وإذ انتهينا إلى تسجيل هذه الظاهرة ننتقل إلى تسجيل ظاهرة أخرى تتصل بها، وهي ظاهرة "الوحدة الموضوعية في شعر الصعاليك". فالناظر في شعر الصعاليك تلفت نظره تلك الوحدة الموضوعية في مقطوعاته وأكثر قصائده، بحيث يستطيع أن يضع لكل مقطوعة عنوانا خاصا بها، دالا على موضوعها. وهي ظاهرة لم تعرفها قصائد الشعر الجاهلي القبلي في مجموعه، تلك القصائد التي تبدأ عادة بمقدمة طللية، ثم تظل تنتقل من موضوع إلى موضوع حتى تصل إلى نهايتها، حتى لتصبح براعة الانتقال من المقاييس الفنية المعترف بها عند نقاد الشعر العربي القدماء.
ونستطيع أن نمضي مع مجموعة شعر الصعاليك فلا نكاد نخطئ الوحدة الموضوعية في كل مقطوعاتها وأكثر قصائدها، سواء ما كان منها في وصف المغامرات أو الحديث عن سرعة العدو أو الفرار أو تقرير فكرة اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك من موضوعات شعر الصعاليك التي عرضنا لها في الفصل السابق، ولا نكاد نجد صعوبة في وضع العناوين المختلفة لها، المعبرة عنها، الدالة على موضوعاتها، فمثلا بائية الشنفرى١ "غارة على العوص"، ورائية تأبط شرا٢ "احتيال"، وفائية السليك٣ "والعاشية المذعورة"، وبائية حاجز٤ "نجاة"، ورائيته٥ "فرار"، ورائية أبي الطمحان٦ "حنين"، وكافية تأبط شرا٧ "الصديق الصعلوك"، ورائية الشنفرى التي أنشدها قبيل مقتله٨ "نهاية الصعلوك" أو "وصية الصعلوك" أو "وليمة الضبع"، ورائيته التي أنشدها فيما كان يطالب به بني سلامان٩ "تهديد"، وفائية الأعلم١٠ "الأرستقراطي الهلوع"، وضادية أبي خراش١١ "فرحة وأحزان"، وبائيته١٢ "رقيق المرقبة"، وفائية عروة١٣ "طواف الاستقرار" ورائيته١٤ "الفقير والغني"، ولاميته١٥ "تراث الصعلوك"، وهكذا نستطيع أن نفعل بسائر مقطوعات
_________________
(١) ١ الأغاني ١٨/ ٢١٦، وديوانه في الطرائف الأدبية / ٣٢. ٢ حماسة أبي تمام ١/ ٣٨ وما بعدها. ٣ الأغاني ١٨/ ١٣٥. ٤ الأغاني ١٢/ ٥٢ "بولاق"، وحماسة البحتري / ٦٥. ٥ الأغاني ١٢/ ٥٢ "بولاق". ٦ الأغاني ١١/ ١٣٤ و١٦/ ٦٩ "بولاق". ٧ حماسة أبي تمام ١/ ٤٦. ٨ ديوانه المطبوع / ٣٦. وديوانه المصور: لوحة رقم ٦. ٩ المصدران السابقان: المطبوع / ٣٥، ٣٦، المصور / ١٠، ١١. والأغاني ٢١/ ١٣٥. ١٠ شرح أشعار الهذليين ١/ ٦٨، ٦٩. ١١ ديوان الهذليين ٢/ ١٥٧. والمبرد: الكامل / ٣٢٧، ٣٣٨. وحماسة الخالديين "مخطوطة": ورقة رقم ١١٥، ١١٦. ١٢ ديوان الهذليين ٢/ ١٥٩-١٦١. ١٣ ديوانه/ ٩١-٩٥. ١٤ ديوانه/ ١٩٨، ١٩٩. ١٥ ديوانه/ ٢٠٧.
[ ٢٦٥ ]
شعر الصعاليك وقصائده القصيرة دون أن نشعر بأي تفاوت بينها وبين عناوينها.
ونتساءل: ما موقف القصائد الطويلة في مجموعة شعر الصعاليك من هذه الظاهرة؟ وهل استجابت لها كما استجابت المقطوعات والقصائد القصيرة؟
الأمر الذي لا شك فيه والذي يلاحظه كل ناظر في هذه القصائد الطويلة أول ما يلاحظ، أنها لم تقف عند غرض واحد، بل تناولت طائفة متعددة من الأغراض، ولكن أيخرج بها هذا عن الوحدة الموضوعة أم لا يخرج؟ هذه هي المسألة.
حين ندقق النظر في هذه الأغراض المتعددة نلاحظ أنها في القصيدة الواحدة ترجع عادة إلى أصل موضوعي واحد تتفرع منه كما تتفرع أغصان الشجرة من جذعها، فليس التعدد هنا تعددا في الموضوع، وإنما هو تفرع في أغراض الموضوع، فلامية ذي الكلب الهذلي١ على كثرة ما تناوله فيها من أعراض فرعية من حديث إلى صاحبته عن عزواته، ومن حديث عن تربص أعدائه به، وتربصه بهم وتهديده إياهم، ومن حديث عن رفاقه وعن أسلحته وعن المرقبة التي يتربص فوقها، ترجع في حقيقة الأمر إلى موضوع واحد هو ذلك الصراع بينه وبين أعدائه، حتى ليصح أن نسميها "صراع الصعلوك".
ورائية عروة٢ التي يتحدث فيها عن مذهبه في الغزو ودوافعه، وعن الصعلوك الخامل والصعلوك العامل، وعن كرمه وفقره، ترجع في حقيقة الأمر إلى موضوع واحد هو فكرة التصعلك، حتى ليصح أن نجعل "فلسفة الصعلكة" عنوانا لها.
وميمية أبي خراش٣ التي يتحدث فيها إلى امرأته عن فقره وكرم نفسه، وشجاعته، وصبره على الجوع، ومغامراته، وشدة عدوه، ومقدرته على الاهتداء في الليالي المظلمة، وبراعته في الرمي، والتي يوازن فيها بينه وبين
_________________
(١) ١ شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٣٢-٢٣٧. ٢ ديوانه/ ٦٣-٨٥. ٣ ديوان الهذليين ٢/ ١٢٥-١٣٢.
[ ٢٦٦ ]
ذلك الرجل الغني الذي تطمح امرأته إليه، أليس من اليسير أن نردها إلى أصل موضوعي واحد نجعله عنوانا لها وهو "مفاخر الصعلوك"؟
وهكذا نستطيع أن نمضي مع كل قصيدة من تلك القصائد التسع المطولات فترد أغراضها الفرعية إلى أصل موضوعي واحد يصلح أن يكون عنوانا لها.
ولكن يبدو أن في هذا الحكم بعض الإطلاق، وأنه يجدر بنا أن نخفف قليلا من إطلاقه، فبين أيدينا بعض القصائد، وإن تكن قليلة جدا، لا تخضع لهذا الحكم: تائية الشنفرى وقافية تأبط شرا المفضليتان، وفائية صخر الغي وداليته، فهذه القصائد الأربع لا تخضع للوحدة الموضوعية، وإنما تتعدد موضوعاتها، وهو، وإن يكن تعددا يسيرا لا يغير من الحقيقة التي نقررها كثيرا إذ إنه في كل منه لم يتجاوز الموضوعين، فإنه على كل حال يجب أن يدعونا إلى وقفة قصيرة نحاول فيها أن نتبين السر فيه.
الذي يبدو لي تفسيرا لهذا أنه تقليد للشعر القبلي الذي كان مسيطرا على الحياة الفنية في المجتمع الجاهلي، وهذا التقليد ليس من الصعب أن نتصوره فأظن أنه ليس من اليسير أن نتصور أن الشعراء الصعاليك -برغم ما كان بينهم وبين مجتمعهم من نفور- قد بعدوا كل البعد عن الحياة الفنية في مجتمعهم أو نفروا كل النفور منها، وإنما المعقول أن نتصور أنهم كانوا أحيانا يحاولون تقليد تلك النماذج الفنية التي كان مجتمعهم يقدرها كل التقدير، لعلهم يظفرون بنوع من تقدير المجتمع لهم، ولو تقديرا فنيا، بعد أن يئسوا من تقديره لهم تقديرا اجتماعيا. ولن يضيرهم أن يقلدوا أحيانا تلك النماذج الفنية من الشعر القبلي في صورتها الشكلية، فلن يغير هذا شيئا من طبيعة حياتهم الاجتماعية المتمردة على القبيلة، ولن يغير كثيرا من تقاليدهم الفنية الأساسية.
وعلى كل حال فهذه الظاهرة، ظاهرة تقليد الشعراء الصعاليك للشعر القبلي في صورته الشكلية، ظاهرة قليلة الذيوع في مطولات شعر الصعاليك، ومنعدمة تماما في مقطوعاته، فليست من الخطر في شيء على فكرتنا التي نقررها، فكرة "الوحدة الموضوعية في شعر الصعاليك".
[ ٢٦٧ ]