٦١٢* هو عمرو بن أحمر بن فرّاص [٢] بن معن بن أعصر.
وكان أعور، رماه رجل يقال له مخشىّ بسهم، فذهبت عينه، فقال:
شلّت أنامل مخشىّ فلا جبرت ولا استعان بضاحى كفّه أبدا [٣]
أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا
٦١٣* وعمّر تسعين سنة، وسقى بطنه فمات، وفى ذلك يقول:
إليك إله الحق أرفع رغبتى عياذا وخوفا أن تطيل ضمانيا [٤]
فإن كان برءا فاجعل البرء نعمة وإنّ كان فيضا فاقض ما أنت قاضيا [٥]
لقاؤك خير من ضمان وفتنة وقد عشت أيّاما وعشت لياليا
أرجّى شبابا مطرهمّا وصحّة وكيف رجاء المرء ما ليس لاقيا
_________________
(١) ترجمته فى الجمحى ١٢٩ والمؤتلف ٣٧ والمرزبانى ٢١٤ واللآلى ٣٠٧ والإصابة ٥: ١١٤ والخزانة ٣: ٣٨- ٣٩- وهو من شعراء الجاهلية، وأدرك الإسلام.
(٢) فراص: بفتح الفاء وتشديد الراء، وضبطه صاحب القاموس بكسر الفاء وتخفيف الراء، وهو خطأ نبه عليه شارحه. وهذا النسب جاء فى اللآلى كما هنا. والذى فى الاشتقاق والإصابة والكامل ٢٦ «عمرو بن أحمر بن العمرد» بفتح العين والميم وتشديد الراء المفتوحة، وكذلك فى المؤتلف والمرزبانى وأمالى ابن الشجرى ١: ١٣٧ وساقوا نسب العمرد إلى فراص، فالظاهر أن المؤلف اختصر النسب، ومثل هذا كثير.
(٣) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. الحشر: الدقيق. شبرقها: يريد أزالها، وأصل شبرقة اللحم تقطيعه. والبيت فى اللسان ٢٠: ٢٤٨.
(٤) الضمن، بكسر الميم: الذى به ضمانة فى جسده من زمانة أو بلاء أو كسر أو غيره، والاسم «الضمن» بفتح الميم و«الضمان» . والبيت فى اللسان ١٧: ١٢٩ وشرح الحماسة ٤: ١٥٤.
(٥) س ف «راحة» بدل «نعمة» . الفيض: الموت. وفى س ف «موتا» وفى هـ «قبضا» .
(٦) المطرهم: الشباب المعتدل التام. والبيت فى اللسان ١٥: ٣٥٥.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وكيف وقد جرّبت تسعين حجّة وضمّ فؤادى نوطة هى ما هيا [١]
وفى كلّ عام يدعوان أطبّة إلىّ، وما يجدون إلا الهواهيا [٢]
فإن تحسما عرقا من الدّاء تتركا إلى جنبه عرقا من الداء ساقيا
فلا تحرقا جلدى، سواء عليكما أداويتما العصرين أم لا تداويا
شربت الشكاعى والتددت ألدّة وأقبلت أفواه العروق المكاويا [٣]
شربنا وداوينا، وما كان ضرّنا إذا الله حمّ القدر ألّا تداويا [٤]
وقد أتى ابن أحمر فى شعره بأربعة ألفاظ لا تعرف فى كلام العرب [٥]:
سمّى النار «ماموسة»، ولا يعرف ذلك، قال [٦]:
تطايح الطّلّ عن أعطافها صعدا كما تطايح عن ماموسة الشرر [٧]
وسمّى حوار الناقة «بابوسا»، ولا يعرف ذلك، فقال:
_________________
(١) بء «جوبت» بدل «جربت» . س ف «قوامى» بدل «فؤادى» النوطة: ورم فى الصدر. وفى اللسان ٩: ٢٩٨ بيت آخر له كأنه من هذه القصيدة وفيه آخر أيضا ١٨: ٩١.
(٢) الأطبة: جمع قلة لطيب، والأطباء جمع كثرة. الهواهى: التخاليط والأباطيل واللغو من القول. والبيت فى اللسان ١٧: ٤٥٠، وروايته «وفى كل يوم» ولعلها أجود.
(٣) الشكاعى: من دق النبات، وهى دقيقة العيدان صغيرة خضراء، والناس يتداوون بها. اللد: أن يؤخذ بلسان المريض فيمد إلى أحد شدقيه ويوجر فى الآخر الدواء فى الصدف بين اللسان وبين الشدق، واللدود، بفتح اللام: هو الدواء الذى يسقى بهذه الصفة، وجمعه «ألدة» . أقبل المكواة الداء: جعلها قبالته. والبيت فى اللسان ٤: ٣٩٥ و١٠: ٥٢ و١٢: ٥٧.
(٤) القدر، بسكون الدال: هو القدر، بفتحها. وحمه: قضاه وقدره.
(٥) ذكر فى اللسان ٥: ٤٠٥ نحو هذا، لم يذكر التبنس وذكر بدله «زوبر» وذلك عن ابن برى.
(٦) الأبيات الآتية من قصيدة ٥٢ بيتا فى الجمهرة ١٥٨- ١٦٠.
(٧) فى اللسان ٨: ١٠٨: «ماموسة: من أسماء النار، قال ابن أحمر- وذكر البيت- قيل أراد بماموسة النار، وقيل هى النار بالرومية، وجعلها معرفة غير منصرفة. ورواه بعضهم عن نانوسة الشرر وقال ابن الأعرابى: المانوسة النار» .
[ ١ / ٣٤٥ ]
حنّت قلوصى إلى بابوسها جزعا فما حنينك أم ما أنت والذّكر [١]
وفى بيت آخر يذكر فيه البقرة:
وبنّس عنها فرقد خصر [٢]
أى تأخّر، ولا يعرف «التّبنيس» .
وقال:
وتقنّع الحرباء أرنته متشاوسا لوريده نقر
قال: «الأرنة» ما لفّ على الرأس، ولا يعرف ذلك فى غيره شعره [٣] .
٦١٥* وقالوا: هو أكثر بيت آفات، قال:
تمشّى بأكناف البليخ نساؤنا أرامل يستطعمن بالكف والفم [٤]
نقائذ برسام وحمّى وحصبة وجوع وطاعون ونقر ومغرم
_________________
(١) رواية الفائق ١: ٥٦ كرواية المؤلف وفسر البابوسى بأنه الرضيع. والبيت فى اللسان ٧: ٣٢١ وفيه «طربا» بدل «جزعا» وفى س ف «فزعا» .
(٢) من بيت فى الأغانى ١٣: ١٣٨ وهو محرف هناك وذكر فى اللسان ٧: ٣٢٩ مع آخر. وقال: «قال ابن سيده: قال ابن جنى: قوله بنس عنها: إنما هو من النوم، غير أنه إنما يقال للبقرة، قال: ولا أعلم هذا القول عن غير ابن جنى، قال: وقال الأصمعى: هى أحد الألفاظ التى انفرد بها ابن أحمر، قال: ولم يسند أبو زيد هذين البيتين، ولا هما أيضا فى ديوانه، ولا أنشدهما الأصمعى فيما أنشده له من الأبيات التى أورد فيها كلماته، قال: وينبغى أن يكون ذلك شىء جاء به غير ابن أحمر تابعا له فيه ومتقبلا أثره، هذا أوفق من قول الأصمعى أنه لم يأت به غيره. وقال شمر: لم أسمع بنس إذا تأخر إلا لابن أحمر» . والبيتان اللذان أنكرهما ابن سيده مذكوران فى القصيدة فى الجمهرة.
(٣) البيت ليس فى قصيدة الجمهرة. وفى اللسان ١٦: ١٥٣: «الجوهرى: وأرنة الحرباء بالضم: موضعه من العود إذا انتصب عليه. وأنشد بيت ابن أحمر وكنى بالأرنة عن السراب لأنه أبيض. ويروى أربته بالباء، وأربته قلادته، وأراد سلخه، لأن الحرباء يسلخ كما يسلخ الحية، فإذا سلخ بقى فى عنقه منه شىء كأنه قلادة، وقيل: الأرنة ما لف على الرأس» .
(٤) البليخ: اسم نهر بالرقة.
(٥) النقائذ: جمع نقيذ أو نقيذه، وأصلها من الخيل ما أنقذته من العدو وأخذته منهم.
[ ١ / ٣٤٦ ]
٦١٦* وقال أبو عمرو بن العلاء: كان ابن أحمر فى أفصح بقعة من الأرض أهلا، يذبل والقعاقع [١]، يعنى مولده قبل أن ينزل الجزيرة ونواحيها.
٦١٧* وأخذت العلماء عليه قوله فى وصف امرأة:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ودراس أعوص دارس متجدّد
«واليرندج» جلود سود، فظنّ أنه شىء ينسج، «ودراس أعوص» أى لم تدارس الناس عويص الكلام، وقوله «دارس متجدّد» يريد أنه يخفى أحيانا ويتبيّن أحيانا [٢] .
_________________
(١) يذبل: جبل لباهلة مشهور. القعاقع: موضع.
(٢) البيت فى اللسان ٣: ١٠٨ غير منسوب، وقال: «وقيل: أراد أن هذه المرأة لغرتها وقلة تجاربها ظنت أن اليرندج منسوج» . وذكره فى ٧: ٣٨٣ منسوبا، ورواه فى الموضعين «متخدد بالخاء، وقال: «وقوله دارس متخدد: أى: يغمض أحيانا فلا يرى، ويروى متجدد بالجيم، أى: ما ظهر منه جديد وما لم يظهر دارس» .
[ ١ / ٣٤٧ ]