قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا مُسلم وَغَيره فِي
[ ٧٦ ]
قصَّة الدَّجَّال حجَّة لمَذْهَب أهل الْحق فِي صِحَة وجوده وَأَنه شخص بِعَيْنِه ابتلى الله تَعَالَى بِهِ عباده وأقدره على أَشْيَاء من مقدوراته من إحْيَاء الْمَيِّت الَّذِي يقْتله وَمن ظُهُور زهرَة الدُّنْيَا وَالْخصب الَّذِي مَعَه وجنته وناره وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض لَهُ وَأمره السَّمَاء أَن تمطر فتمطر وَالْأَرْض أَن تنْبت فتنبت فَيَقَع كل ذَلِك بقدرة الله ومشيئته ثمَّ يعجزه الله تَعَالَى بعد ذَلِك فَلَا يقدر على قتل ذَلِك الرجل الَّذِي قَتله وَلَا غَيره فَيبْطل أمره ويقتله عِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَيثبت الله الَّذين آمنُوا
هَذَا مَذْهَب أهل السّنة وَجَمِيع الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والنظار خلافًا لمن أنكرهُ وأبطل أمره من الْخَوَارِج والجهمية وَبَعض الْمُعْتَزلَة وموافقيهم من الْجَهْمِية وَغَيرهم فِي أَنه صَحِيح الْوُجُود وَلَكِن الَّذِي زَعَمُوا مُخَارق وخيالات لَا حقائق لَهَا وَزَعَمُوا أَنه لَو كَانَ حَقًا لم يوثق بمعجزات الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَهَذَا غلط من جَمِيعهم لِأَنَّهُ لم يدع النُّبُوَّة فَيكون مَا مَعَه كالتصديق لَهُ وَإِنَّمَا يَدعِي الإلهية وَهُوَ فِي نفس دَعْوَاهُ مكذب لَهَا بِصُورَة حَاله وَوُجُود دَلَائِل الْحُدُوث فِيهِ وَنقص صورته وعجزه عَن إِزَالَة العور الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ وَعَن إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ ولهذه الدَّلَائِل وَغَيرهَا لم يغتر بِهِ إِلَّا رعاع من النَّاس لشدَّة الْحَاجة والفاقة رَغْبَة فِي سد الرمق أَو تقية وخوفا من أَذَاهُ لِأَن فتنته عَظِيمَة جدا تدهش الْعُقُول وتحير الْأَلْبَاب مَعَ سرعَة مروره فِي الأَرْض فَلَا يمْكث بِحَيْثُ يتَأَمَّل الضُّعَفَاء حَاله وَدَلَائِل الْحُدُوث فِيهِ وَالنَّقْص فيصدقه من يصدقهُ فِي هَذِه الْحَالة وَلِهَذَا حذرت الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ من فتنته ونبهوا على نَقصه وَدَلَائِل إِبْطَاله وَأما أهل التَّوْفِيق فَلَا يغترون بِهِ وَلَا ينخدعون بِمَا مَعَه لما ذَكرْنَاهُ من الدَّلَائِل المكذبة لَهُ مَعَ مَا سبق لَهُم من الْعلم بِحَالهِ وَلِهَذَا يَقُول لَهُ الَّذِي يقْتله ثمَّ يحييه مَا ازددت فِيك إِلَّا بَصِيرَة قلت
[ ٧٧ ]
وَقد ذكر هَذَا الْكَلَام مُخْتَصرا بِمَعْنَاهُ الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه التَّذْكِرَة بأحوال الْآخِرَة وَقَول القَاضِي عِيَاض ﵀ ردا على من قَالَ مَا قَالَ إِن الدَّجَّال لم يدع النُّبُوَّة فَيكون مَا مَعَه كالتصديق وَإِنَّمَا ادّعى الإلهية هَذَا لَا يَكْفِي فِي الرَّد على من ادّعى هَذِه الدَّعْوَى أَلا ترى أَنه جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه مَعَه ملكان يشبهان نبيين من الْأَنْبِيَاء لَو شِئْت سميتهما بأسمائهما وَأَسْمَاء آبائهما أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله فَيَقُول الدَّجَّال أَلَسْت بربكم أَلَسْت أحيي وأميت فَيَقُول أحد الْملكَيْنِ كذبت لَا يسمعهُ أحد من النَّاس إِلَّا صَاحبه فَيَقُول لَهُ صدقت فيسمعه النَّاس فيظنون أَنه صدق الدَّجَّال فَذَلِك فتنته وَقَوله للَّذي يقْتله ويقطعه قطعتين ويمر بَينهمَا ثمَّ يحييه فيستوي قَائِما قَالَ ثمَّ يَقُول لَهُ أتؤمن بِي فَيَقُول مَا ازددت فِيك إِلَّا بَصِيرَة وَفِي صَحِيح مُسلم فينتهي إِلَى بعض السباخ الَّتِي على الْمَدِينَة فَيخرج إِلَيْهِ رجل هُوَ خير النَّاس أَو من خير النَّاس فَيَقُول أشهد أَنَّك الدَّجَّال الَّذِي حَدثنَا بِهِ رَسُول الله ﷺ حَدِيثه فَيَقُول الدَّجَّال أَرَأَيْتُم إِن قتلت هَذَا ثمَّ أحييته أتشكون الْأَمر فَيَقُولُونَ لَا فيقتله ثمَّ يحييه أفكل هَذَا مَا هُوَ طلب لتصديقه على دَعْوَى الربوبية وَإِذا كَانَ الَّذِي يَدعِي النُّبُوَّة مُحْتَاجا على مَا يصدقهُ فَالَّذِي يطْلب الإلهية بطرِيق أولى وَالَّذِي يرد بِهِ حجَّة هَؤُلَاءِ الزائغين عَن الْحق أَن يُقَال هَذَا حَدِيث الدَّجَّال قد ثَبت فِي الصَّحِيح وَهُوَ إِخْبَار من الصَّادِق المصدوق ﷺ بِأَمْر وُقُوعه مُمكن وَإِنَّمَا قُلْنَا بإمكانه لِأَنَّهُ ثَبت أَن الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم صلوَات الله عَلَيْهِ أحيى الْمَوْتَى بِإِذن الله شَهَادَة لَهُ على دَعْوَاهُ لمن يُرِيد الله لَهُ الْإِيمَان وَهَذَا الدَّجَّال يحيي الْمَيِّت وَيفْعل غَيره من الخوارق للْعَادَة بِإِذن الله إِرَادَة من الله لكفر من أَرَادَ شقاوته لِأَن الله ابتلى بِهِ عباده ليختبرهم وَكلما أخبر بِهِ الصَّادِق فَهُوَ حق وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب خُصُوصا إِذا كَانَ من هَذَا الْبَاب
[ ٧٨ ]