(الشعر والشعراء لابن قتيبة (الجزء الأول» وهذا كتاب من أرفع كتب الأدب قدرا، وأنبهها ذكرا، وأقدمها نشرا.
فقد طبع لأول مرة فى مدينة ليدن سنة ١٧٨٥، وأعيد طبعه فيها مرة ثانية سنة ١٩٠٤ م [١] بعناية المستشرق الكبير «دى غوية» ثم طبع بعد ذلك فى مصر عدة طبعات سقيمة مبتورة كثيرة التصحيف والتحريف لا تعد شيئا مذكورا بالقياس إلى طبعة ليدن الثانية؛ لأن دى غوية قد عنى بنشره. فراجع مخطوط ليدن على خمس نسخ خطية، استحضرها من فينا وبرلين وباريس ودمشق والقاهرة، وأثبت ما بين هذه النسخ من اختلاف فى هامش الكتاب، وبذل مجهودا كبيرا فى مراجعة كل موضع من المواضع التى اقتبسها المؤلفون من الكتاب. ووضع فهرسين للأعلام والأماكن.
وظلت هذه الطبعة عمدة العلماء والباحثين إلى يومنا هذا. بيد أن الحصول على نسخة منها قد أصبح متعذرا بل مستحيلا. فتشوفت النفوس إلى طبعة جديدة تغنى عنها أو تسد مسدها واستشرف الناس إلى من ينتدب نفسه للقيام بهذا العمل الخطير، حتى ارتضى الأستاذ العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر أن ينهض بتلك المهمة الشاقة، فأصدر هذه الطبعة الجديدة التى يقول فى مقدمتها:
«وخير ما ندل به على منزلة هذا الكتاب من العلم، وعلى فائدته للعلماء والمتأدبين أن نخرجه إخراجا صحيحا متقنا، على ما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، وما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، وما أستطيع أن أزعم أنى أهل لمثل هذا العمل، إلا أن أبذل ما فى وسعى» . وهذا تواضع من الأستاذ، فقد نشر منذ أزمان بعيدة كتبا عدة نشرا علميا ممتازا، دل به على سعة علمه، وحصافة رأيه، ودقة
_________________
(١) صوابه: سنة ١٩٠٢ م.
[ ١ / ٧ ]
نظره، وعمق فكره، وأنفق فى سبيل ذلك ما أنفق من جهد ووفر، وعافية ووقت، رضىّ النفس طيب البال، حتى غدا فى طليعة الناشرين المرموقين، وحسبه أنه ناشر الرسالة للشافعى والمعرّب للجواليقى. والأستاذ نفسه يعتبر نشره مثاليا يضارع نشر المستشرقين، بل يفوقه، وقد صرّح بذلك إذ يقول: «إنما أرجو أن يجد القارئ هذا الكتاب تحفة من التحف، ومثالا يحتذى فى التصحيح والتنقيح، وأصلا موثوقا به حجة، وليعلم الناس أننا نتقن هذه الصناعة. من تصحيح وفهارس ونحوهما- أكثر مما يتقنه كل المستشرقين ولا أستثنى» [١] . وقد اعتمد الأستاذ فى تحقيق هذا الكتاب على طبعة ليدن اعتمادا كليا، حتى جاءت طبعته وكأنها صورة من الأولى، إلا أنه قد شرح بعض الألفاظ الغريبة شرحا مقاربا، وراجع كثيرا من النصوص على ما بين يديه من المصادر، ودلّ على أماكن وجودها فى الكتب المختلفة، ولكنه لم يثبت اختلاف الروايات إلا قليلا.
ولئن كانت هذه الطبعة تمتاز بذلك، إن طبعة ليدن تمتاز عنها بميزة عظيمة، فقد حرص «دى غوية» كل الحرص على إثبات كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه، ليكون القارئ على بينة منه فيختار ما يختار ويردّ ما يرد، بذوقه الخاص، ورأيه المستقل، ولا يكون مقيدا بذوق الناشر ورأيه، فقد يكون الناشر مصوبا للخطأ أو مخطئا للصواب وهو لا يدرى، والأنظار متباينة، والأفكار متفاوتة، وفوق كل ذى علم عليم. ومن أجل ذلك لا أوافق الأستاذ على طرحه لتلك الاختلافات التى أثبتها «دى غوية» ولست أدرى لماذا تركها وهى بين يديه.
ومنهج الأستاذ شاكر فى نشر هذا الكتاب هو أنه اعتمد فى نشره على طبعة ليدن فقط، فأخذ منها وترك، ولم يرجع إلى النسخ المخطوطة فى القاهرة، وهو يعلم أن فيها نسختين وهما برقمى (٥٥٠، ٤٢٤٧- أدب) رجع «دى غوية» إلى أولاهما، ولم يرجع إلى الثانية، لأنها لم تكن فى دار الكتب إذ ذاك، وفى دار الكتب نسخة ثالثة تحت رقم (٩١٦٠- أدب) وصفت فى الجزء السابع من فهرس الدار ص
_________________
(١) مقدمة شرحه للترمذى ص ٦٤.
[ ١ / ٨ ]
١٨٠. وفى مكتبة الأزهر نسخة رابعة (٦٨٨٥- أدب) فكان من الواجب على الأستاذ أن يرجع إلى تلك النسخ كلها حتى يستطيع تحقيق متن الكتاب [١]، وهو يعلم أن نسخه التى اعتمد عليها «دى غوية» يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا، إلى حد جعل «دى غوية» يقول: «إنه ينبغى أن تنشر مستقلة» . والحق أن الخلاف بين النسخ اختلاف هائل ليس فى سطر أو سطرين، أو صفحة أو صفحتين، بل فى فصول وتراجم بأكملها، فامرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والمتلمس، وطرفة، وأوس بن حجر، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وعلقمة الفحل، وعدىّ بن زيد.
كل شاعر من هؤلاء له ترجمتان متتاليتان، كل واحدة منها تباين الأخرى فى أسلوبها ومنهجها، وتخالفها فى ترتيب عناصرها. وقد راجعت تلك التراجم فى النسخ الخطية فلا حظت أن الترجمة الأولى لكل شاعر قد خلت منهط النسخ خلوا تاما. وكنت أحسب أن هذه التراجم الثنائية ستحفز الأستاذ إلى التماس المخطوطات ليخرج الكتاب كما كتبه صاحبه غير ملفق ولا ناقص كما هو الآن. فقد تبينت أن بعض النصوص التى نقلها الأقدمون عنه لا توجد فيه. كل ذلك يثبت لنا أن طبعة ليدن لا تصلح وحدها لأن تكون أساسا لنشر الكتاب نشرا علميا يجعل القارئ على ثقة من أن الكتاب كما ألفه مؤلفه لم تعبث به أيدى الماسخين أو الناسخين. ولكن الأستاذ قد اعتمدها واتخذها إماما لطبعته. واتبعها حتى فيما لا ينبغى أن تتبع فيه.
وهناك بعض ملاحظات أخرى عنت لى فى أثناء مطالعتى رأيت أن أنبه عليها ابتغاء لوجه الحق، ورغبة فى تصحيح الكتاب ومساهمة فى رجعه إلى أصله.
وبذلك أكون قد أديت واجبى. فإنى أعتقد أنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن ينشر ما يرتئيه من أخطاء ليعرفها القارئ. وينتفع بها الناشر. وبمثل هذا التعاون العلمى المنشود تخلص الكتب العربية من شوائب التحريف والتصحيف الذى منيت به على أيدى الناسخين قديما والطابعين حديثا. وقد رأيت أن لا أنثر ملاحظاتى على الكتاب نثرا، بل رأيت أن أقسمها إلى أقسام، فإن ذلك أنفع وأمتع.
_________________
(١) لماذا كان هذا واجبا؟ أظن أن الأستاذ سيد صقر يقلد بعض المتحذلقين الذين يزعمون أنه لا يجوز نشر كتاب إلا بعد جمع مخطوطاته التى فى العالم!! أحمد محمد شاكر.
[ ١ / ٩ ]