(وهذا المؤلف ابن قتيبة) [وقد كنت فى عنفوان الشباب، وتطلب الآداب، أحب أن أتعلق من كل علم بسبب، وأن أضرب فيه بسهم] ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ٧٤.
علم من أعلام الإسلام، وإمام حجة من أئمة العلم. كان لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب أهل السنة، كما أن الجاحط خطيب المعتزلة. وقد ترجم له كثير من العلماء فى كتبهم، بعضهم أطال وبعضهم أوجز، واستيعاب ترجمته شىء يطول، وقد حققها أديبان معروفان، وكاتبان مشهوران: السيد محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح، فى مقدمة كتاب «الميسر والقداح» الذى طبعه فى مطبعته «السلفية» فى سنة ١٣٤٢ هـ-، والأستاذ أحمد زكى العدوى رئيس القسم الأدبى بدار الكتب المصرية، فى أول الجزء الرابع من كتاب «عيون الأخبار» الذى طبعته دار الكتب فى سنة ١٣٤٩ هـ-، وهى ترجمة حافلة وافية. فقد رأيت فيهما الكفاية، إلا أنى لم أستسغ أن يخلو هذا الكتاب من ترجمة للمؤلف، فرأيت أن أثبت هنا نص ترجمته من كتابين هما أقدم الكتب التى ترجمت له وأقربها إلى عصره وهما «الفهرست» لابن النديم، الذى ألّف سنة ٣٧٧ هـ-، و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادى الحافظ المتوفى سنة ٤٦٣ هـ-، ثم أدل القارئ على كل ما عرفته من مواضع ترجمة المؤلف فى الكتب المطبوعة، ليرجع إليها إن شاء.
قال محمد بن إسحق المعروف بابن النديم، فى كتاب «الفهرست» (ص ١١٥- ١١٦ من طبعة المكتبة التجارية بمصر سنة ١٣٤٨ هـ): «ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفى، مولده بها، وإنما سمى الدينورىّ لأنه كان
[ ١ / ٤٩ ]
قاضى الدينور، وكان ابن قتيبة يغلو فى البصريين، إلا أنه خلط المذهبين وحكى فى مذهبه عن الكوفيين [١] . وكان صادقا فيما يرويه، عالما باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف، وكتبه بالجبل مرغوب فيها، ومولده فى مستهل رجب، وتوفى سنة سبعين ومائتين.
وله من الكتب:
١- كتاب معانى الشعر، ويحتوى على اثنى عشر كتابا، منها: كتاب الفرس ستة وأربعون بابا، كتاب الإبل ستة عشر بابا، كتاب الحرب عشرة أبواب، كتاب العرور عشرون بابا، كتاب الديار عشرة أبواب، كتاب الرياح أحد وثلاثون بابا، كتاب السباع والوحوش سبعة عشر بابا، كتاب الهوامّ أربعة عشر بابا، كتاب الأيمان والدواهى سبعة أبواب، كتاب النساء والغزل باب واحد، كتاب النسب واللبن ثمانية أبواب، كتاب تصحيف العلماء باب واحد.
٢- كتاب عيون الشعر، ويحتوى على عشرة كتب، منها: كتاب المراتب، كتاب القلائد، كتاب المحاسن، كتاب المشاهد، كتاب الشواهد، كتاب الجواهر، كتاب المراكب.
٣- كتاب عيون الأخبار، ويحتوى على عشرة كتب: كتاب السلطان، كتاب الحرب، كتاب السؤدد، كتاب الطبائع، كتاب العلم، كتاب الزهد، كتاب الإخوان، كتاب الحوائج، كتاب الطعام، كتاب النساء.
٤- كتاب التفقيه، هذا كتاب رأيت منه ثلاثة أجزاء نحو ستمائة ورقة بخط برك، وكانت تنقض على التقريب جزأين، وسألت عن هذا الكتاب جماعة من أهل الخطّ فزعموا أنه موجود، وهو أكبر من كتب البندنيجى وأحسن من كتبه.
٥- كتاب الحكاية والمحكى.
٦- كتاب أدب الكاتب.
٧- كتاب الشعر والشعراء.
٨- كتاب الخيل.
_________________
(١) يريد أنه كان من علماء العربية على مذهب البصريين. واختار آراء من مذهب الكوفيين.
[ ١ / ٥٠ ]
٩- كتاب جامع النحو.
١٠- كتاب مختلف الحديث.
١١- كتاب إعراب القرآن.
١٢- كتاب ديوان الكتاب.
١٣- كتاب فرائد الدر.
١٤- كتاب خلق الإنسان.
١٥- كتاب القراءات.
١٦- كتاب المراتب والمناقب من عيون الشعر.
١٧- كتاب التسوية بين العرب والعجم.
١٨- كتاب الأنواء ١٩- كتاب المشكل.
٢٠- كتاب دلائل النبوة.
٢١- كتاب اختلاف تأويل الحديث.
٢٢- كتاب المعارف.
٢٣- كتاب جامع الفقه.
٢٤- كتاب إصلاح غلط أبى عبيد فى غريب الحديث.
٢٥- كتاب المسائل والجوابات.
٢٦- كتاب العلم، نحو خمسين ورقة.
٢٧- كتاب الميسر والقداح.
٢٨- كتاب حكم الأمثال.
٢٩- كتاب الأشربة.
٣٠- كتاب جامع النحو الصغير.
٣١- كتاب الرد على المشبهة.
٣٢- كتاب آداب العشرة.
٣٣- كتاب غريب الحديث» .
(وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن على الخطيب البغدادى) فى «تاريخ بغداد» (ج ١٠ ص ١٧٠- ١٧١): «عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الكاتب الدينورى، وقيل المروزى. سكن بغداد، وحدّث بها عن إسحق بن راهويه، ومحمد ابن زياد الزيادى، وأبى الخطاب زياد بن يحيى الحسانى، وأبى حاتم السجستانى.
روى عنه ابنه أحمد، وعبيد الله بن عبد الرحمن السكرى، وإبراهيم بن محمد بن
[ ١ / ٥١ ]
أيوب الصائغ، وعبيد الله بن بكير التميمى، وعبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسى. وكان ثقة دينا فاضلا. وهو صاحب التصانيف المشهورة، والكتب المعروفة، منها: غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وأدب الكتاب، وعيون الأخبار، وكتاب المعارف، وغير ذلك. سكن ابن قتيبة بغداد وروى فيها كتبه إلى حين وفاته. وقيل إن أباه مروزى وأما هو فمولده بغداد، وأقام بالدينور مدة فنسب إليها. قرأت على الحسن بن أبى بكر عن أحمد بن كامل القاضى قال:
ومات عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى فى ذى القعدة سنة سبعين ومائتين.
أخبرنا محمد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس قال: قرئ على ابن المنادى وأنا أسمع، قال: ومات عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى صاحب التصانيف فجأة، صاح صيحة سمعت من بعد، ثم أغمى عليه ومات. قال المنادى: ثم إن أبا القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب بن بشير الصائغ أخبرنى أن ابن قتيبة أكل هريسة فأصابته حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمى عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين» .
(ومن الأخطاء العجيبة ما نقله الحافظ الذهبى) فى ميزان الاعتدال عن الحاكم أنه قال: «أجمعت الأمة على أن القتيبى كذّاب» ! فقال الحافظ الذهبى: «هذه مجازفة قبيحة، وكلام من لم يخف الله» . ونقل السيوطى أن الذهبى قال أيضا ردا على الحاكم: «ما علمت أن أحدا اتهم القتيبىّ فى نقله، مع أن الخطيب قد وثّقه، وما أعلم أن الأمة أجمعت إلا على كذب الدّجال ومسيلمة» !! (ومن ذلك أيضا ما نقل الذهبى فى الميزان:) رأيت فى مرآة الزمان أن الدارقطنىّ قال: كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه وقال البيهقى: كان يرى رأى الكرّامية» .
و«الكراميّة» أصحاب محمد بن كرّام، وكان ممن يثبت الصفات إلّا أنه ينتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، تعالى الله عن ذلك. وهذه تهمة باطلة أيضا، لييس أدلّ على بطلانها من أن ابن قتيبة ردّ على المشبهة ردا قويا فى كتاب «تأويل مختلف الحديث» ص ٧- ١٣ من طبعة مصر سنة ١٣٢٦ هـ) ومن أنه ألّف جزءا خاصا فى الردّ عليهم، سماه
[ ١ / ٥٢ ]
«الاختلاف فى اللفظ والردّ عل الجهمية والمشبهة» وقد طبعته مكتبة القدسى فى مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٤٩ هـ. وقد شهد شيخ الإسلام ابن تيمية لابن قتيبة بأنه من أهل السنة وكفى بشهادته شهادة، ذكره فى كتاب «تفسير سورة الإخلاص» فى ثلاثة مواضع، قال فى (ص ١٠٤- ١٠٥ من الطبعة المنيرية سنة ١٣٥٢ هـ): «وهذا القول اختيار ابن قتيبة وغيره من أهل السنة، وكان ابن قتيبة يميل إلى مذهب أحمد وإسحق» . وقال فى (ص ١٢٠- ١٢١): «وهذا القول اختيار كثير من أهل السنة، منهم ابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقى وغيرهما. وابن قتيبة من المنتسبين إلى أحمد وإسحق، والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله فى ذلك مصنفات متعددة.
قال فيه صاحب كتاب التحديث بمناقب أهل الحديث: وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء، أجودهم تصنيفا وأحسنهم ترصيفا، له زهاء ثلاثمائة مصنف، وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحق، وكان معاصرا لإبراهيم الحربى ومحمد بن نصر المروزى.
وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون: من استجاز الوقيعة فى ابن قتيبة يتهم بالزندقة، ويقولون: كل بيت ليس فيه شىء من تصنيفه لا خير فيه. قلت: ويقال: هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب السنة، كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة» .
وقال أيضا فى الرد على أبى بكر بن الأنبارى (ص ١٣٣- ١٣٤): «وهو قصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة. وليس هو أعلم بمعانى القرآن والحديث وأتبع للسنة من ابن قتيبة، ولا أفقه فى ذلك، وإن كان ابن الأنبارى من أحفظ الناس للغة، ولكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة. وقد نقم هو وغيره على ابن قتيبة كونه ردّ على أبى عبيد أشياء من تفسير غريب الحديث. وابن قتيبة قد اعتذر عن ذلك، وسلك فى ذلك مسلك أمثاله من أهل العلم، وهو وأمثاله يصيبون تارة ويخطؤون أخرى» .
وما بعد هذا الكلام كلام.
وقد قال ابن قتيبة نفسه فى كتاب «تأويل مختلف الحديث» (ص ٩٥- ٩٦):
«ولا أعلم أحدا من أهل العلم والأدب إلا وقد أسقط فى عمله، كالأصمعى وأبى زيد وأبى عبيدة وسيبويه والأخفش والكسائى والفرّاء وأبى عمرو الشيبانى، وكالأئمة
[ ١ / ٥٣ ]
من قرّاء القرآن، والأئمة من المفسرين. وقد أخذ الناس على الشعراء فى الجاهلية والإسلام الخطأ فى المعانى وفى الإعراب وهم أهل اللغة، وبهم يقع الاحتجاج» .