٣٢٣* هو لقيط بن معمر، من إياد، وكانت إياد أكثر نزار عددا، وأحسنهم وجوها، وأمدّهم وأشدّهم وأمنعهم، وكانوا لقاحا لا يؤدّون خرجا [٢]، وهم أوّل معدّىّ خرج من تهامة، فنزلوا السّواد، وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق، وسنداد نهر كان بين الحيرة إلى الأبلّة. وكانوا أغاروا على أموال لأنوشروان فأخذوها، فجهزّ إليهم الجيوش، فهزموهم مرّة بعد مرّة. ثم إنّ إيادا ارتحلوا حتّى نزلوا الجزيرة، فوجّه إليهم كسرى بعد ذلك ستّين ألفا فى السلاح [٣]، وكان لقيط متخلّفا عنهم بالحيرة، فكتب إليهم [٤]:
سلام فى الصّحيفة من لقيط إلى من بالجزيرة من إياد
بأنّ الّليث كسرى قد أتاكم فلا يشغلكم سوق النّقاد [٥]
أتاكم منهم ستّون ألفا يزجّون الكتائب كالجراد
_________________
(١) الذى فى الأغانى ومختارات ابن الشجرى بخطه وجمهرة اللغة لابن دريد «يعمر» بفتح الياء والميم، وكذلك هو فى ديوانه المخطوط بدار الكتب. وفى الاشتقاق لابن دريد ١٠٤ والمؤتلف ١٧٥ «معبد» .
(٢) لقاح: بفتح اللام، يقال «قوم لقاح وحى لقاح» لم يدينوا للملوك ولم يملكوا ولم يصيبهم فى الجاهلية سباء. ب د «خراجا» .
(٣) قصة مهلكهم فى الأغانى ٢٠: ٢٣- ٢٥ وشرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ٤١- ٤٢ وأشار إليها الأسود بن يعفر النهشلى فى أبيات قوية رائعة فى المفضلية ٤٤: ٨- ١٥.
(٤) الذى فى الأغانى أنه كتب إليهم القصيدة العينية الآتية، وأنه جعل البيتين الأولين من الدالية عنوان الكتاب.
(٥) النقاد، بكسر النون: صغار الغنم، أو هى جنس منها قصار الأرجل قباح الوجوه تكون بالبحرين، الواحدة «نقدة» وتجمع أيضا على «نقد» بفتح النون والقاف فيهما.
(٦) يزجون: يرمون.
[ ١ / ١٩٥ ]
على حنق أتينكم، فهذا أوان هلاككم كهلاك عاد
فاستعدّت إياد لمحاربة جنود كسرى، ثم التقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، أصيب فيه من الفريقين، ورجعت عنهم الخيل، ثم اختلفوا بعد ذلك، فلحقت فرقة بالشأم، وفرقة رجعت إلى السواد، وأقامت فرقة بالجزيرة.
٣٢٤* وفى هذه القصّة يقول أيضا لقيط فى قصيدته:
يا دار عبلة من محتلّها الجرعا [١] يا لهف نفسى إنّ كانت أموركم
شتّى، وأبرم أمر الناس فاجتمعا أحرار فارس أبناء الملوك لهم
من الجموع جموع تزدهى القلعا [٢] فهم سراع إليكم، بين ملتقط
شوكا، وآخر يجنى الصّاب والسّلعا [٣] هو الجلاء الّذى تبقى مذلّته
إن طار طائركم يوما وإن وقعا قوموا قياما على أمشاط أرجلكم
ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا [٤] وقلّدوا أمركم، لله درّكم
رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
_________________
(١) الجرع: الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل. وتتمة البيت هاجت لى الهم والأحزان والوجعا وهو صدر قصيدة عالية بليغة، هى القصيدة الأولى فى مختارات ابن الشجرى، وهى عنده فى ٥٥ بيتا. وأرقام الأبيات التى هنا منها هى ١، ١٠، ١٤، ١٥، ٤٢- ٤٥، ٤٨، ٤٩ وفى الأغانى منها ١٨ بيتا.
(٢) تزدهى: تتهاون بها وتستخف. القلع، بفتحتين: جمع قلعة، بفتح اللام وسكونها، وهى الحصن فى الجبل.
(٣) الصاب والسلع: شجران مران. كنى بذلك عن السلاح والعدة.
(٤) البيت فى الأساس ٢: ٢٥٤ غير منسوب.
[ ١ / ١٩٦ ]
ما زال يحلب درّ الدّهر أشطره يكون متّبعا طورا ومتّبعا
حتّى استمرّت على شزر مريرته مستحكم السنّ، لا قحما ولا ضرعا
_________________
(١) الشزر: فتل الحبل مما يلى اليسار، هو أشد لفتله. المريرة: من المرة، وهى إحكام الفتل، ثم أريد بها القوة، يقال «استمرت مريرة الرجل» إذا قويت شكيمته. القحم: الشيخ الهرم الكبير. الضرع، بفتح الراء: الغمر الضعيف من الرجال.
[ ١ / ١٩٧ ]