٦٠٢* هو ضابىء بن الحارث بن أرطاة، من بنى غالب بن حنظلة، بن البراجم. وكان استعار كلبا من بعض بنى جرول بن نهّشل، فطال مكثه عنده، فطلبوه فامتنع عليهم، فعرضوا له فأخذوه منه، فغضب ورمى أمّهم بالكلب، واسم الكلب قرحان، فقال [٢]:
تجشّم دونى وفد قرحان شقّة تظلّ بها الوجناء وهى حسير
فأردفتهم كلبا فراحوا كأنما حباهم بتاج الهرمزان أمير
وقلّدتهم ما لو رميت متالعا به، وهو مغبرّ، لكاد يطير [٣]
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ثمامة عنّى، والأمور تدور [٤]
فأمّكم لا تتركوها وكلبكم فإنّ عقوق الوالدات كبير
فإنّك كلب قد ضريت بما ترى سميع بما فوق الفراش خبير
إذا عثّنت من آخر اللّيل دخنة يبيت لها فوق الفراش هرير
_________________
(١) ترجمته فى المخضرمين من الإصابة ٣: ٢٧٦ والخزانة ٤: ٨٠- ٨١ ومعاهد التنصيص ٨٨- ٩٠ والاشتقاق ١٣٤.
(٢) أشار الطبرى أيضا إلى القصة فى تاريخه ٥: ١٣٧ وذكر من القصيدة ٣ أبيات. وانظر الكامل ٣٤٠- ٣٤١.
(٣) متالع: جبل بنجد.
(٤) فيا راكبا: بالتنوين على النداء، وكان الأصمعى ينشده بلا تنوين، قال أبو عبيدة: «أراد فيا راكباه، للندبة، فحذف الهاء» . عرضت: أتيت العروض، بفتح العين، وهى مكة والمدينة وما حولهما، وقيل واليمن أيضا. وهذا الصدر فيا راكبا إما عرضت فبلغن تداوله الشعراء، فهو صدر بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثى فى المفضلية ٣٠ ولمالك بن الريب التميمى فى الخزانة ١: ٣١٣ ولدريد بن الصمة فى الأصمعية ٢٩ ولكعب بن زهير فى الخزانة ٤: ١٥١ ولمخارق بن شهاب فى الحيوان ٦: ٣٦٩، فصار كالمثل، وأقدمهم فيما نعلم عبد يغوث. وانظر صدور أبيات أخرى أشرنا إليها فى مقدمة المفضلية ٣٠ لعبد يغوث.
(٥) عثنت: دخنت، يقال للرجل إذا استوقد بحطب ردىء ذى دخان «لا تعثن علينا» .
[ ١ / ٣٣٨ ]
فاستعدوا عليه عثمان بن عفّان، فحبسه، (وقال: والله لو أنّ رسول الله ﷺ حىّ لأحسبنّه نزل فيك قرآن، وما رأيت أحدا رمى قوما بكلب قبلك. ومثل هذا قول زهير، ورمى قوما بفحل إبل حبسوه عليه، فقال [١]:
ولولا عسبه لرددتموه وشرّ منيحة أير معار [٢]
إذا طمحت نساؤكم إليه أشظّ كأنّه مسد مغار) [٣]
٦٠٣* وكان أراد أن يفتك بعثمان بن عفّان، فقال فى الحبس:
هممّت ولم أفعلّ وكدت وليتنى تركت على عثمان تبكى حلائله [٤]
٦٠٤* ولم يزل فى حبس عثمان إلى أن مات.
ومن شعره فى الحبس (قوله) [٥]:
ومن يك أمّسى بالمدينة رحله فإنى وقيّارا بها لغريب [٦]
وما عاجلات الطّير تدنى من الفتى رشادا، ولا عن ريثهنّ يخيب
_________________
(١) هكذا قال ابن قتيبة هنا، وهو وهم. فالذى فى ديوان زهير ٣٠٠- ٣٠١ أنه قال ذلك فى راعى إبل له يقال له يسار، أخذه الحارث بن ورقاء الصيداوى، وفى اللسان ٢: ٨٧- ٨٨ «فى عبد له يدعى يسارا أسره قوم فهجاهم» .
(٢) عسبه: نكاحه. وأصل «العسب» طرق الفحل، أى ضرابه، وقد يستعار للناس. ومن ذا وهم ابن قتيبة، لم يتأوله على الاستعارة. منيحة: عارية. والبيت فى اللسان ٢: ٨٨.
(٣) فى الديوان «إذا جمحت» وفى اللسان ٩: ٣٢٥ «جنحت» أشظ: أنعظ أى قام. المسد: الحبل. المغار: المفتول، أغرت الحبل: فتلته.
(٤) من أبيات فى الطبرى والكامل وغيرهما، وهو فى اللسان ٦: ٤٣٩.
(٥) هى الأصمعية ٦٤ إلا بيتا واحدا، والأبيات فى اللسان ٦: ٤٣٨ والعينى ٢: ٣١٨- ٣٢١ وشواهد المغنى ٢٩٣- ٢٩٤. والخزانة ٤: ٣٢٣- ٣٢٨ والأربعة الأول فى الكامل ٢٧٦- ٢٧٩ وكلهم شرحها.
(٦) قيار: اسم فرسه، وقيل: جمله. وقد روى «قيار» منصوبا ومرفوعا، وتوجيه ذلك فى الكامل ٢٧٦ واللسان والخزانة وغيرها. والبيت فى الخزانة أيضا ٤: ٨١.
(٧) الريث: الإبطاء، يقول: ليس البجح فى أن تجعل الطير، وليس الخيبة فى إبطائها وذلك فيما كانوا يصنعون من التطير بزجر الطير.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة وللقلب من مخشاتهنّ وجيب [١]
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه على نائبات الدّهر حين تنوب [٢]
وفى الشّك تفريط، وفى الجزم قوّة ويخطئ فى الحدس الفتى ويصيب
ولست بمستبق صديقا ولا أخا إذا لم تفده الشىء وهو قريب
٦٠٥* ولما قتل عثمان ﵁ جاء عمير بن ضابئ فرفسه برجله، فلما كان زمن الحجّاج وعرض أهل الكوفة ليوجّههم مددا للمهلّب، عرضه فيهم، وهو شيخ كبير، فقال له: اقبل منّى بديلا، قال: نعم، فقال عنبسة بن سعيد:
هذا الذى رفس عثمان وهو مقتول، فردّه فقتله وفى ذلك يقول الشاعر [٣]:
تخيّر فإمّا أن تزور ابن ضابئ عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ركوبك حوليا من الثّلج أشهبا
٦٠٦* وأخو ضابئ معرّض بن الحرث.
وممّا سبق إليه ضابئ فأخذ منه قوله فى الثور:
يساقط عنه روقه ضارياتها سقاط حديد القين أخول أخولا [٤]
أخذه الكميت فقال:
يساقطهنّ سقاط الحدي د يتبع أخوله الأخولا
(يقال: تساقطت النار أخول أخول، أى قطعا قطعا) .
_________________
(١) المخشاة: مصدر ميمى كالخشية، بمعنى الخوف. الوجيب: السقوط.
(٢) البيت في أمالى الشريف المرتضى ١: ١٤٠ منسوبا لإسماعيل بن القاسم، وهو خطأ.
(٣) هو عبد الله بن الزبير- بفتح الزاى- الأسدى، أسد خزيمة، والبيتان ومعهما ثالث فى الكامل مع القصة ٣٣٥- ٣٣٦.
(٤) روقة: الروق: القرن، والضمير للثور الوحشى. ضارياتها: ضاريات الكلاب. القين: الحداد. أخول أخولا: أى: متفرقا، وهما اسمان جعلا اسما واحدا وبنيا على الفتح. والبيت فى اللسان ١٣: ٢٤٠.
[ ١ / ٣٤٠ ]