٦١٨* هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميرىّ، حليف لقريش، يقال إنّه كان عبدا للضّحّاك بن عبد عوف الهلالىّ فأنعم عليه، ويقال سمّى أبوه مفزّغا لأنّه كان خاطر على شرب سقاء لبن، فشربه حتّى أتى عليه. ولمّا ولى سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان استصحبه، فلم يصحبه، وصحب عبّاد بن زياد بن أبى سفيان، فلم يحمده، وكان عبّاد طويل اللحية عريضها، فركب ذات يوم وابن مفرّغ معه فى موكبه، فهبّت الريح فنفشت لحيته، فقال ابن مفرغ:
ألا ليت اللّحى كانت حشيشا فنعلفها دوابّ المسلمينا
وقال أيضا:
سبق عبّاد وصلّت لحيته وكان خرّازا تجور فريته
فبلغ ذلك عبّادا فجفاه وحقد عليه، فقال ابن مفرغ بعد انصرافه عنه:
إنّ تركى ندى سعيد بن عثما ن فتى الجود ناصرى وعديدى
واتّباعى أخا الرّضاعة واللّؤ م لنقص وفوت شأو بعيد [٢]
قلت واللّيل مطبق بعراه: ليتنى متّ قبل ترك سعيد
فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذّبه، وسقاه التّربذ فى النبيذ، وحمله على بعير، وقرن به خنزيرة، فأمشاه بطنه مشيا شديدا، فكان يسيل (منه ما يخرج)
_________________
(١) ترجمته فى الجمحى ١٤٣- ١٤٤ والأغانى ١٧: ٥١- ٧٣ والخزانة ٢: ٢١٠- ٢١٦، ٥١٤- ٥٢١ والاشتقاق ٣٠٩- ٣١٠ وسماه «يزيد بن زياد بن ربيعة» وزيادة «زياد» فى نسبه خطأ. ويزيد شاعر إسلامى من شعراء الدولة الأموية. وأخباره مع عباد فى تاريخ الطبرى ٦: ١٧٧- ١٧٩. وكتب عنه مقال للدكتور طه حسين فى مجلة الكاتب المصرى (العدد الثانى نوفمبر سنة ١٩٤٥ م) .
(٢) فى الأغانى ١٧- ٦١ والخزانة ٢: ٢١٤، ٥١٦ «أخا الضراعة» .
[ ١ / ٣٤٨ ]
على الخنزير فتصئ، فكلّما صاءت قال ابن مفرّغ:
ضجّت سميّة لمّا مسّها القرن لا تجزعى إنّ شرّ الشيمة الجزع
وسميّة: أمّ زياد، فطيف به فى أزقّة البصرة وأسواقها، والناس يصيحون (خلفه اين جيست) لما يسيل منه، وهو يقول:
آبست نبيذ است عصارات زبيبست
سميّه رو سفيدست [١]
فلمّا ألحّ عليه ما يخرج منه قيل لابن زياد: إنّه لما به، فأمر به، فأنزل، فاغتسل، فلمّا خرج من الماء قال:
يغسل الماء ما فعلت وقولى راسخ منك فى العظام البوالى
ثمّ دسّ إليه غرماءه يقتضونه ويستعدون عليه، ففعلوا ذلك، فأمر ببيع ما وجد له فى إعطاء غرمائه، فكان فيما بيع له غلام كان ربّاه يقال له برد، كان يعدل عنده ولده، وجارية له يقال لها الأراكة، فقال ابن مفرّغ:
يا برد ما مسّنا دهر أضرّ بنا من قبل هذا ولا بعنا له ولدا
أمّا الأراك فكانت من محارمنا عيشا لذيذا وكانت جنّة رغدا
ولولا الدّعىّ ولولا ما تعرّض لى من الحوادث ما فارقتها أبدا
٦١٩* وقال قصيدة له، وهى أجود شعره [٢]:
وشريت بردا ليتنى من بعد برد كنت هامه
_________________
(١) هذه ثلاث أبيات بالفارسية، وهى كذلك فى الطبرى ٦: ١٧٧ والأغانى ١٧: ٥٦ والبيان والتبيين ١: ١٣٢ وذكرت فى بعضها محرفة.
(٢) هى فى الأغانى ١٧: ٥٤- ٥٥ والخزانة ٢: ٢١٣- ٢١٤، ٥١٦، ٥٢٠. وقد مضى منها بيت العبد يقرع بالعصا ٣١٥. والبيتان فى الكامل ٣٢٥- ٣٢٦. والأول فى اللسان ١٩: ١٥٦.
[ ١ / ٣٤٩ ]
أو بومة تدعو الصّدى بين المشقّر واليمامه
(وأوّل الشعر:
أصرمت حبلك من أمامه من بعد أيّام برامه) [١]
٦٢٠* ثم إنّ عبيد الله بن زياد أمر به فحمل إلى سجستان إلى عبّاد بن زياد، فحبس بها، فكان ممّا قال فى الحبس (قوله):
حىّ ذا الزّور وانهه أن يعودا إنّ بالباب حارسين قعودا
من أساوير لا ينون قياما وخلاخيل تسهر المولودا [٢]
وطماطيم من سبابيج غتم يلبسونى مع الصّباح قيودا [٣]
لا ذعرت السّوام فى غلس اللّ يل مغيرا ولا دعيت يزيدا [٤]
يوم أعطى من المخافة ضيما والمنايا يرصدننى أن أحيدا
٦٢١* وكان الحسين بن على ﵁ تمثّل بهذين البيتين الآخرين حين بلغته بيعة يزيد بن معاوية، فعلم من حضر أنّه سيخرج عليه.
_________________
(١) برامة: موضع.
(٢) أساوير: جمع «أسوار» بضم الهمزة وكسرها، وهو القائد من الفرس، وقيل الجيد الرمى بالسهام، وقيل الجيد الثبات على ظهر الفرس، وجمعه «أساور» و«أساورة»، قال فى اللسان: «والهاء عوض من الياء، وكأن أصله أساوير، وكذلك الزنادقة أصله زناديق، عن الأخفش» . وقد ثبت جمعه على الأصل والبيت شاهده.
(٣) الطماطيم: الأعاجم فى لسانهم طمطمة، أى: عجمة، لا يفصحون. السبابيج: قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحراس السجن، الواحد سبيجى، ويجمع أيضا «سبابجة» والهاء «للعجمة والنسب. وفى ل «من سبابج» وصححناه من المعرب واللسان. الغتم: جمع أغتم، وهو الذى في منطقه عجمة، لا يفصح شيئا. والبيت فى المعرب ١٨٣ واللسان ٣: ١١٩.
(٤) فى الطبرى ٦: ١٩١ والأغانى ١٧: ٦٨ «فى فلق الصبح» والبيتان فيهما، وكذلك تمثل الحسين بهما.
[ ١ / ٣٥٠ ]
٦٢٢* وقال ابن مفرّغ لمعاوية [١]:
ألا أبلغ معاوية بن حرب مغلغلة عن الرّجل اليمانى [٢]
أتغضب أن يقال أبوك عفّ وترضى أن يقال أبوك زان
وأشهد أنّ إلّك من زياد كإلّ الفيل من ولد الأتان [٣]
وأشهد أنّها حملت زيادا وصخر من سميّة غير دان
وإنما أخذ:
وأشهد أن إلّك من زياد
من حسّان بن ثابت، قال حسّان:
وأشهد أنّ إلّك من قريش كإلّ السّقب من ولد النّعام [٤]
٦٢٣* وقال أيضا:
إنّ زيادا ونافعا وأبا بكرة عندى من أعجب العجب [٥]
إنّ رجالا ثلاثة خلقوا من رحم أنثى مخالفى النّسب
ذا قرشىّ كما يقول، وذا مولى، وهذا ابن عمّه عربى
فلمّا طال حبسه بعث رجلا أنشد على باب معاوية، واليمن أجمع ما كانت بباب معاوية، قوله:
_________________
(١) س ف «ويقال إنه كتب إلى معاوية» .
(٢) المغلغة، بفتح الغين الثانية: الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد، وبكسرها: المسرعة، من المغلغلة، وهى سرعة السير، وصدر البيت يشبه صدر بيت من قصيدة أخرى فى اللسان ١٥: ٣٦.
(٣) الإل: القرابة.
(٤) السقب: ولد الناقة. والبيت مطلع قصيدة فى الديوان ٤٠٧ وهو فى اللسان ١٣: ٢٦ وروايتهما «لعمرك» بدل «وأشهد» .
(٥) زياد: هو ابن أبى سفيان. ونافع: هو ابن الحارث بن كلدة الثقفى. وأبو بكرة: هو نفيع بن مسروح. وثلاثتهم إخوة لأم.
[ ١ / ٣٥١ ]
أبلغ لديك بنى قحطان قاطبة عضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسى دعىّ زياد فقع قرقرة يا للعجائب، يلهو بابن ذى يزن [١]
فدخل أهل اليمن إلى معاوية فكلّموه، فوجّه رجلا على البريد فى إطلاقه، فصار إلى سجستان، فبدأ بالحبس فأطلقه، وقرّب إليه دابّة من بغال البريد.
فلمّا استوى عليها قال:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق [٢]
طليق الذى نجّى من الحبس بعدما لاحم فى درب عليك مضيق
ذرى وتناسى ما لقيت فإنّه لكلّ أناس خبطة وحريق
قضى لك حمحام بأرضك فالحقى بأهلك لا يؤخذ عليك طريق
_________________
(١) فقع قرقرة: مضى تفسيرها فى الحاشية ٢ ص ٢٠٦.
(٢) البيت شاهد مشهور فى النحو، على أن «هذا» بمعنى الذى. والكلام عليه فى الخزانة ٢: ٥١٤- ٥٢١ وهو فى اللسان ٨: ٧- ٨ فى قصة ابن مفرغ. عدس: كلمة زجر للبغال.
[ ١ / ٣٥٢ ]