٦٢٤* هو منسوب إلى أمه سلكة، وكانت سوداء، واسم أبيه عمرو بن يثربىّ، ويقال عمير، (وهو) من بنى كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وهو أحد أغربة العرب [٢] وهجنائهم وصعاليكهم ورجيلائهم. وكان له بأس ونجدة.
وكان أدلّ الناس بالأرض، وأجودهم عدوا على رجليه، (وكان) لا تعلق به الخيل. وقالت له بنو كنانة حين كبر: إن رأيت أن ترينا بعض ما بقى من إحضارك؟ فقال: اجمعوا لى أربعين شابّا وابغونى درعا ثقيلة، فأخذها فلبسها، وخرج الشباب، حتّى إذا كان على رأس ميل أقبل يحضر، فلاث العدو لوثا [٣]، واهتبصوا [٤] فى جنبتيه [٥] فلم يصحبوه إلا قليلا، فجاء يحضر منتبذا حيث لا يرونه، وجاءت الدرع تخفق فى عنقه كأنّها خرقة.
٦٢٥* وكان سليك يقول: اللهم إنّك تهيّىّ ما شئت لمن شئت إذا شئت، اللهمّ إنى لو كنت ضعيفا لكنت عبدا، ولو كنت امرأة لكنت أمة، اللهمّ إنى أعوذ بك من الخيبة، فأمّا الهيبة فلا هيبة. فأصابته خصاصة شديدة، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرّة من بعض من يمرّ عليه، فيذهب بإبله، حتّى إذا أمسى فى ليلة من ليالى الشتاء قرّة مقمرة، اشتمل الصّمّاء ونام، فبينا هو كذلك جثم عليه رجل، فقال: استأسر، فرفع سليك رأسه فقال: إنّ الليل طويل
_________________
(١) ترجمته فى الأغانى ١٨: ١٢٣- ١٣٨ والمؤتلف ١٣٧.
(٢) انظر ما مضى ٢٤٤، ٣٢٩.
(٣) لاث العدو لوثا: أى طواه طيا.
(٤) اهتبصوا: من الهبص، بفتحتين. وهو النشاط والعجلة. والاسم «الهبصى. وهذا الفعل «اهتبص» لم يذكر فى المعاجم.
(٥) الجنبة، بفتح النون: الجنب، بسكونها، وهو شق الإنسان وغيره.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وإنّك مقمر! فذهبت مثلا، وجعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر، فلم يعبأ به، فلما آذاه ضمّه سليك ضمّه ضرط منها وهو فوقه! فقال سليك:
أضرطا وأنت الأعلى [١] ! فذهبت مثلا، ثم قال له: ما شأنك؟ فقال: أنا رجل فقير، خرجت لعلّى أصيب شيئا، قال: انطلق معى، فخرجا فوجدا رجلا قصّته (مثل) قصّتهما، فأتوا جوف مراد، وهو باليمن، فإذا فيه نعم كثير، فقال سليك لهما: كونا (منى) قريبا حتّى آتى الرّعاء فأعلم لكما علم الحىّ أقريب هو أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أحى به (إليكما)، فأغيرا (على ما يليكما)، فانطلق حتّى أتى الرّعاء، فلم يزل بهم يتسقّطهم حتّى أخبروه خبر الحىّ، فإذا هو بعيد، فقال لهم السّليك: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى، فرفع عقيرته، يتغنّى:
يا صاحبىّ ألا لا حىّ بالوادى إلّا عبيد وآم بين أذواد [٢]
أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان فإنّ الرّيح للعادى [٣]
فلمّا سمعا ذلك اطّردا الإبل فذهبا بها [٤] .
٦٢٦* قال أبو عبيدة: بلغنى أنّ السليك رأته طلائع جيش لبكر بن وائل جاؤوا ليغيروا على تميم ولا يعلم بهم، فقالوا: إن علم السّليك بنا أنذر قومه،
_________________
(١) مجمع الأمثال ١: ٣٦٨- ٣٦٩.
(٢) قال المفضل الضبى: «آم: جمع أمة إلى العشر، ثم إماء لما بعد العشر» . والبيت فى اللسان ١٨: ٤٧.
(٣) الريح هنا: الغلبة والقوة. والبيت فى اللسان ٣: ٢٨٣ ونسبه لتأبط شرا أو للسليك، ثم قال: «قال ابن برى: وقيل الشعر لأعشى تميم، من قصيدة أولها» وذكر بيتين. ولعل الشعر تغنى به السليك فقط، لم يكن من قوله.
(٤) هذه القصة منقولة من أمثال العرب للضبى ١٣- ١٤ مع خلاف يسير، وعقبها هناك بخبر آخر عن السليك.
[ ١ / ٣٥٤ ]
فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يمحص كأنّه ظبى [١]، فطارداه سحابة يومهما، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا ثم سقط أو قصّر عن العدو فنأخذه، فلمّا أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة وندرت قوسه [٢] فانحطمت، فوجدا قصدة منها قد ارتزّت بالأرض [٣]، فقالا: ما له أخزاه الله! ما أشدّه! وهمّا بالرجوع، ثم قالا: لعلّ هذا كان من أوّل الليل ثم فتر، فتبعاه، فإذا أثره متفاجا [٤] قد بال فى الأرض وخدّ [٥]، (فقالا: قاتله الله ما أشدّ متنه!) فانصرفا (عنه)، وتمّ إلى قومه [٦] فأنذرهم، فكذّبوه لبعد الغاية، فقال:
يكذّبنى العمران عمرو بن جندب وعمرو بن سعد، والمكذّب أكذب [٧]
ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها كراديس يهديها إلى الحىّ كوكب
كراديس فيها الحوفزان وحوله فوارس همّام متى يدع يركبوا [٨]
وجاء الجيش فأغاروا (عليهم) [٩] .
_________________
(١) محص الظبى فى عدوه: أسرع وعدا عدوا شديدا.
(٢) ندرت: سقطت ووقعت.
(٣) القصدة، بكسر القاف: القطعة من الشىء إذا انكسر. ارتزت بالأرض: ثبتت.
(٤) متفاجا: متباعدا، يقال «فاج الرجل وتفاج» بالتشديد فيهما: إذا باعد إحدى رجليه من الأخرى ليبول.
(٥) خد فى الأرض: شقها وأثر فيها، ومنه الأخدود.
(٦) تم إلى قومه: أى: بلغهم. ورواية الكامل «أتم إلى قومه» فقال الأخفش: «يروى أتم بألف، وتم بغير ألف، ونم بالنون، ومعنى تم إلى قومه أى: نفذ» .
(٧) رواية الكامل «وعمرو بن كعب» .
(٨) الحوفزان: هو الحارث بن شريك بن عمرو، من بنى ذهل بن شيبان، لقب بذلك لأن قيس بن عاصم المنقرى حفزه بالرمح فى استه، فحفزه عن فرسه فنجا، وعرج من الحفزة. وانظر خبره فى المفضلية ١١٤: ٦ والنقائض ٤٧- ٥٩، ١٤٤- ١٤٨ والأنبارى ٧٤٠- ٧٤١ والأغانى ١٢: ١٤٦- ١٤٧.
(٩) القصة رواها أيضا المبرد فى الكامل عن أبى عبيدة ٥٥٤- ٥٥٥.
[ ١ / ٣٥٥ ]
٦٢٧* وكان يقال له سليك المقانب [١]، وقد وصفه عمرو بن معدى كرب فقال:
وسيرى حتّى قال فى القوم قائل: عليك أبا ثور سليك المقانب
فرعت به كاللّيث يلحظ قائما إذا ريع منه جانب بعد جانب
له هامة ما تأكل البيض أمّها وأشباح عادىّ طويل الرّواجب [٢]
٦٢٨* ومرّ فى بعض غزواته ببيت من خثعم، أهله خلوف، فرأى فيهم امرأة بضّة شابّة، فتسنّمها ومضى، فأخبرت القوم، فركب أنس بن مدرك الخثعمىّ فى إثره، فقتله، وطولب بديته، فقال: والله لا أديه ابن إفال [٣]، وقال:
إنى وقتلى سليكا يوم أعقله كالثّور يضرب لمّا عافت البقر [٤]
غضبت للمرء إذ نيكت حليلته وإذ يشدّ على وجعائها الثّفر
_________________
(١) المقانب: جمع «مقنب» بكسر الميم وفتح النون، وهو جماعة الخيل من الفرسان، قال المفضلى الضبى: «ما بين الثلاثين إلى الخمسين» .
(٢) الرواجب: مفاصل الأصابع.
(٣) الإفال: صغار الإبل، واحدها «أفيل»، يريد أنه لا يديه بشىء وإن قل.
(٤) هكذا الرواية فى هذا الكتاب «يوم أعقله» والرواية المشهورة «ثم أعقله» بنصب الفعل، وهو شاهد فى كتب العربية على جواز النصب ب «أن» مضمرة بعد «ثم» العاطفة اسما مؤولا على اسم صريح. انظر همع الهوامع ٢: ١٧ وشرح شواهده ٢: ١١. ورواية التبريزى فى شرح الحماسة ٢: ٣٧٣ إنى وعقلى سليكا بعد مقتله ولا شاهد فيه أيضا، وذكر هناك القصة مفصلة. والبيتان فى أبيات فى الأغانى ١٩: ١٣٨. وهما فى اللسان ٥: ١٧٨ وهما أيضا مع ثالث ١٠: ٢٥٩. لما عافت البقر: كانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب لكدر الماء ولقلة العطش ضربوا الثور ليقتحم الماء، لأن البقر تتبعه.
(٥) الوجعاء: السافلة، وهى الدبر.
[ ١ / ٣٥٦ ]