[١] ٤٩٤* هو عبد الله بن قيس [٢]، من جعدة بن كعب بن ربيعة. وإخوة جعدة عقيل وقشير والحريش. وكان يكنى أبا ليلى، وهو جاهلىّ.
وأتى رسول الله ﷺ وأنشده:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا
بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا [٣]
فقال رسول الله ﷺ: «إلى أين أبا ليلى؟» فقال: إلى الجنّة، فقال رسول الله ﷺ: «إن شاء الله» وأنشده:
ولا خير فى حلم إذا لم تكن له بوادر تحمى صفوه أنّ يكدّرا
(ولا خير فى جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا)
فقال رسول الله ﷺ: «لا يفضض الله فاك» قال: فبقى عمره لم تنقض له سنّ [٤] .
_________________
(١) ترجمته فى الاستيعاب ٣٢٠- ٢٣٥ وأسد الغابة ٥: ٢- ٤ والروض الأنف ١: ٥٣ وتاريخ إصبهان ١: ٧٣- ٧٤ والإصابة ٦: ٢١٨- ٢٢١ والمعمرين لأبى حاتم ٦٤- ٦٦ والجمحى ٢٦- ٢٨ والأغانى ٤: ١٢٧- ١٣٩ والخزانة ١: ٥٠٩- ٥١٥ والمؤتلف ١٩١ والمرزبانى فى المعجم ٣٢١ وفى الموشح ٦٤- ٦٧ واللآلى ٢٤٧.
(٢) فى اسمه خلاف كثير، ورجح بعضهم أن اسمه «قيس بن عبد الله» قال صاحب الأغانى: «وهذا وهم ممن قال إن اسمه قيس. وليس يشك فى أنه كان له أخ اسمه وحوح بن قيس. وهو الذى قتله بنو أسد» .
(٣) البيت فى اللسان ٦: ٢٠٢. والبيتان من قصيدة طويلة ٧٦ بيتا فى جمهرة أشعار العرب ١٤٥- ١٤٨. وانظر تاريخ الطبرى ١٣: ٥٠.
(٤) فى تخريج هذا الحديث كلام طويل. فصله الحافظ فى الإصابة وانظره أيضا فى تاريخ ابن كثير ٦: ١٦٨.
[ ١ / ٢٨٠ ]
٤٩٥* وكان معمّرا، ونادم المنذر أبا النعمان بن المنذر، وفى ذلك يقول:
تذكّرت والذّكرى تهيج على الفتى ومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
نداماى عند المنذر بن محرّق أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا
٤٩٦* ويقال إنه كان أقدم من النابغة الذّبيانىّ، لأنّ الذّبيانىّ نادم النعمان وهذا نادم أباه [١] . ونسب المنذر إلى محرّق وهو جدّه.
٤٩٧* وعمّر حتى ورد على ابن الزّبير وروى له الحديث عن رسول الله ﷺ: «أنا والنّبيّون فرّاط لقاصفين» [٢] وحتى نازع الأخطل الشعر، فغلبه الأخطل، فهو من مغلّبى مضر [٣] . ومات بإصبهان وهو ابن مائتين وعشرين سنة [٤] .
_________________
(١) قال هذا أيضا الجمحى وأبو حاتم وغيرهما.
(٢) الفراط: المتقدمون، جمع فارط. القاصفون: المزدحمون، قال ابن الأثير: «هم الذين يزدحمون حتى يقصف بعضهم بعضا، من القصف، الكسر والدفع الشديد لفرط الزحام، يريد أنهم يتقدمون الأمم إلى الجنة وهم على إثرهم بدارا متدافعين ومزدحمين» . وفى الحديث قصة، خرجه الحافظ فى الإصابة من طرق وهو فى مجمع الزوائد ١٠: ٢٥.
(٣) قال الجمحى: «وإذا قالت العرب مغلبا فهو مغلوب، وإذا قالوا غلب فهو غالب. وغلبت عليه ليلى الأخيلية وأوس بن مغراء القريعى، وغلب عليه من لم يكن إليه ولا قريبا منه، عقال بن خالد العقيلى، وكان مفحما، بكلام لا بشعر. وهجاه سوار بن أوفى القشيرى وفاخره، وهجاه الأخطل بأخرة» وسوار بن أوفى سيأتى ٤٤١ أنه زوج ليلى الأخيلية.
(٤) فى ب د هـ «مائة وعشرين سنة» وفى س ف «عشرين ومائة سنة» . وكلها خطأ، صوابه ما أثبتنا، لأن كلام ابن قتيبة منقول فى الأغانى والاستيعاب والإصابة والخزانة، وكلهم نقل عنه أن الجعدى عاش «مائتين وعشرين سنة» فأثبتنا الصواب الذى نقله العلماء عنه وفى الروض الأنف: «عاش مائتين وأربعين سنة أكثرها فى الجاهلية» قال صاحب الأغانى بعد أن نقل كلام ابن قتيبة: «وما ذاك بمنكر، لأنه قال لعمر ﵁ أنه أفنى ثلاثة قرون كل قرن ستون سنة، فهذه مائة وثمانون. ثم عمّر بعده فمكث بعد قتل عمر خلافة عثمان وعلى ومعاوية ويزيد، وقدم على عبد الله بن الزبير بمكة وقد دعا لنفسه، فاستماحه ومدحه، وبين عبد الله بن الزبير وبين عمر نحو مما ذكر ابن قتيبة. بل لا أشك أنه قد بلغ هذه السن» .
[ ١ / ٢٨١ ]
٤٩٨* وكان العلماء يقولون فى شعره: خمار بواف، ومطرف بآلاف يريدون أنّ فى شعره تفاوتا، فبعضه جدّ مبرز، وبعضه ردىّ ساقط [١] .
٤٩٩* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله فى صفه الفرس:
كأنّ مقطّ شراسيفه إلى طرف القنب فالمنقب [٢]
لطمن بترس شديد الصّقا ل من خشب الجوز لم يثقب [٣]
أخذه ابن مقبل فقال [٤]:
كأنّ ما بين جنبيه ومنقبه من جوزه ومناط القنب، ملطوم
بترس أعجم، لم تنخر مناقبه ممّا تخيّر فى آطامها الرّوم
٥٠٠* وقال الجعدىّ:
أرأيت إن بكرت بليل هامتى وخرجت منها باليا أوصالى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوهها أو تضربنّ نحورها بمآلى
وقال الآخر [٥]:
أرأيت إن بكرت بليل هامتى وخرجت منها باليا أثوابى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوهها أو تعصبنّ رؤوسها بسلاب
_________________
(١) انظر ما مضى ٨٢.
(٢) الشراسيف: جمع شرسوف، وهو رأس الضلع مما يلى البطن. ومقطعها: منقطعها، من «القط» وهو القطع. القنب: جراب قضيب الدابة. المنقب: السرة: أو هو قدامها حيث ينقب البطن.
(٣) لطم الشىء بالشىء: ألصقه به. والبيتان فى اللسان ٢: ٢٦٣ و٧: ١٩٥ و٩: ٢٥٥ والأساس ٢: ٢٢٦ والبيت الثانى فى اللسان ١٢: ٧٢ والرواية فيها كلها «بترس شديد الصفاق» بكسر الصاد. قال فى اللسان: «قال الأصمعى فى كتاب الفرس: الصفاق الجلد الأسفل الذى تحت الجلد الذى عليه الشعر، وأنشد للجعدى يقول: ذلك الموضع منه كأنه ترس، وهو شديد الصفاق» .
(٤) البيتان فى الأساس ٢: ٢٢٦.
(٥) س ف «أخذه الآخر فقال» والبيت الأول فى اللسان ١٩: ٢٧٥ ونسبه لضمرة بن ضمرة.
[ ١ / ٢٨٢ ]
٥٠١* ويستحسن له قوله فى نساء سبين:
دعتنا النّساء إذ عرفن وجوهنا دعاء نساء لم يفارقن عن قلى
(حنين الهجان الأدم نادى بوردها سقاة يمدّون المواتح بالدّلا [١]
فقلنا لهم: خلّوا طريق نسائنا فقالوا لنا: كلّا، فقلنا لهم: بلى [٢]
فنحن غضاب من مكان نسائنا ويسفعنا حرّ من النار يصصلى
تفور علينا قدرهم فنديمها ونفثؤها عنّا إذا حميها غلا) [٣]
فلم أر يوما كان أكثر باكيا ووجها ترى فيه الكآبة مجتلى
ومفتصلا عن ثدى أمّ تحبّه عزيز عليها أن تفارق مفتلى [٤]
وأشمط عريانا يشدّ كتافه يلام على جهد القتال وما ائتلى [٥]
٥٠٢* وقال لامرأته حين خرج غازيا:
باتت تذكّرنى بالله قاعدة والدّمع ينهلّ من شأنيهما سبلا [٦]
يا ابنة عمّى كتاب الله أخرجنى كرها، وهل أمنعنّ الله ما فعلا [٧]
فإن رجعت فربّ الناس يرجعنى وإن لحقت بربّى فابتغى بدلا
_________________
(١) الهجان من الإبل: البيض الكرام. المواتح: جمع ماتح، والمتح: جذبك رشاء الدلو تمد بيد وتأخذ بيد على رأس البئر، فأراد بالمواتح هنا الأرشية، وهى الحبال.
(٢) «بلى» رسمت فى ل «بلا» بالألف، ورسمها بالياء أجود.
(٣) نفثؤها: نسكن غليانها بماء أو نحوه. والبيت فى الأساس غير منسوب ٢: ١٢٣، ١٢٣ وفى اللسان ١: ١١٥ للجعدى وذكر أنه فى التهذيب منسوب للكميت.
(٤) المفتصل: المفطوم، وكذلك المفتلى، فلا الصبى وأفلاه وافتلاه: عزله عن الرضاع وفصله. «يفارق» كذا فى ب وفى هـ «تفارق» فأثبتناهما. وأثبت فى ل «يفارقن» وهو خطأ واضح.
(٥) ائتلى: قصر وأبطأ.
(٦) أسبل المطر والدمع: إذا هطلا، والاسم: السبل، بفتحتين.
(٧) اللسان ٢: ١٩٣ وفى د «كهرا» بدل «كرها» والكهر: القهر.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرنى أو ضارعا من ضنى لم يستطع حولا [١]
٥٠٣* وقال يرثى رجلا [٢]:
فتى كملت خيراته غير أنّه جواد فما يبقى من المال باقيا
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
يدرّ العروق بالسّنان ويشترى من المجد ما يبقى وإن كان غاليا
٥٠٤* وقال:
ولو أنّ قومى لم تخنّى جدودهم وأحلامهم أصبحت للفتق آسيا
ولكنّ قومى أصبحوا مثل خيبر بها داؤها ولا تضرّ الأعاديا
٥٠٥* وقال يذكر سنّه [٣]:
ومن يحرص على كبرى فإنّى من الشبّان أزمان الخنان [٤]
مضت مائة لعام ولدت فيه وعشر بعد ذاك وحجّتان [٥]
٥٠٦* وهو القائل:
الحمد لله لا شريك له من لم يقلها فنفسه ظلما
المولج اللّيل فى النّهار وفى اللّ يل نهارا يفرّج الظّلما
الخافض الرّافع السّماء على ال أرض ولم يبن تحتها دعما
_________________
(١) الضارع: النحيف الضاوى الجسم. الضنى: المرض.
(٢) يرثى أخاه «وحوحا» وخبره فى الأغانى ١٤: ١٣٦. وهى من أبيات فى الحماسة ٣:
(٣) ٩٣ والأولان فيها ٣: ١٩ ونقلها فى الخزانة ٢: ١٢- ١٣. والبيت الثالث ذكر فى الخزانة ولم يذكر فى الحماسة.
(٤) البيتان مع ثالث فى الجمحى والأغانى، والثانى فى الأغانى مع آخر قبله.
(٥) الخنان: داء يأخذ الإبل فى مناخرها وتموت منه، كان ذلك أيام المنذر بن ماء السماء، فجعلوه تاريخا لهم. والبيت فى جمهرة اللغة ١: ٧١ واللسان ١٦: ٣٠١.
(٦) نسبه الشنقيطى فى شواهد همع الهوامع ١: ١٨٩ للنمر بن تولب وهو خطأ.
(٧) الدعم، بكسر الدال وفتح العين: جمع دعمة، كسدرة وسدر، وبضمتين: جمع دعام، ككتاب وكتب، وهى الخشب المنصوبة للتعريش.
[ ١ / ٢٨٤ ]
الخالق البارئ المصوّر فى ال أرحام ماء حتّى يصير دما
من نطفة قدّها مقدّرها يخلق منها الأبشار والنّسما
ثمّ عظاما أقامها عصب ثمّت لحما كساه فالتأما
ثمّ كسا الرّيش والعقائق أب شارا وجلدا تخاله أدما [١]
والصّوت واللون والمعايش وال أخلاق شتّى، وفرّق الكلما
ثمّت لا بدّ أن سيجمعكم والله، جهرا، شهادة قسما
فائتمروا الآن ما بدا لكم واعتصموا إن وجدتم عصما
فى هذه الأرض والسّماء، ولا عصمة منه إلّا لمن رحما [٢]
يا أيّها الناس هل ترون إلى فارس بادت وخدّها رغما
أمسوا عبيدا يرعون شاءكم كأنّما كان ملكهم حلما
أو سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما [٣]
فمزّقوا فى البلاد واعترفوا ال هون وذاقوا البأساء والعدما [٤]
وبدّلوا السّدر والأراك به ال خمط وأضحى البنيان منهدما
٥٠٧* وقال أيضا:
لبست أناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا [٥]
ثلاثة أهلين أفنيتهم وكان الإله هو المستآسا
_________________
(١) س ف: ثم كسا الرأس والعواتق وال أبشار جلدا تخاله أدما
(٢) س ف «إلا لمن عصما» .
(٣) البيت فى الكامل ١٠٣٣.
(٤) اعترفوا الهون: عرفوه، عرفه واعترفه بمعنى.
(٥) البيت فى اللسان ٨: ٨٧.
(٦) المستآس: المستعاض، والأوس: العوض والعطية، يقال: «استآسه» أى: طلب إليه العوض. والبيت الذى قبله فى اللسان ٧: ٣١٤. وفى الأغانى أنه أنشد عمر هذا البيت، فقال له عمر: كم لبثت مع كل أهل؟ قال: ستين سنة.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وعشت بعيشين، إنّ المنون تلقّى المعايش فيها خساسا
فحينا أصادف غرّاتها وحينا أصادف منها شماسا [١]
نشأت غلاما أقاسى الحروب ويلقى المقاسون منّى مراسا [٢]
وحمر من الطّعن غلب الرّقا ب كالأسد يفترسون افترسا [٣]
شهدتهم لا أرجّى الحيا ة حتّى تساقوا بسمر كياسا [٤]
وشعث يطابقن بالدّارعين طباق الكلاب يطأن الهراسا [٥]
فلمّا دنونا لجرس النّبوح ولا نبصر الحىّ إلّا التماسا [٦]
أضاءت لنا النار وجها أغ رّ ملتبسا بالفؤاد التباسا
يضىء كضوء سراج السّلي ط لم يجعل الله فيه نحاسا
_________________
(١) غراتها، بكسر الغين: جمع غرة، وهى الغفلة. وضبطت فى ل بضم الغين، وهو خطأ.
(٢) المراس: شدة العلاج.
(٣) غلب الرقاب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة، وقد يوصف بذلك العنق نفسه، فيقال عنق أغلب، وهم يصفون أبدا السادة بغلظ الرقبة وطولها.
(٤) ب د «بسم» بدل «بسمر» . الكياس: جمع كأس، كما فى الخزانة وحاشية د، وأصله «كئاس» بالهمزة، وحكى أبو حنيفة «كياس» بتسهيلها كما فى البيت. وهذا والأبيات قبله فى الخزانة ١: ٥١٢- ٥١٣.
(٥) فى اللسان «وخيل» بدل «وشعث» . يطابقن: المطابقة أن تضع أرجلها مواضع أيديها وتقدم أيديها حتى تبصر مواقعها، يريد أنها لا تريد الهرب، فهى تتثبت فى مشيها كما تمشى الكلاب فى الهراس متقية له. الهراس، بفتح الهاء: شوك كأنه حسك. والبيت فى اللسان ٨: ١٣٤ و١٢: ٨٠.
(٦) الجرس، بكسر الجيم وفتحها: الصوت. النبوح: صوت الكلب، كالنبح والنبيح والنباح.
(٧) السليط: الزيت. النحاس، بكسر النون وضمها: الدخان. والبيت فى اللسان ٨: ١١٢ و٩: ١٩٣ والكامل ٣٢٤ وهو والذى قبله فى الخزانة ٢: ٣٨٧.
[ ١ / ٢٨٦ ]
بآنسة غير أنس القراف وتخلط بالأنس منها شماسا [١]
إذا ما الضّجيع ثنى جيدها تثنّت عليه فكانت لباسا
_________________
(١) الآنسة: الجارية الطيبة الحديث. القراف: المقارفة والمخالطة، ولا تكون المقارفة إلا فى الأشياء الدنية. والبيت فى اللسان ٧: ٣١٢.
(٢) ب س هـ «تداعت وكانت عليه لباسا» . والبيت فى اللسان ٨: ٨٧. وفيه أيضا ٨: ١١٣ بيت آخر يظهر أنه من هذه القصيدة.
[ ١ / ٢٨٧ ]