إذا نظرنا بعد ذلك في مجموعة شعر الصعاليك لنتبين خصائصها العروضية فإننا نلاحظ أن الأوزان التي صاغ فيها الشعراء الصعاليك شعرهم هي الأوزان نفسها التي عرفها سائر الشعراء الجاهليين: الطويل، والبسيط، والوافر، والكامل، والمتقارب، وأمثال هذه البحور التي ترددت فيها أنغام الشعر لجاهلي.
كما نلاحظ في شعرهم الذي جاء من بحر الطويل ذلك الزحاف الشائع في الشعر الجاهلي في هذا البحر، وهو حذف ياء "مفاعيلن" ونون "فعولن" وتحول التفعيلة إلى "مفاعلن" و"فعول" وهو ما يسميه العروضيون "القبض"، وذلك قول تأبط شرا:
تقول تركت صاحبا لك ضائعا وجئت إلينا فارقا متباطنا
إذا ما تركت صاحبي لثلاثة أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا١
ومثل قول الشنفرى:
فواكبدا على أميمة بعدما طمعت فهبها نعمة العيش زلت٢
ومثل قول الأعلم:
أحبشي إنا قد يمتعنا الغنى بأموالنا نريحها ونسيمها
ونحبسها على العظائم نتقي بها دعوة الداعين، إنا نقيمها
إذا النفساء لم تخرس ببكرها غلاما ولم يسكت بحتر فطيمها٣
ومثل قول أبي خراش:
كأن النضي بعدما طاش مارقا وراء يديه بالخلاء طميل٤
والأمثلة على هذه الظاهرة العروضية أكثر من أن تعد، فهي متنشرة في شعرهم انتشارا واسعا، ويكفي أن ننظر مثلا في تائية الشنفرى المفضلية لنتبين مدى هذا الانتشار، فيما عدا أبياتا قليلة منها تنتشر هذه الظاهرة في كل بيت من أبياتها.
كما نلاحظ أيضا انتشار تلك العلة الجارية مجرى الزحاف التي تنتشر أيضا في سائر الشعر الجاهلي. وهي إسقاط أول الوتد المجموع من "فعولن"
_________________
(١) ١ الأغاني ١٨/ ٢١٣. ٢ المفضليات/ ٢٠٠. ٣ شرح أشعار الهذليين ١/ ٦٧. وانظر ص٢٤٠ من هذا البحث. ٤ ديوان الهذليين ٢/ ١٢١ - النضي: السهم بلا نصل ولا ريش. والطميل: السهم لطخه الدم.
[ ٣١٧ ]
في أول القصيدة أو المقطوعة فتتحول إلى "فعلن"، وهو ما يسميه العروضيون "الخرم". وذلك مثل قول حاجز:
إن تذكروا يوم القرى فإنه بواء بأيام كثير عديدها١
وقول أبي الطمحان:
لو كنت في ريمان تحرس بابه أراجيل أحبوش وأغضف آلف٢
وقول الشنفرى:
لا تقبروني إن قبري محرم عليكم ولكن أبشري أم عامر٣
وهي ظاهرة منتشرة أيضا في شعر الصعاليك انتشارها في سائر الشعر الجاهلي.
ولكن هناك ظاهرة عروضية تلفت النظر في شعر الصعاليك وتستحق التسجيل، وهي انتشار الرجز قبيل مصارعهم، ولعل السبب في هذا سهولة هذا الوزن، واتفاقه مع حركات القتال. وقد لقي كثير من الصعاليك مصارعهم في أثناء قتالهم مع أعدائهم، وسقطوا في أثناء هذا القتال شهداء الفكرة التي عاشوا من أجلها.
وحين ننظر في شعر الصعاليك الذي قالوه قبيل مصارعهم نجد أن كثيرا منه كان رجزا. فقيس بن الحدادية يقاتل أعداءه وهو يرتجز حتى يُقتل٤، والشنفرى في ساعته الأخيرة حين يضرب أعداؤه يده فيقطعونها يرثيها رجزا٥، وصخر الغي حين يحيط به أعداؤه في ساعته الأخيرة يرتجز حاثا أصحابه على الثبات معه وعدم الفرار حتى لتبلغ أراجيزه في الفترة الحرجة من حياته خمسا٦.
_________________
(١) ١ الأغاني ١٢/ ٥١ "بولاق" - البواء: السواء والكفء، من باء دمه بدمه إذا عدله. ٢ الأغاني ١١ / ١٣٢ "بولاق". ٣ الأغاني ٢١/ ١٣٦. ٤ الأغاني ١٣/ ٨ "بولاق". ٥ الأغاني ٢١/ ١٤٣. وشرح ابن الأنباري على المفضليات / ١٩٩. ٦ شرح أشعار الهذليين ١/ ٣١-٣٣.
[ ٣١٨ ]
ومع ذلك فلعمرو ذي الكلب١ أرجوزة طويلة يقص فيها قصة طريفة، هي غارة ذئب فاتك على غنمه، ورميه بسهم من سهامه يلقيه صريعا وقد اختضب بعضه من بعض بدم، كما يقول في نهايتها٢. ولعلها رمز لذلك الصراع الدامي بين طبقة الصعاليك المظلومة وطبقة الرأسمالية الظالمة، وانتصار الصعاليك في النهاية في هذا الصراع.
_________________
(١) ١ وتروى لأبي خراش، وتروى لرجل من هذيل غير مسمى "شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٣٩". ٢ شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٣٩، ٢٤٠.
[ ٣١٩ ]