٦٩٠* كان نصيب [٢] عبدا أسود لرجل من أهل وادى القرى، فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فقال فيه مدحة، فوصله واشترى ولاءه.
٦٩١* وقال أبو اليقظان [٣]: هو عبد بن كعب بن ضمرة من كنانة.
وقال آخرون: كان من بلىّ من قضاعة. وكانت أمّه أمة سوداء، فوقع بها سيّدها فأولدها نصيبا، فوثب عليه عمّه بعد موت أبيه فاستعبده، ثم باعه من عبد العزيز ابن مروان، وكان يكنى أبا الحجناء. وفيه يقول كثير [٤]:
رأيت أبا الحجناء فى الناس جائزا ولون أبى الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سواده، وإن كان مظلوما، له وجه ظالم
٦٩٢* ودخل الفرزدق على سليمان عبد الملك [٥]، وسليمان ولىّ عهد، ونصيب عنده، فقال سليمان: أنشدنا يا أبا فراس، وأراد أن ينشده
_________________
(١) ترجمته وأخباره فى الجمحى ١٤١ والأغانى ١: ١٢٥- ١٤٥ واللآلى ٢٩١- ٢٩٢ ومعجم الأدباء ٧: ٢١٢- ٢١٦ وشواهد العينى ١: ٥٣٧- ٥٣٨. وهناك شاعر آخر عبد أيضا. اسمه نصيب وكنيته أبو الحجناء، متأخر عن هذا، وهو مولى المهدى، «نشأ باليمامة، واشترى للمهدى فى حياة المنصور، فلما سمع شعره قال: والله ما هو بدون نصيب مولى بنى مروان، فأعتقه وزوجه أمة له يقال لها جعفرة، وكناه أبا الحجناء، وأقطعه ضيعة بالسواد»: له ترجمة فى الأغانى ٢٠: ٢٥- ٣٤.
(٢) نصيب: بالتصغير، وهو نصيب بن رباح، بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة.
(٣) بسكون القاف، وضبط فى ل بفتحها، وهو خطأ. وأبو اليقظان هذا سماه الجمحى ٩٧ «حويرثة بن أسماء»، وأنا أرجح أنه خطأ، وأن صوابه «جويرية» .
(٤) س ب «وفيه يقول الشاعر» وفى الأغانى ١: ١٣٥ «فهجاه شاعر من أهل الحجاز» .
(٥) القصة فى الكامل ١٥٧ واللآلى.
[ ١ / ٣٩٨ ]
بعض ما امتدحه به، فأنشده [١]:
وركب كأنّ الرّيح تطلب منهم لها سلبا، من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الرّيح وهى تلفّهم إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارا يقولون: ليتها وقد خصرت أيديهم، نار غالب [٢]
فغضب سليمان، فأقبل على نصيب فقال: أنشد مولاك يا نصيب، فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم قفا ذات أوشال ومولاك قارب [٣]
قفوا خبّرونى عن سليمان إنّنى لمعروفه من أهّل ودّان طالب [٤]
فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال له سليمان: أحسنت، وأمر له بصلة، ولم يصل الفرزدق، فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشّعر أكرمه رجالا وشرّ الشّعر ما قال العبيد
وفيه يقول:
إذا اعتاص القريض عليك فامدح أمير المؤمنين تجد مقالا
أتتك بنا قلاص يعملات وضعن مدائحا وحملن مالا [٥]
٦٩٣* ودخل الأقيشر [٦] على عبد الملك بن مروان وعنده قوم، فتذاكروا
_________________
(١) من أبيات ستة فى ديوانه ٣٠- ٣١.
(٢) خضرت: بردت، يقال «خصر الرجل» إذا آلمه البرد فى أطرافه.
(٣) ذات أوشال: موضع بين الحجاز والشأم، نص عليه البكرى فى معجم ما استعجم ١: ٢١٢ وذكر البيت. وقفاه: خلفه. والأبيات فى الأمالى ١: ٩٤ ومعجم البلدان ٨: ٤٠٥ ولكنه لم يذكر «ذات أو شال» فى موضعها.
(٤) ودان، بفتح الواو: قربة بين مكة والمدينة قريبة من الجحفة.
(٥) اليعملة: الناقة النجيبة السريعة المطبوعة على العمل.
(٦) ستأتى ترجمته ٣٥٢ ل.
[ ١ / ٣٩٩ ]
الشعر، وذكروا قول نصيب [١]:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت فيا يح دعد من يهيم بها بعدى
فقال الأقيشر: والله لقد أساء قائل هذا الشعر، قال عبد الملك: فكيف كنت تقول لو كنت قائله؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت أوكّل بدعد من يهيم بها بعدى
قال عبد الملك: والله لأنت أسوأ قولا منه حين توكّل بها! فقال الأقيشر:
فكيف كنت تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت فلا صلحت هند لذى خلّة بعدى [٢]
فقال القوم جميعا: أنت والله يا أمير المؤمنين أشعر القوم.
٦٩٤* وممّا يختار له قوله فى مولاه:
لعبد العزيز على قومه وغيرهم منن غامره [٣]
فبابك ألين أبوابهم ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالمعتفين من الأم بابنتها الزائره [٤]
وكفّك حين ترى السائلي ن أندى من اللّيلة الماطره [٥]
فمنك العطاء ومنّا الثّناء بكلّ محبّرة سائره
_________________
(١) القصة فى الكامل ١٥٦ باختلاف فى الرواية. وفيه أيضا أن الأحوص عاب البيت على نصيب فى قصة طويلة ٥٠١- ٥٠٣. ولكن قد مضى ٢٦٩ هذا البيت برواية أخرى منسوبا للنمر بن تولب، وذكرنا هناك تصحيح صاحب الأغانى نسبته للنمر، وتخطئة من نسبه لنصيب.
(٢) صلح: من بابى «منع» و«كرم» . وقال ابن دريد: «ليس صلح بثبت» يعنى بضم اللام.
(٣) غامرة: كثيرة نغمر الناس أى تعلوهم وتغطيهم. وفى س ب «ظاهرة» .
(٤) المعتفى والعافى: من جاءك يطلب فضلا أو رزقا.
(٥) س ب «وكفك بالجود للسائلين» .
(٦) س ب «فمنك الجزاء ومنى الثناء» . محبرة: محسنة، حبرت الشعر والكلام تحبيرا، حسنته.
[ ١ / ٤٠٠ ]