[١] ٢٣٣* هو زياد بن معاوية، ويكنّى أبا أمامة، ويقال أبا ثمامة. وأهل الحجاز يفضّلون النابغة وزهيرا.
٢٣٤* وقال شعيب بن صخر: سمعت عيسى بن عمر ينشد عامر بن عبد الملك المسمعىّ شعر النابغة، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا والله الشعر، لا قول الأعشى:
لسنا نقاتل بالعص ىّ ولا نرامى بالحجاره [٢]
٢٣٥* ويقال [٣]: كان النابغة أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتا، كان شعره كلاما ليس فيه تكلّف [٤]، ونبغ بالشعر بعد ما احتنك، وهلك قبل أن يهتر.
٢٣٦* قال: وكان يقوى فى شعره، فعيب ذلك عليه وأسمعوه فى غناء [٥]:
أمن آل ميّة رائح أو مغتد عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا وبذاك خبّرنا الغداف الأسود
ففطن فلم يعد.
٢٣٧* قال الشعبىّ [٦]: دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه،
_________________
(١) هذه الترجمة من س ب.
(٢) القصة نقلها ابن قتيبة عن الجمحى، ولكنها فيه ١٦ محرفة.
(٣) وهذه أيضا عن الجمحى ١٧ «وقال من احتج للنابغة: كان» .. إلخ.
(٤) فى الجمحى زيادة: «والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر، والشاعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافى، والمتكلم المطلق يتخير الكلام» .
(٥) الديوان ٢٧ والأغانى ٩: ١٥- ١٥٧ وانظر ما مضى (٤٢) وحاشية ٢٥٩ ل وما سيأتى (٧٨، ٨١ ل) . الغداف: الغراب.
(٦) القصة رواها الأغانى مختصرة ومطولة ٩: ١٦١- ١٦٥. ونقلها صاحب الخزانة ١: ٢٨٨ عن ابن قتيبة.
[ ١ / ١٥٦ ]
فالتفت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس؟ فقال: أنا، فأظلم ما بينى وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتى! فقال:
هذا الأخطل، فقلت: أشعر منه الذى يقول:
هذا غلام حسن وجهه مستقبل الخير سريع التّمام [١]
للحارث الأكبر والحارث ال أصغر والأعرج خير الأنام
ثم لهند ولهند وقد ينجع فى الرّوضات ماء الغمام
ستّة آبائهم ما هم هم خير من يشرب صفو المدام
فقال الأخطل: صدق يا أمير المؤمنين، النابغة أشعر منّى. فقال لى عبد الملك: ما تقول فى النابغة؟ قلت: قد فضّله عمر بن الخطّاب على الشعراء غير مرّة، خرج وببابه وفد غطفان فقال: أىّ شعرائكم الذى يقول:
أتيتك عاريا خلقا ثيابى على خوف تظنّ بى الظّنون [٢]
فألفيت الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: النابغة، قال: فأىّ شعرائكم الذى يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
قالوا: النابغة، قال: فأىّ شعرائكم الذى يقول [٣]:
فإنّك كالّليل الّذى هو مدركى وإنّ خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ويروى «وازع»، قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.
٢٣٨* قال حسّان [٤] وفدت على النعمان بن المنذر فمدحته، فأجازنى
_________________
(١) البيت فى الخزانة أيضا ١: ٣٧١.
(٢) سيأتى البيت (٩٤ ل) وقبله آخر. وفسر المؤلف هناك «العارى» بأنه من يأتى طالبا. والبيت فى اللسان ١٩: ٢٧٢.
(٣) سيأتى البيت (٨٠ و١٩٨ ل) .
(٤) ستأتى القصة مفصلة (٧٥ ل) وهى فى الأغانى ٩: ١٦٩.
[ ١ / ١٥٧ ]
وأكرمنى، فإنّى لجالس عنده ذات يوم إذا صوت من خلف قبّته يقول:
أنام أم يسمع ربّ القبّة يا أوهب الناس لعنس صلبه
ضرّابة بالمشفر الأذبّه ذات نجاء فى يديها جذبه [١]
قال: أبو ثمامة! فدخل، فأنشده قصيدته التى على الباء والتى على العين، وكان يوم ترد فيه النّعم السّود، ولم يكن بأرض العرب بعير أسود إلّا له، فأمر له منها بمائة بعير معها رعاؤها ومظالّها وكلابها، فلم أدر على ما أحسده؟ على جودة شعره، أم على جزيل عطيّته؟! ٢٣٩* قال أبو عبيدة عن الوليد بن روح قال: مكث النابغة زمانا لا يقول الشعر، فأمر يوما بغسل ثيابه وعصّب حاجبيه على عينيه، فلمّا نظر إلى الناس قال:
المرء يأمل أن يعي ش، وطول عيش مّا يضرّه
تفنى بشاشته، ويب قى بعد حلو العيش مرّه
وتخونه الأيّام ح تّى لا يرى شيئا يسرّه
كم شامت بى إن هلك ت، وقائل: لله درّه
٢٤٠* وممّا يتمثل به من شعره:
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى ولا قرار على زأر من الأسد
تمثّل به الحجّاج بن يوسف حين سخط عليه عبد الملك بن مروان [٢] .
٢٤١* وقوله:
فلو كفّى اليمين بغتك خونا لأفردت اليمين من الشّمال
_________________
(١) الأذبة: جمع قلة لذباب، كغراب وأغربة. والبيت فى اللسان ١: ٤٦٨. النجاء: السرعة فى السير.
(٢) الخزانة ١: ٢٨٨.
[ ١ / ١٥٨ ]
أخذه المثقّب العبدىّ فقال [١]:
ولو أنى تخالفنى شمالى بنصر لم تصاحبها يمينى
٢٤٢* وقوله:
فحمّلتنى ذنب امرىء وتركته كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع [٢]
أخذه الكميت فقال:
ولا أكوى الصّحاح براتعات بهنّ العرّ قبلى ما كوينا [٣]
٢٤٣* وقوله:
واستبق ودّك للصّديق ولا تكن قتبا يعضّ بغارب ملحاحا [٤]
أخذه ابن ميّادة فقال:
ما إن ألحّ على الإخوان أسألهم كما يلحّ بعضّ الغارب القتب
٢٤٤* ويقال إن النابغة هجا النعمان بقوله [٥]:
قبح الله ثمّ ثنّى بلعن وارث الصائغ الجبان الجهولا
_________________
(١) المثقب: بكسر القاف المشددة، كما رجحنا فى المفضلية ٢٨. وضبطت فى ل كما تضبط فى كثير من الكتب، وهو خطأ. والبيت من المفضلية ٧٦: ٣ بخلاف فى الرواية، وانظر الأنبارى ٥٧٥. وسيأتى برواية أخرى أيضا (٢٣٤ ل) . وقد أخطأ ابن قتيبة، فالمثقب أقدم من النابغة.
(٢) العر، بضم العين: قروح مثل القوباء تخرج بالإبل متفرقة فى مشافرها وقوائمها يسيل منها مثل الماء الأصفر، فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض. والعر، بالفتح: الجرب، قال ابن دريد: من رواه بالفتح فقد غلط؛ لأن الجرب لا يكوى منه. عن اللسان ٦: ٢٣. وهذه القطعة والتى قبلها فى الخزانة أيضا ١: ٢٨٨.
(٣) انظر الخزانة ١: ٤٣٣- ٤٣٤. ب د ق «فاستبق» .
(٤) القتب: إكاف البعير. الغارب: الكاهل من ذى الخف، ما بين السنام والعنق.
(٥) سيأتى البيت مع بيتين آخرين (٧٦ ل) .
(٦) قبح، بفتحتين وتخفيف الباء، يقال «قبح الله فلانا قبحا وقبوحا» أى أقصاه وباعده من كل خير، كقوله تعالى وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ أى من المبعدين الملعونين. انظر اللسان وغيره. وضبط الحرف فيما سيأتى وفى الأغانى ١١: ١٣ من طبعة دار الكتب «قبح» بالتشديد، وهو خطأ.
[ ١ / ١٥٩ ]
والصائغ هو عطيّة، أبو سلمى، أمّ النعمان.
٢٤٥* وكانت العرب تضرب أمثالا على ألسنة الهوامّ [١] .
قال المفضّل الضبّىّ: يقال امتنعت بلدة على أهلها بسبب حيّة غلبت عليها، فخرج أخوان يريدانها، فوثبت على أحدهما فقتلته، فتمكّن لها أخوه فى السلاح، فقالت: هل لك أن تؤمننى فأعطيك كلّ يوم دينارا؟ فأجابها إلى ذلك حتّى أثرى، ثم ذكر أخاه، فقال: كيف يهنئنى العيش بعد أخى؟! فأخذ فأسا وصار إلى جحرها، فتمكّن لها، فلمّا خرجت ضربها على رأسها، فأثّر فيه ولم يمعن، ثم طلب الدينار حين فاته قتلها! فقالت: إنّه ما دام هذا القبر بفنائى وهذه الضربة برأسى فلست آمنك على نفسى! فقال النابغة فى ذلك [٢]:
تذكّر أنّى يجعل الله فرصة فيصبح ذا مال ويقتل واتره
فلمّا وقاها الله ضربة فأسه وللبرّ عين لا تغمّض ناظره
فقالت: معاذ الله أعطيك إننى رأيتك غدّارا يمينك فاجره
أبى لى قبر لا يزال مقابلى وضربة فأس فوق رأسى فاقره
٢٤٦* ومما أخذ منه قوله [٣]:
لو أنّها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متعبد [٤]
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ولخاله رشدا وإن لم يرشد
_________________
(١) القصة والأبيات مفصلة فى شرح الوزير أبى بكر لديوان النابغة ٤٧- ٤٩.
(٢) القصة مختصرة من «أمثال العرب» للمفضل الضبى، وهى مفصلة هناك مع باقى القصيدة ٨٤- ٨٥.
(٣) الديوان ٣١- ٣٢.
(٤) الصرورة: الذى لم يأت النساء، وقال ابن الأعرابى: الذى لم يبرح من مكانه، يريد من صومعته. والبيت فى اللسان ٦: ١٢٣.
[ ١ / ١٦٠ ]
أخذه ربيعة بن مقروم الضبّىّ فقال [١]:
لو أنّها عرضت لأشمط راهب فى رأس مشرفة الذّرى يتبتّل [٢]
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ولهمّ من ناموسه يتنزّل [٣]
٢٤٧* ومما يتمثّل به أيضا من شعره:
ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظّلوم ولا تقعد على ضمد
وهو الذلّ والهوان. قال أوس بن حارثة: «المنيّة، ولا الدنيّة، والنار، ولا العار» .
٢٤٨* وقال النابغة فى العفّة، وهو أحسن ما قيل فيه:
رقاق النعال طيّب حجزاتهم يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب [٤]
أخذه عدىّ بن زيد فقال:
أجل أنّ الله قد فضّلكم فوق من أحكى بصلب وإزار [٥]
فالصّلب: الحسب، والإزار: العفاف.
٢٤٩* وفى أمثالهم «أصدق من قطاة» [٦] قال النابغة:
_________________
(١) البيتان من قصيدة «من فاخر الشعر وجيده وحسنه» كما فى الأغانى ١٩: ٩٢- ٩٣ وقد روى معظمها. وقافيتها لام مكسورة، ووقعت هنا فى ن ف س مضمومة اللام، وهو خطأ فى النقل أو الرواية، ووقع هذه الخطأ فى اللسان ٥: ١٦٢.
(٢) ب د هـ «عبد الإله صروة متبتل» .
(٣) فى الأغانى «لصبا» بدل «لرنا» . وفى اللسان «لدنا» بالدال، وهو غير جيد. فى الأغانى «من ناموسه بتنزل» . والناموس: بيت الراهب. ورواية اللسان والمعرب للجواليقى ٨٥ «من تاموره» والتامور والتامورة: صومعة الراهب.
(٤) الديوان ٩ واللسان ١: ٤٤٣ و٧: ١٩٧ والخزانة ٤: ١٤٧. الحجزات: جمع حجزة، وهى حيث يثنى طرف الإزار فى لوث الإزار، كنى به عن الفروج، يريد أنهم أعفاء الفروج. يوم السباسب: عيد للنصارى يسمونه يوم السعانين.
(٥) أجل: من أجل، ربما حذفت العرب «من» . والبيت فى اللسان ١: ٥١ و٢: ١٨ و٥: ٧٥ و١٣: ١٢ و١٨: ٢٠٨.
(٦) مجمع الأمثال ١: ٣٦١.
[ ١ / ١٦١ ]
تدعو القطا وبها تدعى إذا نسبت يا حسنها حين تدعوها فتنتسب
وذلك لأنّها تلفظ باسمها، أخذه أبو نواس فقال:
أصدق من قول قطاة قطا
٢٥٠* هو [١] زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. وسمى النابغة بقوله:
فقد نبغت لنا منهم شؤون [٢]
وكان شريفا فغضّ منه الشعر. وكان مع النعمان بن المنذر ومع أبيه وجدّه، وكانوا له مكرمين.
٢٥١* قال ابن الكبىّ [٣]: قال حسّان بن ثابت: رحلت إلى النعمان، فلقيت رجلا فقال: أين تريد؟ فقلت: هذا الملك، قال: فإنّك إذا جئته متروك شهرا، ثم يسأل عنك رأس الشهر، ثم أنت متروك شهرا آخر، ثم عسى أن يأذن لك، فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه، وإن رأيت أبا أمامة النابغة فاظعن، فإنّه لا شىء لك. قال: فقدمت عليه، ففعل بى ما قال، ثم خلوت به وأصبت منه مالا كثيرا ونادمته، فبينا أنا معه فى قبّة إذ جاء رجل يرجز حول القبّة:
أنمت أم تسمع ربّ القبّة يا أوهب الناس لعنس صلبه
_________________
(١) هذا نص الترجمة فى ب هـ د.
(٢) المصراع فى الأغانى ٩: ١٥٥ والبيت فى اللسان ١٠: ٣٣٦ ولكنه أخطأ خطأ عجيبا، إذ حكى قولا أنه «سماه به زياد بن معاوية» لهذا البيت! كأنه ظن أن زياد بن معاوية غير النابغة، وهو هو.
(٣) مضت القصة مختصرة (١١٠) وانظر الأغانى ٩: ١٦٩.
[ ١ / ١٦٢ ]
ضرّابة بالمشفر الأذبّه ذات هباب فى يديها جلبه [١]
فقال النعمان: أبو أمامة! فأذنوا له، فدخل فحيّاه وشرب معه، ووردت النّعم السّود، ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعلم مكانه، ولا يفتحل أحد فحلا أسود، فاستأذنه أن ينشده، فأنشده كلمته التى يقول فيها:
فإنّك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
فدفع إليه مائة ناقة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحدا حسدى النابغة، لما رأيت من جزيل عطيته، وسمعت من فضل شعره.
٢٥٢* ثم إنّ النعمان بلّغ عنه شيئا، فنذر دمه، فسار النابغة إلى ملوك غسّان. وقد اختلفوا فى السبب الذى بلغه عنه، فقال قوم: ذكروا أنّه هجاه فقال:
ملك يلاعب أمّه وقطينه رخو المفاصل أيره كالمرود [٢]
٢٥٣* وهجاه أيضا فقال قصيدة فيها:
قبح الله ثم ثنّى بلعن وارث الصائغ الجبان الجهولا [٣]
من يضرّ الأدنى ويعجز عن ض رّ الأقاصى ومن يخون الخليلا [٤]
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا
_________________
(١) الهباب، بكسر الهاء: النشاط. الجلية: بالجيم: الجلدة التى تغشى التميمة. وفى ب د «خلبة» بضم الخاء، وبحاشية د «يعنى حبل الليف» .
(٢) البيت والأبيات الآتية فى الأغانى ٩: ١٥٨. وهو فى الأغانى أيضا ٢١: ١٣١ فى قصيدة للمتلمس يهجو بها عمرو بن هند.
(٣) مضى البيت ١١٢ وضبط «قبح» هنا فى ل بتشديد الباء، وهو خطأ كما بينا هناك. الصائغ: أثبت هنا وفيما يأتى بعد الأبيات فى ل «الصانع» وهو مخالف لما مضى ولما فى الأغانى.
(٤) عجز: من بابى «ضرب وسمع» وضبط المضارع هنا فى ل بضم الجيم، وليس له سند.
[ ١ / ١٦٣ ]
ووارث الصائغ هو النعمان بن المنذر، وكان الصائغ جدّ النعمان بن المنذر، وأمّه سلمى بنته، واسمه عطيّة، ومنزله فدك.
ويقال إن هذا الشعر والذى قبله لم يقله النابغة، وإنما قاله على لسانه قوم حسدوه، منهم عبد قيس بن خفاف التميمىّ [١]، ومنهم مرّة بن ربيعة بن قرثع السعدىّ [٢] .
٢٥٤* ويقال: كان السبب فى مفارقته إيّاه ومصيره إلى غسّان أن النعمان قال له وعنده المتجردة امرأته: صفها لى فى شعرك يا أبا أمامة! فقال قصيدته التى أوّلها:
أمن آل ميّة رائح أو مغتد
وقد ذكر فيها بطنها وعكنها [٣] ومتنها وروادفها وفرجها فقال [٤]:
وإذا لمست لمست أخثم جاثما متحيّزا بمكانه ملء اليد [٥]
وإذا طعنت طعنت فى مستهدف رابى المجسّة بالعبير مقرمد [٦]
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف نزع الحزوّر بالرّشاء المحصد
_________________
(١) هو برجمى، والبراجم من بنى تميم، انظر الإنباه لابن عبد البر ٧٧. وعبد قيس هذا شاعر مجيد، لم نجد له ترجمة. وله المفضليتان ١١٦، ١١٧ وهما الأصمعيتان ٨٧، ٨٨ وهما من الأدب الرفيع السامى.
(٢) اختلفت الروايات فى هذا الاسم، ولم نجد له ترجمة. ففى النسخ «قرثع» وفى هـ «قريع» بالتصغير، وفى الأغانى «مرة بن سعد بن قريع» و«مرة بن سعد القريعى» وفى الخزانة ١: ٣٧١ «مرة بن ربيعة بن قريع» .
(٣) العكن: الأطواء فى البطن من السمن.
(٤) الديوان ٣٢.
(٥) الأخثم، بالخاء والثاء: الجهاز المرتفع الغليظ: والبيت فى اللسان ١٤: ٣٥٠ و١٥: ٥٥.
(٦) مستهدف: عريض منتصب. مقرمد: مطلى. والبيت فى اللسان ١١: ٢٦١ وعجزه فيه ٤: ٣٥١.
(٧) مستحصف: ضيق. الحزور: الغلام الذى قد شب وقوى. الرشاء: الحبل. المحصد: المحكم المفتول. وعجز البيت فى اللسان ٥: ٢٦٠.
[ ١ / ١٦٤ ]
وكان للنعمان نديم يقال له المنخّل اليشكرىّ [١]، يتّهم بالمتجرّدة، ويظنّ بولد النعمان منها أنّهم منه، وكان المنخّل جميلا، وكان النعمان قصيرا دميما أبرش، فلما سمع المنخّل هذا الشعر قال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلّا من قد جرّب! فوقر ذلك فى نفسه، وبلغ النابغة ذلك، فخافه فهرب إلى غسّان، فصار فيهم. وانقطع إلى عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبى شمر الغسّانى، وإلى أخيه النعمان بن الحارث، فأقام النابغة فيهم فامتدحهم، فغمّ ذلك النعمان، وبلغه أن الذى قذف به عنده باطل، فبعث إليه: إنّك صرت إلى قوم قتلوا جدى فأقمت فيهم تمدحهم، ولو كنت صرت إلى قومك لقد كان لك فيهم ممتنع وحصن، إن كنّا أردنا بك ما ظننت، وسأله أن يعود إليه. فقال شعره الذى يعتذر فيه، وقدم عليه زبّان بن سيّار ومنظور بن سيّار الفزاريّين، وكان بينهما وبين النعمان دخلل [٢]، فضرب لهما قبّة، ولا يشعر أن النابغة معهما، ودسّ النابغة أبياتا من قصيدته:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند
وهى [٣]:
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى ولا قرار على زأر من الأسد [٤]
مهّلا فداء لّك الأقوام كلّهم وما أثمّر من مال ومن ولد
_________________
(١) سيأتى خبره (٢٣٨- ٢٣٩ ل) وفيه إشارة إلى هذه القصة. وله الأصمعية ١٤.
(٢) أصل «الدخلل» بضم الدال وسكون الخاء مع ضم اللام وفتحها: المداخل المباطن وصاحب السر، وأراد به هنا المودة الصافية.
(٣) الديوان ٢٤، ٢٥، ٢٦.
(٤) «قابوس» لا ينصرف للعجمة والتعريف، وضبط فى ل مصروفا، وهو لحن ويختل به الوزن. والبيت فى اللسان ٨: ٤٩.
(٥) قال الوزير أبو بكر بن عاصم: «فداء: يروى بالرفع والكسر والنصب» .
[ ١ / ١٦٥ ]
فلا لعمر الّذى مسّحت كعبته وما أريق على الأنصاب من جسد [١]
ما إن بدأت بشىء أنت تكرهه إذن فلا رفعت سوطى إلىّ يدى
فلمّا سمع النعمان الشعر أقسم بالله إنّه لشعر النابغة، وسأل عنه، فأخبر أنّه مع الفزاريّين، وكلّماه فيه فأمّنه.
٢٥٥* قال الأصمعىّ: كان النابغة يضرب له قبّة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها.
٢٥٦* وقال أبو عبيدة: يقول من فضّل النابغة على جميع الشعراء: هو أوضحهم كلاما، وأقلّهم سقطا وحشوا، وأجودهم مقاطع، وأحسنهم مطالع، ولشعره ديباجة، إن شئت قلت: ليس بشعر مولّف، من تأنّثه ولينه، وإشئت قلت: صخرة لو رديت بها الجبال لأزالتها [٢] . قال: وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كان الأخطل يشبّه بالنابغة.
قال: وكان يقوى فى شعره، فدخل يثرب فغنّى بشعره، ففطن فلم يعد للإقواء [٣] .
٢٥٧* وممّا سبق إليه النابغة فأخذ منه قوله فى المرأة: لو أنّها عرضت البيتين. أخذه بعض شعراء ضبّة، وأحسبه ربيعة بن مقروم فقال:
لو أنها البيتين [٤] . وقال النابغة: فاستبق ودّك البيت. أخذه ابن ميّادة فقال ما إنّ ألحّ البيت [٥] .
_________________
(١) الجسد: الدم.
(٢) يقال «رداه بالحجارة يرديه رديا» إذا رماه بها.
(٣) انظر ما مضى ٤٢، ١٠٨ وما سيأتى (٨١ ل) .
(٤) مضى هذا ١٦٠.
(٥) وهذا أيضا ١٥٩.
[ ١ / ١٦٦ ]
٢٥٨* وممّا أخذه العلماء عليه قوله فى صفة الثّور [١]:
تحيد عن أستن سود أسافله مشى الإماء الغوادى تحمل الحزما [٢]
قال الأصمعىّ: وإنّما توصف الإماء فى مثل هذا الموضع بالرّواح. لا بالغدوّ، لأنّهنّ يجئن بالحطب إذا رحن، ومثله قول الأخنس التغلبىّ [٣]:
يظلّ بها ربد النعام كأنّها إماء تزجّى بالعشىّ حواطب [٤]
وقال بعض من طلب له التخرّج: إنّما أراد أن الإماء تغدو لحمل الحزم رواحا.
٢٥٩* وأخذوا عليه قوله [٥]:
تخبّ إلى النّعمان حتّى تناله فدى لك من ربّ طريفى وتالدى
وكنت امرءا لا أمدح الدّهر سوقة فلست على خير أتاك بحاسد
فامتنّ عليه بمدحه، وجعله خيرا سيق إليه لا يحسده عليه [٦] .
٢٦٠* وأخذوا عليه قوله [٧]:
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه عصائب طير تهتدى بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
جعل الطير تعلم الغالب من المغلوب قبل التقاء الجمعين، والطير قد تتبع
_________________
(١) الديوان ٨ ونقل الوزير شارحه كلام الأصمعى مختصرا.
(٢) الأستن، بوزن أحمر: شجر يفشو فى منابته ويكثر، وإذا نظر الناظر إليه من بعد شبهه بشخوص الناس. والبيت فى اللسان ١٧: ٦٤.
(٣) شاعر جاهلى قديم، قبل الإسلام بدهر. ترجمنا له فى المفضلية ٤١ والبيت هو الثالث منها.
(٤) تزجى: تساق. وفى ل «تزجى» بفتح التاء بالبناء للفاعل، أى: تتزجى، وهو غير جيد. وانظر الموشح ٤٣- ٤٤.
(٥) الديوان ٣٤.
(٦) انظر الموشح ٤٤.
(٧) الديوان ٤.
[ ١ / ١٦٧ ]
العساكر للقتلى، ولكنّها لا تعلم أيّها يغلب [١] .
٢٦١* وأخذوا عليه قوله فى وصف السيوف [٢]:
يطير فضاضا حولها كلّ قونس ويتبعها منهم فراش الحواجب [٣]
تقدّ السّلوقىّ المضاعف نسجه ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب [٤]
وذكر أنها تقدّ الدروع التى ضوعف نسجها والفارس والفرس، حتى تبلغ الأرض فتنقدح النار بها من الحجارة.
٢٦٢* وقال صالح بن حسّان لجلسائه: أعلمتم أنّ النابغة كان مخنّثا؟! قالوا: وكيف علمت ذلك؟ قال: بقوله [٥]:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتّقتنا باليد
لا والله ما عرف تلك الإشارة إلّا مخنّث [٦] !! ٢٦٣* قالوا: وقد سبق فى صفة الثور إلى معنى لم يحسن فيه، وأحسن
_________________
(١) اعتراض غير جيد، وقد فسر الوزير أبو بكر البيت على وجهه، قال: «يريد أنها اعتادت بمصاحبتهم أن تقع على قتلى من يعاديهم، فهذا هو يقينها، لا أنها تعلم الغيب. وبين هذا فى البيت بعده لهن عليهم عادة قد عرفنها » . وهذا المعنى أول من قاله الأفوه الأودى وتبعه الشعراء، كما فى المعاهد ٥٤٠- ٥٤٢. وبيت الأفوه: وترى الطير على آثارنا رأى عين ثقة أن ستمار
(٢) الديوان ٥، ٧.
(٣) الفضاض: ما انفض وتكسر. القونس: أعلى البيضة من الحديد. الفراش: العظم الرقيق فى الرأس أو غيره. والبيت فى اللسان ٩: ٧١ وعجزه فيه ٨: ٢١٩.
(٤) السلوقى: الدرع، منسوب إلى «سلوق» قرية باليمن تنسب إليها الدروع والكلاب. الصفاح: حجارة عراض. نار الحباحب: ما اقتدح من شرر النار فى الهواء من تصادم الحجارة. والبيت فى اللسان ١: ٢٨٨ و١٢: ٢٩ والبلدان ٥: ١١٥. وعجزه فى اللسان ١: ٣٤٥.
(٥) الديوان ٣٠.
(٦) الموشح ٤٢- ٤٣.
[ ١ / ١٦٨ ]
فيه غيره، قال يذكره [١]:
من وحش وجرة موشىّ أكارعه طاوى المصير كسيف الصّيقل الفرد [٢]
أراد بالفرد: أنّه مسلول من غمده.
وأخذه الطّرمّاح فأحسن، قال يذكر الثور:
يبدو وتضمره البلاد كأنّه سيف على شرف يسلّ ويغمد
وكان الأصمعىّ يستحسن قول الطرمّاح.
٢٦٤* قالوا: وأفرط فى وصف العنق بالطّول، فقال يذكر امرأة:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ومن يتعلّق حيث علّق يفرق
والرّعاث: القرط. وقال غيره فأحسن:
على أنّ حجليها وإن قلت أوسعا صموتان من ملء وقلّة منطق [٣]
٢٦٥* ومما سبق إليه ولم ينازعه قوله [٤]:
فإنّك كالّليل الذى هو مدركى وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ثم قال:
خطاطيف حجن فى حبال متينة تمدّ بها أيد إليك نوازع
قال أبو محمّد: رأيت قوما يستجيدونه. وهو عندى غير جيّد فى المعنى ولا التشبيه.
_________________
(١) الديوان ١٨ ونقل شارحه بعض قول المؤلف.
(٢) وجرة: موضع بين مكة والبصرة كثير الوحش. موشى أكارعه: هو أبيض وفى قوائمه نقط سود. المصير: المعى. جمعه مصران، وجمع الجمع مصارين. الفرد، بفتحتين وبضمتين وبفتح فضم أو فكسر: المنفرد. وفسر المؤلف الفرد، بفتح فكسر، بأنه المسلول من غمده، ولم أجده فى المعاجم.
(٣) الحجل، بكسر الحاء وفتحها: الخلخال.
(٤) الديوان ٥٥ والبيتان مضيا، الأول ١٥٧ والثانى ٦٩.
[ ١ / ١٦٩ ]
٢٦٦* وكان الأصمعىّ يكثر التعجّب من قوله [١]:
وعيّرتنى بنو ذبيان خشيته وهل علىّ بأن أخشاك من عار
قال: ومما سبق إليه ولم يجاذبه قوله فى أول شعره:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب
٢٦٧* قالوا: وقايس فى شعره فأحسن، قال للنعمان حين فارقه [٢]:
ولكنّنى كنت امرأ لى جانب من الأرض فيه مستماز ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم أحكّم فى أموالهم وأقرّب
كفعلك فى قوم أراك اصطنعتهم ولم ترهم فى شكر ذلك أذنبوا
يقول: اجعلنى كقوم صاروا إليك وكانوا مع غيرك، فاصطنعتهم وأحسنت إليهم، ولم ترهم مذنبين إذ فارقوا من كانوا معه، يقول: فأنا مثلهم، صرت عنك إلى غيرك، فاصطنع إلىّ، فلا ترنى مذنبا إذ لم تر أولئك مذنبين [٤] .
٢٦٨* ومن جيّد شعره قوله:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث، أىّ الرجال المهذّب؟
يقول: من لم تصلحه وتقوّمه من الناس فلست بمستبقيه ولا راغب فيه [٥] .
٢٦٩* ويستجاد له قوله فى صفة المرأة [٦]:
_________________
(١) الديوان ٤٤.
(٢) الديوان ١٣.
(٣) اسماز عن الشىء: تباعد منه وانفصل.
(٤) هذا النص نقله الوزير أبو بكر فى شرح بيت النابغة.
(٥) الديوان ١٤ ونقل الشارح أيضا كلام المؤلف هنا. وفى اللسان ٢: ٤٦٦ «أى لا تحتمله على ما فيه من زلل، فتلمه وتصلحه وتجمع ما تشعث من أمره» . وهذا المعنى أجود وأصح، إذ يريد أن ينصح بالعفو عن خطأ الإخوان، وأين الرجل الكامل؟
(٦) الديوان ٣٠.
[ ١ / ١٧٠ ]
نظرت إليك بحاجة لم تقضها نظر السّقيم إلى وجوه العوّد
يقول: نظرت إليك ولم تقدر أن تكلّمك، كما ينظر المريض إلى وجوه عوّاده، ولا يقدر أن يكلّمهم.
٢٧٠* ويستجاد له قوله:
تكلّفنى أن يفعل الدّهر همّها وهل وجدت قبلى على الدّهر قادرا [١]
٢٧١* ومما أكفأ فيه قوله فى قصيدة مجرورة، أوّلها [٢] .
قالت بنو عامر: خالوا بنى أسد يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام
وقال فيها:
تبدو كواكبه والشّمس طالعة لا النّور نور ولا الإظلام إظلام
وقال فى قصيدته التى أوّلها: أمن آل ميّة رائح أو مغتد
وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
_________________
(١) همها: مرادها. يعنى هم نفسه ومرادها.
(٢) مضى البيتان ٩٦.
(٣) ومضى هذان أيضا ١٥٦.
[ ١ / ١٧١ ]