٣٢٠* هو [٢] أوس بن حجر بن عتّاب. قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر، حتّى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. وقيل لعمرو بن معاذ، وكان بصيرا بالشعر: من أشعر الناس؟ فقال: أوس، قيل: ثم من؟ قال:
أبو ذؤيب. وكان أوس عاقلا فى شعره، كثير الوصف لمكارم الأخلاق. وهو من أوصفهم للحمر والسلاح، ولا سيّما للقوس. وسبق إلى دقيق المعانى، وإلى أمثال كثيرة.
٣٢٦* وهو القائل:
وجاءت سليم قضّها وقضيضها بأكثر ما كانوا عديدا وأوكعوا [٣]
أوكعوا: اشتدّوا، يقال: «استوكعت المعدة وأوكعت» إذا اشتدّت [٤] .
وفى أمثال العرب: أسمحت قرونته. أى سمحت نفسه [٥]، قال أوس:
_________________
(١) العنوان فى ب «أخبار أوس بن حجر» .
(٢) هذا النص هو الذى فى س ف، وقد أثبت فيهما بعد ترجمة زهير بن أبى سلمى. وستأتى الترجمة بنص ب هـ د. ولأوس ترجمة فى الأغانى ٢٠: ٥- ٨ والخزانة ٢:
(٣) ٢٣٦ ومعاهد التنصيص ٦١- ٦٥.
(٤) البيت فى اللسان ٩: ٨٨ وروايته وجاءت جحاش قضها بقضيضها وأما لفظ «وجاءت سليم قضها بقضيضها» فإنه ذكره صدر بيت آخر للشماخ بن ضرار ١٥: ٣٤٢* وضبطت «قضها» بالنصب. وفيه أنه اسم منصوب موضوع موضع المصدر، كأنه قال: جاؤوا انقضاضا، وحكى عن سيبويه أن بعضهم يعربه ويجريه على ما قبله، ونقل عن الأصمعى أنه قال: «لم أسمعهم ينشدون قضها إلا بالرفع» . ونص فى القاموس على جواز هذا وذاك. وأثبت فى ل بالرفع، فأثبتنا الإعرابين، وأصل القض: الحصى، والقضيض: ما تكسر منه ودق، أو هو جمع القض. والمراد: جاؤوا مجتمعين لم يدعوا وراءهم شيئا.
(٥) فى شرح القاموس ٥: ٧٩ «أوكعوا: سمنوا إبلهم وقووها ليغيروا علينا» .
(٦) مجمع الأمثال: ١: ٢٩٠.
[ ١ / ١٩٨ ]
فلاقى امرءا من ميدعان وأسمحت قرونته باليأس منها فعجّلا [١]
ويقال: «رجل مخلط مزيل» إذا كان ولّاجا خرّاجا، قال أوس:
وإن قال لى: ماذا ترى؟ يستشيرنى يجدنى ابن عمّى مخلط الأمر مزيلا
٣٢٧* ومن جيّد معانيه قوله [٢]:
وما أنا إلّا مستعدّ كما ترى أخو شركىّ الورد غير معتّم
و«شركىّ ورد» ماء فى إثر ماء، وهو المتتابع، يقول: أغشاهم بما يكرهون، ومنه يقال «فلان يتورّدنا بشرّ» و«غير معتّم» غير محتبس.
٣٢٨* وقوله:
وإن هزّ أقوام إلّى وحدّدوا كسوتهم من خير بزّ متحّم
«هزّ» من السّير، و«متحّم» من الأتحمىّ، وهو برد، وهذا مثل ضربه، يقول: إنّه يهجوهم بأخبث هجاء يقدر عليه. ومنه قول الآخر:
سأكسوكما يا ابنى يزيد بن جعشم رداءين من قير ومن قطران
٣٢٩* وقال أوس:
تركت الخبيث لم أشارك ولم أدق ولكن أعفّ الله مالى ومطعمى
«لم أدق» لم أدن، ومنه قول ذى الرّمّة:
كانت إذا ودقت أمثالهنّ له فبعضهنّ عن الألّاف منشعب
٣٣٠* وقال أوس:
فقومى وأعدائى يظنّون أنّنى متى يحدثوا أمثالها أتكلّم
«يظنّون» يوقنون، وليس من ظنّ الشك، قال الله جلّ وعزّ:
_________________
(١) البيت فى اللسان ١٧: ٢١٧. ميدعان: اسم موضع.
(٢) البيت فى اللسان ١٢: ٣٣٧.
[ ١ / ١٩٩ ]
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ
[١] . أى: أيقنوا.
٣٣١* قال أوس يصف قوسا:
كتوم طلاع الكفّ، لا دون ملئها ولا عجسها عن موضع الكفّ أفضلا [٢]
إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها ، إذا أنبضوا عنها، نئيما وأزملا
«النئيم» صوت البوم، «والأزمل» صوت الجنّ [٣] .
ثم وصف النابل والنّبل فقال:
كساهنّ من ريش يمان ظواهرا سخاما لؤاما ليّن المسّ أطحلا [٤]
يخرن إذا أنفزن فى ساقط النّدى وإن كان يوما ذا أهاضيب مخضلا [٥]
خوار المطافيل الملمّعة الشّوى وأطلاؤها صادفن عرنان مبقلا [٦]
ثم وصف السيف فقال:
كأنّ مدبّ النّمل يتّبع الرّبى ومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا
_________________
(١) سورة التوبة، الآية ١١٨.
(٢) الكتوم: القوس التى لا صدع فيها ولا عيب ولا ترن إذا أنبضت. طلاع الكف، بكسر الطاء: ملؤها. عجسها، مثلثة العين: مقبضها الذى يقبضه الرامى منها، وهو أجل موضع فيها وأغلظه. والبيت فى اللسان ١٠: ١٠٥- ١٠٦ و١٥: ٤١٠.
(٣) تعاطوها: تناولوها، عطا الشىء وعطا إليه عطوا: تناوله. أنبض القوس: جذب وترها لتصوت. والبيت فى اللسان ١٦: ٤٤. وفسر النئيم فيه بأنه الصوت الضعيف، والأزمل بأنه الصوت أيضا.
(٤) السخام من الريش: اللين الحسن. الريش اللؤام: يلائم بعضه بعضا، وهو ما كان بطن القذة منه يلى ظهر الأخرى، وهو أجود ما يكون.
(٥) يخرن: من الخوار وهو صوت الثور. أنفزن: من الإنفاز وهو إدارة السهم على الظفر ليعرف عوجه من قوامه. الأهاضيب: جلبات القطر بعد القطر. المخضل: من قولهم: «أخضلتنا السماء» بلتنا بللا شديدا. والبيت فى اللسان ٧: ٢٨٦.
(٦) المطافيل: ذوات الطفل، معها طفلها. الشوى: جماعة الأطراف. أطلاؤها: أولادها. عرنان: واد واسع فى الأرض منخفض يوصف بكثرة الوحش. وهذا البيت والذى قبله فى اللسان ٥: ٣٤٥- ٣٤٦ مشروحين.
[ ١ / ٢٠٠ ]
على صفحتيه بعد حين جلائه كفى بالذى أبلى وأنعت منصلا [١]
٣٣٢* هو [٢] من تميم، أسيدىّ، وهو شاعر تميم. قال أبو عبيدة: حدّثنى يونس عن أبى عمرو بن العلاء قال: كان أوس شاعر مضر، حتّى أسقطه النابغة وزهير، فهو شاعر تميم فى الجاهليّة غير مدافع.
٣٣٣* وقال الأصمعىّ: قال أوس بن حجر:
لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا لفى حقبة أظفارها لم تقلّم [٣]
أى نحن فى حرب، فأخذ المعنى زهير والنابغة، قال زهير:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف له لبد أظفاره لم تقلّم
وقال النابغة:
وبنو قعين لا محالة أنّهم آتوك غير مقلّمى الأظفار
٣٣٤* وقال الأصمعىّ: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكنّ النابغة طأطأ منه، قال أوس:
ترى الأرض منّا بالفضاء مريضة معضلة منّا بجمع عرموم
_________________
(١) أنعت: حسن وجهه حتى ينعت. المنصل، بضم الصاد وبفتحها: السيف، ونقل فى اللسان عن ابن سيده أنه لا يعرف فى الكلام اسم على «مفعل» بضم أوله مع ضم ثالثه وفتحه إلا هذا وقولهم «منخل» بضم الخاء وفتحها.
(٢) من هنا يبدأ نص الترجمة فى ب هـ د.
(٣) هؤلا: استعملها مقصورة، وهو جائز، والأفضل رسمها بالياء، وبذلك رسمها الربيع فى رسالة الشافعى (ص ٥٦٣ بشرحنا) ولاستعمالها مقصورة شاهد آخر فى المعرب للجواليقى ٣٤٢.
(٤) معضلة: من قولهم «عضلت الأرض بأهلها» بتشديد الضاد: إذا ضاقت بهم لكثرتهم. والبيت فى اللسان ١٣: ٤٧٨.
[ ١ / ٢٠١ ]
وقال النابغة:
جيش يظلّ به الفضاء معضّلا يدع الإكام كأنّهنّ صحارى
فجاء بمعناه وزاد.
٣٣٥* وقالت الشعراء فى نفار الناقة وفزعها فأكثرت، ولم تعد ذكر الهرّ المقرون بها وابن آوى، وقال أوس بن حجر:
كأنّ هرّا جنيبا عند غرضتها والتفّ ديك برجليها وخنزير [١]
قالوا: وجمع ثلاثة ألفاظ أعجميّة فى بيت واحد، فقال:
وقارفت وهى لم تجرب وباع لها من الفصافص بالنّمّىّ سفسير [٢]
«الفصافص» الرّطبة، وهى بالفارسيّة «إسبست» [٣]، «والنّمّىّ» الفلوس بالروميّة، «والسفسير» السمسار.
٣٣٦* قال الأصمعىّ: ولم أسمع قطّ ابتداء مرثية أحسن من ابتداء مرثيته:
أيّتها النّفس أجملى جزعا إنّ الّذى تحذرين قد وقعا
_________________
(١) الغرضة. حزام الرحل.
(٢) قارفت، بتقديم القاف: قاربت، كما فسره ابن دريد واللسان، قال ابن دريد: «أى قاربت أن تجرب» . وفى الأصول والمعاهد «فارقت» بتقديم الفاء، وهو خطأ. والبيت فى جمهرة ابن دريد ١: ١٥٥ و٣: ٣٧٤، ٥٠٢ والمعرب للجواليقى ١٨٥، ٢٤٠، ٣٣٠ واللسان ٦: ٣٧ و٨: ٣٣٥ و١١: ١٨٧- ١٨٨ ونسبوه فى الأكثر لأوس، ونسبه بعضهم تارة للنابغة.
(٣) وسميت فى ل «اسبست» بالباء الفارسية المكسورة، وهذا تصرف من مصححها، لعله ضبطه على اللفظ الفارسى، ونقل عن ب د أنها رسمت فيها «اسبست» وعن هـ «اسفست» . وقد ضبطت فى القاموس والمعيار بفتح الباء، وفى اللسان «اسفست» بفتح الفاء، وكتبت فى الجمهرة ٣: ٥٠٠ بالفاء من غير ضبط. وانظر المعرب ٢٤٠.
(٤) مضى البيت ٩. وفى المعاهد أنه قالها فى فضالة بن كلدة يمدحه بها فى حياته ويرثيه بعد وفاته وفيها البيت المشهور السائر: الألمعى الذى يظن بك ال ظن كأن قد رأى وقد سمعا
[ ١ / ٢٠٢ ]
٣٣٧* قال: وأحسن فى وصف السحاب [١]:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالرّاح [٢]
ينفى الحصى عن جديد الأرض مبتركا كأنّه فاحص أو لاعب داح [٣]
فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكنّ يمشى بقرواح [٤]
٣٣٨* ويستجاد له قوله:
إذا ما علوا قالوا: أبونا وأمّنا وليس لهم عالين أمّ ولا أب [٥]
٣٣٩* ويستجاد له قوله [٦]:
وإنى رأيت الناس، إلّا أقلّهم خفاف العهود يكثرون التّنقّلا
بنى أمّ ذى المال الكثير يرونه وإنّ كان عبدا، سيد الأمر جحفلا
_________________
(١) الأول والثالث فى الأغانى وبينهما بيت آخر، ونقل الخلاف فى نسبة الشعر لأوس، أن الأصمعى يرويه له ووافقه بعض الكوفيين، وأن غيرهم يرويه لعبيد بن الأبرص. والأول والثالث فى الحيوان ٦: ١٣٢ بنسبة مختلف فيها لعبيد أو لأوس وهما من قصيدة فى ديوان عبيد ٧٥- ٧٧.
(٢) المسف: الذى قد أسف على الأرض، أى: دنا منها، وهو هنا مخفوض فى أصول الكتاب، وكذلك نقل مصححو اللسان عما كان بأيديهم من نسخ الصحاح، وهو الصواب، فإن قبله من عارض كبياض الصبح لماح الهيدب: ما تدلى من السحاب مثل هدب القطيفة، يقول: يكاد القائم يمسكه براحته. يدفعه: ب د «يرفعه» . والبيت فى اللسان ٢: ٢٧٨ و١١: ٥٤ مع الخلاف فى نسبته.
(٣) جديد الأرض: وجهها. مبتركا: مجتهدا معتمدا ملحا. الداحى: الذى يدحو الحجر بيده، أى: يرمى به ويدفعه. والبيت فى اللسان ١٨: ٢٧٦ باختلاف فى صدره مع الخلاف فى نسبته، وليس فى ديوان عبيد.
(٤) النجوة: ما ارتفع من الأرض. العقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة. المستكن: المستتر. القرواح: أرض مستوية ظاهرة. والبيت فى اللسان ٢٠: ١٧٨ ونسبه لعبيد فقط.
(٥) علوا: بابه «بلى»، يقال «على» بكسر اللام، فى المكارم والرفعة والشرف «يعلى- بفتحها- علاء» قاله فى اللسان.
(٦) الأبيات فى معاهد التنصيص.
(٧) الجحفل: السيد العظيم القدر. والبيت فى اللسان ١٣: ١٠٨.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وهم لمقلّ المال أولاد علّة وإن كان محضا فى العمومة مخولا [١]
وليس أخوك الدائم العهد بالذى يسوءك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك الناء ما كنت آمنا وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
٣٤٠* ويستجاد له قوله فى السيف:
كأنّ مدبّ البيت [٢] .
وهو أوصف الناس للقوس، ثم تبعه الشمّاخ.
_________________
(١) أولاد علة أولاد ضرة. رجل معم مخول، بصيغى اسم الفاعل واسم المفعول: كريم الأعمام والأخوال. والبيت فى اللسان ١٣: ٤٩٨ غير منسوب.
(٢) مضى ٢٠٠.
[ ١ / ٢٠٤ ]