[١] ٤١٥* هو عنترة بن عمرو بن شدّاد بن عمرو بن قراد بن مخزوم بن عوف ابن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض.
٤١٦* وقال ابن الكبى: شدّاد جدّه أبو أبيه، غلب على اسم أبيه فنسب إليه، وإنّما هو عنترة بن عمرو بن شدّاد. وقال غيره: شدّاد عمّه، وكان عنترة نشأ فى حجره [٢]، فنسب إليه دون أبيه.
٤١٧* وإنّما ادّعاه أبوه بعد الكبر، وذلك أنّه كان لأمة سوداء يقال لها زبيبة، وكانت العرب فى الجاهليّة إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده، وكان لعنترة إخوة من أمّه عبيد، وكان سبب ادّعاء أبى عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من (بنى) عبس، فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيّون، فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة فيهم، فقال له أبوه: كرّ يا عنترة! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكرّ، إنّما يحسن الحلاب والصّرّ [٣] فقال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وهو يقول:
كلّ امرئ يحمى حره أسوده وأحمره
والواردات مشفره
_________________
(١) ترجمته فى الأغانى ٧: ١٤١- ١٤٥ والخزانة ١: ٥٩- ٦٢.
(٢) هذا النص موافق لما فى الأغانى، وفى س ب «شداد عمه تكفله بعد موت أبيه» وهو يوافق ما فى الخزانة.
(٣) الصر: شد الضرع برباط، وفى النهاية: «من عادة العرب أن تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلوها إلى المرعى سارحة، ويسمون ذلك الرباط الصرار، فإذا راحت عشيا حلت تلك الأصرة وحلبت» .
(٤) الأبيات فى الديوان ٧٨ واللسان ٣: ٢٥٧.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقاتل يومئذ فأبلى، واستنقذ ما كان بأيدى عدوهم (من الغنيمة)، فادّعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه.
٤١٨* وهو أحد أغربة العرب [١]، وهم ثلاثة: عنترة، وأمّه زبيبة، سوداء، وخفاف بن عمير الشّريدىّ، من بنى سليم، وأمّه ندبة، وإليها ينسب، وكانت سوداء، والسّليك بن عمير السعدىّ، وأمّه سلكة، وإليها ينسب، وكانت سوداء.
٤١٩* وكان عنترة من أشدّ أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده. وكان لا يقول من الشعر إلّا البيتين والثلاثة، حتّى سابّه رجل من بنى عبس، فذكر سواده وسواد أمّه وإخوته، وعيّره بذلك، وبأنّه لا يقول الشعر، فقال له عنترة:
والله إنّ الناس ليترافدون بالطّعمة [٢]، فما حضرت مرفد الناس أنت ولا أبوك ولا جدّك قطّ، وإنّ الناس ليدعون فى الغارات فيعرفون بتسويمهم، فما رأيناك فى خيل مغيرة فى أوائل الناس قطّ، وإنّ اللّبس ليكون بيننا، فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدّك خطّة فيصل [٣]، وإنّما أنت فقع نبت بقرقر [٤]، وإنى لأحتضر البأس، وأوفى المغنم، وأعفّ عن المسألة، وأجود بما ملكت (يدى)، وأفصل الخطّة الصّمعاء [٥]، وأما الشعر فستعلم. فكان أوّل ما قال قصيدة:
_________________
(١) أغربة العرب: سودانهم، شبهوا بالأغربة فى لونهم. وتجد بيانهم فى اللسان ٢: ١٣٨ وستأتى الإشارة إليهم ١٩٦ ل و٢١٤ ل.
(٢) يترافدون: يتعاونون، والرفد: العطاء والصلة. الطعمة، بضم الطاء: المأكلة والدعوة إلى الطعام.
(٣) فى اللسان: «الفصل: القضاء بين الحق والباطل، واسم ذلك القضاء الذى يفصل بينهما فيصل» .
(٤) الفقع، بالفتح والكسر: الرخو من الكمأة، وهو أردؤها. القرقر: الأرض المطمئنة اللينة. وهذا مثل، يقال «أذل من فقع بقرقر» لأن الدواب تنجله بأرجلها ولا أصول له ولا أغصان. انظر مجمع الأمثال ١: ٢٤٩ واللسان ١٠: ١٢٦.
(٥) الصمعاء: الماضية.
[ ١ / ٢٤٤ ]
هل غادر الشّعراء من متردّم [١]
وهى أجود شعره، وكانوا يسمّونها «المذهبة» [٢] .
٤٢٠* وكان عنترة قد شهد حرب داحس (والغبراء)، فحسن فيها بلاؤه، وحمدت مشاهده [٣] .
٤٢١* قال أبو عبيدة: إنّ عنترة بعد ما تأوّت [٤] عبس إلى غطفان بعد يوم جبلة [٥]، وحملت الدماء، احتاج، وكان صاحب غارات، فكبر فعجز عنها، وكان له بكر على رجل من غطفان، فخرج قبله يتجازاه، فهاجت رائحة من صيّف [٦]، وهبّت نافحة [٧]، وهو بين شرج وناظرة [٨]، فأصابت الشيخ فهرأته، فوجدوه ميّتا بينهما [٩] .
٤٢٢* قال أبو عبيدة: وهو قتل ضمضما المرّىّ، أبا حصين بن ضمضم
_________________
(١) هى المعلقة المشهورة. متردم: من قولهم «ردمت الثوب وردمته، بالتضعيف: أصلحته»، أى: هل أبقى الشعراء لأحد معنى إلا وقد سبقونا إليه، فلم يدعو مقالا لقائل.
(٢) كانت المعلقات أيضا تسمى أيضا «المذهبات» من الإذهاب أو التذهيب. بمعن التمويه والتطلية بالذهب. انظر الخزانة ١: ٦١.
(٣) داحس والغبراء: اسما فرسين لقيس بن زهير بن جذيمة العبسى، وكانت الحرب بسببهما بين عبس وذبيان أربعين سنة. انظر اللسان ٧: ٣٧٩- ٣٨٠ وأيام العرب ٢٤٦. وما أشير إليه هناك من المصادر.
(٤) تأوت: عادت، «أوى» و«تأوى» بمعنى.
(٥) يوم شعب جبلة: من أعظم أيام العرب، كان قبل الإسلام بسبع وخمسين سنة فيما قيل.
(٦) الصيف، بتشديد الياء المكسورة: المطر الذى يجىء فى الصيف.
(٧) الريح النافحة: الباردة.
(٨) شرج وناظرة: ماءان لعبس.
(٩) فى موته خلاف. قال ابن دريد فى الاشتقاق ١٧٠ «قتلته طيئ فيما تزعم العرب وعامة العلماء، وكان أبو عبيدة ينكر ذلك ويقول: مات بردا وكان قد أسن» . وانظر المؤتلف ٩٩ والأغانى والخزانة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وهرم بن ضمضم، فى حرب داحس والغبراء، وفى ذلك يقول:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابنى ضمضم
الشاتمى عرضى ولم أشتمهما والناذرين إذا لم القهما دمى
إن يفعلا فلقد تركت أباهما جزر السباع وكلّ نسر قشعم [١]
٤٢٣* وممّا سبق إليه ولم ينازع فيه قوله:
وخلا الذّباب بها فليس ببارح غردا كفعل الشارب المترنّم [٢]
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
وهذا من أحسن التشبيه.
٤٢٤* (وقوله [٣]:
وإذا شربت فإنّنى مستهلك مالى، وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى وكما علمت شمائلى وتكرّمى)
٤٢٥* ومن ذلك قوله [٤]:
إنى امرؤ من خير عبس منصبا شطرى، وأحمى سائرى بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ألفيت خيرا من معمّ مخول
يقول: النصف من نسبى فى خير عبس، وأحمى النصف الآخر، وهو نسبه فى السودان، بالسيف، فأشرّفه أيضا.
٤٢٦* ومن حسن شعره قوله [٥]:
_________________
(١) جزر السباع: اللحم الذى تأكله، يريد أنه تركه قطعا. القشعم: الضخم المسن. وهذه الأبيات آخر المعلقة.
(٢) بها: يعنى بروضة يسوق الأبيات فى وصفها، وهما من المعلقة.
(٣) هما من المعلقة أيضا، وقد مضيا ١٩١.
(٤) من أبيات فى ديوانه ٩٩- ١٠١ والأغانى.
(٥) من القصيدة السابقة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
بكرت تخوّفنى الحتوف كأنّنى أصبحت عن الحتوف بمعزل
فأجبتها: إنّ المنيّة منهل لا بدّ أن أسقى بذاك المنهل
فاقنى حياءك، لا أبا لك، واعلمى أنى امرؤ سأموت إن لّم أقتل [١]
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت مثلى إذا نزلوا بضنك المنزل
٤٢٧* ومن إفراطه قوله [٢]:
وأنا المنيّة فى المواطن كلّها والطّعن منى سابق الآجال
وفى هذه يفخر بأخواله من السودان، يقول:
إنى لتعرف فى الحروب مواطنى فى آل عبس مشهدى وفعالى
منهم أبى حقّا، فهم لى والد والأمّ من حام، فهم أخوالى
_________________
(١) اقنى حياءك: الزميه. والبيت والذى قبله فى اللسان ٢٠: ٦٤.
(٢) من قصيدة فى الديوان ١٠٩ باختلاف فى الرواية.
[ ١ / ٢٤٧ ]