ومن التلميحات الخفية ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب حصن شيرز، وهو أولهم الذي استنقذهم،
[ ٢ / ٧٨ ]
وكان قبل ملكه إياه في خدمة محمود بنصالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب سديد الملك، فبينا هو في مكانه إذ حدثت له حادثة أوجبت أن هرب، ومضى إلى مدينة طرابلس في زمن بني عماد أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح، واستعطفه ليعود إليه، فخافه، ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلًا من أهل البلد
[ ٢ / ٧٩ ]
صديقًا لابن منقذ وبينهما لحمة مودة أكيدة، فأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتابًا عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح، ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب، هلك، فأفكر وهو يكتب الكتاب في إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه، يحذر بها ابن منقذ،
[ ٢ / ٨٠ ]
فأدار فكره إلى أن كتب في آخر الكتاب عند انتهائه، إن شاء الله تعالي، وشدد إن وكسرها، وضبطها، ليعلم منه الفطن الذكي أنه ليس عن سهو، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه، وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده، وعلم ما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشني، ولولا أنه علم صفاء قلب ابن صالح ما كتب
[ ٢ / ٨١ ]
إلى، ولا غرني، ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب، وكرر نظره فيه، ثم قال: مكانك، فإن صديقك قد حذرك، وقال: لا تعد، فقال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كتب إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب، وشدد إن، وكسرها وضبطها ضبطًا صحيحًا لا يصدر مثله عن سهو، ومعنى ذلك أنه يقول: إن الملأ يأتمرون بك
[ ٢ / ٨٢ ]
ليقتلوك، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى صديقك فاسأله، فأرسل إليه، وسأله، فقال: هو ما قال ولدك، فأقام، ولم يعد إلى حلب. وهذه الحكاية ينسبها من لا اطلاع له على الأخبار إلى أبي الطيب المتنبي، ويقول: إنه أرسل إلى صاحب حلب كتابًا يقول فيه: إنه يعود إليه، وكتب في آخره إن شاء الله تعالى، وشدد إن وزاد نونها ألفًا
[ ٢ / ٨٣ ]
صغيرة، فلما ورد الكتاب، وسمع به صديقه، توهم أنه ما فهم إشارته، فساءه ذلك، ثم تأمل الكتاب، فرأى في آخره إنا شاء الله تعالى بزيادة ألف في نونها، فعلم أنه فهم، وأنه يقول: إنا لن ندخلها، وهذه موضوعة.
ومما اشتهر بين الطَّغام الذين هم كالأنعام أن أبا الطيب يمم المغرب بجماعة كثيرة، وآلات خطيرة، ونصبت خيامه
[ ٢ / ٨٤ ]
على باب مدينة حاكمها، فارتجت له دعائم معالمها، واستكشف خبره، فإذا هو شاعر أتاه، وعلم أنه يعجز عن رضاه، فقال شاعره وهو ابن هاني الأندلسي: على رده قبل أن تراه، ثم تزيا بزي غث، وتجلبب بجلباب رث، وعمد إلى شيء من الحنطة والشعير، ووضعهما على أحد الحمير، ثم مر المتنبي، وهو
[ ٢ / ٨٥ ]
ينظر إلى الماء وتجعيده بيد الهواء وهو يكرر هذا الشطر:
نسج الريح على الماء زرد
فقال ابن هانئ:
ياله درع منيع او جمد
فسأله أبو الطيب عن خبره، فأخبره أنه شاعر تلك البقاع، فاستنشده، فأنشده من مدائحه مخدومه ما تسكر منه الأسماع.
ضحك الزمانُ وكان قدْما عابسا لما فتحتَ بسيف عزمك قابسا
أنكحتها بكرًا وما أمهرتها إلا دقنًا وقواضبًا وفوارسا
من كانت البيضُ الصوارمُ مهرَة جُلبتْ له بيضُ الحصون عرائسا
الله أكبر ما اجتنبت ثمارها إلاّ وكان أبوك قبلك غارسًا
فقال: ما حباك على هذه القوافي الجليلة؟ فأشار إلى
[ ٢ / ٨٦ ]
ما على حماره، وقال هذه الجائزة الجزيلة، فقوض عن المغرب خيامه، وجعل المشرق أمامه، وبعد برهة من الزمان قصد ابن هانئ سيف الدولة بن حمدان، والمتنبي إذ ذاك شاعره، ونديمه، وصاحبه، وحميمه، وكان اطلع على تلك المكيدة، وصمم على أن يكيده، فتلقاه تلقى كثير لعزة، وأحله داره وأعزه،
[ ٢ / ٨٧ ]
واستطلع رأيه في مدح سيف الدولة، وسأله عن أسلوبه. ليتبع قوله، فأرشده، فنظم على ذلك الأسلوب ما تسجد له جباه الأفهام، ولما مثل لينشده، رآه مبانيا لذلك المقام:
سارتْ مُشرقةً وسرت مغربا شتان بين مُشرق ومُغرب
ولما أنشده ما أبدعه فلم يطرب، علم أن واحدة بواحدة جزاء،
[ ٢ / ٨٨ ]
فعدل عن ذلك الأسلوب، وأعمل قريحته، وشحذ فكرته، ونظم قصيدته التي أولها:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وأنشدها على ريق لم يبلعه، ونفس لم يقطعه، فأعجب به سيف الدولة إعجاب ابن المعتصم بحبيب، وحظي في ذلك الوقت من الجوائز بأوفر
[ ٢ / ٨٩ ]
نصيب، فحسدته الشعراء، وغبطته الأدباء، فقال المتنبي: لا يحسد الميت على النزاع، ولا يغبط من عدم بحياته الانتفاع، وسئل عن معنى ذلك فقال: رأيته قد صوح تحت أقدامه أخضر النبات، وحم ذلك المسكين لوقته، ثم مات. وهذه الحكاية الموضوعة والغربية المصنوعة، تروي على وجوه
[ ٢ / ٩٠ ]
مختلفة، وأنحاء غير مؤتلفة، وهي مأخوذة من خبرين لأبي تمام: أحدهما أنه قصد البصرة، وبها عبد الصمد بن المعذل الشاعر، فلما سمع بوصوله، خاف أن يميل الناس إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل وصوله البلد:
أنت بين اثنتين تبرز للنا س وتلقاهُمُ بوجه مُذال
لست تنفسك راجيا لوصال من حبيب أو راغبًا في نَوال
[ ٢ / ٩١ ]
أي ماء يبقى لوجهك هذا بين ذل الهوى وذل السؤال
فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده، ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، فلا حاجة لنا فيه، والثانية ما قيل إن أبا تمام امتدح أحمد بن المعتصم بقصيدته التي أولها:
ما في وقوفك ساعةً من باس نَقضي ذمام الأربُع الأدارس
[ ٢ / ٩٢ ]
فلعلّ عينيكَ أن تُعين بمائها والدمُع منه خاذلُ ومواسي
لا يُسعدُ المشتاقَ وسنانُ الهوى يَبَسُ المدامع باردُ الأنفاس
إن المنازلَ ساورتها فُرقةُ أخلتْ من الآرام كل كنَاس
من كل ضاحكة الشمائل أرهفتْ إرهاف خُوط البانة الميَّاس
بدر أطاعتْ فيك بادرةَ النوى وَلَعًا وشمس أولعت بشمِاس
[ ٢ / ٩٣ ]
وإذا مشتْ تركتْ بقلبك ضِعف ما بحُليها من كثرة الوسواس
قالت وقد حُمَّ الفراقُ فكأسه قد خولط الساقي بها والحاسي
لا تنسيَنْ تلك العهودَ فإنما سُمَّيتَ إنسانا لأنك ناسي
إن الذي خلق الخلائق قاتها أقواتها لتصرُف الأحراس
[ ٢ / ٩٤ ]
فالأرضُ معروف السماء قرى لها وبنو الرجاء لهم بنو العباس
والحمد بُرْدُ جمال اختالت به غُررُ الفَعال وليس بُردَ لباس
نَورْ العَرَاة نورهُ ونسيمه نشر الخُزامي اخضرار الآس
فلما انتهى إلى قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
[ ٢ / ٩٥ ]
قال الكندي يعقوب الفيلسوف وكان حاضرًا: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلا، ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه مثلا شَرُودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلَّ لنوره مثلا من المشكاة والنبراس
فعجبوا من سرعته وفطنته.
وما ذكر من أنه أنشد القصيدة للخليفة وأن الوزير قال: أي
[ ٢ / ٩٦ ]
شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يومًا، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا المقدار، فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ فقال: أريد الموصل، فولاه إياها، وتوجه إليها، وبقي هذه المدة، ومات، فشيء لا صحة له أصلا. والصحيح ما نقله ابن بسام في الذخيرة، قال: وقد قيل إن الكندي لما خرج، قال هذا الفتى يموت شابا، لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده، فكان كذلك، فإن الحسن ابن وهب أعتني به، وولاه بريد الموصل،
[ ٢ / ٩٧ ]
فأقام بها أقل من سنتين، وتوفي، وتمام القصيدة:
إن تحو فضل السبق في أنف الصبا يا بن الخليفة يا أبا العباس
فلرب نار منكم قد أنتْجتْ بالليل من قبس من الأقباس
غلب السرور على همومي بالذي أظهرتَ من برى ومن إيناسي
أثر المطالب في الفؤاد وإنما أثر السنسنَ ووَسُهما في الراس
[ ٢ / ٩٨ ]
فالآن حين غرستُ في كرم الثرى تلك المنى وبنيت فوق أساس
وهذه قصيدة أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي، المزعوم، أنها سيف لدولة بن حمدان، وهي في أبي الفرج الشيباني:
فُتقتْ لكم ريحُ الجلاد بعنبر وأمدّكمْ فَلَقُ الصباح المُسفرِ
[ ٢ / ٩٩ ]
وجنيتُم ثمرَ الوقائع يانعا بالنصر من وَرَق الحديد الأخضر
وضربتمُ هام الكُمادة ورُعْتُمُ بيضَ الخدور بكل ليث مُخْدرِ
أبني العوالي السَّمهريَّة والسيو ف المَشْرفَّية والعديد الأكثرِ
مَنْ منكمُ الملكُ المطاعُ كأنه تحت السوابغِ تُبَّعُ في حمْيَرِ
[ ٢ / ١٠٠ ]
القائُد الخيلِ العتاق شوازبًا خُزْرًا إلى لحظِ السنان الأخزر
شعثَ النواصي حَشْرةً آذانُها قُبّ الأباطل ظامياتِ الأنْسُر
تَنبُو سنابكُهُنَّ عن عَفَر الثَّرى فيطأْنَ في خدّ العزيز الأصعر
جيش تَقَدَّمهُ الليوثُ وفوقُها كالغيل من قصب الوشيج الأسمر
فكأنما سَلب القشاعِمَ ريشَها مما يَشُقُّ من العَجاج الأكدر
[ ٢ / ١٠١ ]
وكأنما اشتملت قَناه ببارق مُتَلّق أو عارض مُثْعَنْجر
تمتد ألسنة الصواعق فوقه عن ظُلَّتَيْ مُزْنٍ عليه كَنَهْورَ
ويقودُه الليثُ الغضنفرُ مُعْلمًا في كل شثْن اللبدتين غضنفَر
نحسَر القبولَ من الدَّبور وسار في جمع الهرَقْل وعزمةِ الإسكندر
في فتية صَدَأُ الدروع عَبيرهُم وخَلوقُهُم عَلَقُ النجيع الأحمر
[ ٢ / ١٠٢ ]
لا يأكلُ السَّرحانُ شلْوَ طعينهم مما عليه من القنا المتكسر
أنسوا بهجران الأنيس كأنهم في عبقريّ البيد جَّنةُ عَبْقَر
يغشون بالبيد القفار وإنما تَلِد السَّبَنْتي في اليباب المُقْفرِ
فرواية الصّنديد تُخبر عنهم وأسامةُ الصدَّيقُ أصدق مَخبر
قد جاوروا أجَمَ الضَّوارِي حولهم فإذا هُم زأروا بها لم تزأر
[ ٢ / ١٠٣ ]
ومشَوْا على قطع النفوس كأنما تمشي سنابك خيلهم في مَرْمر
قوم يبيت على الحشايا غيرُهم ومَبيِتُهم فوقَ الجيادِ الضُّمَّر
وتظلُّ تسبحُ في الدماء قِبابهمُ فكأنهن سفائنُ في أبحر
فحياضهم من كل مهجة خالع وخيامُهم من كل لبِدةِ قَسْور
من كل أهرتَ كالح ذي لِبدة أو كل أبيض واضَح ذي مِغْفَر
[ ٢ / ١٠٤ ]
حيُّ من الأعراب إلا أنهم يَرِدُون ماءَ الأمن غيرَ مُكَدّر
راحوا إلى أم الرئال عشيةً وغدوا إلى ظبي الكثيب الأعفر
طردوا الأوابدَ في الفَدافدِ طّردهم للأعْوجَّيِة في مجال العِثْيَر
ركبوا إليها يوم لهو قنيصهم في زيهم يوم الخميس المُصْحرِ
[ ٢ / ١٠٥ ]
إنا لتجمعنا وهذا الحيَّ من بكر أذمَّةُ سالف لم تُخْفَر
أحْلافُنا فكأننا من نسبة ولداتنا فكأننا من عنصر
اللابسين من الجلاد انْهبَوا ما أغناهمُ عن لأمة وسَنَور
لي منهمُ سيف إذا جردتُه يوما ضربتُ به رقَاب الأعْصُر
وفتكتُ بالزمن المدجج فتكة ال براض يوم هجائن ابن المنذر
[ ٢ / ١٠٦ ]
صعب إذا نوب الزمان اسُتصعبت مُتَنمر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلقَ غير مُمَّلك وإذا سطا لم تلق غير مُعَفَّرِ
وكفاه من حب السماحة أنها منه بموضع مُقلة من محْجرِ
فغمامهُ من رحمة وعراصهُ من جنة ويمينه من كوثر
وحكى عن بعض علماء القاهرة المعزية قال: كنت في حرم البيت
[ ٢ / ١٠٧ ]
الشريف، فدعاني إلى بعض الأماكن الشريف بن الشريف وسمع بتلك الدعوة أحد بني عمه الكرام، فسارع إلينا مسارعة القطر من الغمام، واتفق أن سقط من يده الكريمة حاتم به حَجَرُ ثمين القيمة، فقال له ابن الشريف: لم لم تقف على طلب ذلك الخاتم الثمين؟ فقال له ألست من أبناء أمير المؤمنين. . . ومراد ابن الشريف قول أبي الطيب:
[ ٢ / ١٠٨ ]
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتَمُهْ
ومراد ابن عمه قول المتنبي:
كذا الفاطميون الندى في بنانهم أعزُّ امَّحاءً من خُطوطِ الرواجِب
وهذا البيت من قصيدة كثيرة العيون، يمدح بها طاهر بن الحسين العلوي؛ حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسين السلمي قال: سألت محمد بن القاسم المعروف
[ ٢ / ١٠٩ ]
بابن الصوفي: كيف كان سبب امتداح أبي الطيب لأبي القاسم طاهر بن الحسين العلوي؟ فحدثني أن الأمير أبا محمد لم يزل يسأل أبا الطيب في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عند الإفطار أن يخص أبا القاسم طاهرا بقصيدة من شعره، يمدحه بها، وذكر أنه اشتهى ذلك، ولم يزل أبو الطيب
[ ٢ / ١١٠ ]
يمتنع ويقول: ما قصدت غير الأمير: وما أمتدح أحدًا سواه، فقال له أبو محمد: قد كنت عزمت أن أسألك قصيدة أخرى في فاجعلها في أبي القاسم، وضمن له عنه مائة دينار فأجابه إلى ذلك.
قال محمد بن القاسم الصوفي: فمضيت أنا والمطلبي برسالة طاهر لوعد أبي الطيب، فركب معنا أبو الطيب،
[ ٢ / ١١١ ]
حتى دخلنا عليه، وعنده جماعة من أهل بيته أشراف وكتاب، فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر عن سريره، وتلقاه بعيدًا من مكانه فسلم عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة كان فيها قاعدًا، وجلس بين يديه، فتحدث معه طويلا، ثم أنشده: قال عبد العزيز: وحدثني أبو علي بن القاسم الكاتب، قال: كنت
[ ٢ / ١١٢ ]
حاضرًا لهذا المجلس، وهو كمحدثك به أبو بكر الصوفي، ثم قال لي: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر شاعر جلس الممدوح بين يديه مستمعًا لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهرًا تلقاه، ثم أجلسه مجلسه، وجلس بين يديه، وأنشده:
أعيدوا صباحي فهْو عند الكواعب ورُدُّوا رُقادي فهو لحظُ الحبائب
[ ٢ / ١١٣ ]
فإن نهاري ليلةُ مدلهمة على مقلة من فَقْدكم في غياهب
بعيدةُ ما بين الجفون كأنما عقدتم أعالي كلّ هُدب بحاجب
هذا كقول بشار:
جفت عيني عن التغميض حتى كأن جفونَها عنها قصار
ومنها:
وأحسب أني لو هَويت فراقكم لفارقتهُ والدهر أخبثُ صاحب
[ ٢ / ١١٤ ]
هذا كقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكبُ عيناي الدموعَ لتجمدا
وفيه نقد من جهة المعنى: وقد أخذه الباخوزي، فسلم منه، وأجاد حيث قال:
ولطالما اخترتُ الفِراق مُغالطا واحتلتُ في استثمار غرسِ وِدادي
[ ٢ / ١١٥ ]
وطمعِتُ منها بالوصال لأنها تبنى الأمور على خلاف مرادي
ومنها:
فياليتَ ما بيني وبين أحبتي من البُعد ما بيني وبين المصائب
أراكِ ظننت السلك جسمي فَعُقِته عليك بِدُرَّ عن لقاء الترائب
ولو قُلم ألقيتُ في شِق رأسهِ من السقم ما غيرتُ من خط كاتب
[ ٢ / ١١٦ ]
ومنها في المديح:
كأن رحيلي كان من كَفّ طاهر فأثبتُّ كُوري في ظهور المواهب
فلم يبق خلقُ لم يَردِن فِناءه وهُنَّ له شِربُ وُرودَ المشارب
ومنها:
وأبهرُ آياتِ التِهّامِيّ أنه أبوك وإحدى ما لكم من مناقب
وإحدى تروي بالحاء والجم. وروى ابن فورجة وأكبر آيات التهامي آية
[ ٢ / ١١٧ ]
ومنها:
وما قرُبت أشباهُ قوم أباعدِ ولا بَعُدتْ أشباه قوم أقارب
ومنها:
يرى أن ما مابان منك لِضارب بأقَتل مما بان منكَ لِعائب
ألا أيها المالُ الذي قد أباده تَعَزَّ فهذا فعلهُ في الكتائب
حملتُ إليه من لساني حديقةً سقاها الحِجي سَقى الرياضَ السحائبِ
[ ٢ / ١١٨ ]
فَحُييتَ خير ابنٍ لخير أب بها لأشرف بيت في لُؤَيّ بن غالب
حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسن السلمي، قال: حدثني محمد ابن القاسم المعروف بالصوفي، قال: أرسلني الأمير أبو محمد إلى أبي الطيب، فصعدت إليه في دار يسكنها، فسلمت عليه، وعرفته رسالة الأمير أبي محمد، وأنه منتظر له، فامتنع علي وقال:
[ ٢ / ١١٩ ]
أعلم أنه يطلب شعرًا، وما قلت شيئًا، فقلت له: ليس نفترق فقال لي: اقعد إذن، ثم دخل إلى بيت في الحجرة، ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة، ثم خرج إلى، وهي لم تجف، فقلت: أنشدنيها، فامتنع، وقال الساعة تسمعها، ثم ركب، وسرنا، فدخل على الأمير، وعين الأمير ممدودة إلى الباب، منتظرًا
[ ٢ / ١٢٠ ]
لورودنا، فسأل عن سبب الإبطاء، فأخبرته الخبر، فسلم عليه، ورفعه أرفع مجلس، وأنشده القصيدة التي أولها:
أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللوائم علمتُ بما بي بسين تلك المعالم
حدث بعض المغاربة، قال: كنا عند ملك المغرب، فورد عليه مكتوب من بعض ثغوره
[ ٢ / ١٢١ ]
يتضمن أن أعداء المسلمين خرجوا من البحر وفتكوا بعساكر ذلك الثغر، حتى لم يبق منهم من ينقل السلاح، وصارت القتلى كالآكام على تلك البطاح، وكان ببادية ذلك الثغر أمير تهابه الحتوف، وتفرق من ملاقاته الألوف، فسار إليه أعداء الدين بجمع لا يبلغ عشر من قتلوا، وأرسل بأمرهم أن
[ ٢ / ١٢٢ ]
يذهبوا من حيث أتوا، فما قبلوا فتلقاهم بالبيض المشرفية والسمر الخطية، فانهزمت أرواحهم إلى النار، وثبتت أجسامهم كالأحجار، وعمد إلى سفنهم، فأغرقها، وإلى أشلائهم فأحرقها، فلما تمت قراءة الكتاب: قال: رحم الله أبا الطيب المتنبي، ومراده قوله فليس يأكل إلا الميت الضبع وهذا الشطر من قصيدة لأبي
[ ٢ / ١٢٣ ]
الطيب، يمدح بها سيف الدولة، وقد مر في غزاة السنبوس بسمندو وعبر آلس، وهو نهر عظيم ونزل، على صارخة وخرشنة، فأحرق ربضهما وكنائسهما، وقفل غانمًا، فلما صار على آلس راجعًا وافاه الدمستق، فصافه الحرب، فهزمه، وأسر من بطارقته، وقتل، ثم سار فواقعه في موضع آخر، فهزمه أيضا، ثم واقعه على
[ ٢ / ١٢٤ ]
نهر آخر، وقد مل أصحابه السفر، وكلوا من القتال، واجتاز أبو الطيب ليلا بقطعة من الجيش نيام بين قتلى الروم، فقال يذكر الحال وما جرى في الدرب من الخيانة وهي:
غيري بأكثرِ هذا الناس ينخدَع إن قاتلوا جَنُبوا أو حدّثوا شَجُعوا
[ ٢ / ١٢٥ ]
أهلُ الحفيظة إلا أن تجربهم وفي التجارب بعد الغي ما يزع
وما الحياةُ ونفسي بعد ما علمت أن الحياة كما لا تُشتهي طَبَع
ليس الجمالُ لوجه صح مازُنه أنفُ العزيز بِقَطع العزُ يجتْدع
أأطرح المجدَ عن كتفي وأطلبهُ وأترك الغيث في غمدي وأنتجع؟
والمشرفية ما زالت مُشَرفة دواء كلّ كريم أو هي الوَجَع
[ ٢ / ١٢٦ ]
وفارسُ الخيل من خفَّتْ فوقرها في الدرب والدم في أعطافها دُفَعُ
يريد بفارس الخيل سيف الدولة، ومنها:
وَأوْحَدتْه وما في قلبه قلقُ وأغضَبتْه وما في لفظه قَذَع
بالجيش تمتنعُ الساداتُ كلهم والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
قاد المقانب أقصى شُربِها نَهَلُ على الشكيم وأدنى سيرها سَرَعِ
[ ٢ / ١٢٧ ]
لا يعتقي بلدُ مسراهُ عن بلد كالموت ليس له رِيُ ولا شِبِعَ
حتى أقام على أرباض خَرْشَنةٍ تشقى به الرومُ والصُّلبان والبيِعَ
خرشنة: معروفة في بلاد الروم، والأرباض: ما حول المدينة. ومنها:
للسَّبْي ما نكحوا والقتلِ ما ولدوا والنهبِ ما جمعوا والنارِ ما زرعوا
[ ٢ / ١٢٨ ]
مُخْلىً له المرجُ منصوبا بصارخةٍ له المنابرُ مشهودًا بها الجمُع
صارخة: مدينة بالروم. ومنها:
يُطمّع الطيرَ فيهم طولُ أكلهم حتى تكادَ على أحيائهم تقع
ولو رآه حواريوُهُم لَبَنَوْا على محبته الشَّرع الذي شرعوا
ذمَّ الدمستقُ عينيه وقد طلعت سودُ الغمام فظنوا أنها قَزَعُ
القزع: قطع السحاب المتفرقة الواحدة قزعة، ومنها:
[ ٢ / ١٢٩ ]
فيها الكماة التي مفطومهاُ رجلُ على الجياد التي حَوْلُّيها جَذَع
فيها: أي في سود الغمائم. والجذع: التي أتى عليها حولان. ومنها:
تُذري اللقانُ غبارا في مناخرها وفي حناجرها من آلسٍ جُرَع
كأنها تتلقاهمْ لتسلكَهمْ فالطعن يفتح في الأجواف ما تسع
[ ٢ / ١٣٠ ]
ومنها:
وما نجا من شِفارِ البيض مُنْفلتُ نجا ومنهن في أحشائه فزع
يباشر الأمنَ دهرًا وهو مُخْتَبَل ويشربُ الخمر حولا وهو مُمْتَقَع
كم من حُشاشِة بِطْريق تضمَّنها للباترات أمينُ مالَهُ وَرَع
يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ويطرد النومَ عنه حين يضطجع
يقاتل الخطوَ عنه حين يطلبه ويطرد النومَ عنه حين عودي فتندفع
[ ٢ / ١٣١ ]
قُل للِدمستق إن المُسلَمين لكم خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
وجدتَموهمْ نيامًا في دمائكمُ كأن قتلاكُم إياهمُ فجعوا
ضَعْفى تَعِفُّ الأعادي عن مثالهمُ من الأعادي وإن هُّموا بهم نزعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق فليس تأكل إلا الميتة الضبع
ومنها:
وإنما عرّض الله الجنودَ بكم لكي يكونوا بلا فَسْل إذا رجعوا
[ ٢ / ١٣٢ ]
فكل غزو إليكم بعد ذا فَلةَ وكلُّ لسيف الدولة التَّبعُ
يمشي الكرَامُ على آثار غيرهم وأنت تخلُّق ما تأتي وتبتدعُ
وهل يَشينك وقتُ كنت فارسَه وكان غيرَك فيه العاجز الضَّرَع
من كان فوقَ محلّ الشمس موضعهُ فليس يرفعهُ شيءُ ولا يضع
[ ٢ / ١٣٣ ]
لم يُسلم الكرُّ في الأعقاب مهجتَه إن كان أسلمها الأصحابُ والشيع
ومنها:
الدهر معتذرُ والسيفُ منتظرُ وأرضُهم لك مُصطافُ ومرتبع
وما الجبالُ لِنصْران بحاميه ولو تنصر فيها الأعصمُ الصَّدعُ
الأعصم: الوعل. والصدع: ما بين السمين والمهزول. ثم قال:
[ ٢ / ١٣٤ ]
وما حَمدتكَ في هول ثبتَّ له حتى بلوتُك والأبطال تَمتَصع
فقد يُظَنُّ شجاعا من به خَرَقُ وقد يُظن جبانا من به زَمَع
إن السلاح جميعُ الناس تحملهُ وليس كلُّ ذوات المِخلب السبعُ
وقيل: إن رجلا جلس على جسر بغداد، فأقبلت امرأةُ بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب،
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقال لها: رحم الله علي ابن الجهم، فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري، وما وقفا، بل سارا مَشْرقا ومغربات، قال الرجل: فتبعت المرأة، وقلت: لئن لم تخبرني بما أراد بابن الجهم، وأردت بأبي العلاء لأفعلن بك، فضحكت، وقالت: أراد بعلي بن الجهم قوله في أول قصيدته:
[ ٢ / ١٣٦ ]
عيون المهابَينْ الرُّصافة والجسر جَلَبْنَ الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
وأردت بأبي العلاء قوله:
فيا دارَها بالخَيْف إن مزارها قريبُ ولكن دون ذلك أهوال
ومن قصيدة لأبي الطيب جمع فيها بين الغث والسمين، وهي التي أولها:
[ ٢ / ١٣٧ ]
قد علَّم البينُ منا البينَ أجفانا تَدمَى وألف في ذا القلب أحزانا
أمّلتُ ساعة واكشف معصمها ليِلبث الحيُّ دون السير حَيْرانا
ولو بَدت لأتاهَتْهم فَحجَّبها صونُ عقولَهم من لحظها صانا
بالواخدات وحاديها وبي قمرُ يَظلُّ من وخدها في الخِدر حَشْيانا
[ ٢ / ١٣٨ ]
وحشيان بالحاء المهملة من الغريب الوحشي الذي لا يأنس به السمع، ولا يقبله القلب، يقال: حشى الرجل يحشى حشى، فهو حشيان، إذا أخذه البهر.
يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر، أخذه البهر لترفه، ومن المؤدبين من يروي خشيان بالخاء المعجمة من الخشية.
ثم قال، وأحسن، ولطف، وظرف:
[ ٢ / ١٣٩ ]
قد كنت أشفق من دمعي على بصري، فاليوم كل عزيز بعدكم هانا ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا فأتى كما قاله الصاحب بأخزى الخزايا، فقال:
لو استطعتُ ركبت الناس كلهمُ إلى سعيد بن عبد الله بعزانا
قال الصاحب: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها؟
[ ٢ / ١٤٠ ]
والممدوح لعل له عصبة لا يريدن يركبوا إليه، فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب، وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيسُ أعقلُ من قوم رأيتهمُ عما يراه من الإحسان عُميانا
ثم قال وأجاد في مدح أولية الممدوح:
[ ٢ / ١٤١ ]
إن كوتبوا أو لُقُوا أو حوربوا وُجدوا في الخط واللفظ والهيجاء فُرسانا
كأن ألسنهم في النطق قد جُعلتْ على رماحهمُ في الطعن خُرْصانا
كأنهم يَردون الموتَ من ظمأ أو يَنْشَقون من الخطّى ريحانا
[ ٢ / ١٤٢ ]
ثم قال:
خلائق لو حواها الزَّنج لانقلبوا ظُمْيّ الشِفاه جِعاد الشَّعْر غُرّانا
قال الصاحب: الزنجي لا يوجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلبون عن الجعودة إلى الجعودة وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة:
[ ٢ / ١٤٣ ]
وملمومةُ زَرَدُ ثوبُها ولكنه بالقنا مُخْملُ
يفاجيء جيشا بها حَيْنهُ وُينذر جيشا بها القَسْطلُ
ثم يتصرف في هذا الكلام الغث الرث، فيتبعه به، حيث يقول:
جعلتكُ بالقلب لي عُدَّةً لأنك باليد لا تُجعل
ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحى له منه.
وهذه القصيدة
[ ٢ / ١٤٤ ]
قالها في سيف الدولة، وهو بميافارقين، وقد ضربت له خيمة كبيرة، وأشاع الناس أن مقامه يتصل أياما، فهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الناس عند سقوطها، فقال أبو الطيب:
أيقدحُ في الخيمة العُذَّلُ وتَشمل مَن دهرهَا يشمل
وتعلو الذي زُحَلُ تحته مُحال لعمُرك ما تُسأل
[ ٢ / ١٤٥ ]
فلمْ لا تلوم الذي لامها وما فصُّ خاتمه يَذْبُل
يقول فلم لا تلوم الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس الذي أعجزها الاشتمال عليه يقصر يذبل مع عظمة عن فص خاتمه، والضمير في خاتمه راجع إلى سيف الدولة. وقيل معناه: فلم لا تقول الخيمة للائمها ما فص خاتمك يذبل، فإن قال اللائم: يذبل جبل،
[ ٢ / ١٤٦ ]
وكيف يصح أن يتختم به؟ قالت له الخيمة: وكيف يصح أن تثبت خيمة، وتشتمل على من شمل دهرها؟ وقيل المعنى: فلم لا تلوم الخيمة لائمها على أن ليس فص خاتمه يذبل؟ فكما أن لوم الإنسان على ذلك مستحيل لأنه ليس في الطاقة فكذلك لوم الخيمة، وقال:
[ ٢ / ١٤٧ ]
تضيقُ بشخصِك أرجاؤها ويَركُض في الواحد الجَحفل
وتقصر ما كنتَ في جوفها وتُركز فيها القنا الذّبل
وكيف تقوم على راحةٍ كانّ البحارَ لها أنُمل
فليت وَقارك فرّقته وحمّلت أرضَك ما تحمل
أي لو فرقته لخص الخيمة ما يوقرها ويثبتها عن السقوط:
[ ٢ / ١٤٨ ]
فصار الأنامُ به سادةً وسُدْتهمُ بالذي يَفضُل
رأتْ لون نُورِك في لونها كلون الغزالة لا يُغسل
أي اكتسبت من نورك ما صارت به كالشمس التي لا يزول نورها.
وأن لها شرفا بذخا وأن الخيامَ بها تخجَلُ
[ ٢ / ١٤٩ ]
فلا تنكرنَّ لها صَرْعةً فمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناسُ ما بُلَّغِتْ لخانتهمُ حولك الأرجل
ولما أمرت بتَطْنيبها أشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد اللهُ تقويضها ولكن أشار بما تفعل
وعرّف أنك من هّمه وأنك في نصره تَرفُل
وعرف أنك من همه: أي من إرادته.
ومما يشان علي بن أبي الطيب المتنبي استكراه اللفظ وتعقيد المعنى،
[ ٢ / ١٥٠ ]
وهو أحد مراكبه الخشنة التي يتسنمها، ويأخذ عليها في الطرق الوعرة، فيضل، ويضل، ويتعب، ويتعب، ولا ينجح، إذ يقول في وصف الناقة:
شِيَمُ الليالي أن تُشكك ناقتي صدري بها أفضى أم البيداء
فتبيت تُسئل مُسئدا في نَيَّها إسْآدها في المَهْمَةِ الإنضاءُ
الإسآد: إسراع السير، والني: الشحم والسمن، والإنضاء: مصدر
[ ٢ / ١٥١ ]
أنضاه ينضيه إذا هزله، ومسئدا: حال من الناقة، وهو اسم فاعل وفاعله الإنضاء. يقول: تبيت ناقتي تسير سائرًا في جسدها الهزال سيرها في المهمة. وهما من قصيدة يمدح بها أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب وأولها:
أمِن ازديارك في الدجى الرقباءُ إذ حيث كنتِ من الظلام ضياءُ
[ ٢ / ١٥٢ ]
أخذه من قول علي بن جبلة:
بأبي من زارني مُكتتما حَذرًِا من كل واش جذعًا
طارقُ نَمَّ عليه نورهُ كيف يُخفي الليل بدرا طلعا؟
رصد الخلوةَ حتى أمكنتْ ورعى السامرَ حتى هجعا
كابد الأهوالَ في زورته ثم ما سلم حتى وّدعا
[ ٢ / ١٥٣ ]
قال:
قلقُ المليحة وهي مِسكُ هتكُها ومسيرها في الليل وهي ذُكاء
كأنه من قول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئتُ طارقا وجدت بها طيبًا وإن لم تَطَيبَِّ
وقول الآخر
دُرّة كيفما أديرتْ أضاءت ومَشَمُ من حيث ما شُمّ فاحا
ومن هذا قول بشار:
[ ٢ / ١٥٤ ]
وتَوَق الطيبَ ليلتنا إنه واش إذا سطعا
ومن هذا المعنى قول الآخر:
وأخفَوْا على تلك المطايا مسيرَهم فنَمّ عليهم في الظلام التنسمُ
وقال أبو عبادة البحتري:
وحاولنَ كِمّانَ الترحل في الدجى فنمّ بهن المسكُ حين تضوّعا
[ ٢ / ١٥٥ ]
وقال أيضًا:
وكان العبيرُ بها واشيًا وجَرْسُ الحُلِبيّ عليها رقيبا
وزاد أبو المطاع بن ناصر الدولة على الجميع بقوله:
ثلاثةُ منعتْها من زيارتنا وقد دجا الليلُ خوفَ الكاشح الحِنق
ضوءِ الجبين ووَسواسُ الحُليّ وما يفوح من عَرق كالعنبر العَبِق
هَبِ الجبينَ بفَضلْ الكُمّ تستره والحَليْ تنزعه ما الشأن في العرق؟
[ ٢ / ١٥٦ ]
ومنها:
بيني وبين أبي علي مثلهُ شمُّ الجبال ومثلهنُ رجاءُ
وعِقابُ لُبنان وكيف بِقطعها وهْو الشتاء وصيفُهن شتاء
لَبَس الثلوجُ بها عليّ مسالكي فكأنها ببياضها سوداءُ
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة سال النضار بها وقام الماءُ
وفي هذا البيت نقد قد يظهر
[ ٢ / ١٥٧ ]
بالتأمل.
ومنها:
في خطه من كل قلب شهوةُ حتى كأن مدادَه الأهواء
ولكل عين قُرةُ في قربه حتى كأن مغيبهِ الأقذاء
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي في القول حتى يفعل الشعراء
ومنها:
من يظلم اللؤَماءَ في تكليفهم أن يُصبحوا وهُم له أكفاء
[ ٢ / ١٥٨ ]
ونذَيمهم وبهم عرفنا فضله وبضدها تتبين الأشياء
[ ٢ / ١٥٩ ]
وقد أكثر الشعر في هذا المعنى: فقال أبو تمام:
وليس يَعرف طيبَ الوصل صاحبهُ حتى يُصاب بنأي أو بِهجران
وقال أيضا:
والحادثات وإن أصابك بؤسُها فهو الذي أنباك كيف نعيمُها
وقال أيضا:
سمُجت ونبهنا على استساجها ما حولها من نَضْرة وجمال
فلذاك لم تُفْرطْ كآبة عاطلٍ حتى يجاورها الزمان بحالي
وقد مَلحُ بشارُ في قوله:
وكُنّ جواري الحيّ ما دمت فيهمُ قِباحًا فلما غبت صرنَ مِلاحا
وقال البحتري:
وقد زادها إفراط حسن جِوارها خلائق أصفار من المجد خُيّب
وحسنُ داريّ الكواكب أنَ تُرى طوالع في داج من الليل غيهب
ومنها:
مَن نفعهُ في أن يُهاج وضره في تركه لو تَفطن الأعداء
فالسلم يكسر من جناحي ماله بنواله ما تجبرُ الهيجاء
ومنها:
يا أيها المُجديَ عليه روحهُ إذ ليس يأتيه لها استجداء
أحْمدْ عُفاتَك لا فجعت بفقدهم فَلترك ما لم يأخذوا إعطاء
لا تَكثر الأمواتُ كثرةَ قِلةّ إلا إذا شقيتْ بك الأحياء
والقلب لا ينشق عما تحته حتى تحل به لك الشحناء
ومنها:
أبدأتَ شيئًا منك يُعرف بدؤه وأعدتَ حتى أنكر الإبداء
فالفخر عن تقصيره بك ناكب والمجد من أن تستزاد براء
فإذا سئلت فلا لأنك محِوجُ وإذا كُتِمت وشت بك الآلاء
وإذا مُدحت فلا لتكسب رِفعة للشاكرين على الإله ثناء
وإذا مُطرت فلا لأنك مُجدِب يُسقى الخصيبُ وتمُطر الدأماء
لم تحك نائَلَك السحابُ وإنما حمت به فصبيبها الرُّحضاء
لم تلقَ هذا الوجهَ شمسُ نهارنا إلا بوجه ليس فيه حياء
وآخرها:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هُو عُقِمتْ بمولد نسلها حوّاء
اللذ: لغة في الذي. يقول: لو لم تكن من هذا الورى الذي كأنه منك لأنك جماله وشرفه وأفضله، لكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد، وهذا البيت مما اعتل لفظه، ولم يصح معناه فإذا قرع السمع، لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكدا الخاطر، ثم إن ظفر به بعد العناء والمشقة فقلما يحصل على طائل.
ومما يشان على أبي الطيب قوله في المدح:
أني يكون أبا البرايا آدم وأبوك والثقلان أنت محمد
وتقديره: أني يكون آدم أبا البرايا، وأبوك محمد، وأنت الثقلان.
وقال من نسيب قصيدة:
إذا عذلوا فيها أجبتُ بأنّةٍ حُبَيّبتا قلبي فؤادي هيا جُمْل
أراد يا حبيبتي، أبدل الياء من حبيبتي ألفا تخفيفًا، وقلبي منصوب لأنه بدل من حبيبتا، وفؤادي بدل من قلبي، وهذا كقولك أخي، سيدي، مولاي، نداء بعد نداء، ويقال في النداء: يا زيد وأبا زيد، وهيا زيد. وأشباه هذه الأبيات كثيرة في شعره، كقوله:
لساني وعيني والفؤادُ وهمتي أوُدُّ اللواتي ذا اسمها منكَ والشطر
ومما ينعى علي بن أبي الطيب التعسف في اللغة والإعراب، وهو مما يشبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عند المحتجين عنه، اعتذار له، ومناضلة دونه، كقوله:
فِدىً مَنْ على الغبراء أولهم أنا لهذا الأبيّ الماجدِ الجائدِ القَرْمِ
ولك يحك عن العرب الجائد، وإنما المحكي رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد، وهذا من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي وأولها:
ملامُ النوى في ظُلمها غايةُ الظلم لعل بها مثل الذي بي من السقم
فلو لم تَغَرْ لم تَزْوِ عني لقاءكم ولو تُرِدكنُ لم تكن فيكم خَصمى
وقال محمد بن وهيب في هذا المعنى:
وحاربني فيه ريب الزمان كأن الزمان له عاشق
وقال البحتري:
قد بّين البينُ المفرقُ بيننا عشقَ النوى لربيب ذاك الرَّبرب
منها:
أمنعِمةُ بالعودة الظبيةُ التي بغير وَليّ كان نائلَها الوسمي
أصل هذا المعنى مع كثرة تداوله لبشار، حيث قال:
قد زرتني زورةً في الدهر واحدةً ثَنىَّ ولا تجعليها بيضة الديك
وقبل البيت الذي فيه لفظة الجائد:
أذاق الغواني حسنُه ما أذَقْنَني وعفّ فجازاهن عني على الصُّرْم
[ ٢ / ٦٢٨ ]
ومعنى هذا البيت ظاهر، ولكن عيب عليه قافيته فإنها وإن كانت في أصل اللغة بمعنى القطع، لكن غيرتها العامة وجعلتها دالة على ما يقبح ذكره، وهذه الكلمة وما يجري مجراها، لا يعاب البدوي على استعمالها، لأن الألفاظ لم تتغير في زمنه كقول أبي صخر الهذلي:
قد كان صَرم في الحياة لنا فَعَجِلتَ قبل الموت بالصرم
فإنه لا يعاب عليه كما عيب على المتنبي، وكقوله:
فأرحامُ شعر يتصلن لدنّه وأرحامُ مالٍ لا تنى تتقطع
وتشديد النون من لدن غير معروفة في لغة العرب. قال ابن جني لدنه فيه قبح وبشاعة، إذ لم يكن بعد النون نون، وروى يتصلن بجوده، وبعد هذا البيت:
فتى ألفُ جزء رأيُه في زمانه أقلُّ جُزَيء بعضُه الرأيُ أجمع
ألف جزء خبر مبتدأ، وهو رأيه، وأقل مبتدأ، بعضه الرأي خبره، وهذان البيتان من قصيدة أولها:
حُشاشة نفس ودعتْ يوم وَدّعوا فلم أدر أيذ الظاعنين أشيع
أشاروا بتسليم فجدنا بأنفس تَسيل من الآماق والسَّمُ أدمُع
حشاي على جمر ذكيّ من الهوى وعيناي في روض من الحسن ترتع
إلى أن قال في أثنائها في وصف القلم:
خبتْ نارُ حرب لم تهجها بنانهُ وأسمرُ عُريانُ من القِشر أصَلعُ
جعل القلم أصلع للينه، وملاسته كالرأس الاصلع.
نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ويَحفىَ فيقوى عدوهُ حين يقطع
يقول: هذا القلم رقيق الأطراف، يريد رقة جلفته، وأم رأسه: وسطه، ويحفى: أي يكل عن المشي، فيقوى عدوه إذا قط:
يَمُج ظلامًا في نهارٍ لسانُه وُيفهمِ عمن قال ما ليس يُسْمع
ذُبابُ حُسام منه أنجي ضريبةً وأعصى لمولاه وذا منه أطوعُ
بكف جوادٍ لو حكتها سحابةُ لما فاتها في الشرق والغرب موضع
وقال أبو تمام فيه من قصيدة أولها:
متى أنتَ عن ذهيلة الحيّ ذا هلُ وقلبُك منها مدةَ الدهر آهل
إلى أن قال مخاطبًا لأبي جعفر محمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلمُ الأعلى الذي بشَباتهِ تُصابُ من الأمر الْكُلى والمفاصل
لك الخلوات اللاء لولا نجيها لما احتفلتْ للملك تلك المحافل
لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُه وأرْىُ الجني اشتارته أيد عواسل
له ريقَهُ طَلُّ ولكنّ وقعَها بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب وأعجمُ إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمسَ اللِطافَ وأفرغتْ عليه شِعاب الفكِر وهْي حوافل
أطاعته أطرافُ القَنا وتَقَوَّضَتْ لِنَجْواه تقويض الخيامِ الجِحافلُ
إذا استغزر الذهنَ الذكي وأقبلت أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رَفَدتْه الخِنصران وسَدَّدَتْ ثلاثَ نواحيه الثلاثُ الأنامل
رأيتَ جليلا شأنهُ وهو مُرهف ضنىً وسمينا خطبهُ وهو ناحل
وقال بعض مداح العلامة المخدوم بهذا الكتاب من قصيدة أولها:
غفر القربُ ما جناه البعادُ وأكَّنته في الهوى الأكبادُ
إلى أن قال في وصف القلم:
ذو يَرَاع إذًا مشى يُنبتُ الدُّرَّ بأرض القرطاس مِنه المدادُ
أسمرُ ليس مثلهُ يحسْنُ الأبْ يض فعلًا والأسمر المُنْآد
عَلَمُ في العلوم يمشي على بَيْ داءِ نُور فيظهرُ الإرشاد
ذو بيان لولاهُ أخفي مرور الد م هر ما شادهَ قديما زياد
كل علم يُرامُ منه إذا ما شَدَخُوا رأسَه به يُستفادُ
وإذا أعجم الكلامَ فقد أعرب ما يَستبين منه السَّدادُ
مَقصد الكاتبين حتى إذا ما قصدُوه لم يُدركوا ما أرادوا
وتراه يجري على الرأس في خد مة باريه إن دعاه مُراد
أخرسُ غير أنه ربما ينْ طق فصلَ الخطاب وهْو جماد
رقّ جسما وسحَّ دمعًا إلى أن خِلَته مُدْنَفًا جفتْه سُعادُ
قال أبو تمام يرثى ابنين كانا لعبد الله بن طاهر صغيرين ماتا في يوم واحد بقصيدة أولها:
ما زالت الأيامُ تُخبر سائلًا أنْ سوف تَفجَع مُسْهلا أو عاقلا
إلى أن قال في أثنائها:
مجدُ تأوّب طارقًا حتى إذا قلنا أقامَ الدهرَ أصبح راحلاَ
نجمان شاء اللهُ ألا يطلُعا إلا ارتدادَ الطرفِ حتى يأفلاِ
[ ٢ / ٦٢٩ ]
إن الفجيعةَ بالرياض نواضرًا لأجلُّ منا بالرياض ذَوابلا
لَهفِي على تلك الشواهد فيهما لو أمهلتْ حتى تكونَ شمائلا
إن الهلالَ إذا رأيت نَموه أيقنتَ أنْ سيكونُ بدرًا كاملا
قل للأمير وإن لقيت مُوَقَّرًا منه يَريِبُ الحادثاتِ حُلاحِلا
إن تُرْزَ في طَرَفَي نهار واحد رَزأين هاجا لَوْعةَ وَبلابلاِ
فالثقل ليس مضاعفًا لمطيَّة إلا إذا ما كان وهما بَازِلا
لا غَرْوَ إن فَنَنان من عَيْدانه لَقِينا حِمامًا للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذبَّ منه تْمَهَلَّ ذرًا وأثَّ أسافلا
شمَختْ خلالُك أن يُواسيك امرُؤ أو أن تُذكَر ناسيا أو غافلا
إلا مواعَظ قادها لك سَمْحةً إسْجاحُ لُبك سامعًا أو قائلا
هل تَكْلَفُ الأيدي بَهزّ مُهند إلا إذا كان الحسامَ الفَاصلا
وقال أبو الطيب المتنبي في مرثية بولد صغير لسيف الدولة، أولها:
بنا منكَ فوق الرَّمل ما بكَ في الرمل وهذا الذي يُضنْي كذاك الذي يُبلي
كأنك أبصرتَ الذي بي وخِفْتَه إذا عشتَ فاخترت الحِمام على الثُكل
تركت خدود الغانيات وفوقها دموعُ تُذيب الحسنَ في الأعين النجْل
تبُل الثرى سُودا من المِسْك وحده وقد قَطَرتْ حُمرًا على الشَّعَر الجَثل
فإن تَكُ في قبر فإنك في الحَشَا وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يُبكي على قدْر سنَّة ولكن على قدر المَخيلة والأصْل
ألستَ من القوم الألىَ من رِماحهم نَداهم ومن قتلاهُمُ مُهْجةُ البخل
بمولودهم صمتُ اللسان كغيره ولكنَّ في أعطافه مَنْطقَ الفضل
تسليهمُ عَلياؤهْم عن مُصابهمْ ويَشغلهمْ كسبُ الثناء عن الشغل
أقلُّ بلاءً بالرزايا من القَناَ وأقدمُ بين الجَحْفَلين من النَّبْل
عزاءَك سيفَ الدولة المقتَدى به فإنك نصْلُ والشدائدُ للنصل
مُقيم من الهيجاء في كل منزل كأنَك من كل الصوارم في أهل
ولم أر أعصى منك للحزُن عبرةً وأثبتَ عقلا والقلوبُ بلا عقل
تخون المنايا عَهْدَه في سليسلهِ وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
ويَبقى على مرّ الحوادث صبرهُ ويبدو كما يبدو الفِرِنْدُ على الصَّقلْ
ومن كان ذا نفس كنفسك حُرةٍ ففيه لها مُعنٍ وفيها له مُسْلي
وما الموتُ إلا سارقُ دق شخصهُ ويُسلمه عند الولادة للنمل
بنفسي وليدُ عاد من بعد حَمْله إلى بطن أم لا تُطَرَّقُ بالْحَمل
بَدَا وَلهُ وعدُ السَّحابة بالرَّوَي وصَدَّ وفينا غُلَةُ البلدِ المحل
وريعَ له جيشُ العدو وما مشى وجاشت له الحربُ الضروسُ وما تَغْلى
وقد مدّت الخيلُ العتاقُ عيونَها إلى وقت تبديل الرّكاب من النعل
فانظر إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه مع اتفاقهما في بعض معانيه، وسأبين ما اتفقنا فيه، وما اختلفنا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه، فإن أبا تمام قال:
لهفي على تلك الشواهد فيهما لو أُمْهلتْ حتى تكون شمائلا
وقال أبو الطيب:
بمولودهم صمتُ اللسان كغيره ولكنَّ في أعطافه منطق الفصل
فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهو المطابقة في قوله: صمت اللسان، ومنطق الفصل، وقال أبو تمام:
نجمان شاء اللهُ ألا يطلعا إلا ارتدادَ الطَّرف حتى يأفلا
وقال أبو الطيب:
بَدَا وَلَهُ وعد السحابة بالرَّوَي وصدّ وفينا غُلة البلد المحل
فوافقه في المعنى، وزاد عليه بقوله: وفينا غلة البلد المحل. أما ما اختلفنا فيه، فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضًا، وذلك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه، فإن أبا الطيب المتنبي قال:
عزاءَك سيفَ الدولة المقتدىَ به فإنك نصلُ والشدائدُ للنصل
وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام هما:
إن تُرْزَ في طرفي نهار واحد رُزْأين هاجا لوعةً وبلابلاَ
فالثقل ليس مضاعَفًا لمطية إلا إذا ما كن وَهْما بازلا
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فإن قول أبي الطيب:) والشدائد للنصل (أكرم لفظا ومعنى، من قول أبي تمام: إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا.
وقال أيضا:
تخون المنايا عهدَه في سليله وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما:
لا غَرْو إن فَننَان من عَيْدانِه لقيا حِمامًا للبّرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذَّبُ منه اتْمَهَلَّ ذُرًا وأثّ أسافلا
وكذلك قال أبو الطيب:
ألستَ من القوم الألي من رماحهم نَداهم ومن قتلاهمُ مهجةُ البخل
تُسَليهمُ عَلياؤهمْ عن مصابهم ويشغلُهم كسبُ الثناء عن الشغل
وهذان البيتان خير من بيتي أبي اللذين هما:
شَمَخَتْ خلا لك أن يؤاسيَك امرؤ أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مَواعظَ قلدها لكَ سمْحةً إسجاحُ لبك سامعا أو قائلا
ومن تأمل هاتين القصيدتين لهذين الشاعرين المفلقين، علم فضل أبي الطيب على أبي تمام، ورأى قولي ما قالت حذام.
ومما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي وصف الأسد، ومبارزته، فحكم لأبي الطيب بالتقدم على البحتري، وذلك أن بشر بن عوانة العبدي سبقهما إلى هذه الطريقة في قصيدته الرائية، وهي من النمط العالي الذي لم ينسج على منواله، وكل الشعراء لم تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها:
أفاطُم لو شهدتِ ببْطن خَبْتٍ وقد لاقَى الهزبرُ أخاكِ بثْرًا
إذًا لرأيتِ ليثًا أمَّ ليثًا هِزبْرًا أغلبًا لاقَى هِزبرا
تقدَم ثم أحجمِ عنه مهري محاذَرةً فقلتُ: عُقرتَ مهرا
أنِلْ قدميّ ظهرَ الأرض إني وجدتُ الأرضَ أثبت منك ظَهرا
وقلتُ له وقد أبدى نِصالا مُحَدَّدة ووَجْهًا مكفهرّا
يُدِلُّ بمِخلَب وبحدّ ناب وباللحظات تحسبِهنَّ جَمرا
وفي يُمنايَ ماضي الحدّ أبقى بمَضْربه قِراعُ الحرب أُثْرَا
ألم يبلغك ما فعلتْ ظُباهُ بكاظِمة غَداةَ لقيتُ عمرا
وقلبي مثلُ قلبك ليس يَخثىَ مُصاولةً فكيف يخاف ذُعرا؟
وأنت ترومُ للأشبال قُوتا وأطلب لابنة الأعمام مَهْرا
ففيمَ تسومُ مثلي أن يُولَّي ويجعلَ في يديك النفسَ قَسْرا
نصحتُك فالتمِسْ يا ليثُ غيري طعاما إن لحميَ كان مُرّا
فلما ظن أن الغِش نصحي وخالفني كأني قلتُ هُجرا
مشى ومشيتُ من أسَدَين وأما مَراما كان إذ طلباه وَعْرا
يُكفكف غِيلةً إحدى يديه ويبسطُ للوثُوب علىّ أخرى
هززتُ له الحُسامَ فخلت أني شققتُ به لدى الظلماء فَجرا
وجُدتُ له بجائشة أرتْهُ بأنْ كَذَيتْه ما مَنتَّه غَدْرا
وأطلقتُ المهنَّدَ من يميني فقدّ له من الأضلاع عشرا
فخر مُضَرَّجا بدم كأني هدمتُ به بناء مُشْمَخِرا
وقلت له يَعز على أني قَتَلتُ مناسبي جَلَدًا وفخرا
ولكنْ رمتَ شيئا لم يُرمْهُ سواك فلم أطق يا ليثُ صبرا
فإن تَكُ قد قُتلتَ فليس عارًا فقد لاقيتَ ذا طَرَفين حُرّا
وقال أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها: أجدكَّ لا ينفكّ يسري لزينبا.
وفي أثنائها تعرض لذكر الأسد، ومبارزة الفتح بن خاقان له. قال:
وما نَقمَ الحسادُ إلا أصالة لديكَ وفعلا أرْيَحِيَّا مهذَّبا
وقد جربوا بالأمس منك عزيمةً فَضَلْتَ بها السيف الحُسام المجَّربا
غداةَ لقيتَ الليث والليثُ مُخْدر يُحَدَّد نابا للقاء ومخلَبا
إذا شاء غادَى عانةً أو غدا على عقائل سِرب أو تقنص رَبربا
شهدتُ لقد أنصفتَه حين تنبرِي له مُصْلِتا عَضْبا من البيض مِقَضَبا
فلم أر ضِرغامَين أصدق منكما عِراكَا إذا الهيابةُ النِكسُ كذَّبا
وانتقد على البحتري هذا البيت؛ فإن قوله) الهيابة النكس كذبا (تفريط في المدح، وكان ينبغي أن يقول إذا البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر فيه الجبان؟ وهلا قال كما قال أبو تمام:
فتى كلما ارتاد الشجاعُ من الرَّدَى مَفَرَّا غداة المأزِق ارتادَ مَصْرَعا
ومنها:
هزبرُ مشى يبغي هزبرًا وأغلبُ من القوم يغشى باسل الوجهِ أغْلبا
[ ٢ / ٦٣١ ]
أدل بِشَغْب ثم هالته صولةُ رآك لها أمضى جَنانا وأشغَبا
فأحجم لما لم يجد فيك مَطْمعا وأقدم لما لم يجدْ عنك مَهربا
فلم يغنه أن كرَّ نحوك مُقبلا ولم يُنجه أن حاد عنك مُنَكبًا
حملتَ عليه السيفَ لا عزمك انثنى ولا يَدُك ارتدت ولا حَدُّه نَبا
لما انتهت النوبة إلى أبي الطيب المتنبي، قال يمدح بدر بن عمار، وقد خرج إلى أسد، فهاجه عن بقرة افترسها فوثب على كفل فرسه؛ وأعجله عن استلال سيفه، فضربه بسوطه، فزل عن كفل فرسه، ودار به الجيش، فقتل، وخرج إلى أسد آخر. فكر عليه، فهرب الأسد منه، بقصيدة أولها:
في الخد أن عزم الخليطُ رحيلا مطرُ تزيد به الخدودُ مُحولا
إلى أن قال:
أمُعَفَّرَ الليث الهزبرِ بِسوطه لمن ادخرتَ الصارمَ المصقولا؟
وَقَعتْ على الأرْدُنّ منه بَلّيةُ نَضَدَتْ بها هام الرفاق تُلُولا
وَرْدُ إذا ورد البحيرة شاربا ورد الفراتَ زئيرهُ والنيلا
متخضّبُ بدم الفوارس لابسُ في غِبله من لِبدتيه غِيلا
ما قوبلتْ عيناه إلا ظُنتا تحت الدُّجى نارَ الفريق حُلُولا
في وحدة الرّهبان إلا أنه لا يعرف التحريمَ والتحْليلا
يطأ الثرى مترّفِقا من تِيههِ فكأنه آسٍ يَجُسّ عَليلا
ويَردُّ غُفْرته إلى يافوخه حتى تصيرَ لرأسه إكليلا
وتظنه مما يُزَمْجِرُ نفسُه عنها لِشدة غيظه مَشْغولا
قَصَرتْ مخافَتُه الخُطا فكأنَما ركب الكَمىُّ جوادَه مَشْكولا
ألقى فريستَهُ وَبْربَرَ دُونها وقَرُبْتَ قُربا خاله تَطفيلا
فتشابه الخُلُقان في إقدامه وتخالفا في بَذْلك المأكولا
أسد يرى عضويه فيك كليهما مَتْنًا أزلَّ وساعدًا مفتولا
نيالةِ الطَّلبِات لولا أنها تُعطي مكان لجامها مانِيلا
في سرج ظامئةِ الفصوصِ طِمِرةَّ يأبى تفَرُّدُها لها التمثيلا
تندَى سوالفُها إذا استَحْضَرْتها وتَظن عَقَدْ عِنانها محلولا
ما زال يجمع نفسه في زَوْره حتى حسبت العَرْض منه الطولا
ويَدقُ بالصدر الحجار كأنه يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
وكأنه غَرَته عين فادَني لا يُبصر الخطب الجليل جليلا
أنَفُ الكريم من الدنيئة تاركُ في عينه العددَ الكثير قليلا
والعارُ مَضّاضُ وليس بخائف من حتفه مَنْ خاف مما قيلا
سبق التقاءَكهَ يوثبه هاجم لو لم تصادمه لجازك ميلا
خذلتُه قوتهُ وقد كافحتهَ فاستنصر التسليم والتجديلا
قبضتْ منيتهُ يديه وعُنْقَه فكأنما صادفَته مغلولا
سمع ابنُ عمته به وبحاله فنجا يُهرول منك أمس مَهُولا
وأمرّ مما فر منه فِرارهُ وكقتلهِ ألا يموت قتيلا
تَلَفُ الذي اتخذ الجراءة خُلة وَعَظَ الذي اتخذ الفِرار خليلا
والذي يشهد به الحق، أن معاني أبي الطيب أكثر عددًا، وأسد مقصدًا، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح. في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك؛ وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد وهو قوله:
أمعفَر الليثِ الهِزبْر بسوطهِ لمن ادّخرتَ الصارمَ المصقولاُ
ثم إنه تفنن في ذكر الأسد: فوصف صورته، وهيئته، ووصف أحواله، في انفراده في خيلائه، وفي هيئة مشيه. واختياله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء، ثم ذكر الأنفة، والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، وأبرزه في أحسن مخرج، وأبرزه في أحسن معنى، ولفطانة أبي الطيب لم يتعرض لما ذكر بشر في أبياته التي ذكرناها، لعلمه أن بشرًا قد ملك رقاب تلك المعاني، واستحوذ عليها، ولم يترك لغيره شيئًا يقوله، ولم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذيل بشر، لأنه قصر عنه تقصيرًا كثيرًا، ولما كان الأمر كذلك، عدل أبو الطيب عن سلوك تلك الطريقة، وسلك غيرها، فجاء فيما أورده مبرزًا، فإن بشرًا قال:
إذًا لرأيت ليثا أمَّ ليثا هِزَبْرًا أغلبًا لاقى هِزْبراَ
[ ٢ / ٦٣٢ ]
مشى ومشيتُ من أسدَين راما مَرامًا كان إذ طلباه وعْرا
وقال البحتري:
فلم أر ضِرغامَين أصدق منكما عِراكا إذا الهَّيابه النَّكْس كَذَّبا
هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلبُ من القوم يَغشَى باسل الوجه أغلبا
وقال بشر:
وقلتُ له وقد أبدى نِصالا محددةٍ ووجها مكفهرًا
يُدِلُّ بمِخلَب وبحدّ ناب وباللحظاتِ تحسَبهن جَمرا
وقال البحتري:
غداة لقيتَ الليثَ والليثُ مُخدْر يحدد نابًا للقاءِ ومِخْلبًا
ومما توارد عليه أبو الطيب وأبو عبادة البحتري وصف السيف: قال أبو الطيب:
كِفرِندي فِرندُ سيفي الجُزارِ لذةُ العين عدَّةُ للبزارِ
تحسِي الماء خَطَّ في لهب النا ر أدقَّ الخطوطَ في الأحْراز
كلما رُمتَ لونه منع النا ظر موجُ كأنه منك هازِي
ودقيقُ قِدىَ الهباء أنيقُ مُتوال في مستو هَزْهازِ
وردَ الماءَ فالجوانبُ قَدْرًا شربتْ والتي تليها جَوازي
حَمَلَتْه حمائلُ الدهر حتى هي محتاجة إلى خرّاز
وهو لا تلحقُ الدماءُ غِرارَيْ هـ ولا عرِضَ مُنتضيه المخازي
يا مُزِيلَ الظلام عني ورَوْضي يوم شُرْبي ومَعْقِلي في البَرَاز
واليماني الذي لو اسْطَعْتُ كانت مقلتي غمدَه من الإعزاز
لإنّ برقي إذا بَرَقْتَ فَعالي وصليلي إذا صَللَتَ ارتجازي
لمَ أحملِكَ مُعْلَمًا هكذا إلام لِضَرْب الرقاب والأجواز
ولِقطعي بك الحديدَ عليها فكلانا لجنسه اليوم غازِي
سَلّه الركض بَعَد وهْنٍ بنجد فتصدى للغيث أهلُ الحجاز
وتمنيتُ مثلهَ فكأني طالبُ لابن صالح من يُوازي
ومن قصيدته الأسدية:
وكأن برقا في متون غمامة هِندَّية في كفه مسلُولا
ومحلُّ قائمه يسيل مواهبًا لو كُنَّ سيلا ما وجدنَ مَسيلا
رقت مضاربه فهن كأنما يُبدين من عِشق الرقاب نُحولا
ومن قصيدته النَّوروُزيَّة:
قَلَّدتني يمينُه بحسام أعْقَبَتْ منه واحدًا أجدادهُ
كلما استُلَّ ضاحكته إياهُ تزعمُ الشمسُ أنها أرْآدُه
مثَّلوه في جَفنه خشيةَ الفق د ففي مثل أثْره إغمادهُ
مُنْعُلُ لا من الحفا ذهبا يحْ ملُ بحرًا فِرندُه إزْهاده
يَقسِمُ الفارسَ المدججَ لا نسلم من شَفْرتيه إلا بِدادُه
جمعَ الدهر حدَّه ويديه وثنائي فاستجمعتْ آحاده
وتقلدتُ شامةً في نَدَاه جلدُها مُنْفِساتهُ وعَتادُه
قال البحترّي من قصيدة أولها: أهلا بذلكمُ الخيالِ المُقبل
قد جُدْتَ بالطِرف الجواد فَثنهِ لأخيك من أُدَدٍ أبيك بمُنصُل
يتناول الروحَ البعيدَ مناله عفوًا ويفتح في القضاء المقفل
بإنارة في كل حَتْف مظلم وهداية في كل أرض مَجْهل
ماضِ وإن لم تمضه يدُ فارس بطلٍ ومصقولُ وإن لم يصْقل
يَغْشَى الوَغَى فالتُّرس ليس بجنَّةٍ من حده والدّروعُ ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردَى فإذا مضى لم يلتفت وإذا قضى لم يعدلَ
متوقُد يَفْرى بأول ضربة ما أدركت ولو أنها في يَذْبل
وإذا أصاب فكل شيء مَقْتَلُ وإذا أصيب فماله مِن مَقتلْ
وكأنما سودُ النمال وحمْرُها دَبت بأيد في قَراه وأرجل
وكأن شاهره إذا استعصى به في الرَّوع يَعْصَى بالسماك الأعْزل
حَمَلتْ حَمائَله القديمةَ بَقْلةُ مذ عهد عاد غَضَّةُ لم تَذْبل
ومن تعسفات أبي الطيب قوله:
شديدُ البعد من شرب الشَّمول تُرُنْجُ الهند أو طَلْعُ النخيل
والمعروف عند العرب الأترج، والترنج مما يغلط فيه العامة.
قال الصاحب: لا أدري الاستهلال حسن؟ أم المعنى أبدع؟ أم قوله: ترنج أفصح؟ وكقوله:
بيضاءُ يَمنعها تَكَلَّم دَلُّها تِيهًا، ويمنعها الحياءُ تَميساَ
فنصب تميس مع حذف أن، وهو ضعيف عند أكثر النحويين وكقوله:
وتكرمت رُكَبانها عن مَبْرَكٍ تقعان فيه وليس مِسكا أذ فرا
فجمع الركيات، ثم انتقل إلى الثنية، فقال تقعان، وهو ضعيف، وغير سديد في صناعة الإعراب.
وكقوله:
ليس إلاكَ يا علي همامُ سيفه دون عِرضه مَسْلولْ
وقوله:
[ ٢ / ٦٣٣ ]
لم تر مَنْ نادمتَ إلاكا لا لسوى وُدك لي ذاكا
فوصل الضمير بإلا، وحقه أن ينفصل عنه، كما قال الله تعالى: ضل من تدعون إلا إياه (.
وكقوله:
ابْعَدْ بَعْدتَ بياضا لا بياض له لأنت أسْودُ في عيني من الظلم
وألف التعجب لا تدخل على ألف أفعل، إنما يقال أشد سوادا، وحمرة وخضرة.
وكقوله:
جَلَلًا كما بي فَلْبَكُ التَّبريحُ أغِذَاءُ ذا الرَّشَا الأغنَ الشَّيح؟
وحذف النون من يكن إذا استقبلها الألف واللام خطأ عند النحويين، لأنها تتحرك إلى الكسر، وإنما تحذف استخفافًا إذا سكنت.
وكقوله:
أمِطْ عنك تشبيهي بما وكأنه فما أحدُ فوقي وما أحدُ مثلي
والتشبيه بما محال.
وكقوله:
لَعظمْتَ حتى لو تكونُ أمانةً ما كان مؤتما بها جبرينُ
قال الصاحب: وقلبُ هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبريل ﵇ يرضى منه بهذا المجون، هذا على ما في معنى البيت من الفساد والقبح.
وكقوله:
حملت إليه من ثنائي حديقة سقاها الحجَى سقَى الرياضَ السحائبِ
أي سقى السحائب الرياض.
ومنها:
تَفَكره عِلم ومَنطقة حُكمُ وباطنه دينُ وظاهره ظَرْفُ
وقد خرج فيه عن الوزن، لأنه لم يجيء عن العرب مفاعلين في عروض الطويل غير مصرع؛ وإنما جاء مفاعلن. قال الصاحب: ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء والمحدثين على بحر الطويل فما نجد له على خطئه مساعدًا.
قال القاضي أبو الحسن، وقد عيب أيضًا بقوله:
إنما بَدْر بنُ عَمار سحاب هَطِلُ فيه ثوابُ وعِقابُ.
لأنه أخرج الرمل على فاعلاتن، وأجرى جميع القصيدة على ذلك في الأبيات غير المصرعة، وإنما جاء الشعر على فاعلن وإن كان أصله في الدائرة فاعلاتن.
ومنها: استعماله الغريب الوحشي، وإذا كان المتنبي من المحدثين بل من العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفة بينهم، بل ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة، ثم تعاطى الغريب، الوحشي، والشاذ البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين، حصل كلامه بين طرفي نقيض، وتعرض لاعتراض الطاعتين.
فمن ذلك الفن الذي ينادي على نفسه ويقلق موقعه في شعره وشعر غيره من أبناء عصره، قوله:
وما أرضَى لمقُلتهِ بحُلْمٍ إذا انتبهت تَوَهَّمُهُ ابْتِشاكا
والابتشاك: الكذب، ولم أسمع فيه شعرًا قديمًا ولا محدثا سوى هذا البيت. وقوله في وصف الغيث:
لِساحيه على الأجداثِ حفْش كأيدي الخيل أبصرَتِ المَخَالي
الساحي: القاشر. ومنه سميت المسحاة، لأنها تقشر الأرض، والحفش: مصدر حفش السيل حفشا: إذا جمع الماء من كل جانب إلى مستنقع.
وقوله في وصف السيف:
ودقيقُ قِدىَ الهباءِ أنيقُ متوال في مستو هَزْهاز
قِدىَ: بمعنى مقدار. يقال بينهما قيد رمح، وقاد رمح وقدى.
وقوله:
أركائبَ الأحباب إن الأدمعا تَطسُ الخدود كما تَطِسْن اليَرْمعا
تطس: أي تدق. واليرمع: الحجارة البيض الرخوة.
وقوله:
وإلى حَصَى أرض أقام بها بالناس من تقبيله يَللُ
الليل: إقبال الأسنان، وانعطافها على باطن الفم. ولم يسمع في شعره غيره.
وقوله: الشمس تَشْرُق والسحابَ كَنَهْورا الكنهور: القطعة العظيمة من السحاب.
وقوله: وقد غَمَرْتَ نوالا أيها النال والنال: المعطى.
وقوله: أسائلها عنِ المُتَدَيرِيها قال الصاحب: لفظة) المتديريها (لو وقعت في بحر صاف لكدرته، ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهده، وليس للمقت فيها نهاية، ولا للبرد معها غاية، والمتديروها: المتخذوها دارا، قال الصاحب: ومن أطم ما يتعاطاه: التفاصح بالألفاظ النافرة، والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء وغذى لبن، ولم يطأ الحضر، ولم يعرف المدر.
فمن ذلك قوله:
أيفْطِمهُ التَّوْاربُ قبل فِطامه ويأكلهُ قبل البلوغ إلى الأكل
وليس ذلك سائغًا لمثله وهو وليد قرية، ومعلم صبية.
ومن الجموع الغربية التي يوردها قوله في جمع الأرض:
أروض الناس من تُرب وخوف وأرض أبي شجاع من أمان
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وقوله في جمع اللغة: عليم بأسرار الديانات واللغى. وفي جميع الدنيا: أعز مكان في الدنا سرج سابح وقوله في جمع الأخ: كل آخائه كرام بني الدنيا. قال الصاحب: لو وقع الآخاء في رائيه الشماخ لاستثقل، فكيف مع أبيات منها:
قد سمعنا ما قلتَ في الأحلامِ وأنلناك بدرةً في المَنَام
والكلام إذا لم يتناسب زيفته جهابذته وبهرجته نقاده.
ومنها الركاكة والسفسفة بألفاظ العامة والسوقة ومعانيهم كقوله:
رماني خساس الناسِ من صائب استْه وآخرُ قطنُ من يديه الجنادلُ
وقوله:
وإن ما رأيتني فاركب حصانا ومثَّلْه تَخرَّ له صَريعا
وقوله:
إن كان لا يُدْعَى الفتى إلا كذا رجلا فسم الناس طُرًاّ إصبعا
وقوله:
قسا فالأسْدُ تفزع من يديه ورَقَّ فنحن نفزع أن يذوبا
وقوله:
تَألَّمُ درزَه والدَّرْزُلْينُ كما تتألم العضْبَ الصنيعا
وعلى ذكر الدرز، فقد حكى الصاحب في كتاب الروزنامجة من حديث لحظة الطولونية الغنية ما يشبه معنى هذا البيت، وهو أنه قال: سمعتها تقول: يا جارية على بالقميص المعمول في النسيج؛ فقد آذاني ثقل الدروز.
وقوله:
لِيَرىً لباسُه خَشِنُ القطن ومرويُّ مروَ لِبس القرود
وقوله:
ما أنَصف القوم ضَبهْ وأمَّه الطُّرْطُبَّهْ
رمَوْا برأس أبيه وباكوا الأمَّ غُلُبَّه
وقوله: ولفظ درُ يريك الدرَ مخْشَلبا وقوله:
إن كان مثلُك كان أو هو كائنُ فَبَرئِتُ حينئذ من الإسلام
قال الصاحب:) حينئذ (هاهنا أنفر من عير منفلت.
قال ومن ركيك صنعته في وصف شعره، والزراية على غيره قوله:
إن بعضًا من القريض هُذَاء ليس شيئًا وبعضهُ أحكامُ
منه ما يجلُبُ البراعةُ وانفض لُ ومنه ما يجلبُ البرسامُ
قال: وهاهنا بيت نرضى باتباعه فيه، وما ظنك بمحكم مناوية، ثقة بظهور حقه، وإيراء زنده، وإن لم يكن التحكيم بعد أبي موسى من موجب العزم، ومقتضى الحزم. وهو:
أطعناك طوع الدهر يا بن ابن يوسف بشهوتنا والحاسدو لك بالرَّغْمِ
وقوله:
تَقْضَمُ الجمرَ والحديدَ الأعادي دونه قضمَ سُكَّر الأهواز
وقوله:
فكأنما حسب الأسنة حلوة أو ظنها البرَنيّ والآزاذا
قال الصاحب: إذا جمع السكر إلى البرني والأزاذ، تم الأمر.
قال: وكانت الشعراء تصف المآزر تنزيهًا لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح الذي لم يهتد إليه غيره فقال:
إني على شغفي بما في خُمْرها لأعَفُّ عما في سراويلاتها
وكثير من العهر أحسن من هذا العفاف.
قال القاضي ومن أمثاله العامية قوله:
وكل مكان أتاه الفتى على قدر الرَّجل فيه الخُطا
ومنها إبعاد الاستعارة، والخروج بها عن حدها، كقوله:
مَسرّةُ في قلوب الطِيب مَفرِقُها وحسرةُ في قلوب البَيضِ والبَلَب
وقوله:
تجمعّتْ في فؤادِه هِمَمُ ملءُ فؤادِ الزمانِ إحداها
وقوله:
لم تَحْكِ نائلَك السحابُ وإنما حُمّتْ به فصبيبهاُ الرُّحَضاءُ
وقوله:
إلاَّ يَشبْ فلقد شابتْ له كَبِدُ شَيْبًا إذا خضَّبتْه سَلْوةُ نصلاَ
وقوله:
وقد ذقتُ حَلْواءَ البنينَ علي الصبا فلا تحِسَبني قلتُ ما قلتُ عن جهل
فجعل للطيب والبيض واليلب قلوبًا، وللسحاب حمى، وللزمان فؤادا، وللكبد شيبا، وهذه استعارات لم تجر على شبه قريب ولا بعيد، وإنما تصح الاستعارة وتحسن على وجه من الوجوه المناسبة، وطرق من الشبه والمقاربة.
قال الصاحب: وما زلنا نعجب من قول أبي تمام وهو:) لا تسقني ماء المَلاَم (فخف علينا) بحلواء البنين (.
ومنها الاستكثار من قول) ذا (.
قال القاضي: وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، وربما وافقت موضعًا تليق به، فاكتسبت قبولا، فأما في مثل قوله:
قد بلغتَ الذي أردت من البِرّ ومن حقّ ذا الشريفِ عليكا
وإذا لم تَسِرْ إلى الدار في وق تِك ذا خفتُ أن تسيرَ إليكا
وقوله:
لو لم تكن مِن ذا الورى الَّلذْ منك هَوُ عَقِمَتْ بِمَوْلد نسلها حواءّ
وقوله:
[ ٢ / ٦٣٥ ]
عن ذا الذي حُرم الليوثُ كمالَه يُنسِى الفريسة خوفَه بجماله
وقوله:
وإن جِزعنا له فلا عجبُ ذا الجَزْرُ في البحر غيرُ معهود
وقوله:
أفي كلّ يوم الدُّمْسقُ مُقدْمُ قَفاه على الإقدام للوجه لأئم
وقوله:
أبا المسكِ ذا الوجهُ الذي كنت تائقا إليه وذا الوقتُ الذي كنتُ راجيا
وقوله:
أغالبُ فيك الشوقَ والشوق أغلبُ وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصل أعجب
وقوله:
أريد من زمني ذا أنْ يُبَلغني ما ليس يَبلُغه من نفسه الزمن
وقوله: يضاحك في ذا اليومِ كلُّ حبيبه فهو كما تراه سخافة وضعف، ولو تصفحت شعره لوجدت فيه أضعاف ما ذكرناه من هذه الإشارة، وأنت لا تجد منها في عدة دواوين جاهلية حرفا، والمحدثون أكثر استعانة بها، لكن في الفرط والندرة أو على سبيل الغلط والفلتة. الإفراط في المبالغة: ومنها الإراط في المبالغة، والخروج فيه إلى الإحالة كقوله:
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هَوْنا وصاد الوحشَ نملُهمُ دبيبًا
وقوله:
وضاقت الأرضُ حتى كان هاربهمُ إذا رأى غيرَ شيء ظنه رجلا
فبعدهَ وإلى ذا اليوم لو رَكضتْ بالخيل في لَهواتِ الطفل ما سَعَلا
وقوله:
وأعجب منك كيفَ قَدَرْتَ تَنْشاَ وقد أعطيت في المهد الكمالا
وأُقسِمُ لو صَلَحْتَ يمينَ شيءٍ لما صلَح العبادُ له شِمالاَ
وقوله:
بمن أضرب الأمثال أم من أقيسه إليك وأهل الدهر دونك والدهرُ
وقوله:
ولو قلم ألقِيِتُ في شق رأسه من السقمِ ما غيرتُ من خطّ كاتب
وقوله:
من بعد ما كان ليِلى لا صباح له كأن أول يوم الحشر آخرُهُ
فهو مما لا يستهجن في صنعة الشعر، على أن كثيرًا من النقدة لا يرتضون هذا الإفراط.
ومنها: تكرير اللفظ في البيت الواحد من غير تحسين، كقوله:
ومِنْ جاهل بي وهو يَجهل جهلهَ ويجهل علمي أنه بي جاهل
وقوله في هذه القصيدة:
فقَلْقَلتُ بالهَم الذي قلقلَ الحَشاَ قلاقلَ عيِسى كلهن قَلاقلُ
قال الصاحب: وما زال الناس يستبشعون قول مسلم:
سُلَّتْ وسَلَّتْ ثم سَلَّ سليلها فأتى سليلُ سليلها مَسْلولا
حتى جاء هذا المبدع، فقال:
وأفَجعُ من فَقَدنْا مَنْ وَجَدنا قُبيلَ الفقد مفقودَ المِثال
وأظن المصيبة في الراثي أعظمَ منها في المرثى.
وقوله:
عَظُمتَ فلما لم تُكلمّ مَهابةً تواضعتَ وهْو العظُم عُظما عن العُظم
قال الصاحب: وما أحسن ما قال الأصمعي لمن أنشده:
فما للنَّوى جُذّ النَّوى قُطع النَوى كذاك النَّوى قطَّاعةُ لوصِال
) لو سلط الله على هذا البيت شاة لأكلت هذا النوى كله (وقوله:
ولا الضَّعفَ حتى يتبع الضعفَ ضِعْفُه ولا ضِعفَ ضعفِ الضّعف بِل مثلَه ألفُ
وقثوله:
ولم أر مثل جيراني ومثلي لمثّلي عند مِثلهمُ مقامُ
وقوله:
العارضُ الهَتِنُ ابنُ العارض الهتن ابْ ن العارضِ الهتنِ ابن العارض الهتنِ
وقوله:
وإني وإن كان الدفينُ حبيبه حبيبُ إلى قلبي حبيبُ حبيبي
وقوله:
لك الخيرُ غيري رامَ من غيرك الغني وغيري بغير اللاذقية لاحق
وقوله:
ملولةُ ما يدومُ ليس لها من مَلل دائم بها مللُ
وقوله:
قَبيلُ أنتَ وأنتَ منهم وجَدُّك بشرُ الملكُ الهمامُ
وقوله:
وكلكم أتى مأتي أبيه فكل فِعالِ كِلّكُم عُجابُ
وقوله:
وما أنا وحدي قلتُ ذا الشعرَ كلَّه ولكنّ شعري فيك من نفسه شعر
وقوله:
إنما الناس حيث أنت وما النا س بناس في موضع منك خالي
وقوله:
ولولا تولى النفسِ حمل حلمه عن الأرض لا نهدت وناء بها الحِمل
وقوله:
ونَهْبُ نفوسِ أهل النهبِ أولى بأهل النَّهب من نَهْب القُماش
وقوله:
وطعن كأن الطعن لأطعننَ عنده وضرب كأن النارَ من حره برد
وقوله:
أراه صغيراَ قَدْرُها عُظْمُ قَدْرِه فما لعظيم قَدْرهُ عندَه قَدْرُ
وقوله:
جوابُ مسائلي ألَهُ نظيرُ ولا لك في سؤالك لا ألاَ لاَ
[ ٢ / ٦٣٦ ]
قال الصاحب: ما قدرتُ أن مثل هذا البيت يلج سمعا، وقد سمعت بالأفأفاء، ولم أسمع باللألاء حتى رأيت هذا المتكلف المتعسف الذي لا يقف حيث يعرف.
ومنها: إساءة الأدب بالأدب كقوله:
فغداَ أسيرًا قد بَلَلْتُ ثِيابه بدم وبَلَّ ببولِه الأفخاذا
وقوله:
وما بين كاذَتِي المُسْتغير كما بينَ كاذَتِي البائل
وقوله:
خَفِ اللهَ واسْتُرْ ذا الجمالَ ببرقُع فإن لُحْت حاضت في الخدور العواتق
ويقال: لما أنكرت عليه) حاضت (غيره، فجعله) ذابت (. وذكر البول والحيض مما لا يحسن وقوعه في مخاطبة الملوك والرؤساء، وأقبح موقعًا من ذلك قوله في قصيدة يرثى بها أخت سيف الدولة، ويعزيه عنها، حيث قال:
وهل سَمِعتِ سلامًا لي ألم بها فقد أطلتُ وما سلمتُ عن كَثَبِ
وما باله يسلم على حرم الملوك، ويذكر منهن ما يذكره المتغزل في قوله:
يَعْلَمْن حين تُحَيًا حسن مَبَسمها وليس إلا الله بالشنَب
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: لو عزاني إنسان عن حرمة لي بمثل هذا لألحقته بها، وضربت عنقه على قبرها، قال الصاحب: ولقد مررت على مرثية في أم سيف الدولة، تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكا في أمه بقولع:
بعيشكِ هل سَلَوتِ فإن قلبي وإن جانبتُ أرضَك غيرُ سالِ
فيتشوق إليها، ويخطئ خطأ لم يسبق إليه؛ وإنما يقول ذلك من يرثى بعض أهله، فأما استعماله إياه في هذا الموضع؛ فإنه دال على ضعف البصر بمواقع الكلام.
وفي هذه القصيدة:
رِواق انعز فوقك مُسبطِرُّ ومُلْكُ على ابنك في كمال
ولعل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الرقيق الصفيق المبين.
قال ولما أبدع في هذه القصيدة، واخترع، قال:
صلاةُ الله خالقِنا حَنُوطُ على الوجْه المُكَفَّن بالجمال
فلا أدري هذه الاستعارة أحسن أم وصفه وجه والدة ملك يرثيها بالجمال، أم قوله في وصف قرابتها وجواريها:
أتتهن المصيبةُ غافلات فدمُع الحزنِ في دمع الدّلال
الإيضاح عن ضعف العقيدة ورقة الدين على أن الديانة ليست عيارًا على الشعراء، ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشاعر، ولكن للإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به قولا وفعلا، ونظمًا ونثرًا، ومن استهان بأمره، ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في مواضع استحقاقه، فقد باء بغضب من الله تعالى، وعرض لمقته في وقته، وكثيرًا ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله:
يترشفْنَ من فمي رَشفات هن فيه أحلى من التوحيد
وقوله:
ونُصِفي الذي يُكنى أبا الحسن الهوى ونُرضي الذي يُسمى الإلهَ ولا يُكْنى
وقوله من قصيدة مدح بها العلوي:
وأبهر آيات التهاميّ أنه أبوكم وإحدى ما لكم من مناقب
وقوله:
تتقاصر الأفهام عن إدراكه مثلُ الذي الأفلاك فيه والدُّنا
وقد أفرط جدًا، لأن الذي الأفلاك فيه والدنا، هو علم الله ﷿.
وقوله:
الناس كالعابدين آلهةً وعبدُه كالموحد اللاهَا
وقوله لفاخسرو:
لو كان علمُك في الإله مقسما في الناس ما بعث الإله رسولا
أو كان لفظك فيهمْ ما أنزل الت وراة والفرقان والإنجيلا
وقوله:
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه لما أتى الظلمات صرن شموسا
أو كان صادف رأسَ عازَرَ سيفهُ في يوم معركة لأعيا عيسى
عازر: اسم الرجل الذي أحياه المسيح ﵊ بإذن الله ﷿.
وقوله:
أو كان لُجُّ البحر مثلَ يمينه ما انشق حتى جاز فيه مُوسى
وكأن المعاني أعيته، حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء.
وفي هذه القصيدة:
يا من نلوذ من الزمان بظله أبدًا ونطرد باسمه إيليساَ
وقوله وقد جاوز حد الإساءة:
أيَّ مَحَلّ ارتقى أيَّ عظيم أتقى؟
وكل ما قد خلق الل هـ وما لم يَخْلقُ
محتقر في همتي كشَعْرة في مَفْرِقي
وقبيح بمن أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بينهما حامل بول وعذرة، أن يقول مثل هذا الكلام الذي لا تسعه معذرة.
ومنها الغلط بوضع الكلام غير موضعه كقوله:
[ ٢ / ٦٣٧ ]
أغار من الزجاجة وهي تجري على شفة الأمير أبي الحُسَين
وهذه الغيرة إنما تكون بين المحب ومحبوبه، كما قال أبو الفتح كُشاجم وأحسن:
أغار إذاَ دَنَتْ مِن فيه كأسُ على دُرٍّ يُقبَله زُجاجُ
[ ٢ / ٦٣٨ ]
فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاهها.
وكقوله:
وغرّ الدُّمُسْتُقَ قولُ الوشا ة إن علياَّ ثقيل وَصبْ
فجعل الأمراء يوشي بهم، وإنما الوشاية: السعاية ونحوها. ومن شأن الممدوح أن يُفضل على عدوه ويجري العدو
[ ٢ / ١٥٩ ]
مجرى بعض أصحابه، وليس بسائغ في اللغة أن يقال وشى فلان بالسلطان إلى بعض رعيته.
وكقوله في وصف الحمى المعرقة.
إذا ما فارقتني غسَّلتْني كأنا عاكفان على حرام
وليس الحرام أخص بالاغتسال منه من الحلال.
وكقوله في وصف مهره:
[ ٢ / ١٦٠ ]
وزاد في الأذن على الخرانق وأذن الفرس يستحب فيها الدقة والانتصاب، وتشبه بطرف القلم، وأذن الأرنب على الضد من هذا الوصف.
ومنها: امتثال ألفاظ المتصوفة، واستعمال كلماتهم المعقدة، ومعانيهم المغلقة، في مثل قوله في وصف فرس: سبوحُ لها منها عليها شواهد
[ ٢ / ١٦١ ]
وقوله:
إذا ما الكأس أرعشَتِ اليديِن صَحَوْت فلم تَحُلْ بيني وبيني
وقوله:
أفيكُمْ فَتىً حَيُّ يُخَبرني عني بما شَرِبت مشروبةُ الراحِ من ذهني
وقوله:
نال الذي نلتُ منه مِني لله ما تصنعُ الخمور
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقوله:
كبُرَ العِيان علىّ حتى إنه صار اليقين من العيان تَوهما
وقوله:
وبه يُضن على البَّرية لا بِها وعليه منها لا عليها يُوسَي
وقوله:
ولولا أنني في غير نوم لكنت أظنني مني خَيالا
[ ٢ / ١٦٣ ]
قال الصاحب: ولو وقع قوله:
نحن مَن ضايق الزمانُ له في كَ وخانته قربَك الأيام
في عبارات الجُنَيد والشِبِلْي لتنازعته المتصوفة دهرا بعيدا.
ومن أشد ما قاله في هذا المعنى:
ولكنكَ الدنيا إلىّ حبيبةً فما عنك لي إلا إليك ذَهابُ
ومنها الخروج عن رسم الشعراء إلى الفلسفة كقوله:
[ ٢ / ١٦٤ ]
وَلَجُدْت حتى كدتَ تبخل حائلا للِمُتنهى ومن السرور بُكاء
وقوله:
والأسى قبل فرقة الروح عجز والأسى لا يكون بعد الفراق
وقوله:
[ ٢ / ١٦٥ ]
إلف هذا الهواء أوقع في الأنْ فُسِ أن الحِمام مُرّ المذَاقِ
وكقوله:
تخالفِ الناسُ حتى لا اتفاقَ لهم إلا على شَجَبٍ والخُلْفُ في الشجب
فقيل تَخلُص نفسُ المرء سالمةً وقيل تَشْرَكُ جسمَ المرءِ في العَطَب
وقوله:
خلفتْ صفاتك في العيون كلامه كالخطّ يملأ مسمعيْ من أبصرا
وقوله:
[ ٢ / ١٦٦ ]
تمتعْ من سُهاد أو رُقاد ولا تأمُلْ كَرىً تحت الرَّجام
فإن لثالث الحالين معنىً سوى معنى انتباهك والمنامِ
قال ابن جني: أرجو ألا يكون أراد بذلك أن نومه القبر لا انتباه لها.
ومنها استكراه التخلص؛ قال القاضي: لعلك لا تجد في شعره تخلصا مستكرها إلا قوله:
[ ٢ / ١٦٧ ]
أحبكَ أو يقولوا جَرَّ نملُ ثَبيِرًا وابنُ إبراهيم رِيعا
فهذا تخلص ليس عليه شيء من الجمال، وهاهنا يكون الانتضاب أحسن من التخلص، فينبغي لسالك هذا الطريق أن ينظر إلى ما يصوغه، فإن أتاه التخلص حسنًا أتى به، وإلا فليدعه.
وكذلك قال في قصيدته التي أولها:
[ ٢ / ١٦٨ ]
أحيا وأيسرُ ما قاسيتُ ما قتلا والبينُ جارَ على ضَعْفي وما عَدَلا
علَّ الأميرَ يرى ذُلّي فيشفعَ لي إلى التي صيرتني في الهوى مثلا
والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوة إلا أبو نواس حيث قال:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد
[ ٢ / ١٦٩ ]
.. هواي لعل الفضلَ يجمع بيننا
على أن أبا نواس أخذ ذلك بن ذريح، لكنه أفسده، ولم يأت به كما أتى به قيس.
ولذلك حكاية: وهو أنه لما هام بلبني في كل واد، وجن بها، رق له الناس ورحموه، فسعى ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس وزوجها إياه، فقال عند ذلك:
[ ٢ / ١٧٠ ]
جَزَى الرحمَنُ أفضل ما يُجازي على الإحسان خيرًا من صَديقِ
وقدْ جرّبتُ إخواني جميعًا فما ألفيتُ كابن أبي عتيق
سعى في جمع شَمْلي بعد صدْع ورَأى حِدْتُ فيه عن طريقي
وأطفأ لوعةً كانتْ بقلبي أغصّتني حرارتُها بريقي
وأما قوله:
[ ٢ / ١٧١ ]
فأفنى وما أفْنَتْه نفسي كأنما أبو الفَرَج القاضي له دونهاَ كَهْفُ
وقوله:
لو استطعت رَكبتُ الناسَ كلهم إلى سعيد بنِ عبد الله بُعْرانا
وقوله:
أعزُّ مكان في الدُّنا سرجُ سابح وخيرُ جليس في الزمان كتابُ
وبحر أبي المسك الخِضَمُّ الذي له على كل بحر زَخْرةُ وعُباب
[ ٢ / ١٧٢ ]
فهي، وإن لم تكن مستحسنة، فليست بالمستهجن الساقط.
ومنها قبح المقاطع: كقوله بعد أبيات أحسن فيها غاية الإحسان، وترقى فيها الدرجة العالية، وهي:
ولله سِرُّ في عُلاك وإنما كلام العِدا ضربُ من الهَذَيان
أيلتمسُ الأعداءُ بعد الذي رأتْ قيامَ دليل أو وُضوح بَيان
[ ٢ / ١٧٣ ]
رأتْ كل من يَنوي لك الغَدْر يُبتلى بغدرِ حياة أو بغدرِ زمان
ومنها:
قَضَى اللهُ يا كافورُ أنك واحدُ وليس بقاض أن يُرىَ لك ثاني
فما لك تختارُ القِسِي وإنما عن السعد يرمي دُونَك الثَّقلان
وما لك تُعْنيَ بالأسنة والقَنا وجَدكُّ طَعانُ بغير سِنان
ولمْ تحملُ السيفَ الطويلَ نِجادُه
[ ٢ / ١٧٤ ]
.. وأنت غنّي عنه بالحَدَثان
أرِدْ لي جميلا جُدْتَ أو لم تجُد به فإنكَ ما أحببتَ فيَّ أتاني
هذا البيت الذي هو عُوذَتُها:
لو الفلكَ الدَّوارَ أبغضت سعَيهُ لعوَّقه شيء عن الدَّوران
وكقوله في قصيدة منها:
في خَطّهِ من كل قلب شهوةُ حتى كأن مِدادَه الأهواءُ
ولكل عين قُرةُ في قُربه حتى كأن مَغيبه الأقذاءُ
هذا البيت الذي جعله المقطع:
لو لم تكن من ذا الورى اللَّذْ منك هُوْ عَقِمتْ بمولد نسلها حواّءُ
وكقوله في آخر قصيدة:
خَلَتِ البلادُ من الغزالةِ ليلتهاَ فأعاضَهاكَ اللهُ كَنْى لا تَحزناَ
ومن ولوع أبي الطيب بالتصغير قوله: أذم إلى هذا الزمان أهَيْلَهُ
وقوله:
مَنْ لي بفهم أهَيْل عصر يدّعي أنَ يحسْبُ الهنديَّ فيهم باقِلُ
وقوله: حُبيَّبتا قلبي فؤادي هَيا جُمْلُ.
وقوله: ونام الخُويدم عن لَيْلِنَا وقوله: أفي كل يوم تحت ضِبْني شُوَيعرُ فقد كان مولعًا بالتصغير لا يقنع من ذلك بخلسة الغير، ولا ملامة عليه، إنما هي عادة صارت كالطبع، فما حسن منها مأنوس الربع، ولكنها تغتفر مع المحاسن، هكذا قال المعري في رسالة الغفران.
[ ٢ / ١٧٥ ]
نبذة من محاسنه وروائعه وغرائبه وقلائده وفرائده التي زاد فيها على من تقدم وسبق بها جميع من تأخر: فمنها حسن المطلع كقوله:
فديناك من ربع وإن زدتنا كَرْبا فإنك كنت الشرقَ للشمس والغَرْبا
نزلنا عن الأكسوار نَمشي كَرامة لِمن بان عنه أن نُلِمَّ به رَكْبا
[ ٢ / ١٧٦ ]
وقوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ هُوَ أولُ وهْي المَحلُّ الثاني
فإذا هما اجتمعنا لنفس مرة بلغت من العلياء كل مكان
وقوله:
إذا كان مدحُ فالنسيب المقدّمُ أكل فصيح قال شعرا مُتّيمُ؟
لَحبُّ ابنِ عبدِ الله أولى فإنه به يُبدأ الذكرُ الجميلُ ويُختمذ
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقوله:
أعْلَى الممالكِ ما يُبنى على الأسَلِ والطَّعْنُ عند مُحِبيهن كالقُبلِ
وقوله في الشكاية:
فؤاد ما تسليهِ المُدام وُعمرُ مثل ما تَهَبُ اللئامُ
وقوله أيضًا:
[ ٢ / ١٧٨ ]
أفاضلُ الناس أغراضُ لذا الزمنِ يخلوُ من الهْمَّ أخلاهُمْ من الفِطَنِ
وقوله:
اليومَ عهدكُم فأين الموْعِدُ هيهاتِ ليس ليوم عهدكمُ غَدُ
الموتُ أقربُ مِخْلبا من بَينكُمْ والعيشُ أبعدُ منكمُ لا تَبعَدُوا
[ ٢ / ١٧٩ ]
وقوله في التهنئة بزوال المرض:
المجدُ عُوفَي إذ عُوفيتَ والكرمُ وزال عنكَ إلى أعدائكَ الألُم
ومن ابتداءاته التي تسكر العقول، وتفعل فعل الشمول، قوله في قصيدة يمدح بها كافورًا، ويذكر الصلح بينه وبين ابن سيده، وكانت جرت بينهما
[ ٢ / ١٨٠ ]
وحشة، فبدأ قصيدته بذكر الغرض المقصود، فقال:
حَسَمَ الصلحُ ما اشتهيته الأعادي وأذاعته ألسُن الحُسَّادِ
وأرادته أنفُسُ حال تدبي رُك ما بينها وبين المرادِ
صار ما أوضع المخبون فيه مِنْ عِتاب زيادةً في الوِدادِ
وكلامُ الوُشاةِ ليس على الأح باب سلطانهُ على الأضداد
[ ٢ / ١٨١ ]
إنما تنجح المقالةُ في المر ء إذا وافقتْ هوىً في الفؤادِ
وكذلك قوله في أول قصيدة مدح بها سيف الدولة، وكان البطريق أقسم برأس ملكه أنه يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، ويثبتن له، وسأل ملكه إمداده، وإنجاده ببطارقته، وعدده، ففعل ذلك، فخيب الله ظنه، وأتعس
[ ٢ / ١٨٢ ]
جده، وولى هاربًا، فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر، فقال:
عُقَبَى اليمين على عُقْبَى الوَغىَ نَدم ماذا يَزيدُك في إقدامك القَسمُ
وفي اليمين على ما أنت واعدهُ ما دل أنك في الميعاد مُتَّهمُ
وقوله وقد فارق سيف الدولة،
[ ٢ / ١٨٣ ]
وسار إلى مصر:
فِراقُ ومَنْ فارقتُ غيرُ مُذممَّ وأمُّ ومن يَمَّمْتُ خيرُ مُيَمَّمِ
وقوله في الغزل:
أريقُك أم ماء الغمامةِ أم خمرُ بِفىَّ بَرودُ وهْو في كبدي جَمْرُ
وقوله أيضا:
حُشاشةُ نفس ودّعتْ يوم وّدعوا فلم أدْرِ أيَّ الظاعنينْ أشيعُ؟
[ ٢ / ١٨٤ ]
ولأبي تمام ابتداءات غريبة: منها لما حاصر المعتصم عمورية زعم أهل النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا، حتى شاع وصار أحدوثة بين الناس، فلما يسر الله فتحها على يد المعتصم، مدحه أبو تمام بقصيدة عديمة النظير، وبنى مطلعها على هذا المعنى، فقال:
[ ٢ / ١٨٥ ]
السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبٍ في حَدّه الحدُّ بين الجِد واللَّعبِ
والعِلمُ في شُهُبِ الأرماحْ لامعةً بين الخَميسينِ لا في السَّبْعة الشُهبِ
أين الروايةُ أمْ أين النجومُ وما صاغوه من زُخرف فيها ومن كذب؟
[ ٢ / ١٨٦ ]
تخرصًا وأحاديثًا ملفقة ليست بنبع إذا عُدّتْ ولا غَرَب
وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
وكذلك قوله في أول قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر خروج بابك الخرمي عليه، وظفره به:
الحق أبَلجُ والسيوفُ عوارِي فحَذَارِ من أسدِ العَرين حَذَارِ
وقوله متغزلا:
[ ٢ / ١٨٧ ]
عسى وطنُ يدنو بهم ولَعَلما وأن تُعْتِبَ الأيامُ فيهمْ فربما
ومن ابتداءات أبي عباده البحتري قوله، وهو غاية في بابه:
بِوُديَ لو يَهوَى العذولُ ويعشقُ فيعلمَ أسبابَ الهوى كيف تَعْلقُ
وأحسن ابتداءات المتقدمين قول امرئ القيس:
[ ٢ / ١٨٨ ]
خليليّ مُرا بي على أمّ جُندب نُقَضَّ لُباناتِ الفؤادِ المُعَذَّبِ
وقول النابغة:
كليني لِهَمّ يا أميمةَ ناصب وليل أقاسيه بطيءِ الكواكب
قدمه ابن المعتز وغيره لسلامته على قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ بسِقْطِ اللَّوَى بين الدَّخُول فَحوْمَل
[ ٢ / ١٨٩ ]
لما فيه من عدم التناسب، فإنه وقف، واستوقف، وبكى، واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب اللفظ سهل السبك، ولم يتفق له مثل ذلك في النصف الثاني بل أتى فيه بمعان قليلة في ألفاظ غريبة، فباين الأول بخلاف بيت النابغة، فإنه لا تفاوت بين قسميه.
ومن أحسن ابتداءات المولدين قول أبي نواس:
[ ٢ / ١٩٠ ]
خليليّ هذا موقفُ من مُتّيمِ فعوجا قليلا وانظراه يُسَلَّم
وقول إسحاق الموصلي:
هل إلى أن تنام عيني سبيلُ إنّ عهدي بالنوم عهدُ طويل
ومن محاسن الابتداءات ما ذكره المبرد في الروضة، قال: إن الرشيد غزا غزوة في بلاد الروم، وإن نقفور ملك الروم
[ ٢ / ١٩١ ]
خضع له، وبذل الجزية، فلما عاد عنه، واستقر بمدينة الرقة، وسقط الثلج، نقض نقفور العهد، ولم يجسر أحد على إعلام الرشيد لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعار في إعلامه، فأشفقوا من لقائه بمثل ذلك إلا شاعرًا من أهل جدة يكنى أبا محمد، فنظم قصيدة،
[ ٢ / ١٩٢ ]
وأنشدها الرشيد، أولها:
نقض الذي أعطيتَه نقفورُ فعليه دائرة البَوار تدور
أبشرْ أمير المؤمنين فإنه فتح أتاك به الإلهُ كبيرُ
فلما أنهى الأبيات، قال الرشيد أو قد فعل؟ ثم غزاه في بقية الثلج، وحصل له الفتح.
ومن لطيف الابتداءات قول مهيار:
[ ٢ / ١٩٣ ]
أمَا وهواها حِلْفَةً وتَنَصُّلا لقد نقل الواشي إليها فأمحلا
فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض التشبيب، وكان وشى به إلى الممدوح، فافتتح قصيدته بهذا المعنى. ومن ذلك قول بعض العراقيين:
وراءك أقوال الوشاةِ الفواجر ودونك أحوالُ الغرام المخامِر
ولولا وَلُوعُ منك بالصدَ ماسعَوا ولولا الهوى لم أنتدبْ للمعاذر
فسلك مسلك مهيار، وزاد عليه في المعاتبة على الإصغاء إلى قول الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى.
ومن الابتداءات الحسنة قول الشاهيني حرسه الله تعالى من قصيدة يمدح بها من تقصر عن أدنى
[ ٢ / ١٩٤ ]
فضائله ألسنة الأقلام يحيى أفندي شيخ مشايخ الإسلام متع الله ببقائه الأنام) المفتي الآن بدار السلطنة العثمانية حرسها الله تعالى إلى يوم القيامة (.
لا يَسلْني عن الزمان سَؤولُ إن عتبي على الزمان يطول
وكذلك قوله أدامه الله تعالى، وأبقى معاليه:
[ ٢ / ١٩٥ ]
كم أداري ولستُ ممن يُداري ليت قلبي في عشقه بالخيار
ومن الابتداءات الحسنة قول شيخنا عالم حلب الشهباء إحدى العواصم، بدر فلك الفضل، وشمس سماء المكارم، نجم الدين أفندي الأنصاري لازال ملاحظًا بعين عناية الباري:
أترى الزمانَ يُعيد لي إيناسيِ ويَرقُّ لي ذاك الحبيبُ القاسي
[ ٢ / ١٩٦ ]
واعلم أن حسن الابتداء يجري في الشعر من ذلك ما قيل لكاتب: اكتب إلى الأمير، وعرفه أن بقرة ولدت حيوانًا على شكل إنسان، فكتب بعد البسملة: أما بعد حمد الله الذي خلق الأنام، في بطون الأنعام.
ومن ذلك ما كتب أبو إسحاق الصابي عن الخليفة الطائع لله إلى
[ ٢ / ١٩٧ ]
الأطراف عند عودة إلى كرسي ملكه، وزوال ما نزل به من الأتراك، فقال: الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ثلم، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ الألفة عليهم وإن شابت ذلك في
[ ٢ / ١٩٨ ]
الأحيان شوائب من الحدثان، فلن يتجاوز بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينسبه ذاهلهم، ثم إنهم عائدون إلى أفضل ما أولاهم الله، وعودهم ووثق لهم، ووعدهم من إيمان سربهم، وإعذاب شربهم وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون.
وإذا نظرت إلى
[ ٢ / ١٩٩ ]
فواتح السور رأيت من البلاغة والتفتن ما تقصر عن كنه وصفه العبارة كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور، وكذا الابتداء بالنداء كقوله في مفتتح سورة النساء: يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة. وفي سورة الحج: الحج: يأيها
[ ٢ / ٢٠١ ]
الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، فإن مثل هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وكذا في الابتداء بالحروف نحو الم، حم، مما يبعث على الاستماع والتطلع نحوه، لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس بمثله عادة.
ومن بدائع أبي الطيب حسن الخروج
[ ٢ / ٢٠٢ ]
والتخلص كقوله:
مرّتْ بنا بين تِرْبيها فقلت لها من أين جانس هذا الشادنُ العَرَبا
فاستَضْحكت ثم قالت كالمُغْيث يُرَى ليثَ الثَّرَى وهو من عِجْل إذا انتسبا
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقوله أيضًا:
وخَرْقٍ مكانُ العيس منه مكانناُ من العيس فيه واسُط الكُور والظُهر
ويوم وصلناه بِليل كأنما على أفقه من بَرْقِه حُلَلُ حُمْرُ
وليل وصلناه بيوم كأنما على متنه من دَجْنه حُلَلُ خُضر
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وغيث ظننا تحته أن عامرا عَلاَ لَمْ يمت أو في السحاب له قبرُ
أو ابنَ ابنِه الباقي علىَّ بنَ أحمد يجود به لو لم أجُزْ ويدي صِفر
وقوله:
إذا صلتُ لم أترك مَصالا لفاتك وإن قلتُ لم أترك مقالا العالم
وإلا فخانتْني القوافي وعاقني عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
وقوله:
[ ٢ / ٢٠٥ ]
حدقُ الحسان من الغواني هِجْنَ لي يومَ الفراق صبابةً وغليلا
حدقُ يُذِمُّ من القاتل غيرَها بدرُ بنُ عمارِ بنِ إسماعيلا
وقوله:
ولو كنتُ في أسر غيرِ الهوى ضَمنتُ ضمانَ أبي وائل
فَدَى نفسهَ بضمان النضمارِ وأعطى صدورِ القنا الذبل
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ومما جاء من التخلصات الحسنة قوله:
وأوردت نفسي والمهنَّدُ في يدي مواردَ لا يُصْدِرن من لايُجالدُ
ولكن إذا لم يحمل القلبُ كفَّه على حالة لم تحمل القلبَ ساعدُ
خليليّ إني لا أرى غير شاعر فلِمْ منهمُ الدعْوَى ومني القصائد
فلا تعجبا، إن السيوف كثيرةُ ولكنّ سيفَ الدولة اليوم واحدُ
[ ٢ / ٢٠٧ ]
هذا هو الكلام الآخذ بعضهُ برقاب بعض ألا ترى أن الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات، كأنه أفرغ في قالب واحد، وهو من بدائعه المشهورة.
وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما يأتي به من التخلصات، وهو في قصيدته التائية التي أولها:
سرب محاسنه عَدِمتُ ذواتِها داني الصفات بعيدُ موصوفاتها
فقال في أثنائها:
[ ٢ / ٢٠٨ ]
ومطالبٍ فيها الهلاكُ أتيتُها ثَبْتَ الجَنان كأنني لم آتها
ومقانبٍ بمقانب غادرتُها أقواتَ وحش كُنَّ من أقواتها
أقبلُتها غُررَ الجيادَ كأنما أيدي بنيِ عمرانَ في جَبَهاتها
الثابتين فروسةً كجلودها في ظهرها والطعنُ في َلبّاتها
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ومنها:
تلك النفوسُ الغالباتُ على العلا والمجدُ يَغلبها على شهواتها
سُقِيَتْ منابتها التي سَقَت الورى بِيدَيْ أبي أيوب خيرِ نباتها
فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مديح الممدوح، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب.
وقوله:
[ ٢ / ٢١٠ ]
نودعهم والبين فينا كأنه قَنا ابنِ أبي الهيجاء في قلب فيلق
وهذا النوع مهم من مهمات البلاغة، وحقيقته: أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني، فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، وجعل الأول سببًا إليه، فيكون بعضه آخذًا برقاب بعض من غير أن ينقطع كلامه، ويستأنف كلامًا
[ ٢ / ٢١١ ]
آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغًا وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعًا للوزن والقافية، فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته.
وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر
[ ٢ / ٢١٢ ]
أكثر مما يشق على الناثر.
ومن بديع ما أتى في هذا الباب ونادرة قول أبي تمام:
يقول في قُومَسِ صحبي وقد أخذتْ منا السُّرَى وخُطا المهرْيَّة القُودِ
أمطلعَ الشمس تبغي أن تَؤُمَّ بنا فقلت كلا ولكن مَطلعَ الجودِ
[ ٢ / ٢١٣ ]
وقوله أيضا في وصف أيام الربيع:
خُلُقُ أطَلَّ من الربيع كأنه خُلُق الإمام وهدُيه المتيسر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ومن النبات الغض سُرْجِ تُزْهِر
تُنْسى الرياض وما يُروَّض جودُه أبدًا على مرّ الليالي يُذْكر
[ ٢ / ٢١٤ ]
وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها.
وكذلك قوله في قصيدته التي أولها: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا
غيداءُ جاد وَليُّ الحسن سُنَّتَها فصاغَها بيديه روضةً أنُفا
يُضْحى العذولُ على تأنيبه كَلِفا بعذرِ مَن كان مشغوفا بها كَلِفا
[ ٢ / ٢١٥ ]
يجاهد الشوقَ طورا ثم يجذبُه جهادهُ للقوافي في أبي دُلَفا
وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصناعة، وكذلك جاء قوله:
زعمت هواك عفا الغداةَ كما عفا منها طُلول باللَّوى ورسومُ
لا والذي هو عالم أن النوى صَبِرُ وأن أبا الحسين كريمُ
[ ٢ / ٢١٦ ]
ما حُلْتُ عن سَننَ الودادِ ولا غَدَتْ نفسي على إلف سِواك تحومُ
وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه.
ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي أولها: أجارةَ بَيْتَنا أبوكِ غيورُ فقال عند الخروج إلى ذكر
[ ٢ / ٢١٧ ]
المدوح:
تقول التي في بيتها خَفَّ مَرْكبي عزيزُ علينا أن نراك تسير
أمَا دُونَ مصرٍ للغنىَ مُتَطَلبُ بلى إن أسباب الغنى لكثيرُ
فقلتُ لها واسَتعْجَلتها بوادرُ جرت فجرى في إثرهن عبيرُ
ذريني أكَثر حاسديك برحلة إلى بلد فيها الخصيبُ أميرُ
والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر
[ ٢ / ٢١٨ ]
المفلق المشهور بالإجادة في إيراد الألفاظ، واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر لا يُجهل، وشعره السهل الممتنع الذي تراه كالشمس: قريبًا ضوءها بعيدا مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، مع هذا، فإنه لم
[ ٢ / ٢١٩ ]
يوفق في التخلص إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابًا، وليس له من ذلك إلا اليسير، كقوله في قافية الباء من قصيدة:
وكَفانِي إذا الحوادثُ أظلمْ ن شِهابا بِغُرَّة ابن شِهاب
وكقوله:
قَصَدتْ لنجرانِ العراقِ ركابناُ فطلْبنَ أرحبها مَحلةَّ ماجد
آليتُ لا يَلقَيْن جَدًاّ صاعدًا في مطلَب حتى تُنَاخَ بِصاعدِ
وكقوله في قصيدته التي أولها:
[ ٢ / ٢٢٠ ]
حلفت لها بالله يوم التفرق فإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام، فوصفت العراق ومنازله ورياضة، فأحسن في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان فقال:
رِباعُ من الفتح بن خاقان لم نزل غِنىً لفقير، أو فكَاكًا لُموثَق
ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني، وكذلك
[ ٢ / ٢٢١ ]
ورد قوله في قصيدته التي أولها: ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها فإنه وصف البركة فأبدع، ثم خرج منها إلى مدح المتوكل، فقال:
كأنها حين لجت في تدفقها يدُ الخليفة لما سال واديها
وأحسن ما وجد له وهو ما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن
[ ٢ / ٢٢٢ ]
بسطام ومطلعها: نصيب عينيك من سَحَ وتَسجام فقال عند تخلصه: هل الشباب مُلِمُّ بي فراجعةُ
لو أنه نائل غمرُ يُجادُ به إذًا تطلبتْه عند ابن بسطام
وله مواضع أخر يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.
ومما استظرف في هذا النوع قول ابن الزمكدم الموصلي:
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وليل كوجِه الَبرْ قَعيديّ ظُلْمةً وبرِد أغانيه وطولِ قُرونِه
سريتُ ونومي عن جفوني مُشَرَّدُ كعقل سليمان بن فَهد ودِيِنه
على أوْلَق فيه التفاتُ كأنه أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوءُ الصباح كأنه سنا وجه قِرواش وضوءُ جبينه
وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك
[ ٢ / ٢٢٤ ]
أن شرف الدولة قرواش صاحب الموصل كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء في جملة هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيًا، وسلمان بن فهد وزيرًا، وأبو جابر حاجبًا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه، فذكر هذه الأبيات
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ارتجالا، وهي غريبة في بابها، لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول بهجو البرقعيدي، فهجاه في ضمن مراده، وذكر أوصاف ليالي الشتاء جميعها، وهي الظلمة، والبرودة، والطول، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وجه، وأدق صنعة، وهذا يسمى الاستطراد.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن حجاج البغدادي:
ألا يا ماء دِجلَة لستَ تَدري باني حاسدُ لك طول عمري
ولو أني استطعت سَكَرْت سَكْرًا عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماءُ ما هذا عجيب بِمَ استوجبتُه يا ليت شعري
[ ٢ / ٢٢٧ ]
فقلت له لأنك كل يومٍ تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيءُ يضيق عن احتمال فيه صدري
ولا يظن أن هذا الشيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدمهم من العرب لما عندهم من قشف العيش، وغلظ الطبع، بل قد سبق أولئك إلى هذا
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله، ومنهم علم، وعنهم فهم، فمما جاء للفرزدق قوله:
وركبٍ كأن الريحَ تطلبُ عندهم لها تِرةً من جَذْبها بالعصائب
[ ٢ / ٢٢٩ ]
سَرَوْا يَخبِطون الليل وهي تَلُفهم إلى شُعَب الأكوارِ من كل جانب
إذا آنوا نارًا يقولون ليتها وقد خَصِرتْ أيديُهم نارُ غالب
فانظر إلى هذا الاستطراد، ما أفحله وأفخمه!.
ومن بدائع أبي الطيب التثبيت بالأعرابيات، كقوله:
[ ٢ / ٢٣٠ ]
مَن الجآذر في زِي الأعاريب حُمرَ الحُليَ والمطايا والجلابيب
إن كنتَ تسأل شكا في معارفها فمن بَلاكَ بتسهيد وتعذيب
سوائرُ ربما سارت هوادجُها منيعةً بين مطعون ومضروب
أي لشدة الرغبة فيهن، وكثرة الذب عنهن، والمحاربة دونهن.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وربما وَخَدت أيدي المطى بَها على نجيع من الفُرسان مصبوب
كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍ أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وانثنى وبياض الصبح يغري بي
قد وافقوا الوحشَ في سكني مراتعها وخالفوها بتقويض وتنطيب
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فؤادُ كل محُب في بيوتهمُ ومالُ كلّ أخيذِ المال محروب
ما أوجهُ الحَضرِ المستحسناتُ به كأوجه البَدَويات الرعابيب
حسنُ الحضارة مجلوبُ يتطرية وفي البداوة حسنُ غير مجلوب
أفْدِى ظباءَ فلاة ما عَرَفْن بها مَضْغ الكلام ولا صبغَ الحواجيب
[ ٢ / ٢٣٣ ]
ولا برزن من الحمام ماثلة أوراكُهُنَّ صقيلاتِ العراقيب
ومن هوى كلّ من ليستْ مُمَوَّهة تركتُ لونَ مشيي غيرَ مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادته رَغبِت عن شَعَر في الوجه مكذوب
وناهيك بهذه الأبيات جزالة وحلاوة. وله طريقة في وصف
[ ٢ / ٢٣٤ ]
البدويات، وقد تفرد بحسنها فأجاد ما شاء فيها، فمنها قوله:
هام الفؤادُ بأعرابية سكنتْ بيتا من القلب لم تَمْدُد له طُنًبا
مظلومةُ القَدّ في تشبيهه غُصُنا مظلومةُ الريق في تشبيهه ضَرَبا
وقوله أيضا:
إن الذين وقفْتَ واحتملوا أيامهمُ لِديارهم دُوَل
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الحسنُ يرحل كلما رحلوا معهم وينزل كلما نزلوا
في مقلَتَيْ رشأ تديرهما بدويةُ فُتِنتْ بها الحِللُ
تشكو المطاعمُ طول هجرتها وصدودها فمن الذي تصل
يصفها بقلة الأكل وهو محمود فيهن جدا.
ما أسْأرَتْ في القَعبْ من لبن تركَتْهُ وهو المسكُ والعسلُ
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قالت: ألا تصحو فقلت لها أعْلَمْتني أن الهوى ثملُ
وقوله:
ديار اللواتي دارُهن عزيزةُ بطول القنا يُحفَظْن لا بالتمائم
حِسانُ التثني يتنقشُ الوشىُ مثلَه إذا مِسْنَ في أجسامهنّ النواعم
وَيَبْسمن عن دُرّ تقلدنَ مثلَه كأن التراقي وُشِحَتْ بالمباسم
ومنها حسن التصرف في سائر
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أنواع الغزل، كقوله:
قد كان يمنعني الحياءُ من البكا فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
حتى كأن لكل عَظْم رَنةً في جلده ولكل عرق مَدْمعا
سَفَرت ويَرْقَعها الحياءُ بصفرة سترتْ محاسنهاَ ولم تك بُرْقعا
فكأنها والدمعُ يقطُرُ فوقها ذهبُ بِسِمْطَيْ لؤلؤ قد رصعا
[ ٢ / ٢٣٨ ]
كشفت ثلاثَ ذوائب من شعرها في ليلة فأرت لياليَ أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها فأرتني القمرين في وقت معا
وهي مما يتغنى بها في المجالس لرشاقتها، وبلاغتها كل مبلغ، من حسن اللفظ، وجودة المعنى، واستحكام الصنعة، وقوله:
[ ٢ / ٢٣٩ ]
كأنما قَدُّها إذا انفتلتْ سكرانُ من خمر طَرْفها ثِمل
يجذبها تحت خصرها عَجُزُ كأنه من فراقها وجِلُ
وقوله أيضا:
كأن العيِس كانت فوق جفني مُناخَات فلما سْرن سالا
لبِسْنَ الوشيَ لا مُتجملات ولكن كي يَصُنَّ به الجمالا
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وضفَّرْن الغدائرَ لا لِحسُنٍ ولكن خِفنَ في الشعَّر الضلالا
وهذا من إحسانه المشهور الذي لا يشق غباره فيه.
قال ابن الأثير الجزري: اعلم أني وجدت الأئمة من علماء العربية يقفون مع تقدم الزمان في تفضيل الشعراء، ويتركون النظر في فضيلة أشعارهم في هذا بين أمرين: إما
[ ٢ / ٢٤١ ]
أنهم لم يحققوا معرفة علم البيان من الفصاحة والبلاغة، ولا نقبوا عن أسرارهما اللفظية والمعنوية، وإما أنهم رأوا أن الفضيلة للزمن، ونسوا قول النبي ﷺ: نحن الآخرون السابقون فضلا، وهذا الحكم يقع في كل من تأخر زمانه وتقدم، وكذلك
[ ٢ / ٢٤٢ ]
أقول: إن في الشعراء من المتأخرين من فاق الأولين، والذي أداني إليه نظر الاجتهاد دون التقليد: أن جريرًا والفرزدق والأخطل أشعر ممن تقدم من شعراء الجاهلية، وبينهم وبين أولئك فرق يعيد، وإذا استفتيت قلت: إن أبا تمام والبحتري والمتنبي أشعر من الثلاثة المذكورين، وليس عندي أشعر منهم في
[ ٢ / ٢٤٣ ]
جاهلية ولا إسلام فإن أبا تمام وأبا الطيب قد غاصا على المعاني فعمقا، ودققا، وأتيا بكل غريبة، وأما البحتري فإنه أتى بديباجة السبك التي ليست لغيره، فإن أولئك قالوا ما قالوه في غير تنقيب. ولا تنقير، ولا حفظ، ولا درس، فشذ عنهم الشيء الكثير من المعاني الدقيقة، وأما الألفاظ فإنهم أتوا بمحاسنها
[ ٢ / ٢٤٤ ]
ولم يفتنهم شيء منها، لكنها توجد متفرقة في أشعارهم، وخلطوها بما قبح من الألفاظ، والمتأخرون حصلوا على القسمين معا، لأنهم نقبوا، وحفظوا، ودرسوا، وأتقنوا، فترى الشاعر منهم قد حوى شعره ما تفرق في أشعار كثيرة من شعراء العرب، وإذا أنصف الناظر، وترك التحامل، ثم ترك التقليد، علم أن حرف الميم وحرف
[ ٢ / ٢٤٥ ]
اللام من شعر أبي الطيب المتنبي قد تضمنا من الجيد النادر ما لم يتضمنه شعر أحد الفحول من شعراء العرب، وكأني بسامع قولي هذا، وقد ربا غيظا، ودارت عيناه،) وليس ذلك إلا محض تقليد وجهل بمعرفة أسرار الألفاظ والمعاني (ثم قال: كيفيشبه المتنبي بامرئ القيس، أو من كان في طبقته؟ فأقول: إن كان
[ ٢ / ٢٤٦ ]
لأحدهم رأسان، أو لسانان، أو كان له أربعة أرجل. أو كان النظر إنما هو في تقدم الزمان. فلا شك أن أولئك أشعر، وإن كان النظر إنما هو في الألفاظ والمعاني فلو عاش امرؤ القيس، ثم مات، ثم عاش، لما أداه فكره إلى تدقيق النظر في هذا المعنى الذي أورده المتنبي في قوله:
لو قَلت للدّنِفِ المشُوق فديتُهُ
[ ٢ / ٢٤٧ ]
.. مما به لأغرتَه بِفِدائه
ولا أن يقول في مرثية امرأة:
قد كان كلُّ حجاب دون رؤيتها فما قَنِعْتِ لها يا أرضث بالحُجُبِ
ولا رأيتِ عيونَ الإنس تُدركُها فهل حَسَدْتَ عليها أعينَ الشُّهبُِ
ولا أن يقول في مرثية امرأة أيضا:
وما التأنيث لاسيم الشمس عيبُ ولا التذكيرُ فخرُ للهلالِ
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ولو كان النساء كَمَنْ فَقدنا لَفُضلتِ النساءُ على الرجالِ
على أني ما تركت ديوان فحل من فحول الشعراء حتى طالعته، وحفظت منه شيئًا، فلم أجد لأحد منهم في مرائي الناس ما يقرب من هذه الأبيات التي للمتنبي وكذلك يجري الحكم
[ ٢ / ٢٤٩ ]
في المحدثين، فإنهم لم يأتوا بمثلها ولا ما يقرب منها، ومن أين لامرئ القيس لطافة خاطر، يستخرج منها مثل قول المتنبي في السيوف والخوف منها:
واستعار الحديدُ لوْنا وألقى لونه في ذوائِب الأطفال
فإن الشعراء كلهم قد كرروا هذا المعنى، إلا أنهم لم يخرجوا عن أن الخوف يشيب، وإذا بالغوا قالوا: إنه يشيب الطفل،
[ ٢ / ٢٥٠ ]
والمتنبي لم يقل كما قالوا، وإنما تلطف في هذا المعنى فابرزه في صورة عجيبة كما ترى، وكذلك لا يستطيع الشاعر العربي أن يصف الجيش فيقول:
صدمتَهم بخميس أنتَ غُرّتُه وَسْمهريتُه في وجهه غَمَمُ
فكان أثْبتَ ما فيهم جسومُهمُ يسقطنْ حولك والأرواحُ تنهزمُ
ولو لم يكن للمتنبي سوى هذين
[ ٢ / ٢٥١ ]
البيتين لاستحق بهما فضيلة التقدم على الشعراء، ولذلك قال في هذه القصيدة، وقد حلف ابن الدمستق والبطاريق أن يلقوا سيف الدولة:
أين البطاريقُ والحَلْفُ الذي حَلَفُوا بِمَفرقِ الملْك والزعمُ الذي زعموا
وَلىَّ صوارمه إكذابَ قولهمُ فهن ألسنةُ أفواههاُ القِمَمُ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
نواطقُ مخبراتُ في جماجِمهمْ عنه بما جهلوا منه وما علموا
وقد غربلت الأشعار قديمها ومحدثها، وتأملتها تأمل المنتقد، فما وجدت لشاعر ما لأبي تمام ولأبي الطيب في باب المعاني ولا ما لأبي عبادة البحتري في باب الألفاظ فمن قلدني في ذلك فقد أصاب، وطرح عن نفسه ثقل التنقيب والتنقير. ومن خالفني عن
[ ٢ / ٢٥٣ ]
علم ومعرفة فليتأمل من الأشعار ما تأملته حتى يعلم ما علمته، وإن كان جاهلًا بهذا الفن فليدرج في عشه، فليس منه ولا إليه، ومن الناس من يزعم أنه ليس لأبي تمام ولا للمتنبي من الغزل شيء يروق ولا يحسن. وهذا القول لا يصدر إلا عن تعصب أو جهل، وأي غزل أحلى وأعذب وأرق من قول أبي تمام:
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أنت في حِل فزدني سقَمَا أَفْن جسمي واجعل الدمع دما
وارضَ ليِ الموتَ بِهَجْرِيكَ فإن ألِمتْ نفسي فزدها ألما
محنة العاشق ذلُّ في الهوى فإذا استودُعِ سراّ كَما
ليس منا من شكا علته من شكا ظُلْمَ حبيب ظلما
وهل لكثير من المتقدمين
[ ٢ / ٢٥٥ ]
أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟ وكذلك ورد قوله في طيف الخيال:
استزارتهْ فكرتي في المنام فأتاني في خُفيةٍ واكتتام
الليالي أحْفى بقلبي إذا ما جرحته النوى من الأيام
يا لها لذةً تنزهت الأر واح فيها سرًاّ من الأجسام
[ ٢ / ٢٥٦ ]
مجلس لم يكن لنا فيه عيب غير أنا في دعوة الأحلام
وهذه الأبيات لم يؤت في الطيف بأدق منها ولا أسلس. وكذلك قوله أيضًا:
شبيه الخد بالتفا ح والريقة بالخمر
بديع الحسن قد أُل فَ من شمس ومن بدرِ
[ ٢ / ٢٥٧ ]
له وجه إذا أبصرْ ته ناجاك عن عُذر
وكذلك قوله:
يا لابسًا ثوبَ الملاحة أبْلِهِ فَلأَنْتَ أولى لابسيه بلُبْسهِ
لم يعطك الله الذي أعطاكه حتى أضر ببدره وبشَمسه
مولاك يا مولاي صاحبُ لوعةٍ في يومه وصَبابه في أمسه
[ ٢ / ٢٥٨ ]
دَنِفُ يجود بنفسه حتى لقد أمسى ضعيفًا أن يَجُود بنفسه
وهذه الأبيات أرق من كل شعر رقيق.
وله من الغزل في مبادي القصائد شيء كثير، كقوله في مطلع قصيدته اللامية:
أجلْ أيها الربعُ الذي خفَّ آهِلهُ لقد أدركتْ فيك النوى ما تحاولْه
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وقفتُ وأحشائي منازلُ للأسى به وهْو قَفْرُ قد تعفَّتْ منازلهْ
أسائلكم ما بالهُ حَكَمَ البِلى عليه وإلا فاتركوني أسائله
دعا شوقه يا ناصرَ الشوقِ دعوةً فَلَبَّاه طَلُّ الدمعِ يجري ووابلهْ
بيوم يريك الموتَ في صورة النوى أواخرهُ من حسرةٍ وأوائلُهْ
وكذلك قوله في مطلع قصيدته
[ ٢ / ٢٦٠ ]
التي أولها: إن عهدًا لو تعلمين ذميما.
إلى أن قال:
قد مررنا بالدار وهي خَلاء فبكينا أطلالَها والرسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنا بشفاء وما سألنا حكيما
كنت أرعى البدور إذا ما فارقوني أمسيت أرعى النجوما
وكذلك قوله من قصيدة:
[ ٢ / ٢٦١ ]
يا موسمَ اللذاتِ غالتْك النَوى بعدي فربعُك للصبابة موسمُ
ولقد أراكَ من الكواعب كاسيا فاليوم أنت من الكوعبُ محرم
لحظتْ بَشاشتَك الحوادثُ لحظةً ما زلتُ أعلم أنها لا تسلم
[ ٢ / ٢٦٢ ]
أين التي كانت إذا شاءت جرى من مقلتي دمعي يُعصفره دم
بيضاء تسرى في الظلام فيكتسي نورًا وتبدو في الضياء فيُظلم
ولو أتيت بما له من الأغزال لأطلت.
وهكذا يجري الحكم فيما للمتنبي من الغزل الرقيق كقوله في قصيدته التي مطلعها:
[ ٢ / ٢٦٣ ]
القلب أعلم يا عذولُ بدائه وأحق منك بجفنه وبمائِه
أأحبه وأحب فيه ملامةً إن الملامة فيه من اعدائه
مهلا فإن العذْل من أسقامه وترفُّقًا فالسمعُ من أعضائه
لا تعذُلِ المشتاقَ في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
إن المحبَّ مُضَرَّجًا بدموعه مثلُ القتيل مضرجا بدمائه
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وكذلك قوله وهو مما لا يؤتي في الغزل بمثله:
ليس القِبابُ على الركاب وإنما هن الحياةُ تَرحَّلتْ بسلام
أرواحنا انهملت وعشنا بعدها من بعد ما قَطِرت على الأقدام
لو كُنَّ يوم جَرَيْن كَنَُّ كصبرنا يوم الرحيل لَكُنَّ غير سِجام
ومن بدائعه حسن التشبيه بغير أداة كقوله:
[ ٢ / ٢٦٥ ]
بدت قمرًا ومالت غصنَ بان وفاحت عنبرًا ورنت غزالا
وقوله:
ترنو إلىّ بعين الظبي مُجْهشةٍ وتمسح الطَّلَّ فوق الورد بالعَنَمِ
وقوله:
قمرا ترى وسحابتين بموضع من وجهة ويمينه وشماله
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وقوله:
أعارني سُقْمَ عينيه وحملنَّي من الهوى ثقْل مَا تحوى مآزرهُ
وقوله:
عرفتُ نوائَبَ الحِدْثانِ حتى لو انتسبتْ لَكنتُ لها نقيبا
وقوله:
وأتيتَ معتزمًا ولا أسدُ ومضيتَ منهزما ولا وَعِلُ
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وقوله:
خرجن من النقَّعْ في عارض ومن عرق الركْض في وابل
وقوله:
وجيادِ يدخلن في الحرب أعرا ءً ويخرجن من دم في جلال
واستعار الحديدُ لونا وألقى لونَه في ذوائب الأطفالَ
ومنها الإبداع في سائر التشبيهات والتمثيلات كقوله في السهر:
وإن نهاري ليلةُ مدلَهمَّةُ
[ ٢ / ٢٦٨ ]
.. على مقلة من فقدكم في غياهب
بعيدةِ ما بين الجفون كأنما عقدتْم أعالي كل هدبُ بحاجب
قال ابن جني: هذا من قول بشار:
جفت عيني عن التغميض حتى كأن جفونَها عنها قصار
وذكر القاضي أنه مأخوذ من قول الطرمي في رطانة:
ورأسيَ مرفوعُ إلى النجم كَنَّما
[ ٢ / ٢٦٩ ]
.. قفاي إلى صُلبي بخيطُ مَخيَّط
وقوله:
كأن سهادَ الليل يعشَق مُقلتي فبينهما في كل هجر لنا وصلُ
وقوله:
رأيت الحُمَيَّا في الزجاج بكفه فشبهتها بالشمس والبدر في البحر
وقوله في الحمى:
وزائري كأن بها حياءً فليس تزور إلا في الظلام
بذلتُ لها المطارفَ والحشايا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
.. فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلْدُ عن نفسيَ وعنها فتُوسعهُ بأنواع السَّقام
إذا ما فارقتْني غسَّلْتني كأنا عاكفان على حرام
كأن الصبح يطردها فتجري مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقَتها من غير شوق مراقَبة المِشُوق المستهام
ويَصدق وعدُها والصدق شرُّ
[ ٢ / ٢٧١ ]
.. إذا ألقاك في الكُربَ العظام
أبنْتَ الدهر عندي كل بنتٍ فكيف خَلَصْت أنتِ من الزحام
جرحتِ مُجَرَّحا لم يبق فيه مكانُ للسيوف ولا السهام
ألا يا ليت شعرَ يدي أتمسى تَصَرَّفُ في عنان أو زمام
وهل أرمي هواي براقصاتٍ مُحَلاَّة المقاود باللُّغام
وربّتما شفيتُ غليل صدريً بسير أو قناة أو حُسام
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وضاقت خُطة فخلصت منها خَلاص الخمر من نسج الفدام
وهذا أحسن ما قيل في وصف محنة نهكت صاحبها واشتدت به، ثم عاد إلى حال السلامة وقد هذبته تلك الحال، وزادته صفاء وسهولة.
وفارقت الحبيب بلا وَداع وودعتُ البلاد بلا سلام
[ ٢ / ٢٧٣ ]
يقول لي الطبيب أكلتَ شيئًا وداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه أني جوادُ أضرَّ بجسمه طولُ الجِمام
تعودّ أن يُغَّبر في السرايا ويدخل من قَتام في قتام
فأُمسكَ لا يُطال له فيرعى ولا هو في العليق ولا اللجام
فإن أمرَض فما مرض اصطباري وإن أُحْمَمْ فما حُمّ اعتزامي
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وإن أسْلَمْ فما أبقى ولكن سلمتُ من الحمام إلى الحمام
وقوله وهو مما لم يسبق إليه:
كريم نفضتُ الناس لما لَقيتهُ كأنهمُ ما جَفَّ من زاد قادم
وكاد سروري لا يفي بندامتي على تركه في عمريّ المتقادم
ومن بدائع أبي الطيب قوله في وصف الظبي:
[ ٢ / ٢٧٥ ]
أغناه حسنُ الجِيدِ عن لُبس الُحلي وعادُة العُرْى عن التَّفَضُّل
كأنه مُضَمَّخُ بصَنْدَلِ وقوله:
رضُوا بك كالرضا بالشَّيْب قَسرًا وقد وَخَط النواصِيَ والفُروعا
وقوله في وصف الشعر:
إذا خلعتَ على عرض له حُلَلا وجدتها منه في أبهى من الحلل
[ ٢ / ٢٧٦ ]
بذي الغباوة من إنشادها ضررُ كما تَضُرُّ رياح الوردِ بالْجُعَل
قيل إن أبا الطيب لما أنشد سيف الدولة قصيدته:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طللِ دعا فلَّباه قبل الركب والإبل
وناوله نسختها وخرج، فنظر سيف الدولة فيها حتى انتهى إلى قوله:
[ ٢ / ٢٧٧ ]
يأيها المحسنُ المشكورُ من جهتي والشكرُ من قبل الإحسان لا قبلي
أقلْ أنلْ أقْطع احْملْ عَلَّ سَلَّ أعدْ زِدْ هَشَّ بَشَّ تفضلْ أَدْن سُرَّ صِلِ
فوقع تحت أقل: أقلناك، وتحت أنل: يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت أقطع: أقطعناك
[ ٢ / ٢٧٨ ]
الضيعة الفلانية - ضيعة بباب حلب - وتحت احمل: يقاد إليه الفرس الفلاني، وتحت على: قد فعلنا، وتحت سل: قد فعلنا فاسل وتحت أعد: أعدناك إلى حالك من حسن رأينا، وتحت زد: يزاد كذا، وتحت تفضل: قد فعلنا، وتحت أدن: قد أدنيناك، وتحت سر: قد سررناك. قال ابن جني:
[ ٢ / ٢٧٩ ]
قد بلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت سر من السرية فأمر له بجارية، وتحت صل: قد فعلنا. قال: وحكى لي بعض إخواننا أن المعقلي كان حاضرًا بحضرته، وهو شيخ ظريف، قال له وقد حسد المتنبي على ما أمر له به: يا مولانا قد فعلت في كل شيء سألكه، فهلا قلت له لما قال: هش بش هه هه هه يحكى الضحك، فضحك سيف الدولة، وقال له:
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ولك أيضا ما تحب، وأمر له بصلة. قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب الوساطة إن أبا الطيب المتنبي نسج على منوال ديك الجن حيث قال:
احْلُ وامْرُر وضُرَّ وانْفَعْ ولنْ وأخْ شُنْ وَرِشْ وابْرِ وانْتَدب للمعالي
ومن هذه القصيدة قوله:
[ ٢ / ٢٨١ ]
بالشرق والغرب أقوام نحبهمُ فطالعاهم وكونا أبْلغَ الرُّسُل
وعرفاهم بأني في مكارمه أقلب الطَّرْفَ بين الخيل والخَوَل
وشتان بين حالته هذه وبين الحال التي قال فيها حين كان يتجشم أسفارًا أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، يطوي المراحل والمناهل، ويضرب الجراب على
[ ٢ / ٢٨٢ ]
صفحة المحراب، ولا مطية له إلا الخف والنعل.
لا ناقتي تقبل الرديف ولا بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكُها كُورها ومشْفرُها زمامها والشسوعُ مقودُها
وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي نواس:
[ ٢ / ٢٨٣ ]
إليك أبا العباس من بين من مشى عليها امتطينا الحَضْرميَّ المُلَسنا
قلائصَ لم تعرف حنينًا على طَلًا ولم تَدْرِ ما قرْعُ الفَنيق ولا الهِناَ
وكما قال في شكوى الدهر، ووصف الخوف:
[ ٢ / ٢٨٤ ]
أظتْنيَ الدنيا فلما جئتها مُستسقيا مَطَرَتْ على مصائبا
وحُبِيتُ من خوُض الركاب بأسود من دارشٍ فغدوتُ أمشي راكبا
وكما قال في الاعتداد بالراحلة والقدرة على الرجلة:
ومَهْمَهٍ جُبْتُه على قدمي تعجزُ عنه العرامسُ الذُّلُلُ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
إذا صديقُ نَكرْتُ جانبهَ لم تُعيني في فراقه الحيَلُ
في سَعة الخافقَيْن مُضْطربُ وفي بلاد من أختها بَدَلُ
وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح البعيد والقريب، ويصطاد ما بين الكركي إلى العندليب.
ويحكى أن علي بن منصور الحاجب لم يجزه على قصيدته التي أولها:
[ ٢ / ٢٨٦ ]
بأبي الشموسُ الجانحات غواربا اللابساتُ من الحرير جلابيا
ومنها:
يستصغر الخطر الكبير لوَفْده وَيظنُّ دجلةَ ليس تكفي شاربا
إلا دينارًا واحدا، فسميت الدينارية: ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت له أخلاف الدنيا على يده كان من
[ ٢ / ٢٨٧ ]
قوله فيه:
تركت السُّرى خلفي لمن قلّ مالهُ وأنعلتُ أفراسي بنُعماك عسجدا
وقيدت نفسي في ذَراك محبةً ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا
ومن بدائع أبي الطيب قوله:
وإنما نحن في جيل سواسية شَرًّ على الحر من سُقْم على بدن
[ ٢ / ٢٨٨ ]
حولي بكل مكان منهم خِلَقُ تُخطِي إذا جئت في استفهامها بمَن
من إنما يستفهم بها عمن يعقل: يقول هؤلاء كالبهائم، فقولي لهم من أنتم خطأ، إنما ينبغي أن يقال. لهم: ما أنتم؟ لأن موضع ما لما لا يعقل.
ويحكى أن جريرًا لما قال:
[ ٢ / ٢٨٩ ]
يا حبذا جبلُ الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا
قال له الفرزدق، ولو كان ساكنة قرودًا، فقال له جرير لو أردت هذا لقلت: ما كان، ولم أقل: من كان.
ومن بدائع المتنبي التمثيل بما هو من جنس صناعته، كقوله: نِتاج رأيك في وقت على عجل كلفظ حرف وعاه سامعُ فَهم وقوله:
[ ٢ / ٢٩٠ ]
من اقتضى بسوى الهنديّ حاجته أجاب كلَّ سؤال عن هَلٍ بِلمَ
وقوله:
أمضى إرادتَه فسوف له قَدُ واستقرب الأقصى فمَّ به هنا
سوف للاستقبال، وقد موضوعة للمضي، ومقاربة الحال، يقول: إذا نوى أمرًا فكأنما يسابق نيته.
وقوله:
[ ٢ / ٢٩١ ]
دون التعانق ناحلِين كَشَكْلتَيْ نصب أدقَّهمُا وضَمَّ الشاكلِ
وقوله:
ولولا كونُكمْ في الناس كانوا هُرَاءً كالكلام بلا معانِ
وقوله:
قُشَيرُ وبَلْعَجْلانِ فيها خفيةً كراءَين في ألفاظ ألثغ ناطق
وقوله:
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعًا مضى قبل أن تُلقى عليه الجوازمُ
يقول إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته، وقبل أن يقال لم يفعل، وإن يفعل.
ومن بدائع أبي الطيب: المدح الموجه،
[ ٢ / ٢٩٢ ]
كالثوب له وجهان، ما منهما إلا حسن، كقوله:
نهبتَ من الأعمار ما لوحويتَه لُنئتِ الدنيا بأنك خالدُ
قال ابن جني: لو لم يمدح أبو الطيب سيف الدولة إلا بهذا البيت وحده لكان قد بقى فيه لا يخلقه الزمان، وهذا هو المدح الموجه، لأنه بنى البيت على ذكر كثره ما استباحه من أعمار
[ ٢ / ٢٩٣ ]
أعدائه، ثم تلقاه من آخر البيت بذكر سرور الدنيا ببقائه، واتصال أيامه.
وكقوله:
عْمُر العدِوّ إذا لاقاه في رَهَجٍ أقلُّ من عمر ما يحوي إذا وهبا
مالُ كأنَ غرابَ البين يرقُبُه فكلما قيل هذا مُجْتَد نَعباَ
وقوله:
تشرق تيجانُه بغرته إشراق ألفاظه بمعناها
وقوله:
تشرق أعراضُهم وأوجُهُهم كأنها في نفوسهم شِيمَ
وقوله:
[ ٢ / ٢٩٤ ]
إلى كم تَرُدُّ الرسْلَ عما أتواْ له كأنهم فيما وهبتَ ملامُ
وقوله:
يخيلَّ لي أن البلاد مسامعي وأنيَ فيها ما تقول العواذل
وقوله:
كأن ألسنهم في النطق قد جُعلتْ على رماحهم في الطَّعْن خُرْصانا
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ومن بدائع أبي الطيب حسن التصرف في مدح سيف الدولة، فإنه أخرجه في مخارج لطيفة كقوله:
لقد رفع الله من دولة لها منك يا سيفَها مُنْصُل
وقوله:
لولا سَمِىُّ سيوفِه ومضاؤه لما سُلِلْنَ لَكُنَّ كالأجفان
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وقوله:
عزاءَك سيفَ الدولة المقتدى به فإنك نصل والشدائد للنصل
وقوله:
يُسمىْ الحسامَ وليست من مُشاَبهةٍ وكيف يشتبه المخدوم والخدم
وقوله:
كلُّ السيوف إذا طال الضراب بها يمسها غير سيف الدولة السَّأمُ
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وقوله:
تُهابُ سيوفُ الهند حدائدُ فكيف إذا كانت نِزَارِيَّةً عُربا
وقوله:
تحيرّ في سيف ربيعةُ أصلهُ وطابِعه الرحمنُ والمجدُ صاقلُ
وقوله:
قلدّ اللهُ دولةً سيفها أن ت حُسامًا بالمكرماتُ مَحَّلى
[ ٢ / ٢٩٨ ]
فإذا اهتز للندى كان بحرا وإذا اهتز للعِدا كان نصلا
وقوله:
وأنت حُسم الملك والله ضاربُ وأنتَ لِواءُ الدين والله عاقدُ
وقوله:
لقد سل سيفُ الدولة المجد مُعْلما فلا المحدُ مُخفيه ولا الضرب ثالمْه
على عاتق المَلكِ الأغَرّ نِجادُه وفي يد جبار السموات قائمه
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وإن الذي سمى عليا لمنصفُ وإن الذي سماهُ سيفا لَظاله
وما كل سيف يقطع الهام حدُّه وتقطع لَزْباتِ الزمان مكارمهُ
وقوله:
إن الخليفة لم يُسمَّكَ سيفهَ حتى بلاك فكنتْ عينَ الصارم
وإذا تَتَوجَ كنت دُرة تَاجهِ وإذا تختم كنتَ فص الخاتَم
وقوله:
مَن للسيوف بان تكونَ سميَّها في أصله وفِرِنده ووفائِه
[ ٢ / ٣٠٠ ]
طبع الحديد فكان من أجناسه وعلىُّ المطبوعُ من آبائه
وقوله:
عيب عليكُ تُرى بسيف واحد ما يصنع الصَّمصامُ بالصَّمصام
وقوله:
اتحسب بيضُ الهند أصلَك أصلَها وأنك منها ساء ما تَتَوهم
[ ٢ / ٣٠١ ]
إذا نحن سميناك خِلنا سيوفَنا من التيِه في أغمادها تتبسمُ
ومن بدائعه سِنان قناته وبنانهُ يتباريان دَمًا وعَرْفا ساكبا
كالبدر من حيث التفتَّ رأيته يُهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالشمس في كبد السماء وضوءها
[ ٢ / ٣٠٢ ]
.. يَغشىَ البلادَ مشارقا ومغاربا
كالبحر يقذف للقريب جواهرا جُردًا ويبعث للبعيد سحائبا
وقوله أيضا:
ليس التعجبُ من مواهب ما له بل من سلامتها إلى أوقاتها
عجبا له حفظُ العنان بأنمل ما حفظُها الأشياءَ من عاداتها
لو مرَّ يركضُ في سطور كتابهِ أحصى بحافر مُهره مِماتها
[ ٢ / ٣٠٣ ]
كرمُ تَبيَّن في كلامك مائلًا وَبين عئِق الخيل في أصواتها
أعيازَ والكث عن محل نلتَه لا تخرج الأقمار من هالاتها
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً كنت البديعَ الفردَ من أبياتها
وقوله:
وما زلتُ حتى قادني الشوق نحوهَ يسايرني في كل رَكب له ذكرُ
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وأستكبر الأخبارَ قبل لِقائه فلما التقينا صغر الخَبَر الخُبْرُ
هذا ضد قولهم تسمع بالمعيدي لا أن تراه.
ومنها:
أزالت بك الأيام عَتْبى كأنما بَنوها لها ذنبُ وأنت لعا عذرُ
وقوله:
ألا أيها المالُ الذي قد أباده تَعَزّ فهذا فعلهُ بالكتائبِ
[ ٢ / ٣٠٥ ]
لعلك في وقت شَغلتَ فؤاده عن الجواد أو كثَّرتَ جيشَ مُحاربِ
وقوله:
بعثوا الرعَب في قلوب الأعادي فكأنَّ القتال قبلَ التلاقي
وتكاد الظُّبا لما عودوها تَنْضى نفسَها إلى الأعناق
كل ذمرْ يزيدُ في الموت حُسْنًا كبدور تمامُها في المحاق
[ ٢ / ٣٠٦ ]
كرمُ خَشَّن الجوانب منهم وهو كالماء في الشفار الرّقاق
ومَعَالٍ إذا ادَّعاها سواهم لزمته جِنايَةُ السرَّاقِ
وقوله أيضا:
قومُ بلوغ الغلام عندهمُ طعنُ نُحُورِ الكُماة لا الحُلُمُ
كأنما يولد الندى معهم لا صِغَرُ عاذِرُ ولا هَرَمُ
[ ٢ / ٣٠٧ ]
إذا تولَّوا عداوةً كشفوا وإن تولَّوا صنيعة كتموا
تظن من فَقدك اعتدادهُم أنهمو أنعموا وما علموا
إن بَرَقوا فالحُتوفُ حاضرةُ أو نَطَقوا فالصواب والحِكمُ
أو شهدوا الحربَ لاقحا أخذوا من مُهج الدارعين ما احتكموا
أو حَلَفوا بالغَموُسِ واجتهدوا فقولهم خاب سائلي القْسَمُ
[ ٢ / ٣٠٨ ]
أو ركبوا الخيل غيرَ مُسرجةٍ فإن أفخاذهم لها حُزُمُ
تُشرق أعراضهم وأوجههم كأنها في نفوسهم شيمُ
أعيذكمُ من صروف دهركُمُ فإنه في الكرام مُتَّهمُ
وقوله:
فلما رأوه وحده دون جيشه دَرَوْا أن كل العالمين فُضولُ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وأوردهم صدرَ الحِصانِ وسيفَهُ فَتىً بأسُه مثلُ العطاء جزيلُ
جوادُ على العِلات بالمال كلِه ولكنه بالدارعين بخيل
وقوله:
أرى كلَّ مُلْك إليك مصيرهُ كأنك بحرُ والملوك جداول
إذا مطرتْ منهم ومنك سحابة فوابُلُهم طَل وطلك وابلُ
[ ٢ / ٣١٠ ]
وقوله:
ودانت له الدنيا فأصبح جالسا وأيامُه فيما يريد قِيامُ
وكلُّ أناس يَتْبعون إمامَهم وأنت لأهل المكرمات إمام
ورُبَّ جواب عن كتاب بعثتَه وعنوانُه للناظرين قَتَامُ
وقوله:
هُمُ المحسنون الكرَّ في حومة الوغى وأحسن منه كرهم في المكارم
[ ٢ / ٣١١ ]
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ولكنها معدودةُ في البهائم
وقوله:
أغَرُّ أعداؤه إذا سلموا بالهرب استكثَروا الذي فعلوا
إنك من معشر إذا وَهبوا ما دون أعمارهم فقد بَخِلوا
كتيبةُ لستَ رَبَّها نَفَل وبلدةُ لست حَلْيَها عُطُل
وقوله:
لو كفر العالَمون نعمتهَ لما عَدَتْ نفسهُ سجاياها
[ ٢ / ٣١٢ ]
كالشمس لا تبتغي بما صنعت منفعةً عندهم ولا جاها
ومن بدائع أبي الطيب المتنبي مخاطبة الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب والصديق مع الإحسان والإبداع، وهو مذهب له، مفرد به، واستكثر من سلوكه اقتدارًا منه وتبحرًا في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجيًا لها إلى مماثلة
[ ٢ / ٣١٣ ]
الملوك، كقوله لكافور:
وما أنا بالباغي على الحبّ رِشوةً ضعيفُ هَوىً يُبغي عليه ثوابُ
وما شئتُ إلا إن أذلَّ عواذلي على أن رأيي في هواكَ صواب
وأعلم قوما خالفوني وشرقوا وغربت إني قد ظفرت وخابوا
إذا نلتُ منك الود فالمال هين وكلُّ الذي فوق التراب تراب
وقول فيه:
[ ٢ / ٣١٤ ]
ولو لم تكن في مصر ما سرتُ نحوها بقلب المشوق المستهام المعذب
وقوله لابن العميد:
تفضلت الأيام بالجمعِ بيننا فلما حَمِدْنا لم تُدِمْنا على الحمد
فَجُدْ لي بقلب إن رحلتُ فإنني مُخَلَّفُ عند مَن فضله عندي
وقوله لسيف الدولة:
مالي أكتمّ حبًا قد برى جسدي وتدَّعى حبَّ سيف الدولة الأممُ
[ ٢ / ٣١٥ ]
إن كان يجمعنا حبُّ لِغُرَّته فليتَ أنا بقدرِ الحبّ نقتسم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصامُ وأنت الخَصْم والحَكمَ
إذا رأيتَ نُيوب الليث بارزة فلا تَظُنَّن أن الليثَ يبتسم
يا مَن يعزُّ علينا أن نفارقَهم وجدانُنا كلَّ شيء بعدكم عَدَم
[ ٢ / ٣١٦ ]
ما كان أخْلَقنا منكم يتَكرْمة لو أن أمركمْ من أمرنا أمَمُ
إن كان سرَّكمُ ما قال حاسدُنا فما الجرح إذا أرضاكُمُ ألمَُ
وبيننا لو رعيتمُ ذاك معرفة إن المعارفَ في أهل النهى ذممُ
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم والله يكره ما تأتون والكرمُ
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقهُ
[ ٢ / ٣١٧ ]
.. يُزيلهن إلى من عنده الدّيَمُ
أرى النَّوى تقتضي كلَّ مرحلة لا تستقل بها الوخَّادة الرّسمُ
لئن تركن ضُميرا عن ميامننا ليَحدْثَنَّ لمنْ ودعتُهم نَدَم
إذا ترحلتَ عن قوم وقد قَدروا ألا تفارقهم فالراحلون هُمُ
شر البلاد بلادُ لا صديق بها وشر ما يَكْسبُ الإنسانُ ما يَصمُ
[ ٢ / ٣١٨ ]
وشر ما قنصته راحتي تَنَصُ شُهْبُ البُزَاةِ سواء فيه والرَّخَم
ومن بدائع أبي الطيب استعماله ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والجد، وهو أيضا مما لم يسبق إليه، وتفرد به، فأظهر فيه الحذق بحسن النقل، وأعرب عن جودة التصرف والتلعب بالكلام كقوله:
[ ٢ / ٣١٩ ]
أعلى الممالك ما يُبنى الأسَل والطعن عند مُحبيهنَّ كالقُبلِ
وقوله وهو من فرائده:
شجاع كأن الحربَ معشوقةُ له إذا زارها فَدّتْه بالخيل والرَّجْلِ
وقوله:
وكم رجال بلا أرض لكثرتهم تركتَ جمعهمُ أرضا بلا رَجُلِ
ما زال طِرْفك يجري في دمائِهم حتى مشى بك مشى الشارب الثَّملِ
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وقوله:
والطعْنُ شَزْرُ والأرض راجفةُ كأنما في فؤادها وَهَلُ
قد صَبغتْ خدّها الدماءُ كما يَصبغُ خدَّ الخريدة الخَجَلُ
والخيل تبكي جلودُها عرقا بأدمعِ ما تَسُحها مُقَلُ
وقوله:
تعودّ ألاَّ تَقْضَمَ الحبَّ خيْلهُ إذا الهامُ لم ترفع جُنوبَ العلائق
[ ٢ / ٣٢١ ]
ولا تَرَد الغُدرانَ إلا وماؤها من الدّم كالريحان تحت الشقائق
وقوله:
فأتتْك داميةَ الأظَلّ كأنما حُذيِتْ قوائمها العقيقَ الأحمراَ
وإذا الحمائلُ ما يَخِدنْ بِنَفنَفٍ إلا شَققْنَ عليه بُرُدا أخضرا
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وقوله:
قد سَوّدتْ شجرَ الجبال شعورهم فكأنّ فيه مُسِفَّةَ الغربان
وقوله:
وجرى على الورق النَّجيعُ القاني فكأنه النارَنْجُ في الأغصانِ
وقوله:
حمى أطرَاف فارس شمَّريُّ يحض على التباقي بالتفاني
بضرب هاج أطرابَ المنايا سوى ضربِ الثالثِ والمثاني
كأن دم اللجماجم في العناصي كسا البُلدانَ ريشَ الحيْقُطان
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فلو طرحت قلوبُ العشق فيها لما خافت من لَخدقِ الحسانِ
وقوله: كرعنَ بِسبِتٍ في إناء من الوردِ ومن بدائعه حسن التقسيم: حكى أبو القاسم الآمدي في كتاب الموازنة بين شعري الطائيين، قال: سمع بعض الشيوخ من نقدة الشعر قول العباس بن الأحنف:
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وصالكُم هجرُ وحبكمُ قِليً وعطفكُم صدَّ وسلمكُم حربُ
وأنتم بحمد الله فيكم فظاظةُ وكلُّ ذلول من مراكبكُم صعبُ
فقال: هذا والله أحسن من تقسيمات إقليدس وقول أبي الطيب في هذا الفن أولى بهذا الوصف وهو:
[ ٢ / ٣٢٥ ]
ضاق الزمانُ ووجهُ الأرض عن مَلكِ مِلء الزمان ومِلءِ السهل والجبلِ
فنحن في جَذَل والرومُ في وَجَل والبرُّ في شُغُل والبحرُ في خَجَلِ
وقوله:
الدهرُ مغتذرُ والسيفُ منتظرُ وأرضُهم لكَ مصطافُ ومُرْتَبَعُ
[ ٢ / ٣٢٦ ]
للسبي ما نكحوا والقتلِ ما ولدوا والنهبِ ما جمعوا والنارِ ما زرعوا
وقولهُ:
لم يخلُ من نصر له مَنْ له يد ولم يخل من شكر له من له فم
ولم يخلُ من سمائه عُود مِنبرٍ ولم يخلُ دينارُ ولم يخل درِهم
وقوله:
يَجلُّ عن التشبيه لا الكفُّ لجَّةُ ولا هو ضِرغامُ ولا الرأيُ مِخْدمُ
ولا جُرحُه يُوسيَ ولا غَوْرُه يُرَى ولا حدُّه يَنْبوُ ولا يَتَثَلَّم
[ ٢ / ٣٢٧ ]
ومنها:
مَحلُّكَ مقصودُ وشانَيك مُفْحَمُ ومثلُك مفقودُ ونَيْلُك خِضْرِمُ
ومن هذه القصيدة البيت المشهور وهو:
فلو ضَرَّ مَرْأ قبلهَ ما يَسُرُّه لأثَّر فيه بأسُه والتكرمُ
ضر: فعل، وفاعله: ما يسره، ومرأ، مفعول، والضمير في قبله للممدوح، وفي يسر للمرء وفي فيه وبأسه
[ ٢ / ٣٢٨ ]
للممدوح. يقول: لو ضر الذي يسر أحدًا قبل هذا الممدوح لضر هذا الممدوح باسه وتكرمه، لأنه يسر بهما.
وقوله:
قليلُ عائديِ سَقيمُ فؤادي كثيرُ حاسِدي صعبُ مَرامي
عليلُ الجسم ممتنعُ القيامِ شديدُ السكرِ من غبر المُدام
وقوله:
بمصرَ ملوكُ لهم مَالهُ
[ ٢ / ٣٢٩ ]
.. ولكنهم مالَهم هَمُّهُ
فأجود من جودهم بخلُه وأحمدُ من حمدهم ذَمّة
وأشرفُ من عيشهم موتُه وأنفعُ من وجُدهم عُدْمُه
وقوله:
لم نفتقد بك من مُزْق سوى لَثَق ولا من البحر غيرَ الريح والسفنُ
ولا من الليث إلا قبحَ منظَرهِ ومن سواه سوى ما ليس بالحَسنَ
وقوله:
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أذم إلى هذا الزمان أهَيْلَهُ فأعلمهم فَدْمُ وأحْزَمُهم وغْدُ
وأكَرمُهم كلبُ وأبصرهم عَمٍ وأسهدُهم فهدُ وأشجعهم قِردُ
وقوله:
وغناك مسألةُ وطَيْشك نفخةُ ورضاك فيشلةُ وربك درهم
وقوله:
عربيُّ لسانُه، فلسفيُّ رأيه، فارسيَّةُ أعيادُه
[ ٢ / ٣٣١ ]
وقوله:
سقْتني بها القُطْرُبُّليَّ مليحةُ على كاذب من وعدها ضوء صادق
سهاد لأجفان وشمسُ لناظر وسْقمُ لأبدان ومِسكً لناشقِ
وأغيدُ يهوَي نفسَهُ كل عاقل عفيف ويهوَي جسمَه كلُّ فاسقِ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
أديبُ إذا ما جسَّ أوتار مِزْهَر بَلا كلَّ سمع عن سواه بعائق
يُحَدّثُ عما بين عاد وبينه وصُدغاه في خدَّيْ غلام مراهِق
كقوله:
على ذا مضى الناسُ اجتماعُ وفُرقةُ وميْتُ ومولودُ وقالٍ ووامق
وقوله:
[ ٢ / ٣٣٣ ]
ألا أيها السيفُ الذي ليس مُغمَدًا ولا فيه مُرتاب ولا منه عاصمُ
هنيئا لضربِ الهامٍ والمجدِ والعلا وراجيك والإسلامِ أنكَ سالمُ
وقولهِ:
ورب جواب عن كتاب بعثتَهُ وعنوانُه للناظرين قَتَامُ
حروفُ هجاءِ الناسِ فيه ثلاثةُ جوادُ ورمحُ ذابلُ وحُسام
لما سمى الجيش جوابًا
[ ٢ / ٣٣٤ ]
جعل حروفه جودًا ورمحًا وحُسامًا، اقتدارًا واتساعًا في الصنعة.
وقوله:
ومرهف سِرتُ بين الجَحفلين به حتى ضربتُ وموجُ الموت يلتطمُ
فالخيل والليل والبيداء تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
قال ابن جني: قد سبق الناس إلى ذكر ما جمعه في هذا البيت، ولكنلم يجتمع مثله في بيت، وقد قال البحتري:
[ ٢ / ٣٣٥ ]
اطلبا ثالثًا سواي فإني رابعُ العيسِ والدُّجى والبِيِد
وهذا لفظ عذب، ولكن ليس فيه ما في بيت المتنبي.
وقوله:
أنت الجوادُ بلا مَنً ولا كَدَرٍ ولا مِطال ولا وَعْد ولا مَذَلِ
وقوله:
بي حرُّ شوق إلى تَرَشُّفها ينفصل الصبرُ حين يتصلُ
[ ٢ / ٣٣٦ ]
الثغرُ والنحرُ والمُخلخلَ والمِعْ صَمُ دائي والفاحمُ الرَّجِلُ
وكقوله:
ولكن بالفسطاط بحرًا أزَرْتُه حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
وقوله من قصيدة أخرى:
أمْنيًا وأخْلاقًا وغَدْرًا وخسةً وجُبْنًا أشخصا لُحْتَ لي أمْ مَخازيا؟
ومن بدائعه إرسال الأمثال في أنصاف الأبيات كقوله:
بذا قست الأيام ما بين أهلها مصائبُ قوم عند قوم فوائد
قواصدَ كافور تواركَ غيره ومن قصد البحر استقلّ السواقيا
أعزّا مكان في الدُّنيَا سرجُ سابح
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وخيرُ جليس في الزمان كتابُ
وبيتنا لو رعيتم ذاك معرفة إن المعارف في أهل النهى ذممُ
لعل عنُبَكَ محمودُ عواقبهُ وَربما صحت الأجسامُ بالعللِ
ولو لم تُبْق لم تَعِش البقايا وفي الماضي لمن بقىَ اعتبارُ
يُراد من القلب نسيانُكمْ ويأبى الطِباعُ على الناقلِ
سبقتَ إليهم مناياهمُ ومنفعة الغوث قبل العطب
لِيَزِدْ بنو الحسن الشِرافُ تواضعا هيهات تكتم في الظلام مشاعل
أعاذك اللهُ من سهامهم ومُخطئُ مَنْ رَمِيُّهُ القمرُ
ولكني حُسِدتُ على حياتي وما خيرُ الحياة بلا سرورِ
يُفَدّى بنيك عبيدَ حاسدُهم بجبهةِ العَيْرِ يُفدَى حافر الفرسِ
إلامَ طماعِيَةُ العاذل ولا رأىَ في الحب للعاقل
وكل يرى طُرْق الشجاعة والندى
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ولكنّ طبعَ النفس للنفس قائدُ
لا تحسبوا مَنْ أسَرْتُمْ كان ذا رمق وليس تأكل إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
ما لنا في الندى عليك اختيارُ كل ما يمنح الشريفُ شريفُ
غيرَ اختيار قبلتُ بِرَّك بي والجوع يُرضى الأسودَ بالجِيفِ
فلا تُنْكرَنّ لها صَرْعةً ومن فرحِ النفس ما يقتل
وقد يَتزيَّا بالهوى غيرُ أهله ويَستصحبُ الإنسانُ من لا يلائمهْ
وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني
[ ٢ / ٣٣٩ ]
إن النفيس غريبُ حيثما كانا
أنت الوحيدُ إذا ركبتَ طريقةً ومَن الرديفُ وقد ركبتَ غضنفرا؟
وحيدُ من الخُلاّن في كل بلدة إذا عظم المطلوب قلَّ المساعد
وما ثناك كلامُ الناس عن كرم ومن يَسُدُّ طريق العارض الهَطِلِ
لهم حقُّ بِشِرْكِكِ في نِزار وأدنى الشّركِ في نسب جِوارُ
وأصبح شِعري منهما في مكانه وفي عنق الحسناء يُستحسن العِقدُ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
أعيَا زوالُك عن محل نِلْتَه لا تخرج الأقمارُ عن هالاتها
إن النفوس عُدَد الآجال سَقْيًا لِدَشْت الأرْزن الطوال
وما ذاك بُخلًا بالنفوس على القنا ولكن صُدْم الشرّ بالشرَ أحزمُ
والهجر أقتلُ ولي مما أراقبًهُ أنا الغريق فما خوفي من البَلَل
ولم يسلها إلاّ المنايا وإنما أشد من السقم الذي أذهب السُّقْما
ترفق أيها المولى عليهم فإن الرفق بالجاني عتابُ
وقَنِعتَ باللقْيا وأول نظرة إن القليل من الحبيب كثير
وما التيهُ طِيّ فيهمُ غير أنني بغيضُ إليّ الجاهل المتعاقل
إن السلاح جميعُ الناس تحملهُ
[ ٢ / ٣٤١ ]
وليس كلُّ ذوات المِخْلبِ السبُع
القاتل السيفَ في جسم القتيل به وللسيوف كما للناس آجالُ
خذْ ما تراه ودعْ شيئًا سمعت به في طلعة الشمس ما يُغنيكَ عن زُحَلِ
لعلَ بينَهم لِبَنيك جندُ فأول قُرَّحِ الخيل المِهارُ
الموتُ أعذرُ لي والصبر أجملُ بي والبرُّ أوسع والدنيا لمن غلبا
لأن حِلُمك حِلْمُ لا تَكَلَّفُهُ ليس التكحل في العينين كالكَحَل
كرمُ تبيَّن في كلامك ماثلا ويبَينُ عِتْقُ الخيل في أصواتها
[ ٢ / ٣٤٢ ]
ومنها إرسال المثلين في مصراعي البيت الواحد كقوله:
وكلُ امرئ يُولى الجميلَ محبَّبُ وكلُّ مكان يُنْبتُ العزَّ طيبُ
وقوله:
في سَعة الخافِقَيْن مُضطربُ وفي بلادٍ أختها بدلُ
وقولِه:
الحبُّ ما منع الكلامَ الألسُنَا وألّذُّ شكوى عاشق ما أعلفا
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وقولِه:
ذَلَّ من يَغْبِطُ الذليلَ يعيش رَبَّ عيش أخَفَ منه الحمام
وقولِه:
مَن يَهُن يسهلِ الهَوَانُ عليه ما لِجُرح بِميت إيلامُ
وقولِه:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسبُ المنايا أن يكُنَّ أمانيا
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وقولِه:
أفاضل الناسِ أغراض لذا الزمنِ يخلو من الهَم أخلاهم من الفِطّن
وقولِه:
وأتعب مَن ناداك من لا تُجيبه وأغيظ مَن عاداك من لا تشاكل
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وقولِه:
لا تشتر العبدَ إلا والعصا معه إن العبيدَ لأنْجَاسُ مَناكيدُ
وقولِه:
إذا أنتَ أكرمت الكريم ملكتَهُ وإن أنتَ أكرمتَ اللئيم تمردا
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعُلا مُضِرُّ كوضع السيفِ في موضع الندى
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وما قتل الأحرارَ كالعفو عنهمُ ومَن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
وقيدتُ نفسي في ذَراك محبةً ومن وجد الإحسانَ قيدًا تقيدا
ومنها إرسال المثل والاستملاءُ على لسان التجربة في البيت والبيتين فصاعدًا، وحسنُ التصرف في الحكمة والموعظة الدهر، والدنيا، والناس،
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وما يجري مجراها كقولِه:
وما الجمعُ بين الماء والنار في يدي بأصعب من أن أجمع الجَدَّ والفهما
وقوله:
يُخفي العداوةَ وهْيَ غيرُ خفِيَّةٍ نظرُ العدوّ بما أسَرَّ يَبُوحُ
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وقوله:
والأمرُ لله رُبَّ مجتهدٍ ما خاب إلا لأنه جاهِدْ
وقوله:
إليكَ فإني لستُ ممن إذا اتقى عِضاضَ الأفاعي نام فوق العقاربِ
وقوله:
خيرُ الطيور على القصور وشرُّها يَأوي الخرابَ ويسكن النَّاوُوسِا
وقوله:
ليس الجمالُ لوَجْهٍ صحَّ مارِنُه أنفُ العزيز بِقطع العزّ يُجْتدع
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وقولِه:
وليس يَصحُّ في الإفهامِ شيءُ إذا احتاج النهارُ إلى دليل
قال ابن جني: هذا كما قال أهلُ الجدل، مَن شكَّ في المشاهدات فليس بكامل العقل.
وقوله:
وقد يَتزْيا بالهوى غيرُ أهلِه ويستصحبُ الإنسانُ من لا يلائمه
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وقوله:
وما تنفع الخيل الكرامُ ولا القَنا إذا لم يكن فوق الكرام كرامُ
وقولِه:
وأحسِبُ أني لو هَوِيتُ فِراقَكُم لفارقتكُمْ والدهر أخبث صاحبِ
وقوله:
من خصّ بالذّمّ الفراقَ فإنني من لا يرى في الدهر شيئا يُحمَدُ
[ ٢ / ٣٥١ ]
وقولِه:
ومن نَكدِ الدنيا على الحر أن يَرى عدوًّا له ما من صداقته بُدُّ
وقولِه:
وإذا كانت النفوسُ كِبارا تعبتْ في مُرادها الأجسامُ
وقولِه:
تَلَفُ الذي اتخذ الشجاعة خُلَّةً وعظ الذي اتخذ الفِرار خليلا
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وقولِه:
فإن يكنِ الفعلُ الذي ساء واحدا فأفعاله اللائى سَرَرْنَ ألُوفُ
وقولِه:
وإذا خَفِيتُ على الغبي فعاذرُ أن لا تراني مقلة عمياء
وقولِه:
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجِزَى بذلوا منها رضاك ومَن لِلْعُورِ بالحَوَلِ
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وقولِه:
فآجركَ الإلهُ على مريض بعثْتَ إلى المسيح به طبيبا
وقولِه:
إذا أتت الإساءةُ من وضيع ولم ألُمِ المسيءَ فمَنْ ألومُ؟
وقولِه:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضلُ
وقولِه:
إذا ما قدرتُ على نَطْقَة إني على تركها أقْدرُ
وقولِه:
واحتمالُ الأذى ورؤيةُ جاني هـ غذاءُ تَضْوَي به الأجسام
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وقولِه:
وتوهموا اللعب الوغى والطعنُ في الهيجاءِ غيرُ الطعن في الميدانِ
وقولِه:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرض طلب الطعنَ وحدَهُ والنِّزالا
وقولِه:
ومن الخيرِ بطئ سَيبك عنّي أسرعُ السُّحبِ في المسير الجَهامُ
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وقولِه:
وليس الذي يَتَّبَّع الوبلَ رائدًا كمن جاءه في داره رائدُ الوبْلِ
وقوله:
أبلغُ ما يُطلب النجاحُ به الطبعُ وعند التعمق الزللُ
وقوله:
كم مَخْلَص وعُلًا في خوض مَهْلَكَةٍ وقَتْلةٍ قُرنتْ بالذم في الجُبُن
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وقوله:
وما قلتُ للبدر أنتَ اللجينُ ولا قلتُ للشمس أنتِ الذّهَبْ
ومن ركب الثورَ بعد الجوا د أنكر أظلافَهُ والْغَبَبْ
وقولِه:
فقرُ الجهول بلا قلب إلى أدب فقْر الحمار بلا رأس إلى رَسَن
لا يُعجبنَّ مَضِيمًا حسنُ بِزَّتِهِ وهل يَروقُ دفينا جَودةُ الكفَن؟
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وقولِه:
إذا ما الناسُ جرَّبهمْ لبيبْ فإني قد أكلتُمُ وذاقا
فلم أر وُدَّهم إلا خداعًا ولم أرَ دِينهم إلا نِفاقا
وقوله:
ذريني أنَلْ ما لا يُنال من العُلا فصعبُ العلا في الصعب والسهلُ في السهل
[ ٢ / ٣٥٨ ]
تريدين لُقيانَ المعالي رخيصةً ولا بُدَّ دونَ الشهد من إبَرِ النحل
وقوله:
تَمَنَّ يَلذُّ المستهامُ بمثله وإن كان لا يغني فتيلا ولا يُجْدي
وغيظُ على الأيام كالنار في الحشا ولكنه غيظُ الأسيرِ على القِدّ
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وقوله:
ومكايدُ السفهاء واقعةُ بهم وعداوة الشعراء بئس المُقْتَني
لُعِنَتْ مقارنةُ اللئيم فإنها ضيفُ يجرُ من الندامة ضَيْقَنَا
وقولِه:
وما الخيلُ إلا كالصديق قليلةُ وإن كثرت في عين مَنْ لا يُجرّب
[ ٢ / ٣٦٠ ]
إذا لم تشاهد غيرَ حُسْن شِيَاتِها وأعضائها فالحسن عنك مُغَيَّبُ
وقولِه:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل عما مضى منها وما يُتَوقَّعُ
ولمن يُغالطُ في الحقائق نفسهُ ويوُمها طلبَ المُحال فتطمع
كأنه من قول لَبِيد:
واكْذِب النفسَ إذا حدثتّها إن صدقّ النفس يُزري بالأمل
[ ٢ / ٣٦١ ]
وقوله:
وأتَعبُ خلق الله من زاد همُّه وقصر عما تشتهي النفسُ وُجْدُهُ
فلا يَنْحلِلْ في المجد مالُك كلُّه فينحل مجدُ كان بالمال عَقْدُهُ
ودبره تدبيرَ الذي المجدُ كفهُ إذا حارب الأعداء والمال زَندُه
فلا مجدَ في الدنيا لمن قلُّ مالُه ولا مالَ في الدنيا لمن قلّ مجدُه
[ ٢ / ٣٦٢ ]
إذا كنتَ ذا شكّ من السيف فابْلُه فإما تُنفّيه وإما تُعِدّه
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كغيرِه إذا لم يُفارقْه النِجادُ وغِمدُهُ
وقوله:
إنما تنجح المقالةُ في المر ء إذا وفقتْ هوًى في الفؤادِ
وإذا الحلمُ لم يكن في طباع لم يُحَلّمْ تَقادُم الميلادِ
[ ٢ / ٣٦٣ ]
إنما أنت والدُ والأب القا طعُ أحنى من واصل الأولاد
وقولِه:
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له إذا لم يكنْ في فعلهِ والخلائق
وما بلدُ الإنسانِ غير الموافق ولا أهلُهُ الأدنَوْن غير الأصادق
وجائزةُ دعوى المحبةِ والهوى وإن كان لا يخفي كلامُ المنافق
وما يُوجعُ الحرمانُ من كفّ حارم
[ ٢ / ٣٦٤ ]
.. كما يوجعُ الحرمانُ من كف رازق
وقوله:
إنما أنفُسُ الأنيس سباعُ يتفارسْنَ جهرةً واغتيالا
من أطاق التماس شيء غِلايا واقتسارا لم يلتمسْه سؤالا
كلُّ غاد لحاجة يتمنى أن يكونَ الغَضنفرَ الرِئبالا
وقوله:
لولا المشقةُ ساد الناس كلهمُ
[ ٢ / ٣٦٥ ]
.. الجودُ يُفقرُ والإقدامُ قتَّال
وقلّما يبلغ الإنسانُ غايتَهُ ما كل ماشية بالرحل شِملال
إنا لَفي زمن تركُ القبيح به من أكثر الناس إحسانُ وإجمال
ذكر الفتى عمرهُ الثاني وحاجتهُ ما فاته فَضُولُ العيش أشغال
وقوله:
ترى الجبناءَ أن العجز جزمُ وتلك خديعة الطبع اللئيم
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وكل شجاعة في المرء تُغْنِي ولا مثلَ الشجاعةِ في الحكيم
قيل له أنيّ يكون الشجاع حكيمًا؟ فقال: هذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان شجاعًا حكيمًا.
وكم من غائب قولا صحيحًا وآفته من الفهم السقيمِ
ولكن تأخذ الآذانُ منه على قدر القرائح والعُلوم
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وقوله:
ولقد رأيتُ الحادثات فلا أرى يَقَقًا يميت ولا سوادا يَعْصِمُ
والهمُّ يَحترمُ الجسيمِ نحافةً ويُشيبُ ناصية الصبي ويُهرم
ذو العقل يَشقي في النعيم بعقلهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوة يَنْعَمُ
لا يخدعنَّك من عدو دمعُه وأرحم شبابك من عدو تُرحَمُ
لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
قال ابن جنى: أشهد بالله أنْ لَوْ لم يقل غيرَ هذا البيت لتقدم به أكثرَ المُحدثين، وهذه الأبيات كلها غُرَرُ وفرائد، لا يصدر مثلُها إلا عن فضل باهر، وقدرة على الإبداع ظاهرة، ومنها:
والظلمُ من خلق النفوس فإن تجد ذا عفة فلِعلة لا يَظْلمُ
[ ٢ / ٣٦٩ ]
ومن البليةِ عذلُ مَن لا يَرْ عوى عن جهله وخطابُ مَن لا يفهمُ
ومِن العداوةِ ما ينالُك نفعُه ومن الصداقةِ ما يَضُرُّ ويُؤلمُ
وقوله:
أرى كلَّنا يبغي الحياةَ لنفسهِ حريصًا عليها مُستهامًا بها صبَّا
فحبُّ الجبان النفسَ أورده الرَّدى وحب الشجاع النفسَ أورده الحربا
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وقوله:
ويختلَف الرزقان والفعل واحد إلى أن ترى إحسانَ هذا لذا ذنبا
وقوله:
وفيك إذا جنى الجاني أناةُ تُظن كرامةً وهي احتقار
بنو كعب وما أثَّرتَ فيهم يدُ لم يُدْمها إلا السّوار
بها من قَطْعِهِ ألمُ ونقصُ وفيها من جلالته افتخار
لهم حق بِشِرْكِك في نزار وأدنى الشرك في نسب جوارُ
[ ٢ / ٣٧١ ]
لعل في سَطوة الأرباب عيبُ ولا في ذِلة العُبْدانِ عار
وقوله:
من اقتضى بسوى الهندي حاجتَهِ أجاب كلَّ سؤال عن هَلٍ بلم
ولم تزل قِلةُ الإنصافِ قاطعةً بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
[ ٢ / ٣٧٢ ]
هَوّنْ على بصر ما شقَّ منظّرُه فإنما يَقَظَاتُ العين كالحُلم
لا تَشكُوَنَّ إلى خَلْق فتُشْمِته شكوى الجريح إلى الغِربان والرَّخَم
وكن على حَذَار للناس تَسترُه ولا يَغُرَّنْك منهم ثغر مُبتسم
وقتُ يضيعُ وعمرُ ليت مدتَّه في غير أمته من سائر الأمم
[ ٢ / ٣٧٣ ]
أتى الزمانَ بنوه في شبيبته فسرَّهمْ وأتيناه على الهَرَم
وقوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ هو أول وهيْ المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مُرَّة بلغتْ من العلياءِ كلَّ مكان
ولربما طعن الفتى أقرانَه بالرأي قبل تطاعن الأقران
[ ٢ / ٣٧٤ ]
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍ أدنى إلى شرف من الإنسان
وقوله:
لحي اللهُ ذي الدنيا مُناخًا لراكب فكلُّ بعيدِ الهمِّ فيها معذبُ
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ولا أشتكى فيها ولا أتعتَّب
وبي ما يذود الشعرَ عني أقلُّه ولكنَّ قلبي يا بنتَ القوم قُلَّبُ
[ ٢ / ٣٧٥ ]
أمَا تَغْلط الأيامُ فيَّ بأن أرَى بغيضا تُنائي أوْ حبيبا تُقرّب
وقوله:
أبيَ خُلقُ الدنيا حبيبا تُديمه فما طلبي منها حبيبا تَرُدُّه
وأسرعُ مفعول فعلتَ تغيرا تكلفُ شيء في طباعِك ضدُّهُ
وقوله:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءت ظنونُه وصدَّق ما يعتادُه من تَوَهّم
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وعادي مُحِبّيه يقولِ عُداتِه وأصبح في ليل من الشكِ مُظلم
وما كلُّ هاو للجميل بفاعل ولا كلُّ فعال له بِمُتَمِّم
وأحسنُ وجه في الورى وجهُ محسن وأيمَنُ كَفِّ فيهمُ كفُّ مُنعم
وأشرَفُهمْ مَن كان أشرفَ همةً وأكثرَ إقدامًا على كل مُعْظِم
لِمَنْ تطلبُ الدنيا إذا لم تُرِدْ بها سرورَ محب أو إساءةَ مُجْرم؟
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وقوله:
فؤادُ ما تُسَليه المدامُ وعمرُ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
ودهرُ ناسُه ناسُ صِغارُ وإن كانت لهم جُثث ضِخام
وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ ولكنْ معدنْ الذهب الرَّغام
وشبهُ الشيء منجذبُ إليه وأشبهُنا بدنيانا الطَّغام
[ ٢ / ٣٧٨ ]
ولو لم يعلُ إلا ذو محلٍّ تعالى الجيشُ وانحط القتامُ
ولو حِيزَ الحفاظُ بغير عقل تجنَّب عُنْقَ صَيْقَلِه الحُسامُ
وقوله:
أبدا تستردُّ ما تهب الدنيا يا فيا ليت جودها كان بخلا
فَكَفَتْ كونَ فرحة تُورثُ الغمّ وخِلَّ يغادر الوجدَ خِلاَّ
وهْي معشوقةُ على الغدر لا تحفظ عهدًا ولا تُتمم وصلا
[ ٢ / ٣٧٩ ]
كلُّ دمع يسيلُّ منها عليها وَبِفَكّ اليدين عنها تُخَلَّى
أي كلُّ من أبكته الدنيا فإنما يبكي لفوت شيء منها. ولا يُخليها الإنسان إلا قسرا يفك يديه عنها.
ومن هذه القصيدة:
شيمُ الغافيات فيها فلا أدري لذا أنث اسمها الناس أم لا
ولذيذُ الحياةِ أنفَسُ في النف س وأشهى من أنُ يَملَّ وأحلى
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما ملّ حياةً وإنما الضعفَ ملا
آلة العيش صِحةُ وشبابُ فإذا وليا عن المرء ولى
وقوله:
ما كل ما تمنى المرءُ يُدركُه تحري الرياح بما لا تشتهي السفن
قال ابن جنى: حدثني المتنبي، قال: حدثني فلان الهاشمي من أهل حرَّان بمصر قال: أُحدثك
[ ٢ / ٣٨١ ]
إلى امرأتي بحراَّن كتابًا تمثلت فيه ببيتك وهو:
بم الَّعلل لا أهلُ ولا وطنُ ولا نديمُ ولا كأس ولا سكنُ
فأجابتني عن الكتب وقالت: ما كنت والله كما ذكرت في هذا البيت، بل أنت كما قال الشاعر في هذه القصيدة:
سَهِرتُ بعد رحيلي وحشةً لكمُ ثم استمرَّ مريري وارعوني الوَسَنُ
[ ٢ / ٣٨٢ ]
قال: ولما سمع سيف الدولة الذي يتلوه وهو:
وان بُليتُ بُودّ مثل ودكمُ فإنني بفراق مثلِه قَمِنُ
قال: سار وحق أبي وهذه الأبيات من قصيدة قالها بمصر، وقد بلغه أنه نُعِي في مجلس سيف الدولة بحلب، وبَعْدَ مطلعها:
[ ٢ / ٣٨٣ ]
أريدُ من زمني ذا أنْ يُبَلغني ما ليس يبلُغه في نفسِه الزمَنُ
لا تلق دهرَك إلا غيرَ مُكترث ما دام يصحبُ فيه روحَك البدن
فما يُديم سُرُورًا ما سُرِرْتَ به ولا يرد عليك الفائتَ الحزنُ
مما أضرَّ بأهلِ العشق أنهُمُ هَوُوا وما عرفوا الدنيا وما فَطِنوا
تفنى عيونهمُ دمعًا وأنفُسُهمْ في أثر كل قبيح وجههُ حَسَنُ
[ ٢ / ٣٨٤ ]
ومنها أيضًا:
يا من نُعِيتُ على بُعْد بِمجلِسه كلُّ بما زعم الناعون مُرْتَهَنُ
كم قد قُتلتُ وكم قَدْمِتُّ عندكمُ ثم انتفضتُ فزال القبرُ والكفنُ
قد كان شاهدَ دفني قبل موتهمُ جماعةُ ثم ماتوا قبل مَنْ دفنوا
ومنها:
[ ٢ / ٣٨٥ ]
رأيتكمْ لا يصون العرضَ جاركمُ ولا يَدر على مرعاكمُ اللبنُ
جزاءُ كلّ قريب منكمُ مللُ وحظُّ كلّ محِب منكم أضغنُ
وتغضبون على من نال رفدَكمُ حتى يعاقبه التنغيص والمنن
فغادَرَ الهجرُ ما بيني وبينكم يَهماءَ تكذبُ فيها العينُ والأذنُ
[ ٢ / ٣٨٦ ]
تحبو الرواسمُ من بعد الرسيم بها وتسأل الأرض عن أخفافها الثَّفِنُ
إني أُصاحبُ حلمي وهْو بي كَرَمُ ولا أصاحب حلمي وهو بي جُبُنُ
ولا أقيم على مال أذِلُّ به ولا ألَذُّ بما عرضي به دَرِنُ
ومنها:
وإن تأخر عني بعضُ موعده فما تأخَرُ آمالي ولا تَهنُ
[ ٢ / ٣٨٧ ]
وهو الوفيُّ ولكني ذكرتُ له مودةً فهو يبلوها ويمتحن
ومن بدائعه افتضاضه أبكارَ المعاني في المراثي والتعازي كقوله:
سالمُ أهل الودادِ بعدهمُ يَسلم للحزن لا لتخليد
أي إذا مات الصديق يسلم صديقهُ للحزن لا للخلود، لأن كلا ميت.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
فما يُرجَّى الخلودُ من زمن أحمدُ حاليْه غيرُ محمودِ
أي أحمد حاليك أن تبقى بعد صديقك، وهو مع ذلك غير محمود لتعجل الحزن وانتظار الأجل.
وقوله:
المجد أخسرُ والمكارم صفقةً من أن يعيش لها الكريمُ الأروعُ
[ ٢ / ٣٨٩ ]
والناسُ أنزلُ في زمانك منزلا من أن تُعايِشَهم وقدرُك أرفعُ
قبحًا لوجهك يا زمانُ فإنه وجهُ له من كل قبح بُرقعُ
أيموتُ مثلُ أبي شجاع فاتك ويعيشُ حاسدهُ الحصيّ الأوكَعُ؟
وقوله:
من لا تُشابهَهُ الأحياءُ في شِيَمٍ أمسى تُشابهُهُ الأموات في الرّممِ
[ ٢ / ٣٩٠ ]
عَدِمتهُ وكأني سِرْتُ أطْلبُه فما تَزيدني الدنيا على العَدَمِ
وقوله:
وقد فارق الناسُ الأحبةَ قبلنا وأعينا دواءُ الموتِ كلَّ طبيب
سُبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلُها مُنِعنا بها من جَيْئة وذُهوب
تملكها الآتي تَمَلُّكَ سالبِ وفارقها الماضي فِراق سليبِ
هذا كقول بعض الوعاظ:
[ ٢ / ٣٩١ ]
فإنما في أيديكم أسلاب الهالكين استخلفها الباقون، كما تركها الماضون، وقد أفصح عن هذا المعنى بعض أهل العصر بقوله:
هذى منازلُنا التي كانت لهم للغير نبُقيها مدى الأحقاب
وقوله:
علينا لك الإسعاف إن كان نافعًا بشقّ قلوبٍ لا بشق جُيوب
[ ٢ / ٣٩٢ ]
فربَّ كثيب ليس تَندي جفونُه ورًبَّ كثيرِ الدمع غيرُ كثيب
وللْواجدِ المكروبِ من زَفَراته سكونُ عَزاء أو سكون لُغُوب
وقوله:
ما كنتُ أحسب قبل دفنك في الثرى أن الكواكبَ في التراب تَغورُ
ما كنت آملُ قبل نعشك أن أرى رَضْوَى على أيدي الرجال تسير
[ ٢ / ٣٩٣ ]
خرجوا به ولكل باك خلفَه صَعَقاتُ موسى يوم دُكَّ الطورُ
حتى أتوا جَدَثًا كأن ضريحَه في قلب كل مُوَحِّد محفور
كفل الثناءُ له بَرَدّ حياته لما انطوّى فكأنه منشور
وقوله في تعزية سيف الدولة عن أخته:
ولعمري لقد شَغلْتَ المنايا بالأعادي فكيف تطلبْ شُغلا
[ ٢ / ٣٩٤ ]
خِطبةُ للحِمام ليس لهارَدُ وإنَ كانت لها المسماةَ ثُكلا
وإذا لم تجد من الناس كُفْؤًا ذات خِدْر أرادت الموتَ بَعلا
وهذا أحسن ما قبل في مراثي حُرَمِ الملوك.
وقوله في مرثية طفل لسيف الدولة وتعزيته عنه:
فإن تكُ في قبر فإنك في الحَشَا وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
[ ٢ / ٣٩٥ ]
ومثلُك لا يُبكى على قدر سِنِّه ولكن على قَدْرِ المَخِيلةِ والأصل
عزاءك سيف الدولة المقتدى به فإنك نصل والشدائدُ للنصل
ولم أرَ أعصى منك للدمع عبرةً وأثبتَ عقلا والقلوبُ بلا عقلِ
تخونُ المنايا عهدَه في سليلهِ وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْلِ
ويبقى على مَرّ الحوادث صبرُه ويبدو ما يبدو الفرنْدُ على الصَّقْل
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وما الموت إلا سارق دقَّ شخصُه يصول بِلا كفّ ويسعة بلا رجْل
يردُّ أبو الشبل الخميسَ عن ابنه ويُلمُه عند الولادة للنمل
ومنها:
إذا ما تأملتَ الزمانَ وصَرْفَه تيقنتَ أن الموت ضربُ من القتل
وما الدهر أهلُ أن تُؤمَّلَ عنده حياةُ وأن يُشتاق فيه إلى النسل
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وقد ذقتُ حلواءَ البنينَ على الصِبا فلا تَحْسِبَنِّي قلتُ ما قلتُ عن جَهْلِ
وقولِه:
نحن بنو الموتى فما بالنُا نَعافُ ما لا بُدَّ من شُربهِ
تبخلُ أيدينا بأرواحنا على زمان هي من كَسْبه
فهذه الأرواح من جَوِّه وهذه الأجسامُ من تُرْبه
[ ٢ / ٣٩٨ ]
لو فكَّر العاشقُ في منتهى حُسْنِ الذي يَسْببه لم يَسْبه
لم يُرَ قرنُ الشمس في شرقِه فَشَكَّتِ الأنفسُ في غربه
يموتُ راعي الضان في جهله مَوْتَةَ جالينوس في طبه
وربما زاد على عُمْره وزاد في الأمن على سِربْه
وغاية المُفرطِ في سِلمه كغاية المفرِط في حربه
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فلا قضى حاجتَه طالبُ فؤادُه يَخفِقُ من رُعْبه
ومن قلائده الإبداعُ في الهجاء، كقوله:
إن أوحشتْك المعالي فإنها دارُ غُرْبَهْ
أو آنستك المخازي فإنها لك نسبَهْ
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وقوله:
إني نزلتُ بكذابين، ضيفهُمُ عن القِرى وعن التَّرحالَ محْدودُ
جودُ الرجالِ من الأيدي وجودُهمُ
[ ٢ / ٤٠١ ]
.. من السان فلا كانوا ولا الجودُ
ما يَقبضُ الموتُ نفسا من نفوسهمُ إلا وفي يده من نَتْنها عودُ
يعني العُودَ الذي يتناوله المعالج
[ ٢ / ٤٠٢ ]
للشيء القَذِر ليكون واسطة بينه وبين يده
العبد ليس لحرُ صالحٍ بأخٍ لوْ أنه في ثياب الحُرّ مولودُ
من علَّم الأسودَ المخصيَّ مكرمةً أقومُه البيضُ أم آباؤه الصِّيدُ
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أم أذْنُه في يد النَّخَّاس دامية أم قدرْه وهو بالفَلْسين مردودُ؟
وذاك أنَّ الفحول البيضَ عاجزةُ عن الجميل فكيف الخِصْيةُ السودُ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
كأنه من قول أبي علي البصير:
عَجَز الراكبُ البصيرُ وأولَى منه بالعجز راجلُ مَكفوف
وقولِه:
فلا تُرَجَ الخيرَ عند امرئ مرَّتْ يدُ النخاس في رأسِهِ
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وقولِه:
أخذتُ بمدحه فرأيت لَهْوًا مقالي للأُحَيْمقِ يا حكيمُ
ولما أنْ هجوتُ رأيتُ عِيًَا مقالِي لأبن آوى يا لئيمُ
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فهل من عاذر في ذا وهذا فمدفوعُ إلى السَّقَمِ السقيمُ
وقولِه:
لقد كنت أحسبُ قبل الخَصيّ بأن الرؤوسَ محلُّ النهي
[ ٢ / ٤٠٧ ]
فلما نظرتُ إلى رأسه رأيت النهي كلَّها في الخُصَي
وقولِه:
يمشي بأربعة على أعقابه تحت العلوج ومن وراء يُلْجَمُ
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وجفونُه ما تستقر كأنها مطروقةُ أوفُتَّ فيها حِصْرِمُ
وتراه أصغرَ ما تراه ناطقا ويكون أكذبَ ما يكون ويُقسم
وإذا أشار مكلما فكأنه قرد يقهقه أو عجوز تلطم
[ ٢ / ٤٠٩ ]
يُقْلِي مفارقَةَ الأكُفّ قذالُه حتى يَكادَ على يد يَتعمم
ومن قلائد أبي الطيب إبرازُ المعاني اللطيفة في معارض الألفاظ الرشيقة الشريفة،
[ ٢ / ٤١٠ ]
والرمي بالطُّرف والمُلَح كقوله في الجمع بين مدح سيف الدولة وقد فارقه، وبين مدح كافور وقد قصده في بيت واحد وهو:
[ ٢ / ٤١١ ]
فراقُ ومن فارقتُ غيرُ مُذَمَّمِ وأمُّ ومن يَممتُ خيرُ مُيَمَّمِ
ثم قال مُعرّضا بسيف الدولة:
وما منزلُ، اللذات عندي بمنزلٍ إذا لم أُبَجَّلْ عنده وأكرَّم
[ ٢ / ٤١٢ ]
رحلتُ فكم باك بأجفان شادنٍ عليَّ وكم باك بأجفان ضَيْغَم
المصراع الثاني تصديق لقولِه: لَيَحْدُثّنَّ لمن ودعتُهم ندمُ
[ ٢ / ٤١٣ ]
وما ربةُ القُرط المليح مكانهُ بأجزع من رب الحُسام المُصَمِّمِ
فلو كان ما بي من حبيب مُقَنَّع عَذرتُ ولكن من حبيب مُعَمَّمِ
وهذا أيضًا مما نبهت عليه من
[ ٢ / ٤١٤ ]
إجرائه الممدوحَ من الملوك مجرى المحبوب في كثير من شعره.
رمي واتَّقي رَمْي ومن دون ما اتقى هوًى كاسرُ كفى وقوسي وأسهمي
[ ٢ / ٤١٥ ]
وقوله في مدح كافور والتعريض بالقَدْح في سيف الدولة:
قالوا هجرتَ إليه الغيثَ قلتُ لهم إلى غيوث يديه والشآبيب
[ ٢ / ٤١٦ ]
إلى الذي تهبُ الدّولاتِ راحتُه ولا يَمُنُّ على آثار موهوب
ولا يَرُوعُ بمغرور به أحدًا ولا يُفَزّعُ موفورا بمنكوب
[ ٢ / ٤١٧ ]
يا أيها الملك الغاني بتسميةٍ في الشرق والغرب عن نعت وتلقيبِ
يعني أنه مستغن بشهرته عن لقب كلقب سيف الدولة.
[ ٢ / ٤١٨ ]
أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون مُحبًّا غير محبوب
وهذا أيضًا من ذاك.
وقوله من قصيدة لسيف الدولة بعد ما فارق حضرته يعرض
[ ٢ / ٤١٩ ]
باستزادة يومه وشكر أمسه، وهو من فرائده:
وإن فارقتْنَي أمطارُه فأكثر غُدرانها ما نَضَبْ
وإني لأُتْبعُ تذكاره صلاةَ الإله وسقى السحبْ
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ومنها في التعريض لكافور:
ومن رَكب الثورَ بعد الجوا دِ أنكر أظلافَه والغَبَبْ
[ ٢ / ٤٢١ ]
وقوله في هزِّ كافور والتعريض باستزادته:
أبا المِسكِ هل في الكأس فضلُ أنالُه فإني أغنى منذُ حسين وتشربُ
[ ٢ / ٤٢٢ ]
يقول: مديحي إياك يطربك، كما يطرب الغناءُ الشاربَ، فقد حان أن تسقيني من فضل كأسك.
وعبتَ على مقدار كفَّىْ زماننا ونفسي على مقدار كفيك تطلبُ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وقوله أيضًا في التعريض بالاستزادة:
أرى لي بقربي منك عينًا قريرةً وإن كان قُربًا بالبِعاد يُشابُ
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وهل نافعي أن تُرفعَ الحجبُ بيننا ودون الذي أمَلتُ منك حجاب
أقِلُّ سلامي حُبَّ ما خفَّ عنكمُ وأسكتُ كيما لا يكونَ جواب
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أي خِبّ ما خف عليكم.
وفي النفس حاجات وفيك فطانةُ سكوتي بيانُ عندها وخِطابُ
وقولُه في وصف الفرس:
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وبوم كليل العاشقين كَمْنتُه أراقب فيه الشمسَ أيان تَغْرُبُ
وعيني إلى أذنَيْ أغرَّ كأنه من الليل باق بين عينيه كوكبُ
أي كأنه قطعة من الليل، وكأن
[ ٢ / ٤٢٧ ]
الغُرة في وجهه كوكب، وعينه إلى أذنه، لأنه كامنُ لا يرى شيئًا، فهو ينظر إلى أذني فرسه، فإن رآه قد توحش بهما، تأهب إلى أمره، وأخذ لنفسه الحذر،
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وذلك أن أذن الفرس تقوم مقام عينيه، وتقول العرب: أذُنُ الوحشي أصدق من عينيه.
له فَضْلَةُ عن جسمه في إهابه تجيء على صدر رحيب وتذهب
[ ٢ / ٤٢٩ ]
شققتُ به الظلماء أدْنى عِنانَه فيطغى وأُرخيه مِرارًا فيلعب
أي إذا جذبت عنانه طغى برأسه لطماحه، وعزةِ نفسه، وإذا أرخيتُ عنانَه لعب برأسه.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وأصْرَعُ أيَّ الوحش قفَّيْتُه به وأنزِلُ عنه مثلَه حين أركبُ
وقولُه في التوديع:
وإني عنك بعد غد لَغَادٍ وقلبي في فِنائك غيرُ غادِ
[ ٢ / ٤٣١ ]
مُحبك حيث ما اتجهت ركاب وضيفك حيث كنتُ من البلاد
وقولُه:
سِرْ حَلَّ حيثُ تَحُله النَوارُ وأرادَ فيك مرادَك المقدارُ
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وإذا ارتحلت فشيعتْك سلامةُ حيث اتجهت وِديمةُ مِدرارُ
وأراك دهرُك ما تحاول في العدا حتى كأن صروفَه أنصارُ
[ ٢ / ٤٣٣ ]
أنت الذي بَجِحَ الزمانُ بذكره وتزينتْ بحديثه الأسمارُ
وقوله في الرفق بالصديق والعنف بالعدو:
[ ٢ / ٤٣٤ ]
إني لأجبنُ عن فِراق أحبتي وتُحِسُّ نفسي بالحِمام فأشجعُ
وَيزيدني غضبُ الأعادي جُرأة ويُلِمُّ بي عتبُ الصديق فأجزع
وقوله في حسن الكناية:
[ ٢ / ٤٣٥ ]
تشتكي ما اشتكيتُ من ألم الشو ق إلينا والشوقُ حيثُ النحولُ
وإنما كنى عن تكذيبها، ولم يُصرح به، أي أنا أشتكي
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الشوق، ونحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة، فليست مشتاقة.
وقولُه:
عفيفَ ما في ثوبه مأمونَهُ أبيضَ ما في تاجه ميمونَه
أي عفيف الفرج، فكنى به.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وقولُه في العيادة:
لا تَعْذلُ المرضَ الذي بك شائق أنت الرجالَ وشائقُ عِلاتِها
ومنازلُ الحمىَّ الجسومُ فقل لنا ما عذرها في تركها خيراتِها
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أي لا عذر للحمى في تركها جسمك، إذ هو أفضل الجسوم.
وقولُه:
قَصِدْتَ من شرقِها ومغربِها حتى اشتكتك البلادُ والسُّبُلُ
[ ٢ / ٤٣٩ ]
لم تُبق إلا قليلَ عافيةٍ قد وفدت تجتديكها العِللُ
وقولُه:
يُجَشمك الزمانُ هوىً وُودًا وقد يُؤذَي من المقة الحبيبُ
وكيف تُعلُّك الدنيا بشيء وأنت لعلة الدنيا طبيب؟
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وكيف تنوبُك الشكوى بداء وأنت المستغاثُ لما ينوب
وقولُه: في التهنئة:
[ ٢ / ٤٤١ ]
المجدُ عُوفي إذ عُوفيتَ والكرمُ وزال عنك إلى أعدائك الألمُ
وما أخصك في بُرء بتهنئة إذا سلمتَ فكل الناس قد سَلموا
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وقوله:
إنما التهنئاتُ للأكفاء ولِمنْ يدَّني من البعداءِ
وأنا منك لا يهنئ عضو بالمسرات سائرَ الأعضاء
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وقولُه:
الصومُ والفطرُ والأعيادُ والعُصُر منيرةُ بك حتى الشمسُ والقمرُ
ما الدهرُ عندك إلا روضةُ أنُفُ يا من شمائلهُ في دهره زَهَرُ
[ ٢ / ٤٤٤ ]
ما ينتهي لكَ في أيامه كرمُ فلا انتهى لك في أعوامه عُمرُ
فإن حظَّك من تكرارها شرفُ وحظُّ غيرك منها النومُ والسَّهَرُ
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وقولُه في الشيب:
تغيّر حالي والليالي بحالها وشبتُ وما شاب الزمانُ الغُرانق
وقولُه:
تُسَوّدُ الشمسُ منا بيضَ أوجُهنا ولا تُسوّدُ بيضَ العُذْرِ واللِّممَ
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وكان حالُهما في الحكم واحدةً لو احتكمنا من الدنيا إلى حَكَم
ومنها حسنُ المقطع، كقوله:
قد شرّف اللهُ أرضًا أنت ساكنُها وشرَّفِ الناسَ إذ سوّاك إنسانا
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وقولِه:
سما بك همِّيَ فوق الهموم فلستُ أعُدُّ يَسارًا يسارًا
ومن كنتَ بحرًا له يا عليّ لم يقبل الدرَّ إلا كبارا
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وقوله:
أنَلْتَ عبيدك ما أملَّوا أنا لك ربُّك ما تأمُلُ
وقوله:
وأعْطِيتَ الذي لم يُعطَ خَلْق عليك صلاةُ ربّك والسلامُ
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وقولِه في حسن الحشو:
صلي الإلهُ عليك غيرَ مُوَدَّع وسقىَ ثَرى أبويكَ صَوْبَ غَمامِ
وقولِه:
وتحتقر الدنيا احتقارَ مُجرِّب يرى كلَّ ما فيها وحاشاك فانيا
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وقولِه:
إذا خَلَتْ منك حِمْصُ لا خلت أبدا فلا سقاها من الوَسَمِي باكرُهُ
ومما أوردهُ له في حسن الحشو البيت المشهور وهو:
[ ٢ / ٤٥١ ]
إن الثمانين وبُلغتَها قد أحوجتُ سمعي إلى تَرْجُمان
بشريطة أن يكون لفظ وبلغتها بتاء الخطاب، أما إذا كانت للمتكلم، فليس منه لكن أفادنا المولى المعنون باسمه الشريف
[ ٢ / ٤٥٢ ]
هذا الكتاب أن البيت فيه نظر يظهر بالتأمل. إذا كان بتاء الخطاب، ولم نسمع بهذا النقدمن غيره، أدام الله علوه، وزاد في أوج المعارف سمره، فإنه المولى الذي تقتبس الفضائل من
[ ٢ / ٤٥٣ ]
أنواره، وتغترف الفواضل من تياره، فلا زالت أيامه بالمحامد مشرقة، ولا برحت بحار فضائله بالفوائد مغدقة ما سطح بدرُ العدل، ولمع برقُ الفضل.
[ ٢ / ٤٥٤ ]