(أما الملاحظات التى تتعلق بالشرح والتعليقات، وعدم الرجوع إلى المخطوطات، والاعتماد على المصادر الثانوية فى تحقيق النصوص، فإنى أجمل الكلام عليها وأكتفى ببعض النماذج منها:) ١- الفقرة (١٠٧) قال الشماخ:
لما رأتنا واقفى المطيات قامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثنيّات خود من الظعائن الضّمريّات
ترك الأستاذ شرح الأصلتيات مع غرابتها، ومعناها: الأسنان الجميلة المستوية البراقة، وشرح الشطر الأخير بقوله «الخود: الفتاة الحسنة الشابة. الضمريات: من الضمور وهو الهزال، فالضمر من الرجال المهضم البطن اللطيف الجسم والأنثى ضمرة» والصواب فى شرح الضمريات ما قاله الشنقيطى فى شرح الديوان «الضمريات صفة ظعائن، أى: هن من بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة» .
٢- (الفقرة ٥٤٨) قال الشماخ:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت تخامص حافى الرّجل فى الأمعز الوجى
وشرح الأستاذ البيت بقوله «تخامص: تتخامص، أى تتجافى عن المشى.
الأمعز: الأرض الغليظة ذات الحجارة. الوجى: الحافى وهو هنا صفة للحافى» والذي فى لسان العرب نقلا عن ابن السكيت: «الوجى أن يشتكى البعير باطن خفه» ويقول الأعشى فى هذا المعنى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
وقد جاء بيت الشماخ صحيحا فى ديوانه: «تخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى» .
وذكر دى غوية أن بعض النسخ فيها «تخامص جافى الخيل» . ولها وجه، جاء فى لسان العرب: «جفا الشىء يجفو جفاء: لم يلزم مكانه، كالسرج يجفو عن الظهر، وكالجنب يجفو عن الفراش» .
[ ١ / ٢١ ]
٣- (الفقرة ٥٣٣): فى ترجمة النمر بن تولب: «وهو القائل لرسول الله ﷺ:
إنا أتيناك وقد طال السّفر نقود خيلا ضمّرا فيها عسر
نطعمها الشحم إذ عزّ الشّجر والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
الشحم: يعنى اللبن» وعلق الأستاذ على هذا بقوله: «تفسير الشحم باللبن شىء نادر جدا لم أجده إلا للمؤلف» قلت قد ذكر دى غوية أن بعض النسخ فيها «نطعمها اللحم» وقد جاء فى لسان العرب (١١: ١٦٢):
نطعمها اللحم إذا عزّ الشجر والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
إنما يعنى أنهم يسقون الخيل الألبان إذا أجدبت الأرض فيقيمها مقام العلف» .
٤- (الفقرة ٩١٩): فى ترجمة ذى الرمة: «وكان يوما ينشد فى سوق الإبل شعره الذى يقول فيه عذّبتهنّ صيدح. وصيدح: اسم ناقته، فجاء الفرزدق فوقف عليه » .
وعلق الأستاذ على ذلك بقوله: «لم أجد هذه الجملة فى القصيدة الحائية التى يظن أن تكون منها فى ديوان ذى الرمة، ولكن البيت ثابت فى الأغانى» . أقول: بل هى منها كما فى ديوانه المطبوع فى أوربا ص ٨٧، وفى ديوانه المخطوط بدار الكتب ورقة ٢٠٣. قال ذو الرمة:
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنّح
إذا ارفضّ أطراف السياط وهلّلت جروم المطايا عذّبتهنّ صيدح
وقد اعتمد الأستاذ على الديوان المطبوع فى بيروت سنة ١٣٥٣ هـ وما كان ينبغى له أن يعتمد عليه، وقد ذكر ناشره فى مقدمته أنه حذف منه ما يتعلق بوصف الإبل والفيافى! ٥- فى ترجمة مالك بن الريب: «وهو القائل فى الحبس:
أتلحق بالرّيب الرّفاق ومالك بمكة فى سجن يعنّيه راقبه»
[ ١ / ٢٢ ]
شرحه الأستاذ بقوله: «يعنيه: يحبسه حبسا طويلا» والصواب: يعنيه: يذيقه ألوان العذاب، لأن الراقب- وهو ملاحظ السجن- لا يملك إطالة مدة الحبس أو تقصيرها، وإنما يملك ذلك الأمير.
٦- (الفقرة ٩٢٩) من شعر هشام أخى ذى الرمة:
حتى إذا أمعروا صفقى مباءتهم وجرّد الخطب أثباج الجراثيم
وآب ذو المحضر البادى إبابته وقوّضت نيّة أطناب تخييم
ألوى الجمال هراميل العفاء بها وبالمناكب ريع غير مجلوم
شرح الأستاذ البيت الأول بقوله: «أمعروا: أكلوا. الصفقتان: الناحيتان.
المباءة: منزل القوم حيث يتبوؤون. الخطب- بضم الخاء وسكون الطاء- جمع أخطب، وهو الحمار تعلوه خضرة» . وهو خطأ، لأن الشاعر لم يرد بالخطب الحمير، وإنما أراد النوق التى كانت ترعى. جاء فى لسان العرب «الحطب جمع خطباء، وناقة بينة الخطب، والخطب، والخطبة: لون يضرب إلى الكدرة مشرب حمرة فى صفرة، كلون الحنظلة الخطباء قبل أن تيبس» . وشرح البيت الثانى بقوله:
«آب: أى: رجع. إبابته: أي رجوعه، يقال: آب إلى وطنه نزع» والصواب أن يقال فى تفسيرهما: آب إبابته: أى: نزع نزوعه إلى وطنه.
وشرح البيت الثالث بقوله: «ألوى الجمال: ذهبن. هراميل العفاء بها: حال من الجماعة. الهراميل: جمع هرمول- بضم الهاء: قطعة من الشعر. العفاء: ما كثر من الوبر، يريد متساقطة الوبر. الريع: الزيادة. غير مجلوم: غير مقطوع» وهذا شرح مضطرب لا يجلو معنى البيت. ولست أدرى من أين أخذ الأستاذ أن الشاعر يريد أن يصف الإبل التى شبعت من المرعى بأنها متساقطة الشعر، وكيف يوفق بين معنى شطرى البيت؟ أيجوز أن يقول الشاعر فى صدر البيت: إن وبرها متساقط من المرعى، ثم يقول فى عجزه: إن وبرها كثير نام غير مقصوص أو مقطوع؟ وفى البيت تحريف يبهم معناه، فالشاعر لم يقل «ألوى الجمال» كما ذكر
[ ١ / ٢٣ ]
الناشران، وإنما قال «آلوا الجمال» جاء فى لسان العرب (١١: ٣٤):
حتى إذا أمعروا صفقى مباءتهم وجرد الخطب أثباج الجراثيم
آلوا الجمال هراميل العفاء بها على المناكب ريع غير مجلوم
آلوا الجمال: أى: ردوها لير تحلوا عليها» .
٧- (الفقرة ٩٢٩) من القصيدة نفسها:
واستنّ فوق الحذارى القلقلان كما شكل الشّنوف يحاكى بالهيانيم
الحذارى: جمع حذرية وهى الأرض الصلبة. والقلقلان: النبت» .
وشرح الأستاذ هذا النص بقوله: «استن: أسرع» . كما شكل «ما» زائدة، أراد كشكل الشنوف. جمع شنف. وهو القرط الذى يلبس فى أعلى الأذن. الهيانيم:
جمع هينمة. وهى الصوت الخفى لا يفهم. والقلقلان كما فى اللسان: شجر أخضر ينهض على ساق. ومنابته الآكام دون الرياض، وله حب كحب اللوبياء يؤكل، والسائمة حريصة عليه» وهذا شرح قاموسى لا يوضح المعنى للقارئ. وإذا كانت «ما» زائدة كما قال الأستاذ فلماذا ضبط شكل بضم اللام؟ والصواب «كما شكل» بكسر اللام. واستن القلقلان: اضطرب وتحرك. أراد عندما يبس. وكان من الواجب على الأستاذ أن لا ينقل ما نقله فى تعريف القلقلان عن اللسان، لأنه لا يفيد ولا يعين على اجتلاء التشبيه، وأن ينقل بدله ما جاء فى اللسان (١٤: ٨٣):
القلقلان: نبت ينبت فى الجلد وغلظ السهل. وله سنف أفيطح ينبت فى حبات كأنهن العدس فإذا يبس فانتفخ وهبت به الريح سمعت تقلقله كأنه جرس» . فهذا التعريف هو الذى يجلو معنى البيت ويفصح عن وجه الشبه الذى أراغ إليه الشاعر.
[ ١ / ٢٤ ]