٦٩٨* هو حصين بن معاوية، من بنى نمير، وكان يقال لأبيه فى الجاهليّة معاوية الرئيس، وكان سيدا، وإنما قيل له الرّاعى لأنّه كان يصف راعى الإبل فى شعره [٢] . وولده وأهل بيته بالبادية سادة أشراف. ويقال هو عبيد بن حصين [٣]، ويكنى أبا جندل. وكان أعور. وهجاه جرير لأنه اتّهمه بالميل إلى الفرزدق، فلقيه فعاتبه واستكفّه، فاعتذر إليه، وجاء ابنه جندل من خلفه، فضرب بالسوط مؤخّر بغلته، وقال له إنّك لواقف على كلب بنى كليب [٤] .
٦٩٩* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:
كأن العيون المرسلات عشيّة شآبيب دمع لم تجد متردّدا [٥]
مزايد خرقاء اليدين مسيفة أخبّ بهنّ المخلفان وأحفدا [٦] .
_________________
(١) ترجمته فى الاشتقاق ١٧٩ والأغانى ٢٠: ١٦٨- ١٧٣ والمؤتلف ١٢٢ والخزانة ١:
(٢) ٥٠٤ وأخباره مطولة فى النقائض فى مواضعها، وكذلك فى ترجمة جرير فى الأغانى والخزانة.
(٣) فى الاشتقاق أنه لقب «راعى الإبل» ببيت قاله.
(٤) هذا هو الراجح الثابت فى سائر المصادر: «عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميرى» .
(٥) وغضب لذلك جرير، فقال قصيدته الدامغة أقلى اللوم عاذل والعتابا وهى ١١٢ بيتا، وفيها يقول: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا وانظر الخزانة ١: ٣٤- ٣٦ والنقائض ٤٢٧- ٤٥١.
(٦) الشابيب: الدفعات، من الدمع والمطر وغيرهما، واحدها شؤبوب.
(٧) المزايد: حمع مزادة، وهى الراوية يحمل فيها الماء. وفى اللسان «مزائد» فى البيت، وقال عن ابن سيده: «كذا وجدناه بخط على بن حمزة مهموز» . وفيه أيضا عن ابن برى: «مزائد كان قياسها مزاود، لأنها جمع مزادة، ولكن جاء على التشبيه
[ ١ / ٤٠٤ ]
أخذه الطّرمّاح فقال:
كأنّ العيون المرسلات عشيّة شآبيب دمع العبرة المتحاتن [١]
مزايد خرقاء اليدين مسيفة يخبّ بها مستخلف غير آين [٢]
٧٠٠* وقال الراعى يصف الإبل:
نجائب لا يلقحن إلّا يعارة عراضا، ولا يشرين إلّا غواليا [٣]
أخذه الطرمّاح فقال:
أضمرته عشرين يوما ونيلت يوم نيلت يعارة فى عراض [٤]
(يعارة: ذاهبة الجسم، ويقال: يعارّ الناقة الفحل فيضربها معارضة) [٥] .
_________________
(١) بفعالة، ومثله معائش فيمن همزها» . خرقاء اليدين: غير صناع ولا رفق لها، من الخرق، وهو الجهل والحمق. مسيفة: من قولهم «أساف الخرز» أى خرمه. أخب: من الخبب، وهو السرعة، خبت الدابة: أسرعت، وأخبها صاحبها: حملها على السرعة. المخلفان: تثنية «مخلف» وهو الذى يحمل الماء العذب إلى القوم ليس معهم ماء عذب، أو يكونون على ماء ملح، ولا يكون الإخلاف إلا فى الربيع، وهو فى غيره مستعار منه. أحفدا: أسرعا، أو حملا بعيريهما على السرعة، يقال «حفد حفدا» أسرع، و«أحفد إحفادا» أسرع أو حمل دابته على الإسراع. والبيت فى اللسان ٤: ١٣٠ و١١: ٦٧، ٦٨.
(٢) المتحاتن: المتتابع، تحاتن الدمع: وقع دمعتين دمعتين، وقيل: تتابع متساويا. والبيت فى اللسان ١٦: ٢٦١.
(٣) المستخلف: هو «المخلف» الذى فسرناه فى بيت الراعى آنفا، يقال «أخلف القوم واستخلفهم» بمعنى. آين: من الأون، وهو الدعة والسكينة والرفق، يقال «آن فى السير يؤون أونا» إذا اتدع ولم يعجل، واسم الفاعل «آئن» بالهمزة، و«آين» بتسهيلها.
(٤) البيت فى الاشتقاق ٢٦٩ والكامل ١٤٣ واللسان ٧: ١٦٦ و٩: ٤٨.
(٥) البيت فى الاشتقاق أيضا ٢٦٩ غير منسوب، وهو فى الكامل ١٤٣ وقبله آخر، وكذلك فى اللسان ٧: ١٦٦ وعجزه فيه ٩: ٤٨.
(٦) تفسير «اليعارة» بأنها ذاهبة الجسم لم يذكر فى المعاجم. والعراض: أن يضرب الفحل الناقة من غير أن توطأ له، ولكن يعترضها اعتراضا، وتقول العرب إن ذلك
[ ١ / ٤٠٥ ]
٧٠١* واستحسن له قوله فى الاعتذار من ترك الزيارة:
إنى وإيّاك والشّكوى الّتى قصرت خطوى ونأيك والوجد الّذى أجد
كالماء والظّالع الصّديان يرقبه هو الشفاء له والرّىّ لو يرد [١]
٧٠٢* ومما أخذ عليه قوله فى المرأة:
تكسو المفارق والّلبّات ذا أرج من قصب معتلف الكافور درّاج [٢]
(الأرج: الطيّب الرائحة. درّاج: يذهب ويجىء) أراد المسك، فجعله من قصب ظبى المسك، والقصب: المعى، وجعله يعتلف الكافور فيتولّد عنه المسك! ٧٠٣* واستحسن له قوله فى النساء:
نحدّثهنّ المضمرات وفوقنا ظلال الخدور والمطىّ جوانح
يناجيننا بالطّرف دون حديثنا ويقضين حاجات وهنّ نوازح
٧٠٤* وقال:
_________________
(١) أكرم النتاج، وذلك لأن الولد يخرج صليبا مذكرا، ويقال لذلك الحمل الذى يقع من الاعتراض «يعارة» و«عراض»، يقال «حملته عراضا» و«حملته يعارة» . وقول الراعى «لا يشرين إلا غواليا» أى لكونها لا يوجد مثلها إلا قليلا. وقول الطرماح «أضمرته عشرين يوما» فسره المبرد فى الكامل بأنه «أن تزيد بعد الحول من حين حملت أياما نحو الذى عد، فلا يخرج الولد إلا محكما» . وحكاه فى اللسان عن المبرد أيضا ٣: ٢٠٢ ونقل تعقيب الأزهرى عليه قال: «أما بيت الطرماح فمعناه غير ما ذهب إليه، لأن معناه فى بيته صفة الناقة نفسها بالقوة، لا قوة ولدها. أراد أن الفحل ضربها يعارة، لأنها كانت نجيبة فضن بها صاحبها لنجابتها عن ضراب الفحل إياها، فعارضها فحل فضربها فأرتجت على مائه عشرين يوما، ثم ألقت ذلك الماء قبل أن يثقلها الحمل، فتذهب منتها» .
(٢) س ب «والطالع الصديان من عطش» .
(٣) البيت فى اللسان ٢: ١٧٠.
[ ١ / ٤٠٦ ]
طاف الخيال بأصحابى فقلت لهم أأمّ شذرة زارتنا أم الغول؟
لا مرحبا بابنة الأقيان إذ طرقت كأنّ محجرها بالقار مكحول [١]
سود معاصمها، جعد معاقصها، قد مسّها من عقيد القار تفصيل [٢]
٧٠٥* وقال:
وما بيضة بات الظّليم يحفّها بوعساء أعلى تربها قد تلبّدا [٣]
فلمّا علته الشّمس فى يوم طلقة وأشرق مكّاء الضّحى فتغرّدا [٤]
أراد القيام فازبأرّ عفاؤه وحرّك أعلى جيده فتأوّدا [٥]
وهزّ جناحيه فساقط نفضه فراش النّدى من متنه فتبدّدا [٦]
فغادر فى الأدحىّ صفراء تركة هجانا إذا ما الشّرق فيها توقّدا [٧]
بألين مسّا من سعاد للامس وأحسن منها، حين تبدو، مجرّدا
_________________
(١) المحجر: ما دار بالعين من العظم الذى فى أسفل الجفن، وهو بكسر الميم مع فتح الجيم، وبفتح الميم مع كسر الجيم.
(٢) عقيد القار: ما انعقد منه وغلظ، يقال «أعقدت العسل ونحوه فهو معقد وعقيد» .
(٣) الوعساء: اللين من الرمل.
(٤) يوم طلقة: يريد يوم ليلة طلقة ليس فيها قر ولا ريح، يريد يومها الذى بعدها، والعرب تبدأ بالليل قبل اليوم. أو «طلقة» صفة لليوم نفسه، والعرب تضيف الاسم إلى نعته، وزادوا فى «الطلق» الهاء للمبالغة فى الوصف. المكاء بضم الميم وتشديد الكاف: طائر فى ضرب القنبرة إلا أن فى جناحه بلقا، سمى بذلك لأنه يصفر تصفيرا حسنا.
(٥) ازبأر: انتفش. العفاء، بكسر العين: ما كثر من الوبر والريش. تأود: تثنى وتعوج.
(٦) فراش الندى: حببه الصغار.
(٧) التركة، بفتح التاء: بيضة النعام تترك فى الفلاة.
[ ١ / ٤٠٧ ]