(الشّعر والشّعراء) (لابن قتيبة) (تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر) دار الحديث القاهرة
[ ١ / ٥٧ ]
رموز أصول الكتاب م مخطوطة المدينة المنورة (مكتبة عارف حكمت) ب مخطوطة برلين د مخطوطة دمشق س مخطوطة باريس ف مخطوطة فينا هـ مخطوطة القاهرة ن مخطوطة ليدن ل مطبوعة ليدن
[ ١ / ٥٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
قال أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
١* هذا كتاب ألّفته فى الشعراء [١]، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم فى أشعارهم، وقبائلهم، وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم. وعمّا يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطاء [٢] فى ألفاظهم أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدّمون فأخذه عنهم المتأخّرون. وأخبرت (فيه) عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التى يختار الشعر عليها ويستحسن لها. إلى غير ذلك ممّا قدّمته فى هذا الجزء الأوّل.
٢* قال أبو محمّد: وكان أكثر قصدى للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جلّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم فى الغريب، وفى النحو، وفى كتاب الله ﷿، وحديث رسول الله ﷺ.
٣* فأمّا من خفى اسمه، وقلّ ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواصّ، فما أقلّ من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا، وإذ كنت أعلم أنّه لا حاجة بك إلى أن أسمّى لك أسماء لا أدلّ عليها بخبر أو زمان، أو نسب أو نادرة، أو بيت يستجاد، أو يستغرب.
٤* ولعلّك تظنّ- رحمك الله- أنّه يجب على من ألّف مثل كتابنا هذا ألّا يدع شاعرا قديما ولا حديثا إلّا ذكره ودلّك عليه، وتقدّر أن يكون الشعراء بمنزلة رواة الحديث والأخبار، والملوك والأشراف، الذين يبلغهم الإحصاء، ويجمعهم العدد.
٥* والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم [٣] فى الجاهليّة
_________________
(١) ب «فى الشعر» .
(٢) «الخطاء» بالمد، وفى هـ «الخطأ» وكلاهما صحيح.
(٣) ب هـ س «قبايلهم وعشايرهم» .
[ ١ / ٦١ ]
والإسلام، أكثر من أن يحيط. بهم محيط. أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفذ عمره فى التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده فى البحث والسؤال. ولا أحسب أحدا من علمائنا استغرق [١] شعر قبيلة حتّى لم يفته من تلك القبيلة [٢] شاعر إلّا عرفه، ولا قصيدة إلّا رواها.
٦* حدثنا [٣] سهل بن محمّد [٤]، حدثنا الأصمعىّ [٥]، حدثنا كردين ابن مسمع [٦] قال: جاء فتيان إلى أبى ضمضم بعد العشاء، فقال (لهم) [٧]:
ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدّث، قال: كذبتم، ولكن قلتم [٨] كبر الشّيخ فنتلعّبه [٩]، عسى أن نأخذ عليه سقطة!! فأنشدهم لمائة شاعر، وقال مرّة أخرى: لثمانين [شاعرا] [١٠]، كلّهم اسمه عمرو.
٧* قال الأصمعىّ: فعددت أنا وخلف (الأحمر) [١١] فلم نقدر على ثلاثين [١٢] .
_________________
(١) ب «استعرف» . ح «استفرغ» .
(٢) س «لم يفته منها» .
(٣) ب س «حدثنى» .
(٤) هو أبو حاتم سهل بن محمد السجستانى البصرى، إمام فى غريب القرآن واللغة والشعر. أخذ عن أبى عبيدة والأصمعى وأبى زيد والأخفش، وأخذ عنه المبرد وابن دريد. مات سنة ٢٥٥ هـ.
(٥) هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعى، أسد الشعر والغريب والمعانى، كما وصفه المبرد. مات سنة ٢١٦ هـ عن نحو ٨٨ سنة.
(٦) بحاشية د «قال ابن الجوزى فى الألقاب: كردين اسمه مسمع بن عبد الملك بن مسمع البعرى، كان إخباريا، روى عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى» . وفى شرح القاموس ٢: ٤٨٥ «ابن كردين اسمه مسمع» ولم أجد فيما بين يدى من المصادر غير ذلك.
(٧) كل ما وضعناه بين هذين القوسين فهو زيادة من س ب تبعا لصنيع مصحح ل.
(٨) ب س «بل قلتم» .
(٩) ن هـ س «كبر الشيخ وتبلغته السن» .
(١٠) الزيادة من هـ.
(١١) هو خلف بن حيان الأحمر، قال أبو عبيدة: «خلف الأحمر معلم الأصمعى ومعلم أهل البصرة» مات فى حدود سنة ١٨٠ هـ.
(١٢) ب س «على أكثر من ثلاثين» .
[ ١ / ٦٢ ]
٨* فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس، وما أقرب أن يكون من لا يعرفه من المسمّين بهذا الاسم أكثر ممّن عرفه.
٩* هذا إلى من سقط شعره من شعراء القبائل، ولم يحمله إلينا العلماء والنّقلة [١] .
١٠* أخبرنا [٢] أبو حاتم حدثنا الأصمعىّ قال: كان ثلاثة إخوة من بنى سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب [٣] رجزهم، يقال لهم منذر ونذير ومنتذر [٤]، ويقال إنّ قصيدة رؤبة التى أوّلها [٥]:
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
لمنتذر
١١* قال أبو محمّد: ولم أعرض فى كتابى هذا لمن كان غلب [٦] عليه غير الشعر. فقد رأينا [٧] بعض من ألّف فى هذا الفنّ كتابا يذكر فى الشعراء من لا يعرف بالشعر ولم يقل منه إلّا الشّذّ [٨] اليسير، كابن شبرمة القاضى [٩]، وسليمان بن قتة التّيمىّ المحدّث [١٠] . ولو قصدنا لذكر مثل هؤلاء [١١] فى الشعر لذكرنا أكثر الناس، لأنّه قلّ أحد له أدنى مسكة من أدب، وله أدنى حظّ من طبع، إلّا وقد قال من الشعر شيئا. ولا حتجنا أن نذكر صحابة رسول الله
_________________
(١) ب س «الرواة» .
(٢) د «حدثنا» ب س «حدثنى» هـ «قال حدثنا» .
(٣) ب س «ذهب» .
(٤) ب س «ومنيذر» .
(٥) هى أرجوزة طويلة، انظرها فى ديوان رؤبة فى (مجموع أشعار العرب) ٣: ١٠٤- ١٠٨ وفى أراجيز العرب ٢٢- ٣٨ وانظر الخزانة ١: ٣٨- ٤٥.
(٦) هـ ب س «الأغلب» .
(٧) هـ ب س «رأيت» .
(٨) «الشذ» مصدر كالشذوذ، و«الشاذ» الوصف، وهنا وصف بالمصدر وهو جائز. وفى ب س «النبذ» .
(٩) هو عبد الله بن شبرمة القاضى الفقيه، مات سنة ١٤٤ هـ.
(١٠) بحاشية ف «قال الشريف: ابن قتة هذا عدوى، وهو أول من رثى أهل البيت» . وانظر بعض شعره فى تاريخ الطبرى ٨: ٢٤٨ والأغانى ١٧: ١٦٥.
(١١) ف هـ س «أمثال هؤلاء» .
[ ١ / ٦٣ ]
ﷺ، وجلّة التابعين، وقوما كثيرا من حملة العلم، ومن الخلفاء والأشراف، ونجعلهم فى طبقات الشعراء.
١٢* ولم أسلك، فيما ذكرته من شعر كلّ شاعر مختارا له، سبيل من قلّد، أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدّم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخّر (منهم) بعين الاحتقار لتأخّره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظّه، ووفّرت عليه حقّه.
١٣* فإنى رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدّم قائله، ويضعه فى متخيّره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلّا أنّه قيل فى زمانه، أو أنّه رأى قائله.
١٤* ولم يقصر الله العلم والشعر [١] والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصّ به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده فى كلّ دهر، وجعل كلّ قديم حديثا فى عصره، وكلّ شرف خارجيّة [٢] فى أوّله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدّون محدثين. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتّى لقد هممت بروايته.
١٥* ثمّ صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمىّ والعتّابىّ والحسن بن هانىء وأشباههم. فكلّ من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه (له)، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخّر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنّه. كما أنّ الرّدىء إذا ورد علينا للمتقدّم [٣] أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدّمه.
١٦* وكان حقّ هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم
_________________
(١) ف هـ س «الشعر والعلم» .
(٢) ف س «وكل شريف خارجيا» . والخارجى: الذى يخرج ويشرف بنفسه من غير أن يكون له قديم. ومنه الخارجية، وهى خيل لا عرق لها فى الجودة، فتخرج سوابق، وهى مع ذلك جياد.
(٣) ف س «للمقدم» .
[ ١ / ٦٤ ]
خطره، وعمّن رفعه الله بالمديح، وعمّن وضعه بالهجاء وعمّا أودعته العرب من الأخبار النافعة، والأنساب [١] الصحاح، والحكم المضارعة لحكم الفلاسفة، والعلوم فى الخيل، والنجوم [٢] وأنوائها والاهتداء بها، والرياح وما كان منها مبشّرا أو جائلا، والبروق وما كان منها خلّبا أو صادقا، والسحاب وما كان منها جهاما أو ماطرا، وعمّا يبعث منه البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والدّنّى على السّموّ.
١٧* غير أنى رأيت ما ذكرت من ذلك فى كتاب العرب [٣] كثيرا كافيا [٣]، فكرهت الإطالة بإعادته. فمن أحبّ أن يعرف ذلك، ليستدلّ به على حلو [٤] الشعر ومره. نظر فى ذلك الكتاب، إن شاء الله تعالى.