٦٦٢* هو من بنى عامر بن صعصعة، إسلامىّ مجيد [٢] .
ومما يستجاد له قوله:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة وحسبك داء أن تصحّ وتسلما [٣]
٦٦٣* ومن حسن التشبيه قوله فى فرخ القطاة [٤]:
كأنّ على أشداقه نور حنوة إذا هو مدّ الجيد منه ليطعما [٥]
٦٦٤* ومن خبيث الهجاء قوله فى رجلين بعثهما إلى عشيقته:
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر وجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
نزيعان من جرم بن ربّان، إنّهم أبوا أن يميروا فى الهزاهز محجما [٦]
أمرهما أن ينتسبا إلى جرم، لأن العرب تأمنها لذلّها ولا تخاف منها غارة.
٦٦٥* ويستجاد له قوله فى وصف ذئب وامرأة:
_________________
(١) ترجمته فى الاستيعاب ١٤١- ١٤٢ وأسد الغابة ٢: ٥٣- ٥٤ والإصابة ٢: ٣٩- ٤٠ والأغانى ٤: ٩٧- ٩٨ واللآلى ٣٧٦ ومعجم الأدباء ٤: ١٥٣- ١٥٥ وشواهد العينى ١: ١٧٧- ١٧٩.
(٢) هو مخضرم، قال المرزبانى، فيما نقل عنه فى الإصابة: «كان أحد الشعراء الفصحاء، وكان كل من هاجاه غلبه، وقد وفد على النبى ﷺ، وعاش إلى الخلافة عثمان» .
(٣) مضى ٦٥ وهو مع آخر فى الكامل ١٨٧، ٨٥٢- ٨٥٣ واللآلى ٥٣٢ ومن هذه القصيدة أبيات فى الكامل ٨٤٩ واللآلى ٢٨٢ والبلدان ٨: ٤٩٥.
(٤) س ب «يصف فرخ حمامة» .
(٥) الحنوة بفتح الحاء: عشبة وضيئة ذات نور أحمر طيبة الريح، وقيل: هى الريحانة.
(٦) نزيعان: النزيع الغريب الذى يجاور قبيلة ليس منها. الهزاهز: البلايا والفتن يهتز فيها الناس.
[ ١ / ٣٧٨ ]
ترى ربّة البهم الفرار عشيّة إذا ما عدا فى بهمها وهو ضائع [١]
فقامت تعشّى ساعة ما تطيقها من الدّهر نامتها الكلاب الظّوالع [٢]
رأته فشكّت وهو أكحل مائل إلى الأرض مثنىّ إليه الأكارع [٣]
طوى البطن إلا من مصير يبلّه دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع [٤]
ترى طرفيه يعسلان كلاهما كما اهتزّ عود السّاسم المتتابع [٥]
إذا خاف جورا من عدوّ رمت به قصايته والجانب المتواسع [٦]
وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ذراعا، ولم يصبح لها وهو خاشع [٧]
إذا احتلّ حضنى بلدة طرّ منهما لأخرى، خفىّ الشّخص للرّيح تابع [٨]
وإن حذرت أرض عليه فإنّه بغرّة أخرى طيّب النّفس قانع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى المنايا بأخرى، فهو يقظان هاجع [٩]
إذا قام ألقى بوعه قدر طوله ومرّد منه صلبه وهو بائع
_________________
(١) البهم، بفتح الباء: الصغار من أولاد الغنم والبقر وغيرها.
(٢) الظوالع من الكلاب: التى تطلب السفاد، وهى لا تنام، فهى تضرب مثلا للمهتم بأمره الذى لا ينام عنه، يقال: «إذا نام ظالع الكلاب» .
(٣) هـ «وهو أطلس رابض» .
(٤) الطوى، بكسر الواو وتخفيف الياء: ضامر البطن. المصير: المعى، وهذا البيت والذى بعده فى الجمحى ١٣٠.
(٥) يعسلان: يهتزان، وعسل الذئب: مضى مسرعا واضطرب فى عدوه وهز رأسه. الساسم، بفتح السين غير مهموز: شجر أسود يتخذ منه السهام، وقيل هو الآبنوس. المتتابع: يقال «غصن متتابع» إذا كان مستويا لا عقد فيه.
(٦) القصاية: من القصو، وهو البعد. المتواسع: من السعة. وهذان المشتقان لم يذكرا فى المعاجم. وفى هـ «قصايبه» والقصائب: العظام ذوات المخ، يريد أرجله.
(٧) وحشا: جائعا لا طعام له. والبيت فى اللسان ٨: ٢٦٣.
(٨) حضنا البلدة: جانباها. طرّ، بالبناء للمفعول: طرد وضيق سوقا شديدا، وضبط فى ل بفتح الطاء، ولا معنى له.
(٩) البيت فى الخزانة ٢: ١٩٧ والجمحى ١٣٠.
(١٠) البوع، بفتح الباء، والبوع، بضمها، والباع: قدر مد اليدين وما بينهما من البدن،
[ ١ / ٣٧٩ ]
وفكّك لحييه، فلمّا تعاديا صأى، ثم أقعى والبلاد بلاقع [١]
إذا ما عدا يوما رأيت ظلالة من الطّير ينظرن الّذى هو صانع [٢]
٦٦٦* ويستحسن له قوله فى وصف الوطب [٣]:
فما زال يسقى المحض حتّى كأنّه أجير أناس أغضبوه مباعد [٤]
وعزّاه حتّى أسنداه كأنّه عل القرو علفوف من التّرك راقد [٥]
فلمّا أدى واستربعته ترنّمت ألا كلّ شىء ما خلا الله بائد
قوله «أدى» أى خثر، و«استربعته» حملته تروزه، و«ترنّمت» أى غنّت للسرور به [٦]:
فذاقته من تحت اللّفاف فسرّها جراجر منه وهو ملان ساند [٧]
إذا مال من نحو العراقى أمرّه إلى نحرها منه عنان مناكد
_________________
(١) وبائع: اسم فاعل منه، يقال «باع يبوع» أى بسط باعه. مرد صلبه: لينه وطوله.
(٢) تعاديا: تباعدا. صأى: صاح. بلاقع: بالقاف، وفى ل «بلانع» بالنون، وهو خطأ لا معنى له.
(٣) البيت فى الوساطة ٢٧١ والخزانة ٢: ١٩٧.
(٤) الوطب: سقاء اللبن خاصة، وهو جلد الجذع فما فوقه.
(٥) سقاء وأسقاه بمعنى، سواء فيه «فعل وأفعل» . المحض: اللبن الخالص بلا رغوة ولم يخالطه ماء.
(٦) عزاه: غلباه. القرو: حوض طويل ترده الإبل. العلفوف، بضم العين: الشيخ الكبير السن، أو الكثير الشعر.
(٧) خثر اللبن: ثخن ليروب. ربع الحجر وارتبعه: شاله ورفعه، ولم يذكر فى المعاجم «استربع» . تروزه: تمنحنه وتقدره لتعرف ثقله.
(٨) اللفاف: جمع لفافة. الجراجر: جمع جرجرة، وهى صوت وقوع الماء فى الجوف. ساند: مستند، يقال «سند إلى الشىء واستند وتساند» .
(٩) العراقى: جمع «عرقوة» بفتح العين والواو وسكون الراء وضم القاف، وهى الخشبة المعروضة على الدلو. العنان: أراد به هنا رباط الوطب. مناكد: معاسر ممانع.
[ ١ / ٣٨٠ ]
يميل على وحشيّه فيميله لإنسيّه منها عراك مناجد [١]
فلما تجلّى الّليل عنها وأبصرت وفى سدف الّليل الشّخوص الأباعد [٢]
يقال لها: جدّى، هويت، وبادرى غناء الحمام أن تميع المزايد [٣]
فعضّت تراقيه بصفراء جعدة فعنها تصاديه وعنها تراود [٤]
تأوّبها فى ليل نحس وقرّة خليلى أبو الخشخاش واللّيل بائد [٥]
فقال: أحيّيكم، فقالت: تريدنا على الزّبد، شعب بيننا متباعد [٦]
إذا قال: مهلا أسجحى، حملقت له بزرقاء لم تدخل عليها المراود [٧]
٦٦٧* وممّا أخذ عليه قوله:
لمّا تخايلت الحمول حسبتها دوما بأيلة ناعما مكموما
الدّوم: شجر المقل، وهو لا يكمّ، إنّما يكمّ النخل [٨] . فأمّا قول
_________________
(١) الوحشى والإنسى: شقا كل شىء، ووحشى كل شىء: شقه الأيسر، وإنسيه: شقه الأيمن، وقيل بخلاف ذلك. المناجد: أصله المبارز المقاتل. يريد: أن الوطب يميل على جانبه الوحشى فتحاول رده إلى الجانب الإنسى بعراكها وجهدها الشديد.
(٢) السدف: جمع «سدفة» وهى الظلمة، يريد أن ما بقى من ظلام الليل يخفى الشخوص الأباعد.
(٣) هويت: دعاء عليها. غناء الحمام: أى: قبل غنائه فى السحر. وفى ل «عناء» بكسر العين المهملة، وهو خطأ لا معنى له. المزايد: جمع مزادة. تميع: تسيل وتذوب، يريد: بادرى لئلا يذوب ما فيها من سمن ونحوه ويسيل، إذا ما طلعت عليه الشمس.
(٤) التراقى: جمع ترقوة، وأصلها العظمة المشرفة بين ثغرة النحر والعاتق، وأراد بتراقى الوطب هنا أعاليه. وأراد بالصفراء الجعدة سنها، ووصفها بالجعودة على معنى أنها قصيرة شديدة.
(٥) تأوبها: جاءها ليلا.
(٦) الشعب: الصدع والتفرق.
(٧) أسجحى، سهلى ألفاظك وأرفقى، كما يقال: «إذا سألت فأسجح» .
(٨) فى اللسان: «أكمام النخلة ما غطى جمارها من السعف والليف والجذع، وكل ما أخرجته النخلة فهو ذو أكمام، فالطلعة كمها قشرها» وفيه أيضا: «وقد كمت النخلة، على صيغة ما لم يسم فاعله» .
[ ١ / ٣٨١ ]
النابغة الجعدىّ فى هذا المعنى:
كأنّ تواليها بالضحى نواعم جعل من الأثأب
فقد أخذ عليه، وقالوا: الجعل صغار النخل، فكيف جعله من الأثأب؟
ولا أراه إلّا صحيحا على التشبيه، كأنه أراد نواعم أثأب كالجعل وقد تسمى العرب الشىء باسم الشىء إذا كان له مشبها، ولعلّ الأثأب أن تكون تسمّى أفناؤه جعلا، كما تسمّى أفناء النخل وقصاره جعلا [١] .
٦٦٨* وممّا سبق إليه قوله فى الإبل:
إذا القوم قالوا: وردهنّ ضحى غد تواهقن حتّى وردهنّ طروق [٢]
وقال آخر:
إذا القوم قالوا: وردهنّ ضحى غد تواهقن حتّى وردهنّ عشاء
(إذا استخبرت ركبانها لم يخبّروا عليهنّ، إلّا أن يكون نداء)
_________________
(١) الأثأب: شجر عظيم كبير يستظل تحته العدد الكثير من الناس، ينبت نبات الجوز، وورقه كورقه، وله ثمر مثل التين الأبيض يؤكل، وله حب مثل حبه. الأفناء: قال ابن جنى: «واحد أفناء الناس أفناء، ولامه واو، لقولهم شجرة فنواء: إذا اتسعت وانتشرت أغصانها، قال: وكذلك أفناء الناس: انتشارهم وتشعبهم» . فالظاهر أن أفناء النخلة صغارها التى تنبت حولها.
(٢) تواهقن: تساير متباريات، المواهقة: أن تسير مثل سير صاحبك.
[ ١ / ٣٨٢ ]