[١] ٥٢٣* هو حسّان بن ثابت بن المنذر الأنصارىّ، ويكنى أبا الوليد وأبا الحسام. وأمّه الفريعة من الخزرج. وهو جاهلىّ إسلامىّ متقدّم الإسلام، إلّا أنّه لم يشهد مع النبى ﷺ مشهدا، لأنّه كان جبانا. وكانت له ناصية يسدلها بين عينيه [٢]، وكان يضرب بلسانه روثة أنفه، من طوله [٣]، ويقول: ما يسرّنى به مقول أحد من العرب، والله لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه.
وعاش فى الجاهليّة ستّين سنة وفى الإسلام ستّين سنة، ومات فى خلافة معاوية، وعمى فى آخر عمره.
٥٢٤* قال الأصمعىّ: الشعر نكد بابه الشرّ، فإذا دخل فى الخير ضعف، هذا حسّان (بن ثابت) فحل من فحول الجاهليّة، فلمّا جاء الإسلام سقط شعره. وقال مرّة أخرى: شعر حسّان فى الجاهليّة من أجود الشعر، فقطع متنه فى الإسلام، لحال النبىّ ﷺ.
٥٢٥* وكان حسّان يفد على ملوك غسّان بالشام، وكان يمدحهم.
ومن جيّد شعره قوله فيهم:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل [٤]
يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
_________________
(١) الزيادة من ب. وترجمته فى كتب الصحابة والخزانة ١: ١٠٨- ١١١ والأغانى ٤: ٢- ١٧ والجمحى ٥٢- ٥٣ واللآلى ١٧١- ١٧٢.
(٢) الناصية: قصاص الشعر فى مقدم الرأس.
(٣) روثة الأنف: طرفه من مقدمه، وهى الأرنبة.
(٤) مارية: هى بنت الأرقم بن عمرو بن ثعلبة بن جفنة. والبيت فى اللسان ٢٠: ١٤٧.
(٥) البريص: موضع بدمشق، ورجح ياقوت أنه اسمه الغوطة بأجمعها. بردى: أعظم نهر بدمشق. والبيت فى المعرب ٥٩ وهو والذى قبله فى البلدان ٢: ١٥٩.
[ ١ / ٢٩٦ ]
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم لا يسألون عن السّواد المقبل
وابن مارية هو الحارث الأعرج بن أبى شمر الغسّانىّ. وكان أثيرا عندهم، ولذلك يقول:
قد أرانى هناك حق مكين عند ذى النّاج مقعدى ومكانى
٥٢٦* ولمّا سار جبلة بن الأيهم إلى بلاد الروم ورد على ملك الروم رسول معاوية، فسأله جبلة عن حسّان، فقال له: شيخ كبير قد عمى، فدفع إليه ألف دينار، وقال: ادفعها إلى حسّان. قال: فلمّا قدمت المدينة ودخلت مسجد رسول الله ﷺ رأيت فيه حسّان بن ثابت، فقلت له: صديقك جبلة يقرأ عليك السلام، قال: فهات ما معك، فقلت: يا أبا الوليد كيف علمت؟
قال: ما جاءتنى منه رسالة قطّ إلّا ومعها شىء. هذا فى بعض الروايات.
٥٢٧* قال: وحدّثنى ابن أخى الأصمعىّ عن الأصمعىّ عن أهل المدينة قال: بعث الغسّانىّ إلى حسّان بخمس مائة دينار وكسى، وقال للرسول: إن وجدته قد مات فابسط هذه الثياب على قبره واشتر بهذه الدنانير إبلا فانحرها على قبره، فجاء فوجده حيّا فأخبره، فقال: لوددت أنك وجدتنى ميتا!! ٥٢٨* قال بعض أهل المدينة: ما ذكرت بيت حسان إلّا عدت فى الفتوّة، (وهو قوله):
أهوى حديث النّدمان فى فلق الصّ بح وصوت المغرّد الغرد [١]
٥٢٩* وولد لحسّان عبد الرحمن، من أخت مارية أمّ إبرهيم ابن رسول الله ﷺ، وكانت تسمّى سيرين. وكان عبد الرحمن بن حسّان شاعرا. وكان له ابن يقال له سعيد بن عبد الرحمن.
٥٣٠* وكانت لحسّان بنت شاعرة، وأرق حسّان ذات ليلة فعنّ له الشعر
_________________
(١) الندمان: النديم.
[ ١ / ٢٩٧ ]
فقال:
متاريك أذناب الأمور إذا اعترت أخذنا الفروع واجتثثنا أصولها
ثم أجبل فلم يجد شيئا [١]، فقالت له بنته: كأنّك قد أجبلت يا أبه؟! قال: أجل، قالت: فهل لّك أن أجيز عنك؟ قال: وهل عندك ذلك؟
قالت: نعم، قال: فافعلى، فقالت:
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا كرام يعاطون العشيرة سولها
فحمى الشيخ فقال:
وقافية مثل السّنان رزئتها تناولت من جوّ السماء نزولها
فقالت:
يراها الّذى لا ينطق الشعر عنده ويعجز عن أمثالها أن يقولها
فقال حسّان: لا أقول بيت شعر وأنت حيّة، قالت: أو أومّنك؟ قال:
وتفعلين؟ قالت: نعم، لا أقول بيت شعر ما دمت حيّا.
٥٣١* وانقرض ولد حسّان فلم يبق له عقب. وقال حسّان أو ابنه عبد الرحمن: قلت شعرا لم أقل مثله، (وهو):
وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالما من النّاس إلّا ما جنى لسعيد [٢]
٥٣٢* والناس يقولون:
فشرّكما لخيركما الفداء
وهو عجز بيت لحسّان، قال:
أتهجوه ولست له بندّ فشرّكما لخيركما الفداء
_________________
(١) أجبل: انقطع، من قولهم «أجبل الحافر» إذا أفضى إلى الجبل أو الصخر الذى لا يحيك فيه المعول.
(٢) البيت لحسان، وقال ابنه عبد الرحمن بعده بيتا آخر، ثم قال ابن ابنه سعيد بن عبد الرحمن ثالثا. انظر ديوان حسان ١٤١- ١٤٢.
[ ١ / ٢٩٨ ]