٣- الشنفرى:
إذا كان عروة يمثل الجانب الإنساني في حركة صعاليك العرب، فإن الشنفرى -ولا شك- يمثل الجانب الشيطاني فيها.
واسم الشنفرى، ونسبه، ونشأته الأولى، غامضة كل الغموض، فكل ما يعرف عن الجانبين الأولين أنه الشنفرى، وأنه كان من الإواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد١، وأن أباه كان في موضع من أهله ولكنه كان في قلة٢، وأن أمه كانت سبية٣.
والشنفرى أحد أولئك الأغربة الذين رأينا أنهم كانوا يمدون حركة الصعلكة بجماعات كبيرة من الصعاليك، ويضعه صاحب لسان العرب نقلا عن ابن سيده عن ابن الأعرابي بين "أغربة العرب"٤، وكذلك يفعل صاحب تاج العروس نقلا عن التهذيب والمحكم ولسان العرب٥، ويضعه ابن الأعرابي في نوادره بين أغربة الجاهلية٦، والشنفرى نفسه يصرح في بعض شعره بأنه "هجين"٧.
ولكن يبدو أن الشنفرى يأبى إلا أن يوقعنا في إشكال غامض، فإنه بعد بيت واحد من تصريحه هذا يعود فيصرح بأنه أمه "ابنة الأحرار"٨، وهنا نقف لنتساءل: كيف يتفق التصريحان وبينهما هذا التناقض الظاهر؟ ونعود إلى أخبار الشنفرى في مصادرها المختلفة نسألها الإجابة عن هذا التساؤل، ولكنا لا نظفر مع الأسف بشيء، فإن رواة أخباره لم يقفوا عند هذا التناقض، ولم يقدموا لنا الوسائل التي تعيننا على هذه الإجابة؛ لأنهم لم يذكروا شيئا له قيمة عن أسرة الشنفرى، لا عن أبيه ولا عن أمه، حتى ليلاحظ الأستاذ
_________________
(١) ١ كذا في الإغاني ٢١/ ١٣٤، والذي في خزانة الأدب للبغدادي "٢/ ١٦" الأواس بفتح الهمزة، والحجر بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، والهنء بتثليث الهاء وسكون النون وبعدها همزة، وهو الذي في ديوانه المطبوع/ ٢٧. ٢ ابن الأنباري: شرح المفضليات/ ١٩٨. ٣ المصدر السابق/ ١٩٥. ٤ انظر مادة "غرب". ٥ مادة "غريب". ولكن الغريب أن يذكره هذان المصدران بين الأغربة الإسلاميين وهو خطأ فاحش، فكل مصادر حياة الشنفرى صريحة في أنه جاهلي، والأغرب من هذا أن ينقل ناشرو "الأغاني" بدار الكتب المصرية نص التاج في أحد هوامشهم "٨/ ٢٤٠" دون أية إشارة إلى ما فيه من خطأ. ٦ السيوطي: المزهر ٢/ ٢٦٩. ٧ الأغاني ج٢١ ص١٣٤ س٢٠. ٨ المصدر السابق ص١٣٤ س٢٢.
[ ٣٣١ ]
lyall أن "أصل الشنفرى ونسبه مسألتان شديدتا الغموض"١. والواقع أن أخبار الشنفرى كلها قليلة ومضطربة حتى ليعارض رواتها بعضهم بعضا، ومن هنا ترددت كلمة "لا" النافية في أول كل خبر منها٢. ومن الحق ما يذكره lyall من أن القصص التي تروى حول الشنفرى لا تتفق دائما مع قصائده، وإنما هي أقرب إلى أن تكون صورة من الأساطير الشعبية التي كثرت حول أبطال العصر الجاهلي من أن تكون أخبارا حقيقية٣.
ومع ذلك فلا بد من محاولة للإجابة عن هذا التساؤل.
يرى fresnel أنه من المحتمل أن تكون أم الشنفرى مولودة من أب حر وأم أمة، وبهذا يكون الشنفرى من أولئك الذين يطلقون عليهم في الولايات الأمريكية اسم quarteron٤. ولكن هذا الأمر لا يعدو أن يكون فرضا، وصاحبه يصرح بأنه شيء من الممكن أن يُفترض٥، وهكذا تظل المشكلة قائمة، ويظل السؤال واردا.
أما أنا فيبدو لي أن المسألة أيسر من هذا، وأنها لا تحتاج إلى تكلف مثل هذا الفرض الاحتمالي، وأن وصف الشنفرى لأمه بأنها "ابنة الأحرار" لا يعدو أن يكون تعبيرا عاطفيا يتلاءم مع ذلك الجو العاطفي الشديد الحساسية الذي قيلت فيه الأبيات٦، فهو صرخة من نفس الشنفرى الحساسة في وجه ابنة سيده المتعجرفة، يعلن لها فيها أن العبودية وضع اجتماعي خاطئ لا يُعترف به؛ لأن الله لم يخلق الناس عبيدا، وأنه إذا كانت الأوضاع الظالمة قد جعلت
_________________
(١) ١ the mufaddaliyat، vol. ١١ "translation and notes"، p. ٧٣ "n. ٨٢"، oxford، ١٩١٨. ٢ الأغاني ٢١/ ١٣٧-١٤٢. ٣ the mufaddaliyat، vol. ١١ "translation and notes"، p. ٦٨. ٤ fulgence fresnel; lettres sur l'histoire des arabes avant l'islamisme، "ire lettre"; p. ٦٣. والكلمة معناها من أبوه أبيض وأمه من أبوين أحدهما أبيض والآخر أسود أي أن فيه الربع من دم زنجي. ٥ ibid.; p. ٩٣. ٦ الأغاني ٢١/ ١٣٤، ١٤٢.
[ ٣٣٢ ]
من أُمه أَمة فإن هذا لا يغير من الوضع الإلهي الذي خلقها الله عليه، فهي ابنة أحرار قبل أن تكون أَمة، ولو أن هذه الفتاة المتعجرفة عرفت أصلها لعرفت أنها ابنة أحرار مثلها، ولهذا يعقب على قوله "وأمي ابنة الأحرار" بقوله "لو تعرفينها"، فكأنه يقول لها ذلك القول الذي قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص فيما بعد: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ وكأن المسألة عنده مسألة نسبية، فإذا كانت هذه الفتاة ترى أُمه أَمة فإنه يراها ابنة أحرار.
ومع ذلك فما زال في المشكلة جانب يحتاج إلى تفسير، وهو قول الشنفرى بعد ذلك:
#إذا ما أروم الود بيني وبينها
يوم بياض الوجه مني يمينها١#
والذي يبدو لي أن وصف الشنفرى لوجهه بالبياض إما أن يكون على طريقة العرب في التعبير عن اللديغ بالسليم، وإما أن يكون لونا من السخرية من اهتمام هؤلاء السادة بمسألة اللون. ومع ذلك فهذا لبيت لم يرد إلا في رواية واحدة من روايات الأغاني المتعددة عن هذه القصة، وهي رواية مجهولة الراوية، فيها بعض تفصيلات غير معقولة٢.
ومهما يكن من أمر فإن لفظة "الشنفرى" تحمل في طياتها دليلا على أصل هذا الشاعر، فمن معاني هذه اللفظة الرجل الغليظ الشفتين٣، وغلظ الشفتين -كما هو معروف، وكما يقرر علماء الأجناس- من سمات الجنس الأسود. ويجعل fresnel هذه الظاهرة من أدلته على أنه "من المؤكد أن أم الشنفرى كانت أمة سوداء أو من دم مختلط"٤، كما يجعلها lyall دليلا
_________________
(١) ١ الأغاني ٢١/ ١٤٢. ٢ انظر المصدر نفسه الصفحة نفسها. ٣ الزمخشري: أعجب العجب في شرح لامية العرب/ ١١، والبغدادي: خزانة الأدب ٢/ ١٦. ٤ lettres sur l'histoire des arabes avant l'islamisme، "ire. lettre"، p. ٩٣.
[ ٣٣٣ ]
على أنه "من المرجح أن دما إفريقيا زنجيا أو حبشيا كان يجري في عروفه"١.
أما عن بدء تصعلكه فإنه غامض كل الغموض، وتروى عنه ثلاث روايات: إحداها عن محمد بن هشام النمري بسنده وتذكر أن الشنفرى أسرته بنو شبابة بن فهم فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن مفرج٢ من الأزد رجلا من بني شبابة، ففدته بنو شبابة بالشنفرى، فكان الشنفرى في بني سلامان لا تحسبه إلا أحدهم حتى نازعته بنت الرجل الذي كان في حجره، وكان السلامي اتخذه ولدا، فقال لها الشنفرى: اغسلي رأسي يا أخية، فأنكرت أن يكون أخاها ولطمته، فذهب مغاضبا حتى أتى الذي اشتراه من فهم، فقال له: اصدقني ممن أنا؟ قال: أنت من الإواس بن الحجر، قال: أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني٣.
وأما الثانية فعن راوية مجهول يكذب فيها هذه الرواية ويقول إن الأزد قتلت الحارث بن السائب الفهمي، فأبوا أن يبوءوا بقتله، فباء بقتله رجل منهم يقال له حرام بن جابر، فلما ترعرع الشنفرى جعل يغير على الأزد مع فهم٤.
وأما الثالثة فعن راوية مجهول أيضا يُكذب فيها هاتين الروايتين، ويقول: بل كان من سبب أمر الشنفرى أن بني سلامان بن مفرج سبت الشنفرى وهو غلام، فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له، فلما خلا بها ذهب ليقبلها، فصكت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليه ليقتله، فوجده ينشد أبياتا يأسف فيها على أن هذه الفتاة لا تعرف نسبه، فلما سمع الرجل قوله سأله: ممن هو؟ فقال: أنا الشنفرى أخو بني الحارث بن ربيعة، فقال له: لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي، فقال:
_________________
(١) ١ The Mofaddaliyat، Vol. II، p. ٦٨ ٢ ضبطت في هذا الموضع بتشديد الراء، ولكن الذي في شعره "مفرج" بتخفيفها وكسرها "انظر بيته رقم ٢٨ من تائيته في المفضليات/ ٢٠٥ وفي الأغاني ٢١/ ١٤٠" وهو الصواب "انظر القاموس المحيط: مادة فرج". ٣ الأغاني ٢١/ ١٣٤. ٤ المصدر السابق/ ١٣٧ - وباء بقتله أي أقر واعترف به.
[ ٣٣٤ ]
علي إن قتلوك أن أقتل منهم مائة رجل بك، فأنكحه ابنته، وخلى سبيله، فسار بها إلى قومه، فشدت بنو سلامان خلافه على الرجل فقتلوه، ثم أخذ يوفي بوعده للرجل فيغزو بني سلامان ويقتلهم١.
ويروي ابن الأنباري عن نشأته الأولى ثلاث روايات: اثنتين عن مؤرج، إحداهما تلك التي يرويها صاحب الأغاني عن النمري، والأخرى يقول فيها: ويقال إن السبب في غزو الشنفري الأزد وقتلهم أن رجلا منهم وثب على أبيه فقتله والشنفرر صغير، وكان أبوه في موضع من أهله ولكنه كان في قلة، فلما رأت أم الشنفرى أن ليس يطلب بدمه أحد ارتحلت به وبأخ له أصغر منه حتى جاورت في فهم، فلم تزل فيهم حتى كبر الشنفرى، فجعلت تبدو منه عرامة، وجعل يكره جانبه، فوقع في نفس تابط شرا، فكان يكرمه ويدنيه، وكان يغير مع تأبط شرا حتى صار لا يقام لسبيله٢.
والرواية الثالثة عن راوية مجهول، يقول فيها إن الأزد قتلت رجلا من فهم في خفرة رجل يقال له الحارث بن السائب الفهمي، فرهنوهم الشنفرى وأمه وأخاه، وأسلموهم ولم يفدوهم، فنشأ فيهم الشنفري، فكان شديد البأس والنفس وكان أشد فهم على الزد قتلا وسلبا٣.
ومهما يكن من أمر هذه الروايات المتناقضة المضطربة فإن المسألة في أبسط صورها ترجع إلى أن الشنفرى لسبب من السباب فقد توافقه الاجتماعي مع قبيلته الأزد، ثم انتقل إلى قبيلة فهم، تلك القبيلة المتمردة المشهورة بلصوصها٤، وهناك اتصل به تأبط شرا، ووجد فيه تلميذا ممتازا، فلقنه دروس الصعلكة الأولى حتى صار لا يقام لسبيله، ورأى الشنفرى أن فرصة الانتقام من قبيلته الأزد قد سنحت له فصب عليها كل غزواته.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه/ ١٤٢. ٢ ابن الأنباري: شرح المفضليات/ ١٩٦، وأيضا/ ١٩٨. ٣ المصدر السابق/ ١٩٧، ١٩٨. ٤ المصدر السابق/ ١٩٧، ١٩٨.
[ ٣٣٥ ]
ولعل أقرب هذه الروايات إلى الحقيقة، وأبعدها عن أوهام الرواة، الرواية الثانية التي يرويها ابن الأنباري عن مؤرج، والتي تتحدث عن قتل الأزد أباه.
والشنفري نفسه في بعض شعره يصرح بأن قومه قد أضاعوا أباه١، وفي أخباره أنه "قدم مني وبها حرم بن جابر فقيل له: هذا قاتل أبيك، فشد عليه فقتله"٢، وهو يصرح بهذا في تائيته المفضلية٣.
وأيا ما كانت الأسباب لهذا الحقد الذي ملأ نفس الشنفرى على بني سلامان فإنه قد وهب حياته للانتقام منهم، "فكان يُغير على الأزد على رجليه فيمن معه من فهم، وكان يُغير عليهم وحده أكثر ذلك"٤.
وبلغت الرغبة في الانتقام في نفس الشنفرى حدا جعله يحرص على التفنن فيه، فكان يصنع النبل ويجعل أفواقها من القرون والعظام، فإذا غزاهم عرفوا نبله بأفواقها في قتلاهم٥، وكان إذا رمى رجلا منهم قال له تحديا: أأطرفك؟
ثم يرمي عينه٦.
ويقتل الشنفرى منهم -فيما تزعم الروايات- تسعة وتسعين، ثم يتربص به أعداؤه، ثم يقتلونه بعد أن يتفننوا في تعذيبه تفننا قاسيا، ثم يمر رجل منهم بجمجمته فيضربها فتعقره فيموت، وتتم به المائة الذين كانت حلفة الشنفرى عليهم٧.
_________________
(١) ١ أضعتم أبي إذ مال شق وساده على جنف قد مال من لم يوسد ٢ الأغاني ٢١/ ١٣٧ ٣ قتلنا حراما مهديا بملبد ببطن منى وسط الحجيج المصوت "المصدر السابق: الصفحة نفسها، وانظر المفضليات/ ٢٠٥". ٤ الأغاني ٢١/ ١٣٥. ٥ المصدر السابق: ١٤٢ ٦ المصدر نفسه/ ١٣٦. ابن الأنباري: شرح المفضليات/ ١٩٦. ٧ انظر المصدرين السابقين: لأغاني/ ١٣٥-١٣٦، ١٣٧-١٣٨، ١٤٢-١٤٣، وابن الأنباري/ ١٩٦-١٩٩. وانظر أيضا ابن حبيب: المغتالين "مصورة" لوحة رقم ٩٣-٩٤.
[ ٣٣٦ ]
ويدور الجزء الأكبر من شعر الشنفرى حول هذا الصراع بينه وبين بني سلامان، والجزء الباقي منه حول أحاديث تصعلكه وفقره وتشرده وغاراته على غير بني سلامان.
ويساير هذا الشعر حياة الشنفرى منذ طفولته، فهم يروون له بيتين يخاطب بهما أمه بعد مقتل أبيه وموت أخيه١، تظهر فيهما قوة نفسه وبراعم تمرده الأولى.
فإذا ما لطمته الفتاة السلامية سجل هذه الحادثة البعيدة الأثر في حياته، وسجل أسفه لأن هذه الفتاة المغرورة لا تعرف شيئا عن نسب أبيه وأمه، ثم يتحدث إليها عن كرم نسبه٢.
ثم إذا ما بدأ الصراع المرير بينه وبين بني سلامان حرص على أن يسجل كل شيء في شعره: تهديده لهم، وتربصه بهم، وأحاديث غاراته عليهم، ويصف أسلحته التي يستخدمها، ويتحدث عن رفاق غاراته، وعن أعدائه وضحاياه، حتى إذا ما أمسك به أعداؤه وقطعوا يده رثاها بأرجوزة٣، هي مزيج من الحزن والفخر حتى لا يشمت أعداؤه به، فإذا ما أخذوا يسخرون منه ويسألونه أين يدفنونه رد عليهم بمقطوعة رائعة٤، تظهر فيها قوة نفسه، فهو لا يحرص على أن يدفن، وإنما كل ما يُوصى به أن يلقوا بجسده إلى الضبع، رفيقة تشرده.
وإلى جانب هذا التسجيل لأحاديث الصراع بينه وبين بني سلامان سجل
_________________
(١) ١ ديوانه المطبوع/ ٣٧. والأغاني ٢١/ ١٣٧. وابن الأنباري/ ١٩٦. مع اختلاف في الروايات. ٢ ديوانه المطبوع/ ٤٠، ٤١، وديوانه المصور: لوحة رقم ٢. والأغاني ٢١/ ١٣٤، ١٤٢. ٣ ابن حبيب: كتاب المغتالين "مصورة" لوحة رقم ٩٣، وديوانه المصور لوحة رقم ٤، ٥ والأغاني ٢١/ ١٣٨. وديوانه في الطرائف الأدبية/ ٤٠. ٤ ابن حبيب: كتاب المغتالين "مصورة" لوحة رقم ٩٣، ٩٤ وابن الأنباري: شرح المفضليات/ ١٩٧، وديوانه المصور لوحة رقم ٦، ٧، والأغاني ٢١/ ١٣٦، وديوانه في الطرائف الأدبية/ ٣٦، والشعر والشعراء/ ١٨، ١٩، والعقد الفريد ١/ ١١٨-١١٩.
[ ٣٣٧ ]
في شعره جوانب أخرى من حياته: فقره، وهزاله، ونعليه الممزقتين، وثيابه البالية، وحمله قربة الماء، وتشرده في الصحراء بين الوديان المخيفة حيث الجن والآساد، وغاراته على غير بني سلامان.
ويوشك ما وصل إلينا من شعر الشنفرى أن يدور كله داخل دائرة التصعلك، ونقول يوشك لأن تائيته المفضلية تبدأ بمقدمة طويلة من النسيب التقليدي١، يرسم فيها صورة رائعة ممتازة لصاحبته الحيية الوفية الجميلة.
ومما يؤسف له أن مجموعة شعر الشنفرى التي بين أيدينا -برغم أنها مجموعة في ديوان- قليلة، فإذا أخرجنا منها "لامية العرب" التي رجحنا أنها ليست له، والتائية المفضلية، فإن ما يتبقى منها طائفة من المقطوعات والقصائد القصيرة.
وأخص ما يميز أسلوب الشنفرى الفني تلك الخشونة اللفظية التي تمثل اللغة البدوية الجاهلية أصدق تمثيل، ثم تلك القوة التعبيرية التي تجعل أسلوبه أسلوبا محكما لا رخاوة فيه، هذا إلى جانب ما يمتاز به من صدق التصوير، والصراحة في النقل عن الحياة.
_________________
(١) ١ المفضليات/ ١٩٤-٢٠٢، والأغاني ٢١/ ١٣٨-١٣٩، وديوانه المصور لوحة رقم ٤٦، ٤٧.
[ ٣٣٨ ]