٣٦* وضرب منه تأخّر معناه وتأخّر لفظه، كقول الأعشى فى امرأة:
وفوها كأقاحىّ غذاه دائم الهطل [٧]
كما شيب براح با رد من عسل النّحل
_________________
(١) س ف هـ «الألفاظ» .
(٢) سيأتى البيت (١٤٩ ل) .
(٣) هـ «ما عاتب الحر» .
(٤) الديوان ٥٥. والحجن: جمع أحجن، وهو المعوج. وسيأتى البيت (٨٠ ل) .
(٥) س ف هـ «حسنا» .
(٦) فى الأغانى ١٩: ١٦ «ينهض فى السواد» .
(٧) «الأقاحى» جمع «أقحوان» قال الأزهرى: «هو القراص عند العرب، وهو البابونج والبابونك عند الفرس» وله نور أبيض كأنه ثغر جارية حدثة السن. كما فى اللسان.
[ ١ / ٦٩ ]
٣٧* وكقوله [١]:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا وإنّ فى السّفر ما مضى مهلا [٢]
استأثر الله بالوفاء وبال حمد وولّى الملامة الرّجلا [٣]
والأرض حمّالة لما حمّل الّل هـ وما إن تردّ ما فعلا
يوما تراها كشبه أرّدية ال عصب ويوما أديمها نغلا [٤]
وهذا الشعر منحول، ولا أعلم [٥] فيه شيئا يستحسن إلّا قوله:
يا خير من يركب المطىّ ولا يشرب كأسا بكفّ من بخلا
يريد أنّ كلّ شارب [٦] يشرب بكفّه، وهذا ليس ببخيل فيشرب بكفّ من بخل. وهو معنى لطيف.
٣٨* وكقول الخليل بن أحمد العروضى:
_________________
(١) البيت الأول والثانى ومعهما بيت آخر فى الأغانى ٨: ٨٢. والأبيات مع غيرها فى الخزانة ٤: ٣٨١- ٣٨٥ والأول فى سيبويه ١: ٢٨٤. وهو فى اللسان ١٣: ١٧ غير منسوب. والثانى فى معجم الشعراء للمرزبانى ٤٠١ والأغانى ١٠: ١٣٦.
(٢) قال الأعلم فى شواهد سيبويه: «الشاهد فيه حذف خبر إن لعلم السامع، والمعنى: إن لنا محلا فى الدنيا ومرتحلا عنها إلى الآخرة. وأراد بالسفر من رحل من الدنيا، فيقول: فى رحيل من رحل ومضى مهل، أى لا يرجع» .
(٣) س ف «يا استأثر» .
(٤) العصب: ضرب من برود اليمن. والنغل، بفتح الغين: فساد الأديم فى دباغه. والبيت فى اللسان ١٤: ١٩٤ وقال «واستشهد الأزهرى بهذا البيت على قوله نغل وجه الأرض: إذا تهشم من الجدوبة» .
(٥) س ف «لا أعرف» .
(٦) ف د «أن كل بخيل» وليس بجيد.
[ ١ / ٧٠ ]
إنّ الخليط تصدّع فطر بدائك أوقع
لولا جوار حسان حور المدامع أربع
أمّ البنين وأسما ء والرّباب وبوزع
لقلت للرّاحل ارحل إذا بدا لك أو دع
٣٩* وهذا الشعر بيّن التكلّف ردىء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شىء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصمعىّ، وشعر ابن المقفّع، وشعر الخليل، خلا خلف الأحمر، فإنّه (كان) أجودهم طبعا وأكثرهم شعرا.
ولو لم يكن فى هذا الشعر إلا «أمّ البنين» و«بوزع» لكفاه! ٤٠* فقد كان جرير أنشد بعض خلفاء بنى أميّة قصيدته التى أوّلها:
بان الخليط برامتين فودّعوا أو كلّما جدّوا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم قلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
وهو يتحفّز ويزحف من حسن الشعر [٢]، حتّى إذا بلغ إلى قوله:
وتقول بوزع قد دببت على العصا هلّا هزئّت بغيرنا يا بوزع!
قال له: أفسدت شعرك بهذا الاسم، وفتر.
٤١* قال أبو محمّد: وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، كما ينفع القبيح حسن اسمه، ويزيد فى مهانة الرجل فظاعة اسمه [٣]، وتردّ
_________________
(١) ينقع بالقاف. يقال «شرب حتى نقع» أى: شفى غليله وروى. و«نقع الماء العطش» أذهبه وسكنه.
(٢) ش ف «ويزحف إليها استحسانا لها» .
(٣) س ف «فظاظة اسمه» .
[ ١ / ٧١ ]
عدالة الرجل بكنيته [١] ولقبه. ولذلك قيل: اشفعوا بالكنى، فإنّها شبهة.
٤٢* وتقدّم رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: ادع أبا الكويفر ليشهد، فتقدّم شيخ فردّه شريح ولم يسأل عنه، وقال: لو كنت عدلا لم ترض بها. وردّ آخر يلقّب «أبا الذّبّان» ولم يسأل عنه.
٤٣* وسأل عمر رجلا أراد أن يستعين به (على أمر) عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سرّاق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك! ولم يستعن به.
٤٤* وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا يدعو رجلا [٢]: يا أبا العمرين، فقال: لو كان له عقل كفاه أحدهما! ٤٥* ومن هذا الضرب قول الأعشى [٣]:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى شاو مشلّ شلول شلشل شول
وهذه الألفاظ الأربعة فى معنى واحد، وكان قد يستغنى بأحدها عن جميعها [٤] . وماذا يزيد هذا البيت أن كان للأعشى أو ينقص؟
٤٦* [و] [٥] قول أبى الأسد، وهو من المتأخرين الأخفياء [٦]:
_________________
(١) س ف «بشاعة كنيته» .
(٢) س ف «ينادى آخر» .
(٣) البيت فى اللسان ١٣: ٣٨٥ والخزانة ٣: ٥٤٧. وصدره فى اللسان ١٣: ٣٩٩. وهو من قصيدته التى ألحقها التبريزى بالمعلقات وشرحها فى شرح القصائد العشر ٢٧٢- ٢٨٩.
(٤) فى اللسان: «الشاوى: الذى شوى، والشلول: الخفيف، والمشل: المطرد، والشلشل: الخفيف» القليل، وكذلك الشول، والألفاظ متقاربة، أريد بذكرها والجمع بينها المبالغة» .
(٥) واو العطف لم تثبت فى الأصول وإثباتها ضرورى فزدناها.
(٦) اسمه نباتة بن عبد الله الحمانى، شاعر مطبوع متوسط الشعر، من شعراء الدولة العباسية من أهل الدينور، وكان طيبا مليح النوادر مداحا خبيث الهجاء. قاله فى الأغانى، وله ترجمة في ١٢: ١٦٧- ١٧١ والأبيات فيه ١٦٨ يمدح بها الفيض بن صالح وزير المهدى.
[ ١ / ٧٢ ]
ولائمة لامتك يا فيض فى النّدى فقلت لها: لن يقدح اللّوم فى البحر
أرادت لتثنى الفيض عن عادة النّدى ومن ذا الّذى يثنى السّحاب عن القطر
مواقع جود الفيض فى كلّ بلدة مواقع ماء المزن فى البلد القفر
كأنّ وفود الفيض حين تحمّلوا إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر
٤٧* وهو القائل [١]:
ليتك آذنتنى بواحدة تكون لى منك سائر الأبد
تحلف ألّا تبرّنى أبدا فإنّ فيها بردا على كبدى
إن كان رزقى إليك فارم به فى ناظرى حيّة على رصد
٤٨* ومن هذا الضرب أيضا قول المرقّش [٢]:
هل بالدّيار أن تجيب صمم لو أنّ حيّا ناطقا كلم
يأبى الشّباب الأقورين ولا تغبط أخاك أن يقال حكم [٣]
٤٩* والعجب عندى من الأصمعى، إذ [٤] أدخله فى متخيّره [٥]، وهو شعر ليس بصحيح الوزن، ولا حسن الرّوىّ، ولا متخيّر اللفظ، ولا لطيف المعنى
_________________
(١) من أبيات فى الأغانى ١٢: ١٦٨ يهجو بها أحمد بن أبى دؤاد، لأنه مدحه فلم يثبه ووعده بالثواب ومطله.
(٢) المرقش الأكبر شاعر جاهلى، ستأتى ترجمته ١٠٢- ٢٠٥ ل وهذان البيتان هما الأول والأخير من المفضلية ٥٤ انظرها بشرحنا مع الأستاذ عبد السلام محمد هارون طبعة دار المعارف. وسيأتى بهما المؤلف مرة أخرى ٣٥ ل، وسيذكر البيت الأخير فى ترجمة المرقش.
(٣) «يأبى» ثابتة الضبط فى المواضع الثلاثة فى هذا الكتاب، وهى صحيحة على القياس مثل «أتى يأتى» . وأما «أبى يأبى» مثل «سعى يسعى» فإنه سماعى. وفى رواية المفضليات «يأتى» بالتاء المثناة. الأقورين: الدواهى.
(٤) س ف «حين» .
(٥) هذا الشعر فى المفضليات، ولم يذكر فى الأصمعيات. وقد استدللنا فى مقدمة شرحنا للمفضليات بقول ابن قتيبة هذا على تداخل الأصمعيات فى المفضليات.
[ ١ / ٧٣ ]
ولا أعلم [١] فيه شيئا يستحسن إلّا قوله:
النّشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكفّ عنم
ويستجاد منه قوله:
ليس على طول الحياة ندم ومن وراء المرء ما يعلم [٢]
٥٠* وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله [٣]:
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
حتى قال [٤] أبو نواس:
دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء وداونى بالتى كانت هى الدّاء
فسلخه وزاد فيه معنى آخر، اجتمع له به الحسن فى صدره وعجزه، فللأعشى فضل السّبق إليه، ولأبى نواس فضل الزيادة فيه [٥] .
٥١* وقال الرشيد للمفضّل الضبىّ:
اذكر لى بيتا جيد المعنى يحتاج إلى مقارعة الفكر فى استخراج [٦] خبيئه ثمّ دعنى وإيّاه. فقال له المفضّل: أتعرف بيتا أوّله أعرابى فى شملته، هابّ من نومته، كأنّما صدر عن ركب جرى فى أجفانهم الوسن فركد، يستفزّهم بعنجهيّة [٧] البدو، وتعجرف الشّدو، وآخره
_________________
(١) س ف هـ «ولا أعرف» .
(٢) «يعلم» ضبط فى هذا الكتاب بالبناء للمجهول، وفى المفضليات بالبناء للفاعل، فأثبتناهما معا، والمعنى واحد، يريد أن أمام الإنسان عاقبة عمله، أو أمامه الشيب والهرم والأمراض والعلل.
(٣) س ف «يستجيدون قول الأعشى» .
(٤) س ف «إلى أن قال» .
(٥) س ف «عليه» .
(٦) س ف «إلى مقارعة الأذهان فى إخراج» .
(٧) العنجهية: الكبر والعظمة، أو الجفوة وخشونة المطعم وسائر الأمور، أو الجهل والحمق. وضبطت هنا بفتح الجيم، ونقل صاحب اللسان الفتح عن ابن سيده عن ابن الأعرابى، والجادة ضم الجيم، وهو الذى فى القاموس وغيره.
[ ١ / ٧٤ ]
مدنىّ رقيق، قد غذّى بماء العقيق؟
قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر:
ألا أيّها الرّكب النيام ألا هبّوا [١]
ثمّ أدركته رقّة المشوق [٢] فقال:
أسائلكم [٣]: هل يقتل الرّجل الحبّ؟
قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتا أوّله أكثم بن صيفىّ فى أصالة الرأى [٤] ونبل العظة، وآخره إبّقراط فى معرفته [٥] بالداء والدواء؟ قال المفضّل:
قد هوّلت علّى، فليت شعرى بأىّ مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ قال:
بإصغائك وإنصافك [٦]، وهو قول [٧] الحسن بن هانئ:
دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء وداونى بالّتى كانت هى الدّاء
٥٢* قال أبو محمّد: وسمعت بعض أهل الأدب يذكر [٨] أنّ مقصّد القصيد إنّما ابتدأ فيها بذكر الديار والدّمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الرّبع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين (عنها)، إذ كان نازلة العمد [٩] فى الحلول والظّعن على خلاف ما عليه نازلة المدر،
_________________
(١) فى الأغانى ٧: ٨٦* ألا أيها النوام ويحكم هبوا وذكر قصة أخرى نحو هذه بين الهيثم بن عدى وصالح بن حسان.
(٢) س ف هـ «الشوق» .
(٣) الأغانى «نسائلكم» .
(٤) «الأصالة» المعروف فيها فتح الهمزة لا غير، ولكنها ضبطت هنا بالكسر فقط، فأثبتناهما، وإن لم نجد ما يؤيد الكسر.
(٥) س ب «لمعرفته» .
(٦) س ب «بإنصافك وإنصاتك» .
(٧) س ب «وهو بيت» .
(٨) س ب «بعض أهل العلم يقول» .
(٩) نازلة العمد: هم أصحاب الأبنية الرفيعة الذين يتنقلون بأبنيتهم، ونحو ذلك فسر الفراء قوله تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ «أنهم كانوا أهل عمد ينتقلون إلى الكلأ حيث كان ثم يرجعون إلى منازلهم» .
[ ١ / ٧٥ ]
لانتقالهم [١] عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدّة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة [٢] والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعى (به) إصغاء الأسماع (إليه)، لأنّ التشبيب [٣] قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما (قد) جعل الله فى تركيب العباد من محبّة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلّقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا (علم أنّه قد) استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقّب بإيجاب الحقوق، فرحل فى شعره، وشكا النّصب والسّهر، وسرى الليل وحرّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنّه (قد) أوجب على صاحبه حقّ الرجاء، وذمامة [٤] التأميل، وقرّر عنده ما ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح، فبعثه على المكافأة، وهزّه للسّماح [٥]، وفضّله على الأشباه، وصغّر فى قدره الجزيل.
٥٣* فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب، وعدّل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمآء إلى المزيد.
٥٤* فقد كان بعض الرّجّاز أتى نصر بن سيّار والى خراسان لبنى أميّة [٦]،
_________________
(١) س ب «لانتجاههم الكلأ وانتقالهم» .
(٢) س ب «فشكا شدة الشوق وألم الوجد والفراق، وفرط الصبابة» .
(٣) س ب «لأن النسيب» .
(٤) الذمامة، بفتح الذال وكسرها: الحق والحرمة. وفى س ب «وذمام» وهى بكسر الذال بمعنى الذمامة.
(٥) س ب «على السماح» .
(٦) ولى نصر بن سيار خراسان سنة ١٢٥ هـ ولاه إياها الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
[ ١ / ٧٦ ]
فمدحه بقصيدة، تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات، فقال نصر: والله ما بقّيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفا إلّا وقد شغلته عن مديحى بتشبيبك، فإن أردت مديحى فاقتصد فى النسيب، فأتاه فأنشده:
هل تعرف الدّار لأمّ الغمر دع ذا وحبّر مدحة فى نصر
فقال نصر: لا ذلك [١] ولا هذا ولكن بين الأمرين.
٥٥* وقيل لعقيل بن علّفة [٢]: ما لك لا تطيل الهجاء؟
فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
٥٦* وقيل لأبى المهوّش الأسدى [٣]: لم لا تطيل الهجاء؟
فقال: لم أجد المثل السائر إلّا بيتا واحدا.
٥٧* وليس لمتأخّر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدّمين فى هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكى عند مشيّد البنيان، لأنّ المتقدّمين وقفوا على المنزل الدائر، والرسم العافى. أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأنّ المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير. أو يرد على المياه العذاب الجوارى، لأنّ المتقدّمين وردوا على الأواجن الطّوامى. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأنّ المتقدّمين جروا على قطع منابت الشيخ والحنوة والعرارة [٤] .
_________________
(١) س ب- هـ «لا ذاك» .
(٢) هو عقيل بن علفة المرى. كان شاعرا شريفا من غطفان. أخباره فى معجم الشعراء للمرزبانى ٣٠١- ٣٠٢ والأغانى ١١: ٨١- ٨٩.
(٣) «المهوش» بكسر الواو المشددة. وضبط فى ب فتح الواو. وأبو المهوش اسمه ربيعة بن وثاب. رجح صاحب الخزانة أنه شاعر إسلامى. وانظر الخزانة ٣: ٨٦: ١٤٢ والسمط ٨٦٣.
(٤) الحنوة، بفتح الحاء: نبات سهلى طيب الريح، وقال أبو حنيفة: الحنوة الريحانة. والعرارة، بفتح العين: واحدة العرار، وهو نبت طيب الريح أيضا، وقال ابن برى: هو النرجس البرى.
[ ١ / ٧٧ ]
٥٨* قال خلف الأحمر: قال لى شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال:
أنبت قيصوما وجثجاثا
فاحتمل له، وقلت أنا:
أنبت إجّاصا وتفّاحا
فلم يحتمل لى؟
٥٩* وليس له أن يقيس على اشتقاقهم، فيطلق ما لم يطلقوا.
٦٠* قال الخليل (بن أحمد): أنشدنى رجل:
ترافع العزّ بنا فارفنععا
فقلت. ليس هذا شيئا، فقال: كيف جاز للعجّاج أن يقول:
تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا [١]
ولا يجوز لى؟! ٦١* ومن الشعراء المتكلّف والمطبوع [٢]:
٦٢* فالمتكلّف هو الذى قوّم شعره بالثّقاف، ونقّحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة. وكان الأصمعىّ يقول: زهير والحطيئة وأشباههما [٣] (من الشعراء) عبيد الشعر، لأنهم نقّحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولىّ المنقح المحكّك.
وكان زهير يسمّى كبر قصائده الحوليّات [٤] .
_________________
(١) فى اللسان «تقاعس العز أى ثبت وامتنع ولم يطأطئ رأسه، فاقعنسس أى فنبت معه» .
(٢) هذا الكلام كأنه منقول بنصه أو معناه فى البيان والتبيين للجاحظ ٢: ٢١ و٢: ٢٥.
(٣) س ب «وأمثالهما» .
(٤) سيأتى نحو هذا ٦١ ل.
[ ١ / ٧٨ ]
٦٣* وقال سويد بن كراع، (يذكر تنقيحه شعره) [١]:
أبيت بأبواب القوافى كأنّما أصادى بها [٢] سربا من الوحش نزّعا
أكالئها حتّى أعرس بعد ما يكون سحيرا أو بعيد فأهجعا
إذا خفت أن تروى علىّ رددتها وراء التّراقى خشية أن تطلّعا
وجشّمنى خوف ابن عفّان ردّها فثقّفتها حولا جريدا ومربعا [٣]
(وقد كان فى نفسى عليها زيادة فلم أر إلّا أن أطيع وأسمعا)
٦٤* وقال عدىّ بن الرّقاع [٤]:
وقصيدة قد بت أجمع بينها حتّى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف فى كعوب قناته حتّى يقيم ثقافه منآدها
٦٥* وللشعر دواع تحث البطىء وتبعث المتكلّف، منها الطمع ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب.
٦٦* وقيل للحطيئة، أىّ الناس أشعر [٥]؟ فأخرج لسانا دقيقا كأنّه لسان حيّة، فقال: هذا إذا طمع.
٦٧* وقال أحمد بن يوسف الكاتب لأبى يعقوب الخريمىّ: مدائحك لمحمّد ابن منصور بن زياد، يعنى كاتب البرامكة، أشعر من مراثيك فيه وأجود؟ فقال:
كنّا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد [٦] .
_________________
(١) من أبيات ستأتى ترجمته ٤٠٣ ل. وانظرها مطولة فى الأغانى ١١: ١٢٣.
(٢) س ب ف د «به» .
(٣) حولا جريدا: أى: تاما.
(٤) من قصيدة سيأتى بعضها فى ترجمته ٣٩٢- ٣٩٣ ل والبيتان فى الموشح ص: ١٣.
(٥) س ب «من أشعر الناس» .
(٦) سيأتى ذلك مرة أخرى، فى الفقرة: ١٥٧٩.
[ ١ / ٧٩ ]
٦٨* وهذه عندى قصّة الكميت فى مدحه بنى أميّة وآل أبى طالب، فإنّه كان يتشيّع وينحرف عن بنى أميّة بالرأى والهوى، وشعره فى بنى أميّة أجود منه فى الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلّا قوّة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآخرة.
٦٩* وقيل لكثيّر: يا أبا صخر كيف تصنع [١] . إذا عسر عليك قول الشعر؟
قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل على أرصنه، ويسرع إلىّ أحسنه.
٧٠* ويقال أيضا إنّه لم يستدع [٢] شارد الشعر بمثل الماء الجارى والشرف العالى والمكان الخضر الخالى.
٧١* وقال الأحوص [٣]:
وأشرفت فى نشز من الأرض يافع وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا
وإذا شعفته الأيفاع مرته واستدرتّه.
٧٢* وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟
فقال: (كيف أقول وأنا) ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه [٤] .
٧٣* وقيل للشّنفرى حين أسر: أنشد، فقال: الإنشاد على حين المسرّة [٥]، ثم قال:
_________________
(١) س ب «كيف تصنع يابا صخر» .
(٢) س ب «ما استدعى» .
(٣) من أبيات ستأتى فى الفقرة: ٩٠٣.
(٤) ستأتى القصة مطولة فى ترجمته ٣٣٢ ل. انظر الأغانى ١١: ١٣٤- ١٣٥.
(٥) س ب «على حال المسرة» . وهذه القصة مختصرة فى قصة مقتله، وتجدها مفصلة فى الأنبارى ١٩٤- ١٩٧ والأغانى ٢١: ٨٧- ٩٣ والخزانة ٢: ١٦- ١٨. والأبيات فى الحماسة بشرح التبريزى ٢: ٦٣- ٦٥.
[ ١ / ٨٠ ]
فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّم عليكم ولكن خامرى أمّ عامر [١]
إذا حملوا رأسى وفى الرأس أكثرى وغودر عند الملتقى ثمّ سائرى [٢]
هنالك لا أرجو حياة تسرّنى سمير الليالى مبسلا بالجرائر [٣]
٧٤* وللشعر تارات [٤] يبعد فيها قريبه، ويستصعب (فيها) ريّضه.
وكذلك الكلام المنثور فى الرسائل والمقامات والجوابات، فقد يتعذّر على الكاتب الأديب وعلى البليغ الخطيب. ولا يعرف لذلك سبب [٥]، إلّا أن يكون من عارض يعترض [٦] على الغريزة من سوء غذاء أو خاطر غمّ.
٧٥* وكان الفرزدق يقول: أنا أشعر تميم (عند تميم)، وربما أتت علىّ ساعة ونزع ضرس أسهل [٧] علىّ من قول بيت.
٧٦* وللشعر أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح (فيها) أبيّه. منها أوّل الليل
_________________
(١) بحاشية ب «قال الشريف: الرواية لا تدفنونى» . والذى فى المراجع التى أشرنا إليها «لا تقبرونى. إن قبرى» وفى سائر الروايات «أبشرى أم عامر» . قال التبريزى: «فى قوله: ولكن أبشرى أم عامر وجهان، أحدهما أبشرى أم عامر بأكلى إذا تركت ولم أدفن، والثانى اتركونى للتى يقال لها أبشرى أم عامر. ويروى خامرى أم عامر» وأم عامر هى الضبع.
(٢) ب د هـ «إذا حملت» . وفى الخزانة والأغانى «إذا احتملت» . وفى الأنبارى والحماسة «إذا احتملوا» .
(٣) فى الأنبارى والحماسة واللسان ٧: ٤٠٨ «سجيس الليالى» وهما بمعنى، والمراد: أبدا. ومعنى «مبسلا بالجرائر» أنه أسلم إلى عدوه بما جنى عليهم، المبسل: المسلم.
(٤) س ب «أوقات» .
(٥) س ب «ولا تعرف لذلك علة» .
(٦) س ب «يعرض» وبحاشية ب «قال الشريف: يختار فى الشر عرض يعرض، وفى الخير عرض يعرض» . وقد ضبط الفعل الماضى فيهما بفتح الراء، وهو خطأ، فإن الذى فى المصباح أن الفعل كله من باب «ضرب» ثم قال «وعرضت له بالسوء أعرض، من باب تعب، لغة» . ونص اللسان أيضا على البابين أنهما لغتان.
(٧) س ب «أهون» .
[ ١ / ٨١ ]
قبل تغشّى الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة فى الحبس [١] والمسير.
٧٧* ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل الكتاب.
٧٨* وقالوا فى شعر النابغة الجعدىّ: خمار بواف ومطرف بآلاف [٢] .
٧٩* ولا أرى غير الجعدىّ فى هذا الحكم إلّا كالجعدىّ، ولا أحسب أحدا من أهل التمييز والنظر [٣]، نظر بعين العدل وترك طريق التقليد، يستطيع أن يقدّم أحدا من المتقدّمين المكثرين على أحد إلّا بأن يرى الجيّد فى شعره أكثر من الجيّد فى شعر غيره.
٨٠* ولله درّ القائل: أشعر الناس من أنت فى شعره حتّى تفرغ منه.
٨١* وقال العتبى: أنشد مروان بن أبى حفصة لزهير فقال: زهير أشعر الناس، ثمّ أنشد للأعشى فقال: (بل) هذا أشعر الناس، ثمّ أنشد لامرئ القيس فكأنما سمع به غناء على شراب، فقال: امرؤ القيس والله أشعر الناس.
٨٢* وكل علم [٤] محتاج إلى السماع. وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثمّ الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللّغات المختلفة، والكلام الوحشىّ،
_________________
(١) س ب «فى المجلس» .
(٢) هذه الكلمة فى الأغانى: ١٣٧ عن الأصمعى قال: «ذكر الفرزدق نابغة بنى جعدة فقال: كان صاحب خلقان، عنده مطرف بألف وخمار بواف، يعنى درهما» . وقال محمد بن سلام الجمحى فى طبقات الشعراء ٢٦: «وكان الجعدى مختلف الشعر مغلبا، فقال الفرزدق: مثله مثل صاحب الخلقان ترى عنده ثوب عصب وثوب خز وإلى جانبه سمل كساء» . وسيأتى نحو هذا فى الفقرة: ٤٩٨.
(٣) س ب «من أهل المعرفة أو أهل التمييز» .
(٤) س ب هـ «وكل العلم» .
[ ١ / ٨٢ ]
وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه. فإنّك لا تفصل فى شعر الهذليّين إذا أنت لم تسمعه بين «شابة» و«ساية» وهما موضعان [١]، ولا تثق بمعرفتك فى حزم نبايع [٢] وعروان الكراث [٣]، وشسّى عبقر [٤]، وأسد حلية [٥]،
_________________
(١) «شابة» بالشين المعجمة والباء الموحدة الخفيفة، قال ياقوت: «جبل بنجد، وقيل بالحجاز فى ديار غطفان بين السليلة والربذة» . و«ساية» بالسين المهملة وبعد الألف ياء مثناة تحتية مفتوحة، قال ياقوت: «اسم واد من حدود الحجاز» ثم نقل عن ابن جنى أنه «واد عظيم به أكثر من سبعين عينا» .
(٢) «حزم نبايع»: جبل أو واد فى ديار هذيل.
(٣) «عروان» بضم العين: من أمنع جبال الحجاز وأكثره صيدا وعسلا، وهو من منازل هذيل، كما فى صفة الجزيرة ١٧٣ ونقل ياقوت عن ابن دريد فتح العين. و«الكراث» بفتح الكاف والراء وآخره ثاء مثلثة: نبت، قال ياقوت ٦: ١٥٩ «وهو الهيلون» وذكر بيت ساعدة بن جؤية الهذلى: دفاق فعروان الكراث فضيمها ثم ذكر البيت مرة أخرى فى ٧: ٢٢٦ وقال: «دفاق وعروان والكراث وضيم: أودية كلها فى بلاد هذيل. هكذا هو فى عدة مواضع من كتاب هذيل، وهو غلط، والصواب الكراب بالباء الموحدة» . وقد أخطأ فى ذلك فإن الموضع هو عروان ونسب للنبت الذى يكثر فيه، والثاء المثلثة ثابتة فى المصادر الصحاح المتقنة. وذكر «الكراب» فى بيت آخر لتأبط شرا لا يجعل الموضعين واحدا.
(٤) الشس: الغليظ من كل شىء. «عبقر» ضبطها ياقوت كما هنا بسكون الباء وفتح القاف وتخفيف الراء، وقال: «هى أرض كان يسكنها الجن، يقال فى المثل: كأنهم جن عبقر» . وقد جاء فى بيت المرار بن منقذ فشسي عبقر (المفضليات ١٦: ٥٣) بفتح الباء وضم القاف وتشديد الراء، ولم يذكر الأنبارى (١٥٣) خلافا فى ضبطه أو تغييرا، ولكن زعم ياقوت أن الشاعر غيره من أجل الوزن. والظاهر عندى أن الموضع الذى ذكره المرار غير الموضع الذى تنسب إليه الجن.
(٥) الظاهر من سياق الكلام هنا أن «أسد حلية» اسم موضع، ولكن الذى فى ياقوت وصفة جزيرة العرب أن اسم الموضع «حلية» قال ياقوت: «مأسدة بناحية اليمن» ونقل أقوالا أخر فى تعيين موضعها، فحلية هى الموضع ينسب إليها الأسد فيقال «أسد حلية» .
[ ١ / ٨٣ ]
وأسد ترج [١]، ودفاق [٢]، وتضارع [٣]، وأشباه هذا لأنّه لا يلحق بالذكاء والفطنة، كما يلحق مشتقّ الغريب.
٨٣* وقرئ يوما على الأصمعىّ فى شعر أبى ذؤيب:
بأسفل ذات الدّير أفرد جحشها
فقال أعرابىّ حضر المجلس للقارئ: ضلّ ضلالك (أيها القارئ) ! إنّما هى «ذات الدّبر» وهى ثنيّة عندنا [٤]، فأخذ الأصمعىّ بذلك فيما بعد.
٨٤* ومن ذا من الناس يأخذ من دفتر شعر المعذّل بن عبد الله فى وصف الفرس:
من السّحّ جوّالا كأنّ غلامه يصرّف سبدا فى العنان عمرّدا [٥]
إلّا قرأه «سيدا» يذهب إلى الذئب، والشعراء (قد) تشبه الفرس بالذئب، وليست الرواية المسموعة (عنهم) إلّا «سبدا» . قال أبو عبيدة:
المصحّفون لهذا الحرف كثير، يروونه «سيدا» (أى ذئبا)، وإنّما هو «سبد» بالباء معجمة بواحدة، يقال «فلان سبد أسباد» أى داهية دواه.
٨٥* وكذلك قول الآخر:
زوجك يا ذات الثّنايا الغرّ الرّتلات والجبين الحرّ
_________________
(١) هذه كالتى قبلها. قال ياقوت: «ترج، بالفتح ثم السكون وجيم: جبل بالحجاز كثير الأسد» .
(٢) دفاق، بضم الدال وتخفيف الفاء وآخره قاف: موضع قرب مكة.
(٣) تضارع: قال ياقوت: «بضم الراء على تفاعل، عن ابن حبيب، ولا نظير له فى الأبنية، وقيل بكسر الراء: جبل بتهامة لبنى كنانة» .
(٤) انظر معجم البلدان ٤: ٣٢.
(٥) البيت فى اللسان ٤: ١٨٧ وقال: «قوله من السح: يريد من الخيل التى تسح الجرى، أى: تصب، والعمود الطويل» .
[ ١ / ٨٤ ]
يرويه المصحّفون والآخذون عن الدفاتر «الرّبلات» وما «الربلات» من الثنايا والجبين؟! وهى أصول الفخذين، يقال: «رجل أربل» إذا كان عظيم الرّبلتين، (أى عظيم الفخذين)، وإنّما هى «الرّتلات» بالتاء، يقال: «ثغر رتل» إذا كان مفلّجا [١] .
٨٦* وليس كلّ الشعر يختار (ويحفظ) على جودة اللفظ والمعنى، ولكنّه قد يختار ويحفظ على أسباب [٢]:
٨٧* منها الإصابة فى التشبيه، كقول القائل فى وصف القمر:
بدأن بنا وابن اللّيالى كأنّه حسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفنى كلّ يوم شبابه إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
٨٨* وكقول الآخر فى مغنّ:
كأنّ أبا الشّموس إذا تغنّى يحاكى عاطسا فى عين شمس [٣]
يلوك بلحيه طورا وطورا كأنّ بلحيه ضربان ضرس
٨٩* وقد يحفظ ويختار على خفّة الرّوىّ، كقول الشاعر [٤]:
_________________
(١) وقد رواه صاحب اللسان على الخطأ أيضا فى أبيات ٧: ١٥.
(٢) س ب «قد يختار على جهات وأسباب» .
(٣) س ب هـ «كأن أبا السمى» .
(٤) هذه الأبيات رواها أبو سعيد السيرافى فى كتاب أخبار النحويين البصريين طبعة معهد المباحث الشرقية بالجزائر سنة ١٩٣٦ م ص ٢٩ قال: «وأنشد المازنى قال: أنشدنا الأصمعى عن أبى عمر لرجل من اليمن، وقد سماه غيره فقال امرؤ القيس بن عابس» . ونقل ذلك صاحب اللسان ٢٠: ٢٠ ولكنه أخطأ فجعل الرواية عن أبى عمرو بن العلاء عن الأصمعى، وأبو عمرو شيخ الأصمعى! ورواها صاحب اللسان أيضا برواية أخرى ٧: ٣٨٨ قال: «وأنشد أبو عمرو بن العلاء للفند الزمانى ويروى لامرئ القيس بن عابس الكندى» . والأبيات فى اللسان مرة أخرى ٢: ٨٤. وزادها أبياتا ثلاثة فى آخرها.
[ ١ / ٨٥ ]
يا تملك يا تملى صلينى وذرى عذلى [١]
ذرينى وسلاحى ث مّ شدّى الكفّ بالغزل [٢]
ونبلى وفقاها كع راقيب قطا طحل [٣]
ومنّى نظرة بعدى ومنّى نظرة قبلى [٤]
وثوباى جديدان وأرخى شرك النّعل [٥]
وإمّا متّ يا تملى فكونى حرّة مثلى [٦]
وهذا الشعر ممّا اختاره الأصمعىّ (بخفّة رويّه) .
٩٠* وكقول الآخر [٧]:
ولو أرسلت من حب ك مبهوتا من الصّين [٨]
لوافيتك قبل الصّب ح أو حين تصلّين [٩]
وكان يتمثّل بهذا كثيرا، وقال: المبهوت من الطير الّذى يرسل من بعد قبل
_________________
(١) س ب «أيا تملك» وهى رواية السيرافى واللسان.
(٢) رواية السيرافى واللسان «بالعزل» .
(٣) «قفا النبل» فوقها، أو هى لغة فى «الفوق» على القلب. «طحل» من الطحلة، وهى لون بين الغبرة والبياض بسواد قليل كلون الرياد.
(٤) رواية السيرافى واللسان «خلفى» بدل «بعدى» وفسر صاحب اللسان البيت: «أى أفهم ما حضر وما غاب» .
(٥) رواية السيرافى واللسان «فاما» و«فموتى» .
(٦) هكذا نسب ابن قتيبة هذه الأبيات إلى اختيار الأصمعى، وهو يريد- والله أعلم- الأصمعيات وما تداخل منها فى المفضليات، وهذه الأبيات لم تذكر فى المفضليات ولا فى الأصمعيات اللتين بين أيدينا، وقد رجحنا لذلك فى مقدمة شرحنا المفضليات، أن للأصمعى اختيارا ذهب عنا، لم يثبت فى المفضليات ولا الأصمعيات.
(٧) س ب «ومثله» .
(٨) س ب «من حبيك» .
(٩) س ب «عند الصبح» .
[ ١ / ٨٦ ]
أن يدرج [١] .
٩١* وقد يختار ويحفظ لأنّ قائله لم يقل غيره، أو لأنّ شعره قليل عزيز، كقول عبد الله بن أبىّ بن سلول المنافق [٢]:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل تذلّ ويعلوك الّذين تصارع
وهل ينهض البازى بغير جناحه وإن قصّ يوما ريشه فهو واقع
وقد يختار ويحفظ لأنّه غريب فى معناه، كقول القائل فى الفتى:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ولا يكون له فى الأرض آثار
٩٢* وكقول آخر فى مجوسىّ:
شهدت عليك بطيب المشاش وأنّك بحر جواد خضم
وأنّك سيّد أهل الجحيم إذا ما تردّيت فيمن ظلم
(قرين لهامان فى قعرها وفرعون والمكتنى بالحكم) [٣]
٩٣* وقد يختار ويحفظ (أيضا) لنبل قائله، كقول المهدىّ:
تفّاحة من عند تفّاحة جاءت فماذا صنعتب الفؤاد
والله ما أدرى أأبصرتها يقظان أم أبصرتها فى الرّقاد
٩٤* وكقول الرّشيد:
النّفس تطمع والأسباب عاجزة والنّفس تهلك بين اليأس والطّمع
٩٥* وكقول المأمون فى رسول:
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة وأغفلتنى حتّى أسأت بك الظّنّا
_________________
(١) هذا التفسير للمبهوت لم يذكر فى المعاجم.
(٢) «سلول» امرأة من خزاعة، وهى أم عبد الله أو جدته، نسب إليها. والبيتان فى سيرة ابن هشام أيضا ٤١٣ طبع أوروبة.
(٣) يريد أبا جهل بن هشام، فإن أصل كنيته «أبو الحكم» .
[ ١ / ٨٧ ]
وناجيت من أهوى وكنت مقرّبا فياليت شعرى عن دنوّك ما أغنى [١]
وردّدت طرفا فى محاسن وجهها ومتّعت باستماع نغمتها أذنا [٢]
أرى أثرا منها بعينيك لم يكن لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا [٣]
٩٦* وكقول عبد الله بن طاهر:
أميل مع الذّمام على ابن عمّى وأحمل للصّديق على الشّقيق [٤]
وإن ألفيتنى ملكا مطاعا فإنّك واجدى عبد الصّديق
أفرّق بين معروفى ومنّى وأجمع بين مالى والحقوق
وهذا الشعر شريف بنفسه وبصاحبه.
٩٧* وكقوله:
مدمن الإغضاء موصول ومديم العتب مملول
ومدين البيض فى تعب وغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث وهى بهواه فهو مدخول
٩٨* وكقول إبراهيم بن العبّاس لابن الزّيّات [٥]:
أبا جعفر عرّج على خلطائكا وأقصر قليلا من مدى غلوائكا [٦]
فإن كنت قد أوتيت فى اليوم فإنّ رجائى فى غد كرجائكا
_________________
(١) س ب «فياويح نفسى» .
(٢) س ب «باستسماع نغّمتها» ب د «باستمتاع نغّمتها» .
(٣) س ب هـ «بعينك» . س ب «من عينها حسنا» .
(٤) س ب «وآخذ للصديق من الشقيق» . هـ «وأختار الصديق على الشفيق» .
(٥) إبرهيم بن العباس الصولى، كان صديقا لمحمد بن عبد الملك الزيات، ثم آذاه وقصده وصارت بينهما شحناء عظيمة لم يمكن تلافيها. فكان إبراهيم يهجوه. قاله صاحب الأغانى ٩: ٢١ وذكر البيتين مع اختلاف فى الرواية.
(٦) فى الأغانى «أبا جعفر خف خفضة بعد رفعة» .
[ ١ / ٨٨ ]
٩٩* والمتكلّف من الشعر وإن كان جيّدا محكما فليس به خفاء على ذوى العلم، لتبيّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكّر، وشدّة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعانى حاجة إليه، وزيادة ما بالمعانى غنى عنه. كقول الفرزدق فى عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء [١]:
أولّيت العراق ورافديه فزاريّا أحذّ يد القميص
يريد: أولّيتها خفيف اليد، يعنى فى الخيانة، فاضطرّته القافية إلى ذكر القميص [٢]، (ورافداه: دجّلة والفرات) .
١٠٠* وكقول الآخر:
من اللّواتى والتى والّلاتى زعمن أنى كبرت لداتى
١٠١* وكقول الفرزدق [٣]:
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلّا مسحتا أو مجلّف [٤]
فرفع آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب فى طلب العلّة [٥]، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشىء يرضى [٦] . ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أنّ
_________________
(١) من أبيات فى ديوانه ٤٨٧- ٤٨٨ والأغانى ١٩: ١٧ يخاطب بها يزيد بن عبد الملك والبيت فى اللسان ٤: ١٦٤ و٥: ١٥. واللآلى ٨٦٢ مع آخر.
(٢) هذا التفسير يوافق تفسير الجوهرى قال فى اللسان: «وقد قيل فى الأحذ غير ما ذكره الجوهرى، وهو أن الأحذ المقطوع، يريد أنه قصير اليد عن نيل المعالى، فجعله كالأحذ الذى لا شعر لذنبه- يعنى البعير الأحذ- ولا يحب لمن هذه صفته أن يولى العراق» .
(٣) من قصيدة طويلة فى ديوانه ٥٥١- ٥٦٩، النقائض ٥٤٨- ٥٧٦ وجمهرة أشعار العرب ١٦٣- ١٦٨. والبيت فى اللسان ٢: ٣٤٦ و١٠: ٣٧٥. وسيأتى ٩٩ ل.
(٤) هكذا رواية اللسان والجمهرة «مجلف» باللام، وقال فى اللسان: «المسحت: المهلك، والمجلف: الذى بقيت منه بقية» ورواية الديوان والنقائض «أو مجرف» بالراء، ومعناهما متقارب.
(٥) س ب هـ «فى طلب الحيلة» .
(٦) س ب هـ «يرتضى» .
[ ١ / ٨٩ ]
كلّ ما أتوا به من العلل احتيال وتمويه؟! وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إيّاه فشتمه وقال: علىّ أن أقول وعليكم أن تحتجّوا! ١٠٢* (وقد أنكر عليه عبد الله بن إسحق الحضرمىّ من قوله [١]:
مستقبلين شمال الشّأم تضربنا بحاصب من نديف القطن منثور [٢]
على عمائمنا تلقى، وأرحلنا على زواحف تزجى مخّها رير
مرفوع، فقال: ألّا قلت: على زواحف نزجيها محاسير؟
فغضب وقال:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكنّ عبد الله مولى مواليا) [٣]
وهذا كثير فى شعره على جودته.
١٠٣* وتتبيّن التكلّف فى الشعر أيضا بأن ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره، ومضموما إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجإ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأنى أقول البيت وأخاه، ولأنّك تقول البيت وابن عمّه.
١٠٤* وقال عبد بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحّاف إذا شئت! فقال رؤبة:
وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعرا له أعجبنى، قال رؤبة:
_________________
(١) من قصيدة فى ديوانه ٢٦٢- ٢٦٧.
(٢) فى الديوان «كنديف القطن» .
(٣) رواية الديوان كهذا الذى طلبه عبد الله بن أبى إسحق، وحكى شارحه نحو هذه القصة عن على بن حمزة البصرى، والقصة رواها محمد بن سلام الجمحى فى طبقات الشعراء ٧- ٨ عن يونس بنحو رواية ابن قتيبة. وهذا البيت الأخير لم أجده فى الديوان، وهو مشهور معروف، وهو فى اللسان ٢٠: ٢٩٠ وفسره بأن «عبد الله بن أبى إسحق مولى الحضرميين، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف، والحليف عند العرب مولى، وإنما قال مواليا، فنصب، لأنه رده إلى أصله للضرورة، وإنما لم ينون لأنه جعله بمنزلة غير المعتل الذى لا ينصرف» .
[ ١ / ٩٠ ]
نعم، ولكن ليس لشعره قران. يريد أنّه لا يقارن البيت بشبهه [١] . وبعض أصحابنا يقول «قرآن» بالضم، ولا أرى الصحيح إلّا الكسر وترك الهمز على ما بيّنت.
١٠٥* والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافى، وأراك فى صدر بيته عجزه، وفى فاتحته قافيته، وتبيّنت على شعره رونق الطبع ووشى الغريزة، وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّر [٢] .
١٠٦* وقال الرّياشىّ حدّثنى أبو العالية عن أبى عمران المخزومى قال:
أتيت مع أبى واليا على المدينة من قريش، وعنده ابن مطير [٣]، وإذا مطر جود، فقال له الوالى، صفه [٤]، فقال: دعنى حتى أشرف وأنظر، فأشرف ونظر: ثمّ نزل فقال:
كثرت لكثرة قطره أطباؤه فإذا تحلّب فاضت الأطباء [٥]
وكجوف ضرّته التى فى جوفه جوف السّماء سبحلة جوفاء [٦]
وله رباب هيدب، لرفيفه قبل التّبعّق ديمة وطفاء
_________________
(١) ستأتى هذه القصة مرة أخرى، فى الفقرة: ١٠٤٨.
(٢) من الزحير، وهو إخراج الصوت أو النفس بأنين عند عمل أو شدة.
(٣) هو الحسين بن مطير الأسدى، شاعر مقدم فى القصيدة والرجز فصيح، من مخضرمى الدولتين؛ قد مدح بنى أمية وبنى العباس. له ترجمة فى الأغانى ١٤: ١١٠- ١١٤ وقد ذكر نحو هذه القصة وذكر فيها الأبيات ٦، ٧، ٤، ١٥.
(٤) س ب «صف لى هذا المطر» .
(٥) الأطباء: جمع «طبى» بضم الطاء وكسرها مع سكون الباء، وهو لذوات الحافر والسباع كالثدى للمرأة والضرع لغيرها. وقد استعار الكلمة هنا للمطر على التشبيه. والبيت فى اللسان ١٩: ٣٢٧ ولكنه محرف هناك.
(٦) السجل: الضخم العظيم.
(٧) الرباب: السحاب المتعلق الذى تراه كأنه دون السحاب. الهيدب: السحاب الذى يتدلى ويدنو مثل هدب القطيفة. الرفيف: التلألؤ والبريق. التبعق: مفاجأة المطر واندفاعه. الديمة: المطر الدائم فى سكون. الوطفاء: الديمة السح الحثيثة.
[ ١ / ٩١ ]
وكأنّ بارقه حريق، يلتقى ريح عليه وعرفج وألاء [١]
وكأنّ ريّقه، ولمّا يحتفل ودق السّماء، عجاجة كدراء [٢]
مستضحك بلوامع، مستعبر بمدامع لم تمرها الأقذاء [٣]
فله بلا حزن ولا بمسرّة ضحك يؤلّف بينه وبكاء [٤]
حيران متّبع صباه تقوده وجنوبه كنف له ووعاء [٥]
ودنت له نكباؤه حتّى إذا من طول ما لعبت به النّكباء [٦]
ذاب السّحاب فهو بحر كلّه وعلى البحور من السّحاب سماء [٧]
ثقلت كلاه فنهّرت أصلابه وتبعّجت من مائه الأحشاء [٨]
غدق ينتّج بالأباطح فرّقا تلد السّيول وما لها أسلاء [٩]
غرّ محجّلة، دوالح ضمّنت حمل اللّقاح، وكلّها عذراء [١٠]
سحم فهنّ إذا كظمن فواحم سود، وهنّ إذا ضحكن وضاء [١١]
لو كان من لجج السّواحل ماؤه لم يبق من لجج السّواحل ماء
_________________
(١) العرفج: ضرب من النبات سهلى سريع الانقياد. الألاء: شجر حسن المنظر مر الطعم.
(٢) ريق المطر: أفضله، أو أول شؤبوبه. الودق: المطر.
(٣) لم تمرها: لم تسيلها، من قولهم «مريت الناقة» إذا مسحت ضرعها لتدر.
(٤) فى «الضحك» أربع لغات: فتح الضاد وكسرها، مع سكون الحاء وكسرها.
(٥) الكنف، بكسر الكاف وسكون النون: وعاء يكون فيه أداة الراعى ومتاعه، أو الوعاء الذى يكنف ما جعل فيه، أى يحفظه.
(٦) النكباء: الريح تكون بين ريحين من الرياح الأربع.
(٧) تشديد الواو فى «هو» و«هى» لغة همدان.
(٨) تبعجت: انشقت، يقال «تبعج السحاب وانبعج بالمطر»: انفرج عن الودق والوبل الشديد.
(٩) الغدق: المطر الكثير. فرق: جمع فارق، وهى السحابة المنفردة لا تخلف، سميت بذلك تشبيها بالفارق من الإبل وهى التى تفارق إلفها فتنتج وحدها. الأسلاء: جمع سلى، وهو الجلد الرقيق الذى يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه.
(١٠) الدوالح: المثقلات بالماء.
(١١) سحم: سود.
[ ١ / ٩٢ ]
قال أبو محمد: وهذا الشعر، مع إسراعه فيه كما ترى، كثير الوشى لطيف المعانى.
١٠٧* وكان الشّماخ [١] فى سفر مع أصحاب له [٢]، فنزل يحدو بالقوم فقال:
لم يبق إلا منطق وأطراف وريطتان وقميص هفهاف [٣]
وشعبتا ميس براها إسكاف يا ربّ غاز كاره للإيجاف [٤]
أغدر فى الحىّ برود الأصياف مرتجة البوص خضيب الأطراف [٥]
ثم قطع به هذا الروىّ وتعذّر عليه، فتركه وسمح بغيره على إثره، فقال:
لمّا رأتنا واقفى المطيّات قامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثّنيّات خود من الظّعائن الضّمريّات [٦]
حلّالة الأودية الغوريّات صفىّ أتراب لها حييّات [٧]
مثل الأشاءات أو البرديّات أو الغمامات أو الوديّات
_________________
(١) هو الشماخ بن ضرار الغطفانى الصحابى.
(٢) س ب ف «مع أصحابه» .
(٣) الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة.
(٤) الميس: شجر عظيم تعمل منه الرحال. والبيت فى اللسان غير منسوب، شاهدا لهذا المعنى ٨: ١٠٩. الإيجاف: سرعة السير. وفى س ب «كاره الإيجاب» .
(٥) البوص، بضم الباء، والبوص، بفتحها: العجيزة، وامرأة بوصاء عظيمة العجز. والأبيات الثلاثة ستأتى، فى الفقرة: ٥٥٠.
(٦) الظلم، بفتح الظاء: الماء الذى يجرى ويظهر على الأسنان من صفاء اللون لا من الريق كالفرند حتى يتخيل لك فيه سواد من شدة البريق والصفاء. الخود: الفتاة الحسنة الشابة. الضمريات: من الضمور وهو الهزال، فالضمر من الرجال: المهضم البطن اللطيف الجسم، والأنثى ضمرة.
(٧) الصفى: المختار أو الخالص من كل شىء، يقال للذكر والأنثى، والجمع صفايا، قال سيبويه: «ولا يجمع بالألف والتاء لأن الهاء لم تدخله فى حد الإفراد» .
(٨) الأشاء: صغار النخل، الواحدة «أشاءة» وجمعها هنا بالألف والتاء.
[ ١ / ٩٣ ]
أو كظباء السّدر العبريّات يحضنّ بالقيظ على ركيّات [١]
وضعن أنماطا على زربيّات ثمّ جلسن بركة البختيّات
من راكب يهدى لها التّحيّات أروع خرّاج من الدّاويّات
يسرى إذا نام بنو السّريّات
١٠٨* قال أبو عبيدة: اجتمع ثلاثة من بنى سعد يراجزون بنى جعدة، فقيل لشيخ من بنى سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج [٢] وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكف [٣]، وقيل للثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكش [٤]، فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا ولم يراجزوهم.
١٠٩* والشعراء أيضا فى الطبع مختلفون: منهم [٥] من يسهل عليه المديح ويعسر عليه [٦] الهجاء. ومنهم من يتيسّر له [٧] المراثى ويتعذّر عليه الغزل.
وقيل للعجّاج: إنك لا تحسن الهجاء؟ فقال: إنّ لنا أحلاما تمنعنا من أن
_________________
(١) فى ١٧٩ ل ثلاثة أبيات زائدة. والسدر، بكسر ففتح: جمع سدرة، وهى شجرة النبق. والعبرى من السدر، بضم العين وسكون الباء: ما نبت على عبر النهر وعظم، نسبة نادرة، وعبر النهر.
(٢) أفثج الرجل، بالبناء للفاعل، وأفثج، بالبناء للمفعول: أعيا وانبهر.
(٣) لا أنكف، بالباء للمجهول: لا أنقطع.
(٤) لا أنكش: لا آتى على ما عندى، يقال: نكشت البئر أنكشها، بضم الكاف وكسرها: أى: نزفتها ونزحتها. ويجوز أن يكون «لا أنكش» بالبناء للمجهول أيضا، أى: لا ينفد ما عندى كما تنكش البئر.
(٥) س ف هـ «فمنهم» .
(٦) س ف «ويتعذر عليه» .
(٧) انظر ما يأتى فى ترجمة العجاج ٣٧٥ ل.
[ ١ / ٩٤ ]
نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم [١]؟
١١١* وليس هذا كما ذكر العجاج، ولا المثل الذى ضربه للهجاء والمديح بشكل، لأنّ المديح بناء والهجاء بناء، وليس كلّ بان بضرب بانيا بغيره [٢] .
ونحن نجد هذا بعينه فى أشعارهم كثيرا. فهذا ذو الرّمّة، أحسن الناس تشبيها، وأجودهم تشبيبا، وأوصفهم لرمل وهاجرة وفلاة وماء وقراد وحيّة، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع. وذاك أخّره عن الفحول، فقالوا: فى شعره أبعار غزلان ونقط عروس! وكان الفرزدق زير نساء وصاحب غزل، وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب. وكان جرير عفيفا عزهاة عن النساء [٣]، وهو مع ذلك أحسن الناس تشبيبا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجه مع عفّته إلى صلابة شعرى، وما أحوجنى [٤] إلى رقّة شعره لما ترون.
_________________
(١) س ب «من تسهل عليه» .
(٢) س ب «يصيرا بغيره» .
(٣) العزهاة، بكسر العين: العازف عن اللهو والنساء، لا يطرب للهو ويبعد عنه.
(٤) س ب «وأحوجنى» .
[ ١ / ٩٥ ]