا النص.
وقد حمل هذا الاقتضاب نلدكة على الظن أن مخطوطة فينا تشتمل على مختصر لمؤلف ابن قتيبة. وقد أخذ ألورد بهذا الرأى وأثبته فى كتالوج برلين (الجزء السادس ص ٤٧٤ وما بعدها) وفى وصفه للمخطوطة، التى تتفق مع نسختنا غاية الاتفاق.
ولكنى أخالفه فى هذا الرأى: ذلك بأنه يوجد فى مخطوطة فينا مسائل كثيرة لا
_________________
(١) كتب اسمه فى فهرس دار الكتب المصرية (ج ٣ ص ٢٤٣ من الطبعة الجديدة) وفى معجم المطبوعات لسركيس (ص ٢١٢) «ريترسموزن» وهو خطأ.
[ ١ / ٤٣ ]
توجد فى مخطوطة ليدن (البرلينية)، وهما حينما تتناولان مسألة بعينها، تستعملان عبارات مختلفة، ومخطوطة القاهرة- والإجماع على أنها تتفق فى الغالب الأعم مع مخطوطة ليدن- تختلف عن مخطوطة ليدن فى مواضع غير قليلة، وفى هذه المواضع إما أن تتفق مع مخطوطة فينا، وإما أن تأتى بعبارة جديدة، كما حدث أحيانا.
ولذلك فالحقيقة فيما يبدو لى هى أن المؤلف أملى كتابه من كراسته فى فترات مختلفة، فكان يستعمل فى كل مرة عبارات متغايرة، ويضيف أحيانا عبارات من عنده، ويهمل عبارات كان قد أملاها فى مرة سابقة. ونص بعض العناوين، وخصوصا فى الجزء الأول من الكتاب، يختلف فى بعضها عن بعض فى مختلف المخطوطات، إلى حد أنه ينبغى أن تنشر مستقلة. وذلك هو السبب عندى فى أنه لم يرد ذكر بعض الشعراء الممتازين، فى حين أن شعراء أقلّ شأنا قد ظفروا من الكتاب بمكان يذكرون فيه.
ومن المعقول أن تكون روايات أخرى- بجانب الرويات التى وصلت إلينا- كانت موجودة فى وقت ما. وإنى لا أستطيع أن أصف محتويات إستنبول (من مكتبة راغب باشا) ولا مخطوطة بيروت، اللتين وصفهما بروكلمان (١: ١٢٢) . وإنى شديد الأسف لأنى لم أستطع أن أرجع إلى هاتين المخطوطتين، ولا أن أقارن بينهما، وبين مخطوطة القاهرة.
وللفرنسيين فى ذلك مثل صائب: «الأحسن عدوّ الحسن» ولو أنى فرضت على نفسى أداء هذا الواجب لكان ظهور هذه الطبعة من الكتاب من الكتاب أمرا مشكوكا فيه. فإذا كنت غير قادر على إخراج هذا الكتاب فى صورة مثالية بغير الرجوع إلى هاتين المخطوطتين، فإنها الضرورة تضطرنى إلى ذلك.
ولقد استخرج ريترهوزن نسخة من مخطوطة فينا، وراجعت أنا النسخة والمخطوطة الواحدة على الأخرى، وبعد ذلك راجع ريترهوزن مخطوطة شيفر كذلك. ووصف نلدكة مخطوطة فينا وأرسل إلىّ صورة منها، فاستطعت- بالاعتماد
[ ١ / ٤٤ ]
على هذه الصورة- أن أصلح قليلا من الأخطاء. والأصل فى هذه الطبعة هو نسخة ليدن، لأن النصّ فيها جيد غالبا. ولقد قارنت بينها وبين برلين، والنصّ فيها أقلّ جودة، ولكنها كانت، على أى حال، مفيدة فى كثير من الأحيان، وليس هناك نسخ من هذه المخطوطة. وبالرغم من أن الخطأ قد يتكرر فيهما وتسقط قطع منهما جميعا إلا أنهما تتفقان إلى حدّ بعيد. أما مخطوطة القاهرة فقد تناولتها فى الملاحظة على النص (ص ١) والقراءة المخالفة التى ترد فى أية مخطوطة أخرى منصوص عليها فى هامش هذه النسخة.
ويقتبس كتاب «خزانة الأدب» مواضع كثيرة من كتابنا (يعنى الشعر والشعراء)، وكثيرا ما يكون ما يقتبسه متفقا مع نص مخطوطة فينّا. ومن ناحية أخرى، نجد مؤلف الأغانى يعتمد على نسخة أطول، ولكنها تتفق مع مخطوطة ليدن. ويحدث مرة أو مرتين أن تكون القطعة بعينها مقتبسة فى الخزانة وفى الأغانى. (انظر مثلا ص ٣٩٠ ب) .
ولقد بذلت قصارى جهدى فى مراجعة كل المواضع التى اقتبسها المؤلفون المختلفون من هذا الكتاب، ولكنى أخشى أن يكون قد فاتنى موضع أو موضعان.
فليسامحنى القارئ.
ويذكر الفهرست (ص ٧٧ وما بعده) كتابنا هذا تحت عنوان «الشعر والشعراء» . ولكنه (أى الكتاب) يسمى «كتاب طبقات الشعراء» فى هامش مخطوطتى برلين وليدن، وكذلك فى عنوان مخطوطة القاهرة.
ولقد لا حظ ألورد بحق أن الشعراء- ولو أنهم ليسوا مرتبين بدقة فى طبقات- مقسّمين بحسب قدرة الشاعر الفنية، أو بحسب القبائل أو أو إلخ إلخ. وإذن يكون عنوان «طبقات الشعراء» مناسبا للكتاب ولكن إذ التفتنا إلى التصدير الذى يقول فيه المؤلف إنه ألف كتابا فى الشعراء، وإلى المقدمة التى يقول فيها إنه يبحث فى «طبقات الشعراء»، ووضعنا إلى جانب هذا ما جاء فى كتاب المعارف (ص ٣١٩) حيث يسمى الكتاب «كتاب الشعر» ونظرنا إلى «عيون الأخبار» حيث يسمى الكتاب
[ ١ / ٤٥ ]
«كتاب الشعر»، وهذا العنوان من الجائز جدّا أن يكون اختصارا لعنوان «كتاب الشعر والشعراء»، لرجحنا أن يكون المؤلف نفسه قد سمّى كتابه كما جاء فى الفهرست.
ويسمّى الكتاب فى ملاحظة على «المحاسن» للجاحظ ص ١٨٤ «أخبار الشعراء» والعنوان فى مخطوطة بيروت «ديوان الشعر والشعراء» (انظر المجلة الآسيوية سنة ١٨٩٤ م الجزء الثانى ص ٢٠٧ ملاحظة ٢) .
وكتابنا- على ما ورد فى مقدمة كتاب عيون الأخبار- واحد من سلسلة كتبها المؤلف على طريقة الطبقة الممتازة من الكتّاب. فبعد أن أخرج كتابه المشهور «أدب الكتاب»، الذى علّم فيه الكتّاب فن الكتابة حقّا، رأى أن هذا النحو من التعليم لا يكفى، وأن الكتّاب تنقصهم معلومات متنوعة، فأخرج أربعة كتب مختلفة الموضوعات، مما كان قد وعاه فى ذهنه ثم ألّف كتابه الكبير «عيون الأخبار» .
والكتب الأربعة هي: «كتاب الشراب»، و«كتاب المعارف» ويعرف فى طبعة وستنفلد «بالكتاب التاريخى» . و«كتاب الشعر» وهو كتابنا هذا، و«كتاب تأويل الرؤيا» ويسميه الفهرست «كتاب تعبير الرؤيا» . والفهرست يسمى «كتاب الشراب» «كتاب الأشربة» (ص ٧٨) . وهذا الكتاب الأخير مذكور فى كتابنا مرتين:
الأولى فى (ص ٨٩) بالعنوان الأول «كتاب الشراب» والثانية فى ص ٥٤) بالعنوان الثانى «كتاب الأشربة» . وعلى ذلك يكون كتابنا متأخرا عن كتاب الشراب. وحيث إن كتابنا مذكور فى «كتاب المعارف»، فكتاب المعارف إذن أحدث منه. وفى كتابنا يرد ذكر «كتاب العرب» (ص ٦) وكتاب «العرب فى الشعر» (ص ٣٥) . وفى موضع متقدم من هامش مخطوطة ليدن ترد ملاحظة أن ابن عبد ربه قد ذكر «كتاب تفضيل العرب» لابن قتيبة. ويظهر أن بروكلمان (١: ١٢٢) كان على صواب فيما ذهب إليه من أن الفهرست (ص ٧٨) يشير إلى هذا الكتاب بالذات بعنوان:
«التسوية بين العرب والعجم» . فإذا التفتنا إلى ما يقوله المؤلف عن محتويات هذا الكتاب (ص ٦) بدا لنا أن الأرجح أن نحصر تفكيرنا فى كتاب «معانى الشعر الكبير» (الفهرست ص ٧٧) . فمن هذا الكتاب أو من كتاب «عيون الشعر» والفهرست ص ٧٧) قد أخذ قول ابن قتيبة الذى أورده شارح الأخطل (ص ١٤٤) وفى نص
[ ١ / ٤٦ ]
كتابنا (ص ٣٠٥) وما بعدها.
وبحسب ما جاء فى المزهر للسيوطى (الجزء الثانى ٣٤٥) فإن ابن قتيبة قد اتّبع الأصمعىّ فى تفسير معنى كلمة «المخضرم» . ويظهر من «عيون الأخبار» أن كتاب «معانى الشعر» متقدم حتى على هذا الكتاب.
وكثيرا ما يذكر المؤلف فى كتابنا «كتاب غريب الحديث» انظر (ص ٤٤٣) . وهذا المؤلف متقدم فى التاريخ على كتاب «مختلف الحديث» لأنه مذكور فى مقدمته.
وقد بذلت مجهودا كبيرا فى إصلاح الأصول ومراجعتها، ولكن الأخطاء لم تفارقها أبدا. فهى إما من سهو منى أو من الطابع. فإذا سمح الوقت، أعدت طبع هذا الكتاب وتوخّيت الدقة فى قراءة الأصول ومراجعتها مرات عديدة.
[ ١ / ٤٧ ]