٥٦٦* هو قيس بن عمرو بن مالك، من بنى الحارث بن كعب، وكان فاسقا رقيق الإسلام.
٥٦٧* وخرج فى شهر رمضان على فرس له بالكوفة يريد الكناسة [٢]، فمر بأبى سمّال الأسدىّ [٣] فوقف عليه [٤]، فقال: هل لك فى رؤوس حملان فى كرش فى تنّور من أوّل الليل إلى آخره، قد أينعت وتهرّأت؟! فقال له:
(ويحك)، أفى شهر رمضان (تقول هذا)؟! قال: ما شهر رمضان وشوّال إلّا واحدا! قال: فما تسقينى عليها؟ قال: شرابا كالورس، يطيّب النّفس، ويجرى فى العرق، ويكثر الطّرق [٥]، ويشدّ العظام، ويسهّل للفدم الكلام، فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلمّا أخذ فيهما الشراب تفاخرا، فعلت
_________________
(١) ترجمته فى الإصابة ٦: ٢٦٣- ٢٦٤ والاشتقاق ٢٣٩ واللآلى ٨٩٠- ٨٩١ والخزانة ٤: ٣٦٨، وله شعر فى تاريخ الطبرى ٤: ٢٦٤.
(٢) الكناسة، بضم الكاف: محلة بالكوفة.
(٣) له ذكر وشعر فى نسب قريش لمصعب الزبيرى ص ٩.
(٤) اسمه «سمعان بن هبيرة بن مساحق» له ترجمة فى الإصابة ٣: ١٦٩- ١٧٠ والمؤتلف ١٣٧ والمعمرين ٥٠- ٥١. و«سمال» بفتح السين المهملة وتشديد الميم وآخره لام. وفى الخزانة «بأبى سماك العدوى» وهو الموافق لما فى س ف، وهو خطأ، فإن «أبا السمال العدوى» باللام أيضا لا بالكاف، وهو رجل من الأعراب مقرئ تروى عنه حروف من القراءات، كما فى شرح القاموس ٧: ٣٨١ والمشتبه ٢٧٣ وطبقات القراء ٢٦١٤ وهو غير هذا الأسدى الشاعر. وأخطأ الذهبى فى المشتبه إذ جعل أبا السمال الأسدى الشاعر غير أبى السمال صاحب هذه القصة، وهو هو، كما فى سائر الروايات. وفى الأغانى ٧: ٢١ قصة فيها ذكر «أبى بجير بن سماك الأسدى» و«ابن النجاشى» ظن مصحح ل أن لها علاقة بما هنا، وهو وهم، فهما شخصان آخران.
(٥) أصل «الطرق» للإبل، يقال «طرق الفحل الناقة» أى قعا عليها وضربها، فاستعاره للإنسان، قال فى اللسان: «وقد يجوز أن يكون الطرق وضعا فى الإنسان، فلا يكون مستعارا» .
[ ١ / ٣١٧ ]
أصواتهما، فسمع ذلك جار لهما، فأتى علىّ بن أبى طالب ﵁ فأخبره، فبعث فى طلبهما، فأمّا أبو سمّال فشقّ الخصّ ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشىّ، فأتى به علىّ بن أبى طالب فقال له: ويحك، ولداننا صيام وأنت مفطر؟! فضربه ثمانين سوطا وزاده عشرين (سوطا)، فقال له: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ فقال: (هذه) لجرأتك على الله فى شهر رمضان، ثم وقفه للناس ليروه فى تبّان، فهجا أهل الكوفة فقال [١]:
إذا سقى الله قوما صوب غادية فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا
التّاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطّى دجلة البقرا
(والسارقين إذا ما جنّ ليلهم والطالبين إذا ما أصبحوا السّورا)
وقال:
ضربونى ثمّ قالوا قدر قدر الله لهم شرّ القدر
٥٦٨* وكان هجا بنى العجلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطّاب ﵁، فقال: ما قال فيكم؟ فأنشدوه [٢]:
إذا الله عادى أهّل لؤم ورقة فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل
_________________
(١) الأبيات ومعها رابع فى البلدان ٧: ٢٩٩، والبيتان الأولان فى الخزانة ٤: ٣٦٨.
(٢) القصة أشير إليها فى حماسة ابن الشجرى ١٣١- ١٣٢ والعمدة ١: ٣٧- ٣٨ والإصابة ١: ١٩٥ و٦: ٢٦٤ والخزانة ١: ١١٣ وذكرت الأبيات مع بعض اختلاف فى رواياتهم.
(٣) سيأتى البيت ٢٧٦ ل وابن مقبل: هو تميم بن أبى بن مقبل، ستأتى ترجمته ٢٧٦- ٢٧٨ ل وقال الجمحى ٣٤: «تميم بن أبى بن مقبل شاعر خنذيذ، مغلب عليه النجاشى، ولم يكن إليه فى الشعر، وقد قهره فى الهجاء، فقال إذا الله عادى أهل لؤم ودقة . هكذا بالدال، وهى هنا بالراء يريد أن أحسابهم رقيقة ضعيفة، وبالدال: أنها دقيقة خسيسة، كأنه ينظر إلى قول عمرو بن الأهتم فى المفضلية ٢٣: ٢٣ وبعض الوالدين دقيق.
[ ١ / ٣١٨ ]
فقال عمر: إنّما دعا، فإنّ كان مظلوما استجيب له، وإنّ كان ظالما لم يستجب له، قالوا: وقد قال أيضا:
قبيّلة لا يغدرون بذمّة ولا يظلمون الناس حبّة خردل
فقال عمر: ليت آل الخطّاب هكذا! قالوا: وقد قال أيضا:
ولا يردون الماء إلّا عشيّة إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل [١]
فقال عمر: ذلك أقلّ للّكاك [٢] ! قالوا: وقد قال أيضا:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من كعب وعوف ونهشل
فقال عمر: أجنّ القوم موتاهم فلم يضيّعوهم! قالوا: وقد قال:
وما سمّى العجلان إلا لقيلهم خذ القعب واحلب أيّها العبد واعجل [٣]
فقال عمر: خير القوم خادمهم (وكلّنا عبيد الله) !! ثم بعث إلى حسّان والحطيئة، وكان محبوسا عنده، فسألهما، فقال حسّان مثل قوله فى شعر الحطيئة، فهدّد (عمر) النجاشىّ وقال له: إن عدت قطعت لسانك.
٥٦٩* وهو القائل فى معاوية:
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة أجشّ هزيم والرّماح دوانى
_________________
(١) البيت فى اللآلى ٧٨٩ غير منسوب.
(٢) اللكاك، بكسر اللام: الزحام. وفى العمدة «للسكاك» بالسين، وهو تحريف.
(٣) القعب: القدح الضخم الغليظ الجافى.
(٤) العلالة: بقية الفرس، يريد أن يحفظ من قوته فى العدو، جريا بعد جرى مثل علل الماء. الأجش: الغليظ الصوت فى صهيلة، وهو مما يحمد فى الخيل. الهزيم من الخيل: الشديد الصوت. والبيت فى اللسان ٨: ١٦١ و١٦: ٩٢ والجمهرة ١: ٥٢ وهو فى الأغانى ١٢: ٧٣ مع بيت آخر له مضى ٨٠ وهو فى الاشتقاق ١٧٩ غير منسوب.
[ ١ / ٣١٩ ]
فلمّا بلغ الشعر معاوية رفع ثندؤتيه [١] وقال: لقد علم الناس أن الخيل لا تجرى بمثلى، فكيف قال هذا؟! ومن جيّد شعره قول لمعاوية [٢]:
يا أيّها الملك المبدى عداوته روّىء لنفسك أىّ الأمر تأتمر
وما شعرت بما أضمرت من حنق حتّى أتتنى به الأخبار والنّذر [٣]
فإن نفست على الأقوام مجدهم فابسط يديك فإنّ الخير يبتدر
واعلم بأنّ علىّ الخير من نفر شمّ العرانين لا يعلوهم بشر
نعم الفتى أنت، إلّا أنّ بينكما كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر [٤]
وما إخالك إلا لست منتهيا حتّى يمسّك من أظفاره ظفر
إنى امرؤ قلّ ما أثنى على أحد حتى أرى بعض ما يأتى وما يذر [٥]
لا تمدحنّ امرأ حتّى تجرّبه ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر
٥٧١* وهجا قريشا- لعنه الله- فقال [٦]:
إنّ قريشا والإمامة كالّذى وفى طرفاه بعد أن كان أجدعا
وحقّ لمن كانت سخينة قومه إذا ذكر الأقوام أن يتقنّعا
_________________
(١) الثندؤة: فى اللسان: «قال ابن السكيت: هى اللحم الذى حول الثدى، إذا ضممت أولها همزت، فتكون فعللة، فإذا فتحته لم تهمز، فتكون فعلوة، مثل ترقوة وعرقوة» . وفيه أيضا عن أبى عبيدة أن رؤبة كان يهمزها وأن العرب لا تهمزها.
(٢) من قصيدة فى كتاب وقعة صفين ٤٢٤. والأبيات فى الخزانة ٤: ٣٦٨.
(٣) شعر: بابه «نصر» و«كرم»، وضبط فى ل بكسر العين، وهو خطأ.
(٤) فى الخزانة «نعم الفتى هو» وما هنا أجود فى المعنى والسياق.
(٥) قلما: رسمت هنا «قل ما» وفى همع الهوامع ٢: ٢٣٧: «جرى ابن درستويه والزنجانى على عدم وصل قلما، والأصح الوصل» وانظر المطالع النصرية ٥٢.
(٦) البيتان فى اللآلى ٨٦٤.
(٧) سخينة: لقب كانت تلقب به قريش لأكلهم السخينة، وهى حساء من دقيق. وفى الروض الأنف ٢: ٢٠٥: «كان هذا الاسم مما سميت به قريش قديما، ذكروا أن
[ ١ / ٣٢٠ ]
وقال:
سخينة حىّ يعرف الناس لؤمها قديما، ولم تعرف بمجد ولا كرم
فيا ضيعة الدّنيا وضيعة أهلها إذا ولى الملك التّنابلة القزم [١]
وعهدى بهم فى الناس ناس، ومالهم من الحظّ إلّا رعية الشّاء والنّعم
٥٧٢* (وكان للنجاشى أخ يقال له حديج، وله يقول ابن مقبل:
أبلغ حديجا بأنى قد كرهت له بعد المقالة يهديها فتأتينا)
_________________
(١) قصيّا كان إذا ذبحت ذبيحة أو نحرت بمكة أتى بعجزها فصنع منه خزيرة، وهو لحم يطبخ ببر، فيطعمه الناس، فسميت قريش بها سخينة» . وانظر الخزانة ٣: ١٤٢- ١٤٣.
(٢) التنابلة: جمع «تنبل» و«تنبال» و«تنبالة» بكسر التاء فى الثلاثة، وهو الرجل القصير. وهذا الجمع لم يذكر فى المعاجم، والذى فى اللسان أن جمعها «تنابيل» . القزم، بفتح القاف والزاى: اللئام الأدنياء صغار الجثة الذين لا غناء عندهم، الواحد والجمع والمذكر والمؤنث فى ذلك سواء، لأنه فى الأصل مصدر. وأثبت فى ل «الفذم» بضم القاف وفتح الذال المعجمة، وهو تحريف، فلا يوجد هذا الضبط، والموجود «القذم» بضم القاف والذال، ولكنه بمعنى الأسخياء، فلا يناسب الهجو. ويحتمل أيضا أن تكون صحتها «الفدم» بضم الفاء والدال، جمع «فدم» بفتح فسكون، وهو من الناس العيى عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم، أو هو الغليظ السمين الأحمق الجافى.
[ ١ / ٣٢١ ]