[١] ٣٩١* قال أبو محمد: اختلفوا فى اسمه، فقال بعضهم: هو جارية بن الحجّاج، وقال الأصمعىّ: هو حنظلة بن الشّرقىّ [٢]، وكان فى عصر كعب ابن مامة الإيادى، الذى آثر بنصيبه من الماء رفيقه النّمرىّ فمات عطشا، فضرب به المثل فى الجود [٣]، وبلغه عنه شىء فقال [٤]:
وأتانى تقحيم كعب إلى المن طق إنّ النّكيثة الإقحام
(فى نظام ما كنت فيه فلا يح زنك قول، لكلّ حسناء ذام
ولقد رابنى ابن عمّى كعب إنّه قد يروم ما لا يرام
غير ذنب بنى كنانة منّى إن أفارق فإنّنى مجذام)
٣٩٢* وكان بعض الملوك أخافه، فصار إلى بعض ملوك اليمن فأجاره فأحسن إليه، فضرب المثل بجار أبى دؤاد، قال طرفة:
إنى كفانى من همّ هممت به جار كجار الحذاقىّ الّذى انتصفا
والحذاقىّ هو أبو دؤاد، وحذاق قبيلة من إياد.
_________________
(١) ترجمته فى الأغانى ١٥: ٩١- ٩٦ والخزانة ٤: ١٩٠- ١٩١ وشواهد المغنى ١٢٤ وشواهد العينى ٢: ٣٩١.
(٢) هذا قول شاذ جدّا، وأخشى أن يكون غلطا فى الرواية على الأصمعى، فإن «حنظلة ابن الشرقى» هو «أبو الطمحان القينى» وستأتى ترجمته (٢٢٩- ٢٣٠ ل) . وفى الأصمعية ٦٥ «وقال أبو دؤاد الإيادى واسمه جارية بن الحجاج» فهذا قول الأصمعى كما ترى، لا كما روى ابن قتيبة.
(٣) سيأتى ذكرهما أيضا فى شعر للأسود بن يعفر (١٣٤- ١٣٥ ل) وانظر قصة كعب بن مامة فى مجمع الأمثال ١: ١٦٢، ٢٩٣ وأمثال العرب للضبى ٦١- ٦٢.
(٤) من الأصمعية ٦٥.
[ ١ / ٢٣١ ]
٣٩٣* ويقال إنّما أجاره الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، وذلك أن قباذ سرّح جيشا إلى إياد، فيهم الحارث بن همّام، فاستجار به قوم من إياد فيهم أبو دؤاد، فأجارهم.
٣٩٤* وكان أبو عبيدة يذكر أن جار أبى دؤأد هو كعب بن مامة، وأنشد لقيس بن زهير (بن جذيمة) فى ربيعة بن قرط:
أحاول ما أحاول ثم آوى إلى جار كجار أبى دؤاد [١]
٣٩٥* وهو أحد نعّات الخيل المجيدين. قال الأصمعىّ: هم ثلاثة، أبو دؤاد فى الجاهليّة، وطفيل [٢]، والنابغة الجعدىّ.
٣٩٦* قال: والعرب لا تروى شعر أبى دؤاد وعدى بن زيد، (وذلك) لأنّ ألفاظهما ليست بنجديّة.
٣٩٧* وقيل للحطيئة من أشعر الناس؟ فقال: الذى يقول [٣]:
لا أعدّ الإقتار عدما ولكن فقد من قد رزئته الإعدام
من رجال من الأقارب فادوا من حذاق، هم الرّؤوس الكرام [٤]
فيهم للملاينين أناة وعرام إذا يراد العرام
فعلى إثرهم تساقط نفسى حسرات، وذكرهم لى سقام
وهذه القصيدة أجود شعره.
ويستجاد منها قوله فى صفة إبله:
إبلى الإبل لا يحوّزها الرّا عون، مجّ النّدى عليها المدام
_________________
(١) فى هذا خلاف كثير، وانظر مجمع الأمثال ١: ١٤٣ والأغانى فى ترجمة أبى دؤاد. وهذا البيت من قصيدة لقيس هذا فى الأغانى ١٦: ٢٨- ٢٩.
(٢) هو طفيل بن كعب الغنوى، ستأتى ترجمته (٢٧٥- ٢٧٦ ل) .
(٣) من الأصمعية ٦٥ أيضا وانظر ما يأتى ١٨٤ ل.
(٤) فادوا: ماتوا.
[ ١ / ٢٣٢ ]
سمنت فاستحشّ أكرعها، لا ال نّىّ ولا السّنام سنام [١]
فإذا أقبلت تقول: إكام مشرفات، بين الإكام إكام
وإذا أعرضت تقول: قصور من سماهيج فوقها آطام [٢]
وإذا ما فجئتها بطن غيث قلت: نخل قد حان منها صرام [٣]
فهى كالبيض فى الأداحىّ، مايو هب منها لمستتمّ عصام [٤]
ومما يتمثّل به من شعره قوله:
أكلّ امرئ تحسبين امرءا ونارا تحرّق باللّيل نارا [٥]
٣٩٩* وقوله:
الماء يجرى ولا نظام له لو وجد الماء مخرقا خرقه
٤٠٠* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
ترى جارنا آمنا وسطنا يروح بعقد وثيق السّبب
_________________
(١) استحش: استدق. النى: الشحم. وإنما تستدق أكرعها فى رأى العين، ليس أن العظام تستدق بسمنها.
(٢) سماهيج: جزيرة بين عمان والبحرين.
(٣) ف س «بطن غيب» وهو الموافق للأصمعية. والغيب: ما اطمأن من الأرض.
(٤) الأدحى: الموضع الذى تبيض فيه النعامة. المستتم: الذى يطلب الصوف والوبر ليتم نسج كسائه. العصام: خيط القربة. يريد أن هذه الإبل لا يوهب من وبرها شىء، لأنها قد سمنت وألقت أوبارها، أو لعزتها على أهلها. والبيت فى اللسان ١٤: ٣٣٥ والأساس ١: ٥٦.
(٥) من الأصمعية ٦٦ وهو فى الخزانة ٤: ١٩١ وشواهد العينى ٣: ٤٤٦. وفى س هـ ف «ونار» بالجر، وهو الموافق لرواية الأصمعية والخزانة والعينى، وهو شاهد للعطف على معمولى عاملين، بتقدير «كل» و«تحسين» وفى العينى: «ويروى ونارا بالنصب، قال النحاس: ومن لم يعطف على عاملين رواه ونارا بالنصب» .
[ ١ / ٢٣٣ ]
إذا ما عقدنا له ذمّة شددنا العناج وعقد الكرب [١]
أخذه الحطيئة فقال:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدّوا العناج وشدوا فوقه الكربا
_________________
(١) العناج: عروة فى أسفل الدلو من باطن، تشد بوثاق إلى أعلى الكرب، فإذا انقطع الحبل أمسك العناج الدلو أن يقع فى البئر. الكرب: حبل يشد على عراقى الدلو، ثم يثنى ثم يثلث، ليكون هو الذى يلى الماء، فلا يعفن الحبل الكبير. وفى اللسان: «وهذه أمثال ضربها لإيفائهم بالعهد» .
(٢) البيت فى اللسان ٢: ٢٠٩ و٣: ١٥٤.
[ ١ / ٢٣٤ ]