(صدى النقد تعقيب على نقد ودرس للمنقود قبل الناقد) أعتذر للأخ الأستاذ السيد صقر عن تأخير التحية له بمناسبة نقده إياى. وكلنا طالب علم، وكلنا طالب حقيقة، وكلنا رائد معرفة، ونرجو أن يكون ذلك خالصا لوجه الله وحده. وليس بعد الاعتراف اعتذار.
والأستاذ السيد أحمد صقر منى بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معى، وعرفته وعرفنى، وتأدبنا بأدب واحد فى العلم والبحث، وفى فقه المسائل، والحرص على التقصى ما استطعنا.
فإذا ما نقد كتابى فإنما يقوم ببعض ما يجب عليه نحو أخ أقدم منه سنّا، ويراه هو أنه أكثر منه خبرة، أو أوسع إطلاعا. وما أدرى: أصحيح ما يراه، أم هو حسن الظن فقط؟ فإن له مدى مديدا فى الاطلاع والتقصى، ونفذات صادقة فى الدقائق والمعضلات، يندر أن توجد فى أنداده، بل فى كثير من شيوخه وأستاذيه.
وقد نقد الكتاب الذى أخرجته بتحقيقى «الشعر والشعراء لابن قتيبة» فى مقالين بمجلة «الكتاب» الغراء فى عدد يونية سنة ١٩٤٦ م بعد ظهور الجزء الأول، ثم فى عدد ديسمبر سنة ١٩٥٠ م بعد ظهور الجزء الثانى.
وما أحب أن أدير مناظرة أو جدالا حول المآخذ التى أخذها علىّ. فما زعمت قط وما زعم لى أحد أنى لا أخطئ، وكلنا نخطئ ونصيب. ثم هو قد يكون أنفذ بصرا منى فى «الشعر» وما إليه بل هو كذلك فيما أعتقد. وليس وراء الجدال من فائدة، إلا المراء، وقد نهينا عنه أشد النهى.
وقد عتب علىّ الأستاذ السيد صقر أن لم أف بوعدى له بنشر نقده للجزء الأول فى آخر الجزء الثانى. وله العتبى فى ذلك، وقد أشار هو إلى بعض عذرى: أن مشاغلى حالت دون الوفاء بما وعدت، وقد صدق. فإنى وعدته وحرصت على
[ ١ / ٣٣ ]
الوفاء بوعدى، ثم أنسيته حين رجوت أخى الأستاذ عبد السلام هارون أن يتم الكتاب فى أواخر الجزء الثانى، إذ اعتزمت السفر مع أهلى إلى الحج. فشغلنى ذلك عن كل شىء، حتى أنسانى ما وعدته به.
ووعد بوعد: فكما وعدت الأستاذ السيد صقر بنشر نقده الجزء الأول فى آخر الجزء الثانى، وعدنى هو- بعد رجائى- أن يقابل النسخة المطبوعة بتحقيقى على النسخ المخطوطة التى أشار إليها فى مقاله الأول، وعلى ما قد عساه يوجد من مخطوطات أخر من الكتاب، ويثبت ما يجده من تصويب أو اختلاف، تمهيدا لتحقيق الكتاب مرة أخرى، لنخرجه فى الطبعة القادمة إن شاء الله متعاونين مشتركين. حتى نؤدى الأمانة حقها. ولعله حريص على الوفاء إن شاء الله [١] .
ولقد زعم كثير من إخواننا، ووصل إلىّ ذلك: أنى ضقت بنقد الأستاذ السيد صقر فى المرتين. وما أظن الذى زعم ذلك أو توهمه يعرف شيئا من خلقى. فما ضاق صدرى بشىء من نقد قط، لان أو قسا، والعلم أمانة.
بل إنى لأرى أن الضيق بالنقد والتسامى عليه ليس من أخلاق العلماء، وليس من أخلاق المؤمن. إنما هو الغرور العلمى، والكبرياء الكاذبة. وحسبنا فى ذلك قول الله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
[البقرة: ٢٠٦] . وما قال أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، إذ ردّت عليه امرأة، وهو على المنبر يخطب خير مجتمع ظهر على وجه الأرض، قال كلمة صريحة بينة: «امرأة أصابت ورجل أخطأ» . لم تأخذه العزة بالإثم، وتسامى على الكبرياء والغرور العلمى، وعمر هو عمر.
ثم ما هذه الفاشية المنكرة التى فشت بين المنتسبين للعلم؟ سأتحدث عن نفسى مضطرا حتى لا أمسّ غيرى:
أنا أرى أن من حقى أن أنقد من أشاء، وأن أقسو فى النقد ما أشاء، فمن ذا الذى يزعم لى، أو يزعم لنفسه، أن ينقد الناس، وأن يقسو عليهم فى النقد، ثم يرى
_________________
(١) وهو إلى الآن لم يفعل، أحمد محمد شاكر.
[ ١ / ٣٤ ]
من حقه عليهم أن لا ينقدوه، وأن لا يتحدثوا عنه- إن أذن لهم فى الحديث- إلا برفق ولين وملق ونفاق، مما يسمونه فى هذا العصر العجيب «مجاملة» !! لقد رجوت الأستاذ السيد صقر أن ينقد الجزء الأول من «الشعر والشعراء» حين صدوره، وقرأت نقده قبل أن يطبع فى مجلة «الكتاب» الغراء، ولم أجد فى هذا غضاضة علىّ قط، وإن كثيرا من إخوانى ليعرفون هذا الذى أقول، وقد عجبوا منه فى حينه، ولم أره موضعا للعجب. ثم رجوته أن ينقد الجزء الثانى حين صدوره أيضا. ولم أر فى نقده ما يمسنى من قريب أو من بعيد.
وهذا رأيى الذى ربيت عليه واعتنقته طول حياتى: أن لى أن أنقد آراء الناس فى حدود ما أستطيع من علم، وأن لهم أن ينقدوا آرائى فى حدود ما يستطيعون من علم.
وسأذكر بعض المثل، عسى أن يكون فيها عظة وعبرة:
يذكر الناس ما يدور كل عام مرارا من جدال حول إثبات أوائل الشهور العربية:
أبالرؤية أم بالحساب. وكتب الناس فى هذا كثيرا، وكتبت مرارا. وكان من رأيى التمسك بالرؤية وحدها، وكان هذا رأى والدى الشيخ محمد شاكر ﵀، وكتب فيه وشدد. ثم بدا لى غير ذلك، فى حياة أبى. فنشرت رسالة صغيرة فى شهر ذى الحجة سنة ١٣٥٧ هـ (فبراير سنة ١٩٣٩ م)، اسمها «أوائل الشهور العربية» . وكان مما قلت فيها (ص ١٥) بالحرف الواحد: «لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغى- منذ أكثر من عشر سنين، حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية- رأى فى رد شهادة الشهود، إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكان الرؤية، كالرأى الذى نقلته هنا عن تقى الدين السبكى. وأثار رأيه هذا جدالا شديدا، وكان والدى وكنت أنا وبعض إخوانى ممن خالف الأستاذ الأكبر فى رأيه. ولكنى أصرح الآن بأنه كان على صواب، وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب، فى كل الأحوال، إلا لمن استعصى عليه العلم به» . فلم أجد غضاضة على والدى ﵀- فى علمه وفضله الذى يعرفه الجم الغفير من الناس- أن أعلن فى كتاب منشور خلاف رأيه ورأيى،
[ ١ / ٣٥ ]
والردّ عليه وعلى نفسى.
بل أنا أخرج منذ بضع سنين، كتاب (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، بتحقيقى وشرحى، وقد أخرجت منه إلى الآن ٨ مجلدات [١]، رأيت بعد إتمام المجلد الثانى منها أنه فاتنى شىء كثير، من الشرح والتخريج، ومن التحقيق والتعليل، وأنه ندت عنى أخطأء علمية مهمة، وأن مثل ذلك سيكون فى الأجزاء القادمة، مهما أحرص على أن لا يكون. وأن الأمانة أن أبين كل شىء ما استطعت. فاستحدثت فى آخر الجزء الثالث، ثم فى آخر كل جزء ظهر أو سيظهر إن شاء الله، بابا فى «الاستدراك والتعقيب»، رجوت فى أوله إخوانى من علماء الحديث فى أقطار الأرض أن يرسلوا لى كل ما يجدون من ملاحظة أو استدراك أو تعقيب أو بحث. وجعلت لهذه الاستدراكات أرقاما متتابعة. وقد بلغ عدد الأحاديث التى نشرت فى المجلدات السبعة ٥٥٨٠ حديثا، وبلغ عدد الاستدراكات عليها، التى نشرت فى آخر المجلد الثامن ١٧٨٩ استدراكا، كلها مما تعقبته على عملى ونقدته.
إن كثيرا من الناس تغرهم المناصب والرتب وتخدعهم الألقاب العلمية الضخمة. وما كان شىء من هذا ميزانا صحيحا للعلم. ولقد نقدت كثيرا من أمثال هؤلاء، فتعاظموا واستكبروا، فمنهم من أنف أن يرد على، ومنهم من سلط بعض أذنابه يشتمنى، فما عبأت بهذا ولا بهذا، لا استكبارا ولا تعاظما، ولكن لأنى طالب علم ورائد حقيقة، ولكن لأنى لم أضع نفسى فى مرازينهم قط.
ومثال آخر من أروع الأمثلة فى آداب المتقدمين من الأئمة:
هذا ابن حزم الإمام العظيم، وكل من سمع به يعرف قسوة قلمه، وبديع نقده، وطريف تشنيعه إذا ما بدا له أن يشنع على خصم. بحث بحثا فقهيا فى (المحلى)، ليس من مجال القول هنا أن نفصله. فذكر فيه (٦: ٦٦- ٧٤) مسألة استدل فيها بعض العلماء بحديث رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبى إسحق عن عاصم بن ضمرة والحرث الأعور عن على. ثم رد صحة الحديث بأن جرير بن
_________________
(١) صارت الآن ١٥ مجلدا، وأسأل الله التوفيق لإتمامه. أحمد محمد شاكر.
[ ١ / ٣٦ ]
حازم قرن فى الإسناد بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة، وبين الحرث الأعور، وهو كذاب، وقال (ص ٧٠): «وكثير من الشيوخ يجوز عليهم مثل هذا، وهو أن الحرث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير، وأدخل حديث أحدهما فى الآخر» . وغلا ابن حزم غلوا شديدا بعد ذلك، فقال: «هو حديث هالك. ولو أن جريرا أسنده عن عاصم وحده لأخذنا به» .
وابن حزم كان يؤلف قبل عصر المطبعة، وكتابه فى يده، فكان مستطيعا إذا شاء أن يعرض عما كتبه كله فى هذه المسألة الطويلة، ويستأنف كتابتها على النحو الذى يريده بعد أن تغير اجتهاده وتغير رأيه. ولكنه أبى إلا أن يبقى ما كتب على ما كتب، ثم يرد على نفسه، على طريقته وبقوته، فيقول فى آخر المسألة (ص ٧٤): «ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحق أو جريرا خلط إسناد الحرث بإرسال عاصم- هو الظن الباطل الذى لا يجوز. وما علينا من مشاركة الحرث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله، ولا لشك زهير فيه شىء وجرير ثقة، فالأخذ بما أسنده لازم» .
وهذا الجزء من (المحلى) طبع منذ أكثر من عشرين سنة، سنة (١٣٤٩ هجرية) بتحقيقى. وقد كتبت فيه تعليقا على صنيع ابن حزم هذا ما نصه:
«لله درّ أبى محمد بن حزم، رأى خطأه فسارع إلى تداركه، وحكم بأنه الظن الباطل الذى لا يجوز. وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة وأنصار الحق، وهم الهداة القادة. وقليل ما هم» .
وأظن فى هذا مقنعا لمن أراد أن يقتنع أو يهتدى.
أحمد محمد شاكر
[ ١ / ٣٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد عبده ورسوله، سيد ولد آدم، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(هذا الكتاب) من مصادر الأدب الأولى، ومما أبقى لنا حدثان الدهر من آثار أئمتنا الأقدمين. ألّفه إمام ثقة حجة من أوعية العلم. ترجم فيه «للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جلّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم فى الغريب، وفى النحو، وفى كتاب الله ﷿، وحديث رسول الله ﷺ» . وهذا الذى قصد إليه، «فأما من خفى اسمه، وقلّ ذكره وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقلّ من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا» كما قال هو فى خطبة كتابه (ص ٥٨) . وقدّم له بمقدمة تنطوى على أبواب فى: أقسام الشعر، وعيوب الشعر، والإقواء، والإكفاء، والعيب فى الإعراب، وأوائل الشعراء.
وأول ميزة يراها القارئ المتأمل فى الكتاب أن اختيار المؤلف لبعض شعر الشاعر اختيار عالم بالشعر عارف به فقيه فيه، فهو يختار فيحسن الاختيار، وينقد فيحسن النقد ويجيد، ويوازن بين الشعراء فيقيم الوزن بالقسط، لا يحيد ولا يميل.
وخير ما ندلّ به على منزلة هذا الكتاب من العلم، وعلى فائدته للعلماء والمتأدبين، أن نخرجه إليهم إخراجا صحيحا متقنا، وعلى ما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، إلا أنى أرى أن الأدب والشعر هما أكبر عون فى فقه القرآن، والسنة. وما أستطيع أن أزعم أنى أهل لمثل هذا العمل: إلا أن أبذل ما فى وسعى، والتوفيق والعون من الله.
لم يكن هذا الكتاب معروفا على وجهه للعلماء والمتأدبين، إلا قليلا منهم. ذلك
[ ١ / ٣٨ ]
أن نسخه المخطوطة فى مصر نادرة، فليس منها فى دار الكتب المصرية إلا نسختان، إحداهما مخطوطة بقلم معتاد، بخط يحيى بن محمد بن لونيس بن القاضى المغربى الزواوى، نقلها من نسخة مخطوطة محفوظة بالقسطنطينية المحروسة فى دار كتب راغب باشا، وفرغ من كتابتها لثلاث ليال خلون من شهر رجب سنة ١٢٨٦ هـ بهاشها بعض تقييدات»، والأخرى «بخط عيسى بن محمد بن سلمان، فرغ من كتابتها ظهر يوم الاثنين الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة ١٠٥٩ هـ. بها ترقيع وأكل أرضة وتلويث، وبهامشها تقييدات»، كما جاء وصفهما فى فهرس دار الكتب، وهما برقمى (٥٥٠، ٤٢٤٧ أدب) . ومخطوطاته الأخرى فى دمشق وبرلين وباريس وفينا وليدن. وطبع الكتاب فى ليدن سنة ١٨٧٥ م، ثم طبع فيها مرة أخرى سنة ١٩٠٢ م. وهذه الطبعة قليلة نادرة، والأولى أقل منها وأشد ندرة. ثم طبعه السيد محمد أمين الخانجى ﵀ فى سنة ١٣٢٢ هـ (١٩٠٤ م) مع بعض تعليقات للسيد محمد بدر الدين النعسانى، وهى نسخة مختصرة غير كاملة. ولقد كنت عجبت من ذلك حين وقعت إلىّ طبعة ليدن الثانية، فسألت السيد الخانجىّ ﵀، وهو الخبير بالكتب العارف بها، فاعتذر لى بأنه طبعه عن نسخة دار الكتب المصرية، وأنه لم يكن قد وصل إليه خبر عن طبعة ليدن. وفى معجم المطبوعات لسركيس (ص ٢١٢) أنه طبع أيضا فى الآستانة سنة ١٣٢٢ هـ وفى مطبعة الفتوح الأدبية بمصر سنة ١٣٣٢ هـ (١٩١٤ م) ولم أر هاتين الطبعتين. ثم طبعه فى سنة ١٣٥٠ هـ (١٩٣٢ م) محمود أفندى توفيق بمطبعة المعاهد بمصر، وصححه وعلق حواشيه صديقنا الأديب العلامة الأستاذ مصطفى السقا، واعتذر فى مقدمته بأنه لم ير الطبعة الأوربية إلا حين كاد يفرغ من تصحيح الملزمة الثامنة عشرة من طبعته، أى حين أتمّ نحو ثلاثة أرباع الكتاب، وهذه الطبعة مختصرة غير كاملة، مثلها مثل طبعة الخانجى، لا تزيد عليها إلا قليلا.
وقد وفق الله أخانا الأستاذ محمد أفندى الحلبى، صاحب «دار إحياء الكتب العربية» بمصر، لاختيار نشر هذا الكتاب، فعهد إلىّ أن أحققه وأشرحه، فاعتزمت ذلك مستعينا بالله متوكلا عليه.
[ ١ / ٣٩ ]
واعتمدت فى تحقيق الكتاب على طبعة ليدن سنة ١٩٠٢ وكانت عندى منذ عهد بعيد. أقرؤها وأرجع إليها عند الحاجة. ولم أضنّ بها عن التمزيق بين يدى الطابعين، إذ لم نجد منها نسخة أخرى نشتريها، فكانت الحرب الأخيرة الفاجرة المدمرة دائرة، فلم نستطع أن نطلب نسخة أخرى من أوربا. وقاسينا ما قاسينا حتى صرح لنا بهذا الورق الذى تراه، والذى لم يكن لنا فى اختياره خيار.
ومطبوعة ليدن التى اعتمدناها حققها المستشرق «دى غوية»، وكتب لها مقدمة جيدة، وأثبت فى هوامشها اختلاف النسخ المخطوطة التى وقعت له واعتمد عليها فى طبعته، وكتب كل ذلك باللغة اللاتينية، ورمز للنسخ المخطوطة بحروف لاتينية أيضا.
وقد تفضل الأديب الفاضل الأستاذ وهيب كامل، المدرس بكلية الآداب بجامعة القاهرة، بترجمة المقدمة والاصطلاحات إلى اللغة العربية، فأعاننى عونا كبيرا على هذا العمل الشاق، يعجز لسانى عن وفائه حقه من الشكر.
والمستشرق «دى غوية» - كما يبدو لى من عمله فى الكتاب- من أواسط المستشرقين، وليس من أعليائهم أمثال «ريط» الذى حقق كتاب الكامل للمبرد، و«بيفان» الذى حقق نقائض جرير والفرزدق، و«ليال» الذى حقق شرح المفضليات لابن الأنبارى. ولا هو من ضعفائهم أمثال «ألورد» و«مرجليوث»، ولكنه بين بين، فإنه حقق الكتاب تحقيقا لا بأس به، ولكنه أخطأ فيه فى مواضع ليست بالقليلة، نبهت إلى كثير منها فى مواضعها، وأعرضت عن بعضها. ومن أعجب هذه الأغلاط: أن بعض الناس كتب بهامش إحدى نسخ الكتاب زيادة نقلها عن «أبى على فى النوادر» . والظاهر أن بعض الناسخين أدخلها فى صلب الكتاب، فجاء مجهول آخر، وكتب بهامش إحدى النسخ ما يفيد أن أبا علىّ هذا هو قطرب، فرجح ذلك لدى «دى غوية» فأثبته فى فهارس الكتاب!! وفاته أن هذا خطأ واضح بل خلط، على الرغم من أن «قطربا» يكنى «أبا على» وأنه له كتابا اسمه «النوادر» . لسبب واحد يدرك للوهلة الأولى من البحث، وهو أن نص الزيادة أوله:
«قال أبو علىّ فى النوادر: قرأت هذه القصيدة على أبى بكر ابن دريد» إلخ.
[ ١ / ٤٠ ]
وابن دريد ولد سنة ٢٢٣ هـ وقطرب مات سنة ٢٠٦ هـ!! فليس من المعقول أن يقرأ أحدهما على صاحبه، وليس من المعقول أن يقرأها المتقدم على المتأخر قبل أن يولد!! (انظر ص ٣٢٧ من طبعة ليدن، ص ٤٩٤ من طبعتنا هذه) . ولكنه على كل حال أخرج الكتاب إخراجا جيدا يشكر عليه.
وقد وضع «دى غوية» للكتاب فهرسين للأعلام والأماكن فقط، لم يخلوا من خطأ وقصور، وإن أفادا الباحث فوائد جمة، ويسّرا له سبل البحث والاستدلال.
(فرأيت أن أتدارك ذلك كله. فأحقق متن الكتاب تحقيقا أقرب إلى الصواب،) بتخير أصح النسخ التى أشار إليها المستشرق، ومراجعة نصوصها على ما أستطيع مراجعته من المصادر، خصوصا المصادر التى تنقل عن هذا الكتاب، ودواوين الشعر التى يسّرت لى. وأن أشرح غريبه شرحا مقاربا، تقريبا لهذا الأدب العالى. والشعر المتين الرصين، إلى الطبقة المتعلمة المثقفة فى الأمة العربية، التى نهضت أعظم نهضة لإحياء دولة العرب ومجد العرب، ومن حولها الذئاب تنهش وتشتجر.
(وجعلت عمدتى فى شرح الغريب الديوان الأعظم «لسان العرب»،) وحرصت على أن أثبت نصوصه بحروفها، فى الأكثر الأغلب، إذ هى نصوص الأئمة الأولين، أمثال أبى عبيدة، وأبى عبيد، والأصمعى، وأبى حنيفة، من أساطين اللغة وحفظة البيان، ونقلها ابن منظور عن المؤلفين قبله: الأزهرى، والجوهرى، وابن سيدة، وابن الأثير، وابن برىّ، وحرص على ألفاظهم، فحرصت كما حرص. ولم أنص على ذلك فى كل موضع، اكتفاء بالإشارة إليه هنا، إلا أن يقتضى البحث أو السياق أن أنص على مصدر النقل.
(ولم أثبت كل الاختلاف بين النسخ المخطوطة التى كانت بين يدىّ «دى غوية») إذ لم تكن بين يديّ، ولم يكن من الميسور فى هذه الظروف التى تنشر فيها الكتاب أن نحصل عليها. وعسى أن أستطيع بعد ظهور هذه الطبعة الحصول على مصورات فتغرافية منها، فأحقق نصوصها عن عيان فى طبعة قادمة، إن شاء الله.
(واجتهدت فى تخريج ما فى الكتاب من شعر وغيره،) على ما وسعه جهدى،
[ ١ / ٤١ ]
أى بيان أماكن وجوده فى الكتب الأخرى، على نحو اصطلاح المحدثين فى «تخريج الأحاديث» وفى هذه فائدة كبيرة للباحث المتحقق. ولكنى لم أثبت اختلاف الروايات إلّا قليلا عند الضرورة القصوى، فلو تتبعت ذلك والتزمته طال الأمر جدا، والورق قليل والعقبات جمة.
(ووضعت بالهامش أرقام صحف طبعة ليدن بالأرقام الإفرنجية،) وهى الأرقام العربية الأصلية، أخذها الإفرنج عن عرب الأندلس والمغرب، ولا تزال هى المستعملة عند أهل المغرب إلى الآن. وفى ذلك فائدتان: أولاهما، أن نستطيع الإرشاد فى التعليقات إلى ما سيأتى من الكتاب، بالإشارة إلى موضعه فى تلك الطبعة، فيستطيع قارئ طبعتنا أن يصل إليه، وثانيتهما، وهى أهمهما، أن تلك الطبعة مكثت مرجع الأدباء والباحثين أكثر من أربعين سنة، يشيرون إلى صحفها فى كتبهم وأبحاثهم وتعليقاتهم، فلولا أن أثبتنا أرقام تلك الصحف، لقد شققنا على القارئ والباحث، إذ يريد أن يرجع إلى النص الذى يشار إليه فى هذا الكتاب، ولا يجد طبعة ليدن، أو يجدها ولا يرى أن يقتنيها. وصنعت له فى آخر الجزء الثانى فهارس جمة متقنة: للكتاب على أبوابه، وللأعلام عامة، وللأماكن، وللقوافى، ولأيام العرب ووقائعها، والفهرس المهمّ العظيم، فهرس الألفاظ المفسرة فى الكتاب، فإنه معجم نفيس، لا لما فيه من شرح الغريب، فإنه فى متناول كثير من الناس، بكثرة كتب المعاجم، ولكن لدلالته على الاستعمالات ومواقع الكلام ومناحى البلاغة، فإن فى نصوصه علما جما لا تجده فى «لسان العرب» وهو أوسع المعاجم.
وأتبعت ذلك بجريدة المراجع، وهى أسماء الكتب التى رجعت إليها فى عملى، لتعيين طبعاتها، إذ أذكر صفحاتها فيما أسنده إليها، ليستطيع القارئ أن يتوثق مما نقلت إن أراد، ويتوسع فى البحث إن علت به همته، حتى لا يضلّ بين مختلف الطبعات. وفى هذه الجريدة قليل من الكتب ذكرها ابن قتيبة فى هذا الكتاب، فأشرت إلى موضع ذكرها فيه.
وها هما ذان مقدمة «دى غوية» ووصفه للمخطوطات التى طبع عنها الكتاب، بترجمة الأستاذ وهيب كامل أثبتهما بنصهما.
[ ١ / ٤٢ ]