٥٨٠* هما من ثعلبة بن يربوع.
وكان مالك فارس ذى الخمار، وذو الخمار فرسه.
(وفيه يقول:
متى أعل يوما ذا الخمار وشكّتى حسام وصدق مارن وشليل) [١]
وقتله خالد بن الوليد فى الردّة وتزوّج امرأته، وقتل من قومه مقتلة عظيمة، ولهذا السبب كان سخط عمر بن الخطّاب على خالد بن الوليد [٢] . ولمالك عقب.
٥٨١* ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب ﵁ [٣] فقال له عمر: ما أرى فى أصحابك مثلك! قال: يا أمير المؤمنين، أما والله إنّى مع ذلك لأركب الجمل الثّفال [٤]، وأعتقل الرّمح الشّطون [٥]، وألبس الشّملة الفلوت [٦]، ولقد أسرتنى بنو تغلب فى الجاهليّة. فبلغ ذلك أخى مالكا، فجاء ليفدينى،
_________________
(١) الشكة، بكسر الشين: السلاح. الصدق، بفتح الصاد: وصف للرمح، وهو المستوى الجامع للأوصاف المحمودة. المارن: وصف آخر له، وهو الصلب اللين. الشليل: الغلالة التى تلبس فوق الدرع، وقيل: الدرع الصغيرة القصيرة تكون تحت الكبيرة.
(٢) قتله خالد بن الوليد وتسرى امرأته ولم يتزوجها، بل أخذها هى وابنها رقيقا، ومكثت عنده إلى أن جاء أخوه متمم، فرد عليه عمر المرأة وابنها. وقد حققنا هذه الوقعة المهمة فى مقال رددنا به على الدكتور محمد باشا هيكل، نشرناه فى مجلة المقتطف فى عدد شهر أغسطس ١٩٤٥ م، وفى مجلة الهدى النبوى فى العدد ٨ من السنة ٩ شهر شعبان ١٣٦٤ هـ.
(٣) نقلها صاحب الأغانى ١٤: ٦٨ عن ابن قتيبة.
(٤) الثفال. بفتح الثاء المثلثة: البطىء الثقيل الذى لا ينبعث إلا كرها.
(٥) الشطون، بفتح الشين المعجمة: الطويل الأعوج.
(٦) الشملة الفلوت، بفتح الفاء: التى لا ينضم طرفاها لصغرها، فهى تفلت من يده إذا اشتمل بها.
[ ١ / ٣٢٥ ]
فلمّا رآه القوم أعجبهم جماله، وحدّثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقونى له بغير فداء.
٥٨٢* قال أبو محمّد: ولمّا استشهد زيد بن الخطّاب يوم مسيلمة ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب فقال له: أنشدنى بعض ما قلت فى أخيك، فأنشده شعره الذى يقول فيه [١]:
وكنّا كندمانى جذيمة حقبة من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فقال له عمر: يا متمّم، لو كنت أقول الشعر لسرّنى أن أقول فى زيد بن الخطاب مثل ما قلت فى أخيك، قال متمّم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخى قتلة أخيك ما قلت فيه شعرا أبدا [٢]، فقال عمر: يا متمم، ما عزانى أحد فى أخى بأحسن ممّا عزّيتنى به.
٥٨٣* (وهذه القصيدة من أحسن ما قال، وفيها يقول [٣]:
أبىّ الصّبر آيات أراها وأنّنى أرى كلّ حبل دون حبلك أقطعا
وأنى متى ما أدع باسمك لا تجب وكنت جديرا أن تجيب وتسمعا
فما شارف عيساء ريعت فرجّعت حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا
ولا وجد آظآر ثلاث روائم رأين مجرّا من حوار ومصرعا
يذكّرن ذا البثّ القديم بدائه إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
بأوجد منّى يوم قام لمالك مناد فصيح بالفراق فأسمعا
_________________
(١) من المفضلية ٦٧.
(٢) يريد أن زيد بن الخطاب قتل يوم اليمامة شهيدا، وأن مالك بن نويرة قتل على الردة، فهو أشد أسى عليه.
(٣) من المفضلية ٦٧ أيضا.
[ ١ / ٣٢٦ ]
٥٨٤* وكان لتميم ابنان: إبراهيم وداوود، وكانا شاعرين خطيبين.
ودخل إبرهيم على عبد الملك بن مروان، فقال له: إنك لشنّخف، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى من قوم شنّخفين، (والشّنّخف: الجسيم من الرجال) [١] قال: وأراك أحمر قرفا [٢]، قال: الحسن أحمر يا أمير المؤمنين.
٥٨٥* وممّا سبق إليه مالك وأخذه الناس منه قوله:
جزينا بنى شيبان أمس بقرضهم وعدنا بمثل البدء، والعود أحمد
فقال الناس: العود أحمد [٣] . وقال بعض المحدثين:
وأحسن فيما كان بينى وبينه فإن عاد بالإحسان فالعود أحمد
٥٨٦* وكان صرد بن جمرة [٤] الذى شرب منىّ عبد أبى سواج الضّبىّ [٥] عمّ مالك ومتمّم ابنى نويرة، وكان صرد يختلف إلى امرأة أبى سواج، فقال لها يوما: أريد أن تقدّى لى سيرا من است أبى سواج! فقالت: أفعل، وعمدت إلى نعجة فذبحتها وقدّت من باطن إليتها سيرا ودفعته إليه، فجعله صرد فى نعله، وكان يقول إذا رأى أبا سواج:
بتّ بذى بلّيّان [٦] وفى نعلى شراكان
قدّا من است إنسان
_________________
(١) فى اللسان: «الشنخف: الطويل، والجمع شنخفون، ولا يكسر» . وانظر الفائق للزمخشرى ١: ٣٣٥ فقد نقل هذا الخبر.
(٢) القرف، بكسر الراء: الشديد الحمرة.
(٣) انظر مجمع الأمثال ١: ٤٢٠ والبيت هناك.
(٤) القصة مفصلة فى الأغانى ٧: ١٧٢- ١٧٣ وأشير إليها فى الاشتقاق ١٢١.
(٥) أبو سواج: اسمه «عباد بن خلف» وهو فارس «بذوة»، سابق عليها مالك بن نويرة على فرسه «القطيب» فسبقه «بذوة» فقال أبو سواج فى ذلك شعرا. انظر الخيل لابن الأعرابي ٦١.
(٦) يريد أنه بات بمكان لا يعرف بعيدا عن أهله، انظر اللسان ١٨: ٩٤.
[ ١ / ٣٢٧ ]
فلمّا أكثر علم أبو سواج أنّه يعرّض به، فطرح ثوبه وقال لمن حضر:
أنشدكم بالله! هل ترون بأسا؟ قالوا: لا، ثم أمر أبو سواج عبدا له أن يواقع أمة له (كان) زوّجه إياها، وأن يفرغ من منيّه فى عسّ، ففعل، فقال لامرأته:
والله لتسقينّه صرد أو لأقتلنّك، فبعثت إلى صرد فأقام عندها، فلما استسقى حلبت له على ذلك المنىّ فشربه، فمات. فتميم تعيّر بشرب المنىّ، وقد أكثر الشعراء فى ذلك [١]، قال الشاعر:
أتحلف لا تذوق لنا طعاما وتشرب منى عبد أبى سواج [٢]
شربت رثيّة فحبلت عنها فما لك راحة دون النّتاج [٣]
٥٨٧* (ومالك هو القائل:
سأهدى مدحة لبنى عدىّ أخصّ بها عدىّ بنى جناب
تراث الأحوص الخير ابن عمرو ولا أعنى الأحاوص من كلاب
أتين حىّ خير بنى معدّ هم أهل المرابع والقباب
شريح والفرافصة بن عمرو وإخوته الأصاغر للرّباب)
_________________
(١) لم يذكر الشعر الاتى فى الأغانى، ولكنه قال: «وإياه عنى الأخطل بقوله: ويشرب قومك العجب العجيبا » . وفى اللسان ٢٠: ١٦٣ أن الأخطل قال أيضا يهجو جريرا: منى العبد عبد أبى سواج أحق من المدامة أن تعيبا
(٢) البيت فى اللسان ٢٠: ١٦٣ أتى به شاهدا على أن «المنى» جاء مخففا فى الشعر، ونسبه لرشيد بن رميض، بالتصغير فيهما، وهو عنزى له رجز فى الأغانى ١٤: ٤٤ واللآلى ٧٢٩ وشعر فيه ٧٥٣، ٨٦٢.
(٣) الرثية: تخفيف «الرثيئة» وهى اللبن الحامض يحلب عليه فيخثر. س هـ ف «فحبلت منها» .
(٤) الفرافصة، بفتح الفاء الأولى، وهو ابن الأحوص بن عمرو من بنى عدى بن جناب. وهو أبو نائلة زوج عثمان.
[ ١ / ٣٢٨ ]