حين ننظر في شعر الصعاليك الذي بين أيدينا من الزاوية التي تظهر على بنائه الخارجي، فأول ما يلفت نظرنا فيه أنه شعر مقطوعات. ولسنا نعني بهذا انعدام القصيدة فيه، وإنما نعني ذيوع المقطوعة أكثر من ذيوع القصيدة.
وإذا استثنينا تائية الشنفرى المفضلية ذات الأبيات الأربعة والثلاثين في بعض المصادر١. والخمسة والثلاثين في بعض المصادر الأخرى٢، ولامية عمرو ذي الكلب الهذلي ذات الثلاثين بيتا٣، ورائية عروة بن الورد المشهورة٤. وفائة صخرة الغي الهذلي٥، وكل منهما في سبعة وعشرين بيتا، ثم تلك الأبيات المفرقة لتأبط شرا في رثاء الشنفرى التي جمعها ناشر ديوان الشنفرى وتألفت منها قصيدة في سبعة وعشرين بيتا٦، وقافية تأبط شرا المفضلية ذات الأبيات الستة والعشرين٧، وبائية الأعلم٨، وميمية أبي خراش٩، وكلتاهما في
_________________
(١) ١ المفضليات ١٩٤-٢٠٧. ٢ انظر في المصدر السابق/ ٢٠٧ تعليق lyall على البيت الأخير من التائية. ٣ شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٣٢-٢٣٧. ٤ ديوانه/ ٦٣-٨٥. ٥ شرح أشعار الهذليين ١/ ٤٢-٤٩. ٦ ديوان الشنفرى في الطرائف الأدبية/ ٢٨-٢٩. ٧ المفضليات/ ١-١٩. ٨ شرح أشعار الهذليين ١/ ٥٥-٦٠. ٩ ديوان الهذليين القسم الثاني/ ١٢٥-١٣٢.
[ ٢٥٩ ]
أربعة وعشرين بيتا، ودالية صخر الغي ذات الأبيات الثلاثة والعشرين١، إذا استثنينا هذه القصائد التسع، واستثنينا معها تلك المجموعة القليلة من القصائد الطويلة التي قيلت في أغراض عامة، والتي أخرجناها في الفصل السابق من دائرة شعر التصعلك، فإننا نجد أنفسنا أمام مجموعة كبيرة من المقطوعات التي يتراوح عدد أبيات الواحدة منها بين البيتين والسبعة، وأمام مجموعة أخرى من القصائد القصيرة التي توشك أن تكون مقطوعات لا تتجاوز أطوالها، وهي فائية للشنفرى، عشرين بيتا في بعض المصادر٢، وتسعة عشر بيتا في بعض المصادر الأخرى٣، هذا إلى جانب مجموعة كبيرة من الأبيات المفردة التي يرجح جدا أنها أبيات من قصائد أو مقطوعات لم تصل إلينا.
وقد يكون من الطريف أن نلاحظ أن كل ما وصل إلينا من شعر أبي الطمحان مقطوعات قصيرة، أطولها في أربعة أبيات٤، وأقصرها في بيتين٥، وأن كل ما وصل إلينا من شعر حاجز، ما عدا قصيدة ميمية في تسعة أبيات٦، مقطوعات قصيرة أقصرها في بيتين٧، وأطولها في سبعة٨، وأن كل ما وصل إلينا من شعر السليك مقطوعات أقصرها في بيتين٩ وأطولها في ستة أبيات١٠، وإن تكن إحداها قد بلغت أربعة عشر بيتا١١، وكذلك قيس بن الحدادية،
_________________
(١) ١ شرح أشعار الهذليين ١/ ١٢-١٣. ٢ ديوانه في الطرائف الأدبية / ٣٧-٣٩. ٣ الأغاني ٢١/ ١٤٠، ١٤١. ٤ اللامية في الحيوان للجاحظ ١/ ٣٨٠، والبيان والتبيين ٣/ ١٥٠، ١٥١، والأغاني ١١/ ١٣٢ "بولاق"، ورواية الجاحظ أصح، والبائية في الأغاني ١١/ ١٣٢، ١٣٣ "بولاق"، والقافية في المصدر نفسه / ١٣٣، والرائية في الحيوان للجاحظ ٦/ ١١٣. ٥ النونية في الأغاني ١١/ ١٣٤ "بولاق" والقافية في البيان والتبيين ٣/ ٢٠٢. ٦ الأغاني ١٢/ ٥٠ "بولاق". ٧ المصدر السابق/ ٥٢، ٥٣. ٨ المصدر نفسه/ ٥١. ٩ الأغاني ١٨/ ١٣٤، ١٣٧. والشعر والشعراء / ٢١٥. ١٠ الأغاني ١٨/ ١٣٥. والميداني: مجمع الأمثال ١/ ٣٩٩. ١١ الأغاني ١٨/ ١٣٦.
[ ٢٦٠ ]
إذا استثنينا قصيدتين له في الغزل١ لأنهما خارج دائرة التصعلك، فإن كل ما لدينا من شعره بين الأبيات الثلاثة والتسعة، بل إن تأبط شرا، ومجموعته الشعرية أوفر عددا من هؤلاء، إذا استثنينا قصيدتيه اللتين ذكرناهما بين القصائد العشر المطولات، واستثنينا خمسا أخرى بين تسعة أبيات وستة عشر بيتا٢، فكل ما يتبقى أمامنا مجموعة بين بيت واحد وستة أبيات.
وهنا نقف لنتساءل: ما السر في هذا؟
نحن بين أمرين: إما أن نفترض أن مجموعة شعر الصعاليك التي بين أيدينا ناقصة لا من حيث عدد قصائده ومقطوعاتها فحسب، ولكن من حيث عدد أبياتها أيضا. وهو فرض له إغراؤه لأنه مريح من ناحية، ولأنه يتفق مع ما يذكره مؤرخو الأدب العربي من ضياع أكثر الشعر الجاهلي من ناحية ثانية، ولأنه -من ناحية ثالثة- مقبول في مثل حالة الشعراء الصعاليك الذين رأينا أن قبائلهم لم تكن تحرص على شعرهم، وحتى لو حرصت عليه فليست السبيل إليه ميسرة لهم.
وإما أن نقبل الحقيقة الماثلة أمامنا وهي أن مجموعة شعر الصعاليك -في مجموعها- مقطوعات قصيرة، ثم نتلمس العلة في ذلك. والعلة عندي هي طبيعة حياتهم نفسها، تلك الحياة القلقة المشغولة بالكفاح في سبيل العيش التي لا تكاد تفرغ للفن من حيث هو فن يفرغ صاحبه لتطويله وتجويده، وإعادة النظر فيه، كما كان يفعل الشعراء القبليون، تلك الطائفة "الأرستقراطية" التي فرغت للفن تلك فراغا هيأته لها قبائلها لا من أجل الفن ولكن من أجل أنفسها. وإلا فما معنى تلك الفرحة التي كانت تعم أفراد القبيلة جميعا حين ينبغ فيها شاعر إن لم تعمل القبيلة على الاستفادة من شاعرها وتهيئ له أو -بتعبير أدق- لها سبيل هذه الاستفادة؟
وهل نتصور مثلا أن يفرغ الشاعر الصعلوك لفنه كما كان يفرغ زهير
_________________
(١) ١ الأغاني ١٣/ ٦، ٧، ٨ "بولاق". ٢ حماسة أبي تمام ١/ ٤٦، ٢/ ٢٦، والأغاني ١٨/ ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥.
[ ٢٦١ ]
لحولياته، أو أمرؤ القيس في حياته اللاهية الفارغة المطمئنة التي ضمن له رغدها ملك أبيه، أو النابغة في حياته المستقرة في بلاط المناذرة والغساسنة؟ الأمر الذي لا شك فيه هو أن حياة الصعاليك كانت حياة قلقة مضطربة، وأنهم جميعا كانوا يشعرون شعورا عميقا بأنها حياة قصيرة، وبأنهم دائما على موعد مع الموت الذي يترصدهم ترصد الموتور، حتى كثر ذكر الموت عندهم، وتردد الحديث عنه في شعرهم، صدى لما كان يجيش في نفوسهم من إحساس عميق بقصر حياتهم، وهل نظن شاعرا هذه طبيعة حياته يستطيع أن يفرغ لفنه يطيله ويجوده ويعيد النظر فيه المرة بعد المرة؟ أظن أن الطبيعي أن مثل هذه الحياة التي لا يكاد الشاعر يفرغ فيها لنفسه لا تنتج إلا لونا من الفن السريع الذي يسجل فيه الشاعر ما يضطرب في نفسه في مقطوعات قصير وموجزة، يسرع بعدها إلى كفاحه الذي لا ينظره ولا يمهله. أما تلك القصائد الطويلة القليلة فهي أصداء لفترات قليلة كانت تمر بحياة الشعراء الصعاليك يستريحون فيها من الكفاح في سبيل العيش، فيفرغون لأنفسهم يستخرجون من رواسبها العميقة فنا متأنيا مطمئنا مطولا مجودا رائعا ممتازا.
أما أنا فأميل كل الميل إلى هذا الرأي الثاني الذي يفسر الحقيقة الماثلة أمامنا تفسيرا واقعيا دون أن يتكلف في سبيل إنكارها الفروض النظرية التي إن جاز قبولها جاز رفضها.
ومع ذلك أليس من المحتمل أن يكون السبب في كثرة المقطوعات في شعر الصعاليك أنه وصل إلينا مفرقا في مصادر مختلفة اقتصر كل منها على ما يستشهد به منه، وأنه لو كان قد وصل إلينا مجموعا في ديوان مفردا أو دواوين مفردة لكان من الجائز أن يكون قصائد طويلة؟ وهو احتمال له وجاهته. وهنا لا يسعنا مرة أخرى إلا إبداء الأسف على عدم حصولنا على تلك المجموعة من أشعار اللصوص التي جمعها السكري، وعلى مخطوطة ديوان تأبط شرا الذي جمعه ابن جني. ولكن بين أيدينا مجموعة من الدواوين المفردة لطائفة من الشعراء الصعاليك: صخر الغي، والأعلم، وعمرو ذي الكلب، وأبي خراش في
[ ٢٦٢ ]
مجموعة أشعار الهذليين، وعروة بن الورد، والشنفرى في ديوانين مستقلين. وحين ننظر في هذه الدواوين نجد أن ظاهرة انتشار المقطوعات فيها واضحة كل الوضوح، فليس في ديوان صخر الغي سوى ثلاث قصائد طويلة١ من مجموعة شعره التي تبلغ ثلاث عشرة قطعة، ومن هذه القصائد الثلاث واحدة خارج دائرة التصعلك٢، وليس في ديوان الأعلم سوى قصيدتين طويلتين٣ من مجموعة شعره التي تبلغ ست قطع، وليس لأبي خراش سوى سبع قصائد طويلة٤، منها اثنتان خارج دائرة التصعلك٥، من مجموعة شعره الكبيرة التي تبلغ اثنتين وعشرين قطعة، وكل ما سوى هذه القصائد السبع مقطوعات وقصائد قصيرة لا تتجاوز أطولها تسعة أبيات، وأما ذو الكلب فله قطعتان: إحداهما قصيدة طويلة٦، والأخرى أرجوزة قصيرة٧، وأما عروة بن الورد فإذا أخرجنا من إحصائيتنا تلك المجموعة التي أضافها ناشر ديوانه مما عثر عليه في مصادر الأدب المختلفة؛ لأننا نبني حكمنا على ما جمعه القدماء من شعر هؤلاء الصعاليك في دواوين مفردة، واقتصرنا على المجموعة التي رواها ابن السكيت وهي تبلغ إحدى وثلاثين قطعة، فإننا لا نجد فيها سوى سبع قصائد طويلة٨، وأقصرها في أحد عشر بيتا٩، وأطولها في سبعة وعشرين١٠، وكل ما عدا ذلك مقطوعات لا تتجاوز أطولها ثمانية أبيات، وتنخفض مجموعة منها إلى بيتين، وأما الشنفرى، فإذا استثنينا اللامية التي
_________________
(١) ١ شرح أشعار الهذليين ١/ ١٢-١٣، ٣٦-٣٧، ٤٢-٤٩. ٢ المصدر السابق/ ٣٦-٣٧. ٣ المصدر نفسه/ ٥٤-٦٠، ٦٠-٦١. ٤ ديوان الهذليين القسم الثاني/ ١١٦-١٢٣ و١٢٥-١٣٢ و١٣٢-١٣٦ و١٤٤-١٤٧ و١٤٨-١٥٠ و١٥١-١٥٣ و١٦١-١٦٤. ٥ المصدر السابق/ ١٦٦-١٢٣ و١٥١-١٥٣. ٦ شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٣٢-٢٣٧. ٧ المصدر السابق/ ٢٣٩-٢٤٠. ٨ ديوانه: القصائد ١، ٢، ٣، ٦، ٧، ٩، ٢٣. ٩ المصدر السابق: قصيدة رقم ٦. ١٠ المصدر نفسه: قصيدة رقم ٣.
[ ٢٦٣ ]
تُنسب إليه أحيانا، ويشك في نسبتها إليه أحيانا أخرى، والتي بينا رأينا فيها في الفصل الأول من هذا الباب الثاني، فإننا لا نجد في ديوانه المخطوط -لأننا لا نريد أن نعتمد على ديوانه المطبوع الذي أضاف إليه ناشره طائفة من شعره من مصادر متفرقة- سوى قصيدتين طويلتين هما تائيته١ وفائيته٢، وما عداهما مقطوعات لا تتجاوز أطولها ستة أبيات٣.
أليس في هذا ما يجعلنا نقف من هذا الاحتمال موقف المتشكك في قبوله، ونظل عند ميلنا إلى قبول الحقيقة الماثلة أمامنا، وهي ظاهرة "انتشار المقطوعة في شعر الصعاليك" دون حاجة إلى تكلف فروض واحتمالات؟
_________________
(١) ١ من لوحة رقم ٤٦ - لوحة رقم ٥٠. ٢ من لوحة رقم ٥٠ - لوحة رقم ٥٢. ٣ لوحة رقم ١٠.
[ ٢٦٤ ]