ليس ينبغي - أبقاك الله - أن تغضب على صديقك، إذا نصح لك في جليلك ودقيقك، بل الأقمن بك، والأخلق لك أن تتقبل ما يقوله، وتبدي البشاشة في وجهه، وتشكره عليه حتى يزيدك في كل حال ما يجملك، ويكبت عدوك، والصديق اليوم قليل، والنصح أقل، ولن يرتبط الصديق إذا وجد بمثل الثقة به، والأخذ بهديه، والمصير إلى رأيه، والكون معه في سرائه وضرائه، فمتى ظفرت بهذا الموصوف فاعلم بأن جدك قد سعد، ونجمك قد صعد، وعدوك قد بعد والسلام.
شاعر:
[ ١٤٢ ]
وكان الصديق يزور الصديق لشرب المدام وعزف القيان
فصار الصديق يزور الصديق لبث الهموم وشكوى الزمان
شاعر:
أتطلب صاحبًا لا عيب فيه وأي الناس ليس له عيوب
قال معاوية بن أبي سفيان: أكلت الطعام حتى لم أجد طعمه، وركبت الدواب حتى استرحت إلى المشي، ونكحت الحرائر والإماء حتى ما أبالي وضعت ذكري في فرج أو حائط، وما بقي من لذتي إلا جليس اطرح بيني وبينه الحشمة.
شاعر:
وواثق باعتقادي ليس ينصفني إذا تزيدت رفقًا زاد عدوانا
أضربي حسن خلقي عند عشرته وربما ضر حسن الخلق أحيانا
وأنشد العطافي فيما رواه لنا المرزباني عن أبي عمرو عنه:
عنف العتاب ملجة فتوق من عنف العتاب
واستبق خلة من يلو م فذاك أدنى للإياب
واصفح عن الأمر الذي إعلانه هتك الحجاب
آخر:
كفى حزنًا ألا صديق ولا أخ أفاد غنى إلا تداخله كبر
وإلا التوى أو ظن أنك دونه وتلك التي جلت فما عندها صبر
[ ١٤٣ ]
فلا زاد فوق القوت مثقال ذرة صديق ولا أوفى على عسره يسر
وما ذاك إلا رغبة في إخائه وإلا حذار أن يميل به الغدر
ومن صحب الأيام عاتب صاحبًا وحالف عذالًا وأدبه الدهر
امرؤ القيس:
وخليل قد أفارقه ثم لا أبكي على أثره
شاعر:
لا مرحبًا بوصال ذي ملق تكدي مودته ولا تجدي
وإذا الصديق ذممت خلته صيرت قطع حباله وكدي
حتى أرى خلًا يعاشرني بمودة أطرى من الورد
آخر:
وصلتك لما كان ودك خالصًا وأعرضت لما صار نهبًا مقسمًا
ولن يلبث الحوض الوثيق بناؤه على كثرة الوراد أن يتهدما
شاعر:
ليهنئك بغض في الصديق وظنة تحدثك الشيء الذي أنت كاذبه
[ ١٤٤ ]
وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له: قد أعدت ذكر تصحيح المودة وإخلاص الموالاة بعد أن أكدهما الله لك مني، ومنك عني، وحللت أعلى المراتب من قلبي، وحزت أجزل الحظوظ من ودي، وخاطبك بذلك ضميري، وظهر شاهده من فعلي، فلا تزرين على ما بيننا بالاستزادة بما لا مزيد فيه، والتذكير بما لا ينسى، والتجديد لما لا يخلق، والوصف لما قد عرف، حتى كأن الإخاء معتل، وعقد الوصل منحل، والثقة لم تقع، والهجر متوقع، وسوء الظن يفري ويدع.
لآخر: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما.
وكتب آخر: أنا والله الولي المخلص، والواد المصحح، ومن إذا شد عقدة أوثقها، وإذا عقد مودة صدقها، والمماذق أخو المنافق، والشاهد هدف للغائب، والرجل يعرف موقع رأيه إذا مال ووالى، وإذا انحرف وعادى، وإذا اجتنب واجتبى، وحركات الإنسان ملحوظة، وأعماله محفوظة،
[ ١٤٥ ]
وتصرفه بين ولي مشفق، وعدو مطرق، وكل يرصده وينقده، وللسانه فلتات، ولقلبه هفوات.
وقال بعض البلغاء: ليس تكمل محاسن الصفح إلا بالإضراب عن مذلة التوبيخ، فإن التأنيب أوجع وقعًا في وجه الكريم، من وقع الضرب في بدن اللئيم.
وقال أعرابي: الموبخ بعد العفو أولى بالتوبيخ، لأنه أفسد النعمة بالتذكير، وقبح الصفح بالتعبير.
وقال سهل بن هارون: العفو الذي يقوم مقام العتق ما سلم من تعداد السقطات، وخلص من تذكار الزلات.
وقال رجل للفضل بن سهل ذي الرئاستين: أنت أحق من تغمد هذه الفرطة، واغتفر هذه السقطة.
[ ١٤٦ ]
وقال أعربي: الودود من عذر أخاه، وآثره على هواه.
وكتب النصير إلى صديق له: سقيًا لدهر لما خلي بنا، خلا منا، ولما تصدى لنا، تولى عنا، تلك أحق الأيام بالذكرى.
وقال الأحوص المدني: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودك ومن الاسترسال، حتى تجد له مستحقًا.
وقال أعرابي: إذا جاد لك أخوك بأكثره، فتجاف له عن أيسره.
وقال آخر: الحر يؤثر كرم الاستبقاء، على لؤم الاستقصاء.
وكتب الجراحي إلى صديق له: حرسني الله من الشك في إخلاصك، وأعاذني من سوء التوكل عليك، وأجارني مما يوحش منك، ويباعد عنك.
وقال النصير لصاحب له: أرجو أن يكون فيما لنا عندك، دليل على ما عندنا لك، وإن كنت بالفضل أولى، وبالمكرمة أحرى.
وأخبرنا علي بن عيسى قال: أنبأنا ابن دريد قال: أنشدنا عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: وأظنها لابن قيس الرقيات:
لا يعجبنك صاحب حتى تبين ما طباعه
ماذا يضن به عليك وما يجود به اتساعه
أو ما الذي يقوى عليه وما يضيق به ذراعه
وإذا الزمان رمى صفات ك بالحوادث ما دفاعه
[ ١٤٧ ]
فهناك تعرف ما ارتفاع هـ وى أخيك وما اتضاعه
آخر:
فمن يك لا يدوم له وصال وفيه حين يغترب انقلاب
فعهدي دائم لهم وودي على حال إذا شهدوا وغابوا
وأنشد الأصمعي ولم يسم قائله:
تبدي لك العين ما في نفس صاحبها من الشناءة أو ود إذا كانا
إن البغيض له عين يصد بها لا يستطيع لما في الصدر كتمانا
وعين ذي الود ما تنفك مقبلة ترى لها محجرًا بشًا وإنسانا
والعين تنطق والأفواه صامتة حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
قال أبو هاشم الحراني: ومن طباع الكريم وسجاياه رعاية اللقاءة الواحدة، وشكر الكلمة الحسنة الطيبة، والمكافأة بجزيل الفائدة، وأن لا يوجد عند عرض الحاجة مستعملًا سوم عالة.
[ ١٤٨ ]
وأنشدنا ابن كعب لعبد الله بن معاوية:
العهد عهدان فعهد امرىء يأنف أن يعذر أو ينقضا
وعهد ذي لونين ملالة يوشك إن ودك أن يبغضا
إن لم تزره قال قد ملني وبالحري إن زرت أن يعرضا
شيمته مثل الخضاب الذي بينا تراه قانيًا إذا نضا
قال العباس بن الحسن العلوي لما مات الزبيري: رحم الله أبا بكر فقدته فما تمسكت بعده من أخ بعروة إلا تجذمت في يدي.
وعزى يزيد بن جرير آخر فقال: إني لم آتك شاكًا في عزمك، ولا زائدًا في علمك، ولكنه حق الصديق على الصديق، فإن استطعت أن تسبق السلوة بالصبر فافعل.
وكتب عبد الله بن العباس بن الحسن العلوي إلى صديق له: أما بعد فمثل إعظامي إياك دعا إلى الانقباض عنك، ومثل ثقتي بك دعا إلى الانبساط إليك، فلما تكافأ هذان في نفسي كان أملكهما بي، وأولاهما بالأثرة عندي أقربهما إلى موافقتك، وأوقعهما بمحبتك. فعلمت أن أسر إخوانك لك أفزعهم عند الملمات إليك، وأوثقهم عند حوادث الأمور بك، ثم شفع ذلك عندي ما يدعو إليه المرء نفسه، وتنازعه نحوه من الطلب وتثقل عليه المؤونة فيدمن الإمساك.
وكتب غسان بن عبد الحميد المدني إلى جعفر بن سليمان الهاشمي يعاتبه: بلغني أن غاشًا ظالمًا أتاك بأمر لم أكن له أهلًا، ولم تكن بقبوله
[ ١٤٩ ]
خليقًا، لأنني لم أكن بأشباهه معروفًا، ولم تكن على استماع مثله مخوفًا، فوجد له فيك مساغًا، وعندك مستقرًا، وكنت أحسب منازل إخوانك عندك، والثقة لهم منك في حصن حصين، ومحل مكين، لا تناله أكاذيب الكاذبين، ولا أقاويل المفترين، وذلك أن الكاذب كان بالتهمة علي في منزلي وحرمتي أحق مني بالتهمة على رأيي وخلقي، وأنا كنت عندك بالثقة في وفائي أحق منه بالتصديق في عضيهته إياي، فإن الأخ المخبور أولى بالثقة من الساعي بالكذب والزور، وإذا كان تحافظ الإخوان إنما هو معلق بأيدي السفهاء إذا شاؤوا سعوا، فقيل قولهم، فكيف تبقى على ذلك أخوة، أو ترعى معه حرمة، أو يصلح عليه قلب، أو يسلم معه صبر؟.
سهل بن هارون:
وما العيش إلا أن تجود بنائل وإلا لقاء الأخ بالخلق العالي
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات إلى الحسن بن وهب:
لعمرك ما عيشة رغدة لدي إذا غبت بالراضيه
وإني إلى وجهك المستنير في ظلمة الليلة الداجيه
لأشوق، من مدنف خائف لقاء الحمام، إلى العافيه
قيل لأبي زياد الكلابي: إنك فيما نراك تداجي إخوانك كثيرًا، وهذا خلق أنت عالق به قال: لأن أداجيهم مستديمًا لما بيني وبينهم أحب إلي من أن أدع المداجاة التي أملكها ولا أملك المصافاة التي قد فقدتها.
[ ١٥٠ ]
وسمعت ابن كعب الأنصاري ينشد كثيرًا:
يا أخًا كان يرهب الدهر من ذكري له عند نائبات الحقوق كنت تحتل حبة القلب من قلبي وتجري مجرى دمي في عروقي كنت مني مكان بعضي من بعضي فأصبحت في مدى العيوق ما قذى عينك التي كنت ترعاني بها مرة وأنت صديقي أم بدت حاجة إليك أحلتني محل البعيد منك السحيق صرت تشري إذا التحفت بثوبي وتوحي إذا سلكت طريقي سمعت علي بن القاسم الكاتب يقول: قلت لأبي الفضل، يعني ابن العميد: ما ينقضي عجبي من إقدامك على الحاجب النيسابوري بعد التصافي الذي كنتما عليه، والملح الذي تجتمعان له، والرضاع الذي تتراوحان فيه، ووالله ما يفصل الناظر بينكما الظالم من المظلوم منكما، وإن إشكال الحال فيكما يدعو إلى سوء الظن بكما، وتوجيه اللائمة الشنيعة إليكما. فقال: يا أبا الحسن والله لقد كدت أن أكونه لولا أن الله بسط يدي عليه، وأظفرني به، إنه لما استحال الحال بليني وبينه أظلم الجو في عيني، وعزب عني رأيي، ووجلت من صولته وجولته، وكان كما علمت
[ ١٥١ ]
خطيب اللسان، بعيد الغور، خفيف الفور، يمري من ثبج بحر، ويتلقى جميع أموره بصدر ونحر، فما هنأني عيش، ولا طاب لي شرب، ولا فارقني وسواس حتى كان منه ما كان، فقلت له: كيف استحالت الحال بعد توكدها وتعهدها؟ قال: طلب من الحظوة عند ركن الدولة ما كنت أنا قد أفنيت شبابي، وعمري، وذخري له، فلم تسمح نفسي أن أفرج له عنه، ومنازل الأولياء عند الملوك محوطة بالغيرة الشديدة، والحمية المشتعلة، وليست الغيرة عليها إلا فوق الغيرة على السراري الحظيات، وبنات العم الموافقات، وفوق غيرة الضرة من الضرة، وإن الذي يعتري الرجال في هذه الأحوال أزيد من الذي يعتري النساء، إلا أن الرجال لا يتواصون بترك هذا الخلق، ولا يغير بعضهم بعضًا باستعماله، فقلت له: أفكان يرتقي لو بقي إلى أكثر من الحجابة التي أنت مسلم لها إليه، وغير منازع له في شيء منها؟ فقال: ما أسلم صدرك، وأصدأ نصلك، الرجل كان يحدث نفسه بالوزارة، ويوسوس إلى صاحبه بإثارة المال من الوجوه المجهولة، أفكان يجوز لي أن أحلم بهذا في النوم، ثم أتمتع بالعيش باليقظة؟ لا والله! وبعد فأنا كما قال الشاعر:
ولست مكلفًا أبدا صديقًا معاشرتي على خلق ممض
ولا أن يستقيم على اعوجاجي ويغفر بعض أحوالي لبعض
ولكني له عبد مطيع على علاته أرضى واغضي
حرير حين يلمسني صديقي حديد تحت ضرس رام عضي
فإن باشرتني فإليك أمري وإن باغضتني فإليك بغضي
وكما قال الآخر:
[ ١٥٢ ]
ألم تعلمي يا عصم كيف حفيظتي إذا السر خاضت جانبيه المجارح
أفر حذار الشر والشر تاركي وأطعن في أنيابه وهو كالح
قلت لعلي بن القاسم: كيف كان يستجيز قتل النفوس وهو يتفلسف؟ قال: يا هذا الدين الذي نشره على لسان رسوله ﷺ ينافق به، ويكذب فيه، والفلسفة التي وضعت على ألسنة قوم مجهولين لا يجوز أن ينافق بها، ويكذب فيها، إنما كان يتشيع بما يقوله ويدعيه، ويجب أن تكون مباينًا لهذا السواد الذي هو فيه، وحب الجاه، وحب الرئاسة، وحب المال مهالك الخلق أجمعين، نسأل الله تعالى أن يكره إلينا الدنيا، ويرغبنا في التقوى، ويختم لنا ولك بالحسنى بمنه وقدرته.
شاعر:
عدو صديقي داخل في عداوتي وإني لمن ود الصديق صديق
أخبرنا أبو السائب القاضي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: سمعت علي بن عبيدة يقول لصديق له: قسم الله لنا من صفحك ما يتسع لتقصيرنا، ومن حلمك ما يردع سخطك عنا، ويعيد ما كان منك لنا، وزين ألفتنا بمعاودة وصلك، واجتماعنا بزيارتك، وأيامنا الموحشة لغيبتك برؤيتك، وسر بقربك القلوب، وبحديثك الأسماع.
شاعر:
فلا تله عن كسب ود الصديق ولا تجعلن صديقًا عدوًا
ولا تغترر بهدو امرىء إذا هيج فارق ذاك الهدوا
[ ١٥٣ ]
آخر:
فبعدك يا شغب اجتويت صحابتي ولاحظني الأعداء بالنظر الشزر
وأبدى لي الشحناء من كان مخفيًا عداوته لما تغيب في القبر
آخر:
ولئن كنت لا تصاحب إلا صاحبًا لا يزل ما عاش نعله
لا تجده ولو جهدت وإني بالذي لا يكون يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر ال ذنب ويكفيه من أخيه أقله
وأخبرنا المرزباني، حدثنا الصولي، حدثنا أبو العيناء قال: رأيت علي بن عبيدة يعاتب رجلًا ثم قال في كلامه: العجب أني أعاتبك وأنت من أهل القطيعة! وحدثنا أبو عبد الله النمري قال: لما وزر أبو محمد المهلبي سنة أربعين بعد وفاة أبي جعفر الصيمري كتب إلى أبي الفضل العباس بن الحسين وكان بينهما تواصل: