إني - حفظك الله - وحفظني لك، وأمتعك بي وأمتعني بك، قد بلوتك طول أيام أبي جعفر - قدس الله روحه - فوجدتك ذا شهامة فيما
[ ١٥٤ ]
يناط بك، حسن الكفاية فيما يوكل إليك، كتومًا للسر إذا استحفظته، حسن المساعدة فيما يجمل بك الوفاق عليه، وقد حداني هذا كله على اجتبائك، وتقريبك، وإدنائك، وتقديمك، وغالب ظني أنك تعينني على ذلك بميمون نقيبتك، ومأمون ضريبتك، وجعلت دعامة هذا كله أني أجريك مجرى الصديق الذي يفاوض في الخير والشر، ويشارك في الغث والسمين، ويستنام إليه في الشهادة والغيب، ولي معك عينان، إحداهما مغضوضة عن كل ما ساءني منك، والأخرى مرفوعة إلى كل ما سرني فيك، فإن كنت تجد في نفسك على قولي هذا شاهدًا صدوقًا، وإمارة نطوقًا، فعرفني لأعلم أن فراستي لم تفل، وحدسي عن طريق الصواب لم يمل، والحال التي قد جددها الله لي هي محروسة لك، ومفرغة عليك، ومستقلة بك، فأشركني فيها بخالصة الوفاء، أو تفرد بها إن شئت بحقيقة الصفاء، فلك الأمنة من حيلولة الاعتقاد، والسكون إلى عفو الاجتهاد، وثق بأن الذي خطبته منك إنما أريده لك، فلا تقعن في وساوس صدرك أن لكاشح لنا فيما نحن عليه طريقًا لنقص، أو لمحب لنا فيه بابًا إلى الزيادة، واكتف بهذا القدر الذي دللتك عليه، واستقبل أمري وأمرك
[ ١٥٥ ]
بالذي أرشدتك إليه، وإياك أن تستشير فيه غير نفسك فإنك بعرض حسد يكون عقالًا لحظك، والله يهديك للحسنى، ويقيني فيك غوائل العيون المرضى والسلام.
قلت للنمري: فبماذا أجابه؟ قال: من له بجواب في هذا السبك على هذه الحلاوة؟ إلا أنه استعان بأبي عبد الله فكتب له:
بسم الله الرحمن الرحيم
الوزير - أطال الله بقاءه - قد خاطبني بما إن لو غلطت في نفسي، وادعيت ما لا يليق بي، لكان في ذلك عذري، ولست من أصحاب البراعة، فأسهب خاطبًا، أو أخطب مطنبًا، وأنا - وإن فاتني هذا بفوت الصناعة - فلن يفوتني إن شاء الله ما يستحق علي من القيام بالخدمة وبذل الطاعة، حتى يكون جوابي صادرًا على مذهب الخدم، كما كان ابتداؤه صادرًا على مذهب أرباب النعم، وها أنا قد وكلت ناظري بلحظه، ووقفت سمعي على لفظه، انتظارًا لأمره ونهيه اللذين إذا امتثلت أحدهما وملت عن الآخر ملكت المنى، وأحرزت الغنى، وكانت شمسي به دائرة وسط السماء، وعيشي جاريًا على النعماء والسراء، فلا يبقى لي غم إلا تفرى، ولا وغم إلا تسرى، ولا إرادة إلا مبلوغة، ولا بغية
[ ١٥٦ ]
إلا مدركة، وقد رفلت. ومن نعمة الوزير - أدام الله أيامه - في عطاف من المسرة، الله أسأل إسباله علي مدى الدهر، بنفاذ أمره، وجواز خاتمه، وجريان قلمه، وشعاع شمسه، وسلامة نفسه، ودوام أنسه، وهو يجيب الداعي إذا أخلص في دعائه، ويعطي السائل سؤله إذا صفى ضميره في سؤاله، ولرأي الوزير العلو في قبول ما جاد به عنده من طاعته، وقابل به دعوته من إجابته، إن شاء الله.
وقال آخر:
أبا يعقوب صرت قذى لعيني وسترًا بين طرفي والمنام
وكنت على الحوادث لي معينًا فصرت مع الحوادث في نظام
وكنت على المصائب لي سلوًا فصرت من المصيبات العظام
وقال عبدة بن الطبيب:
إن الذين ترونهم خلانكم يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهم وأبت ضباب صدورهم لا تنزع
[ ١٥٧ ]
وقال أبو إسحاق السبيعي: ثلاث يصفين لك ود أخيك: السلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب أسمائه، وأن لا تماريه.
سمعت العوامي يقول لعلي بن عيسى الوزير: إن الحال بينك وبين ابن مجاهد صفيقة فما الذي قربه منك، ونفقه عليك، وأولعك به؟ قال: وجدته متواضعًا في علمه، هشًا في نسكه، كتومًا لسره، حافظًا لمروءته، شفيقًا على خليطه، حسن الحديث في حينه، محمود الصمت في وقته، بعيد القرين في عصره، والله لو لم يكن فيه من هذه الأخلاق إلا واحدة لكان محبوبًا ومقبولًا.
شاعر:
إذا أنا عاتبت الملول فإنما أخطط في جار من الماء أحرفا
فهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن مودته طبعًا فصارت تكلفا
آخر:
يعاتبكم يا أم عمرو بحبكم ألا إنما المقلي من لا يعاتب
آخر:
[ ١٥٨ ]
إذا ما تقضى الود إلا تكاشرًا فهجر جميل للفريقين صالح
تلونت ألوانًا علي كثيرة ومازج عذبًا من إخائك مالح
ولي عنك مستغنى وفي الأرض مذهب فسيح، ورزق الله غاد ورائح
لتعلم أني إذ أردت قطيعتي وسامحت بالهجران إني مسامح
آخر:
إذا ما المرء لم يحببك إلا مغالب نفسه سئم الغلابا
ومن لا يعط إلا في عتاب يخاف، يدع به الناس العتابا
أخوك أخوك من تدنو وترجو مودته؛ وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي وزاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في الكريهة كل يوم إذا ما معضل الحدثان نابا
وقال رجل لصاحب له: إنما اشتد غضبي، لأن من كان علمه أكثر، كان ذنبه أكبر، قال: فهلًا جعلت سعة علمي سبيلًا إلى حسن الظن بنزوعي، أو إلى أني غالط في تفريطي، مخطىء بقصدي، غير معاند لك، ولا جريء عليك.
[ ١٥٩ ]
ورأيت الزهيري وقد كتب إلى ابن الأزرق كتابًا كتب في آخر هذه الأبيات:
اذهب فلا حاجة لي فيكا غطت على عيني مساويكا
وارغبتا فيك بدت سوءتي واسوءتا من رغبتي فيكا
قد كنت أرجوك أخًا لي فلا أفلح من أمسى يرجيكا
وقال بعضهم: تركتني معرفة الناس فردًا.
وأنشد آخر:
تركتني صحبة الناس ومالي من رفيق لم أجد إشفاق ندماني كإشفاق الصديق
قد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق، وما يتصل بالوفاق، والخلاف، والهجر، والصلة، والعتب، والرضا، والمذق، والرياء، والتحقق، والنفاق، والحيلة، والخداع، والاستقامة، والالتواء، والاستمانة، والاحتجاج، والاعتذار، ولو أمكن لكان تأليف ذلك كلؤه أتم مما هو عليه، وأجرى إلى الغاية في ضم الشيء إلى شكله، وصبه على قالبه، فكان رونقه أبين، ورفيقه أحسن، ولكن العذر قد تقدم، ولو أردنا أيضًا أن نجمع ما قاله كل ناظم في شعره، وكل ناثر من لفظه لكان ذلك عسيرًا، بل متعذرًا، فإن أنفاس الناس في هذا الباب طويلة، وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة، لأنه لا يخلو أحد من جار، أو معامل، أو حميم، أو صاحب، أو رفيق، أو سكن، أو حبيب، أو صديق، أو أليف، أو قريب، أو بعيد، أو ولي، أو خليط، كما لا يخلو أيضًا من عدو، أو كاشح، أو مداج، أو مكاشف،
[ ١٦٠ ]
أو حاسد، أو شامت، أو منافق، أو مؤذ، أو منابذ، أو معاند، أو مزل، أو مضل، أو مغل، وقد قال الأوائل: الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد له من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ظاهر، وإذا كان مدينًا بالطبع كما قيل فبالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من الأخذ، والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة، ما يكون سببًا لانتشار الأمر، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم، وكتبنا جورهم وإنصافهم، وذلك أعلى فنون ما قالوه ونظروه، وعيون ما ذكروه ونشروه، ونروي في هذا الموضع بقية أبيات وإن عن شيء حكيناه، ونغلق الرسالة فإنها إذا طال بغضت، وإذا بغضت هجرت، وربما نيل من عرض صاحبها، وأنحي باللائمة عليه من أجلها، وهو لم يقصد إلا الخير، ولا أراد إلا الرشاد، وقد يؤتى الإنسان من حيث لا يعلم، ويرمي من حيث لا يتقي، كما يأتي من حيث لا يحتسب، وينجو وقد أشفى، ويدرك وقد غلب اليأس. قال العطوي:
لا تبك إثر مول عنك منحرف تحت السماء وفوق الأرض أبدال
الناس أكثر من أن لا ترى خلقًا ممن زوى وجهه عن وجهك المال
[ ١٦١ ]
ما أقبح الوصل يدنيه ويبعده بين الصديقين إكثار وإقلال
الصنوبري:
يا ناصحًا ما زال يتبع نصحه غشًا إذا نصح الصديق صديقه
فله العزاء بروم لست أرومه قلت السلو يطاق لست أطيقه
آخر:
رميت هواي من مرمى قريب وكنت أخي فصرت أخا الخطوب
قدرت من الجسوم على تناء ولكن لا تنائي للقلوب
فمن تطلب الإنصاف يومًا إذا جار الأديب على الأديب
آخر:
كم من صديق صادق الظاهر متفق الأول والآخر
أطمعني في مثله مطمع من خاطري، لا كان من خاطر
حتى إذا ما قلت فازت يدي بمثله فوز يد القامر
وجدت في كفي منه كما قد ملئت منه يد الزامر
آخر:
أخو ثقة يسر بحسن حالي وإن لم يدنه مني قرابه
يسر بما أسر به ويشجى إذا ما أزمة نزلت رحابه
أحب إلي من ألفي قريب بنات صدورهم لي مسترابه
[ ١٦٢ ]
آخر:
ولا تصل حبل غادر ملق فالغدر من شر شيمة الرجل
لا خير في غادر مودته كالصاب، والقول عنه كالعسل
آخر:
ما لي جفيت وكنت لا أجفى ودلائل الهجران لا تخفى
ما لي أراك نسيتني بطرًا ولقد عهدتك تذكر الإلفا
آخر:
أخلقت عنده الملالة وجهي كيف لي عنده بوجه جديد؟
آخر:
أتعجب إن جفاك أخ لغيرك عنك منتقل
فلا تعجب لجفوته ثقلت فملك الرجل
آخر:
عهدي بطرفك لا يزال ملاحظي يرنو إلي رنو طرف الحافظ
فاليوم تنبو عن جناني نبوة وأراك من بعد الإساغة لافظي
[ ١٦٣ ]
آخر:
توق من الإخوان كل ممازح يزول مع الأفناء حيث تزول
فلا تصحبن مستطرفًا ذا ملالة فليس على عهد يدوم ملول
آخر:
وحقك ما تركي عتابك من قلى ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم أصبر اليوم طائعًا فلابد منه مكرهًا غير طائع
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة فلا خير في ود يكون بشافع
إبراهيم بن العباس الكاتب:
أخ بيني وبين الدهر ص احب أينا غلبا
صديقي ما استقام فإن نبا دهر علي نبا
وثبت على الزمان به فعاد به وقد وثبا
ولو عاد الزمان لنا لعاد به أخًا حدبا
آخر:
كنت عبدًا لك مأ مونًا على دنيا ودين
بعتني سمحًا بقول جاء من غير يمين
ليت شعري عنك ل م حكمت ظنًا بيقين
سترى ما تكشف الخ برة من غيب الظنون
[ ١٦٤ ]
آخر:
خليل نأى عني الزمان بوده فأعرض واستولى على أمره الغدر
فألبسته الثوب الذي اختار لبسه وأحسن من ود يضيق به الصدر
وأفضل من أمر يريبك تركه وأجمل من مال يرم به الفقر
فإن عاش فالأيام بيني وبينه وإن مات لم أجزع لمن ضمه قبر
إذا ما امرؤ جارت عليك ظنونه وسامك ما فيه المذلة والصغر
فكله إلى حكم الحوادث إنه كفى منصفًا ممن تظلمك الدهر
آخر:
عاشر أخاك على ما كان من خلق واحفظ مودته بالغيب ما وصلا
فأطول الناس غمًا من يريد أخًا ذا خلة لا يرى في وده خللا
آخر:
أجفوتني في من جفاني وجعلت شانك غير شاني
ونسيت مني موضعًا لك لم يكن لك فيه ثاني
وسررت يومًا واحدًا أن لا أراك ولا تراني
وهجرتني وقطعتني وقليتني في من قلاني
أفعلتها فالمستع ان الله أفضل مستعان
آخر:
تملقته جهدي فلما رأيته إذا لان مني جانب عز جانبه
جريت له في الصدر مني مودة وخليت عنه مهملًا لا أعاتبه
[ ١٦٥ ]
أطين عين الشمس كيلا يقال لي طبائعه مذمومة ومذاهبه
وأطريه بالقول الجميل وعنده من التيه مطريه سواء وعائبه
آخر:
غلط الفتى في قوله من لا يردك فلا ترده
من ناقش الإخوان لم يبد العتاب ولم يعده
عاتب أخاك إذا هفا واعطف بفضلك واستعده
وإذا أتاك بعيبه واش فقل لم يعتمده
فلقلما طلب الفتى عيبًا لخل لم يجده
جرير:
وإني لمغرور أعلل بالمنى ليالي أرجو أن مالك ماليا
بأي سنان تطعن القوم بعدما نزعت سنانًا من قناتك ماضيا
وقال آخر:
تبدلت بعدي والملول إذا نأت به الدار عن أحبابه يتبدل
فبان القلى لي منك واتضح الخفا ولاح لنا منه الذي كان يشكل
أحين أنارت للمودة بيننا رياض بدا نوارها يتهلل
ودامت سماء اللهو تنهل سحة علينا بأنواع الوفاء وتهطل
[ ١٦٦ ]
تنكبت قوس اللهو ثم رميتني وخليتني أبكي الوصال وأعول
سأحفظ ما ضيعته من إخائنا لتعلم أني عنه لا أتبدل
ابن أبي فنن:
إذا كنت تغضب من غير ذنب وتعتب من غير جرم عليا
طلبت رضاك فإن عزلي عددتك ميتًا وإن كنت حيا
قنعت وإن كنت ذا حاجة فأصبحت من أكثر الناس شيا
فلا تعجبن بما في يديك فأكثر منه الذي في يديا
وقال آخر:
وأخ كان لي ودودًا محبًا ناصحًا ومقًا ورفيقًا وشفيقا
كان أحلى من الجنى بصيب المزن يرضيك صامتًا ونطوقا
لم لما أصابني الدهر بالجفوة منه صار البعيد السحيقا
يا صديقي ما كنت لي بصديق إنما كنت للزمان صديقا
صرت تشرى إذا التحفت بثوبي وتشكي إذا سلكنا طريقا
آخر:
وأخ كان لي فأصبحت منه كأشل اليدين أو كالأجب
ضاق ذرعًا بزلة لي كانت فانتحى لانتهاك سري وثلبي
[ ١٦٧ ]
أفما كان في المودة والحر مة حق يريه غفران ذنبي؟
وقال آخر:
وكل ملمات الزمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
لئن كنت أمسيت العشية سيدًا شديد شحوب اللون مختلف العضب
فما لك من مولاك إلا حفاظه وما المرء إلا باللسان وبالقلب
هما الأصغران الذائدان عن الفتى مكارهه والصاحبان على الخطب
فإلا أكن كل الكريم فإنني أكف عن الجاني وأصبر في الجدب
ماني الموسوس:
رأيتك لا تختار إلا تباعدي فباعدت نفسي لاتباع هواكا
فبعدك يؤذيني وقربي لكم أذى فكيف احتيالي يا جعلت فداكا؟
آخر:
رأيتك تجفوني فأحدثت عزلة لتخفي الذي يأتي إلي فتعذرا
آخر:
أطل حبل الشناءة لي وبغضي وعش ما شئت فانظر من تضير
فما بيديك خيرًا أرتجيه وغير صدودك الخطب الكبير
إذا أبصرتني أعرضت عني كأن الشمس من قلي تدور
[ ١٦٨ ]
آخر:
ومولى كأن الشمس بيني وبينه إذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه
قال ابن المرزبان الكاتب: سمعت الخليفة المطيع يقول: صديقك صديقك، وصديق صديقك صديقك، وعدوك عدوك، وصديق عدوك عدوك، وعدو صديقك عدوك، وعدو عدوك صديقك.
وقال آخر:
وذوي ضباب مظهرين عداوة قرحى القلوب معاودي الأكباد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم وهم إذا ذكر الصديق أعادي
وسمعت ابن بابويه القمي العالم يقول: قال جعفر بن محمد: مناغاة الصديق أعبث بالروح، وأندى على الفؤاد من مغازلة المعشوق، لأنك تفزع بحديث المعشوق إلى الصديق، ولا تفزع بحديث الصديق إلى المعشوق.
وحدثني ابن السراج قال: كتبت إلى ابن الحارث الرازي: كتبت إليك عن محل قد ابتهج بودك، وانزعج لصدك، يناديك، ألا إن القلب قد تألم بمفارقتك، فمتى يلم شعث الأنس بمشاهدتك، فأجبته: كلا وإن امتزج فرح الاتصال، بترح الانفصال، فما ضر مباعدة الأشباح مع مساعدة الأرواح، قال: فأجابني: أما صدر كتابك فغني عن دلالتك عليه، لإحساسي بشاهده عندي، وكيف أعدم الشاهد عليه وأنا الأول فيه،
[ ١٦٩ ]
والجالب له، وأما عجزه فشديد الأخذ بطرف من القسوة، لسلوك بأحد الأمرين عن الآخر، ولو علمت أن تمام الأفراح، بمساعدة الأرواح، ومشاهدة الأشباح، لم تقل ما قلت، ولم يبلغ - أكرمك الله - في اللطافة أن يكون من غير هذا النوع الذي نحن منهن لكني أقول: كتبت إليك من محل موحش لبعدك، بلفظ مضطرب أنس بذكرك مستوحشًا، واستوحش إلى رؤيتك مستأنسًا، ولو كنت قريبًا مني لكان هذا كله مطرحًا، والأمل مدركًا مقترحًا، والعائق مرفوعًا، والطرف متنزهًا، والزمان نضرًا، والدهر محمودًا، والسلام.
شاعر:
وحسبك حسرة لك من صديق يكون زمامه بيدي عدو
أخبرنا ابن مقسم قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: كتب رجل إلى الزبير بن بكار يستجفيه فأجابه:
ما غير الدهر ودًا كنت تعرفه ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا
ولا حمدت وفاء من أخي ثقة إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا
وكتب سعيد بن جبير إلى أخ له: أما بعد، يا أخي، فاحذر الناس، واكفهم نفسك، ويسعك بيتك.
قال رجل لمحمد بن واسع: إني لأحبك في الله، قال: فأطع من تحبني فيه.
[ ١٧٠ ]
قال أبو خازم المدني لسلمة بن دينار: لأن يبغضك عدوك المسلم خير من أن يحبك عدوك الفاجر.
سمعت ابن الجلاء يقول بمكة: يقال: من لا إخوان له فلا عيش له، ومن لا ولد له فلا ذكر له، ومن لا مال له فلا مروءة له، ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة.
قال أبو عثمان النصيبي: من لا إخوان له فلا تعب له، ومن لا ولد له فلا حجاب عليه، ومن لا مال له فلا حساب عليه، ومن لا عقل له فهو في الجنة.
شاعر:
هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوه وإذا أسات كما أسأت فأين فضلك والمروه
وقال أعرابي: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب.
قال الفضل بن يحيى: الصبر على أخ يعتب عليه خير من أخ يستأنف مودته.
وسمعت ذا الكفايتين ابن العميد ببغداد يقول: إنشاء المعرفة صعب، فلما ندرنا من مجلسه قال أبو إسحاق الصابي: تربيتها أصعب من إنشائها. عرضت هذا الكلام على أبي سليمان فقال: أما الإنشاء فإنما صعب لأنه لا أوائل له يناط بها، ويؤسس عليها، وأما التربية فإنما صعبت أيضًا لأنها تستعير من الإنسان زمانًا مديدًا هو يشح به، وعناء متصلًا يشتد
[ ١٧١ ]
صبره عليه، ومالًا مبذولًا قلما تطيب النفس بإخراجه إلا إذا كان الكرم له طباعًا، ويجد من ضريبته إليه نزاعًا.
وقال ذو الشامة يرثي أخاه:
ذكرت أخي أخا الخي ﵁ الذي لم يبق لي خلفا
ولا أرجوه إلا الله من هـ الدهر مؤتنفا
أخًا ما كان لي كأخ وبي برأ وبي لطفا
كفى من كنت كافيه وسد مسد من سلفا
وحق لعين من أمسى بما أمسيت معترفا
من الإيحاش والإيجا س والإفراد أن يكفا
وقال أبو بكر: خير إخوانك من آساك، وخير منه من كفاك، وخير مالك ما أغناك، وخير منه ما وقاك.
قال المأمون الخليفة: من لم يؤاس الإخوان في دولته خذلوه في شدته.
وقال:
لا أعرفنك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي
وقال آخر:
ليس عندي وإن تغضبت إلا طاعة حرة وقلب سليم
وانتظار الرضا فإن رضا السادات عز وعتبهم تقويم
[ ١٧٢ ]
رجل من بلعنبر:
لقد ألبس المولى على غش صدره وأفقأ بيضات الضغائن بالهجر
يثير التداني بيننا كل دمنة ويشفي التنائي بيننا وخز الصدر
آخر:
ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم على غير زهد في الإخاء ولا الود
ولكن أيامي تحرمن منيتي فما أبلغ الحاجات إلا على جهد
آخر:
من عف خف على الصديق لقاؤه وأخو الحوائج وجهه مملول
وأخوك من وفرت ما في كيسه فإذا غدرت به فأنت ثقيل
آخر:
أيام أن قلت قال في سرع وإن كرهنا بدا تأبيه
مساعد، مونق، أخو كرم فليس شبه له يدانيه
آخر:
قل للذين صحبناهم فلم نرهم إلا لمن صحبوا يرضون بالدون
سلامة الدين والدنيا فراقكم وقربكم آفة الدنيا مع الدين
[ ١٧٣ ]
أنا النذير لمغبون بصحبتكم محارف، جاهل، بالأمر مفتون
خاب الغبين الذي يبغي مودتكم وليس هاجركم عندي بمغبون
وأخبرنا ابن مقسم قال: أنشدنا أحمد بن يحيى الشاعر:
وإني لتصفو للخليل مودتي وقد جعلت أشياء منه تريب
أخاف لجاجات العتاب بصاحبي وللجهل من قلب الحليم نصيب
فإن فاء لم أعدد عليه ذنوبه وهل بعد فيئات الرجال ذنوب
ابن عروس:
يا فتى كانت به دنياي تصفو وتطيب
وله كانت تضيق الأرض بي حين يغيب
ما الذي رابك والأيام ما زالت تريب
فيم إعراضك عني أيها الحر اللبيب
أملالًا فهو ما ليس يداويه طبيب
أم لظن فامتحن فالظن يخطي ويصيب
أم لعتب فعتاب الحر يجدي ويثيب
أم لذنب فلك الله بأني سأتوب
شاعر: كيف صبري عن بعض نفسي وهل يصبر عن بعض نفسه الإنسان آخر:
[ ١٧٤ ]
وإذا أرادك صاحب بجناية جعل التجني للجفاء سبيلا
فترى دواعي الهجر في حركاته وكفى بذلك شاهدًا ودليلا
وأخبرنا المزباني قال: حدثنا ابن أبي الأزهر قال: أنبأنا بندار قال: أنشدني ابن السكيت:
إني لأصبر من عود به جلب عند الملمات إلا عند هجران
إذا رأيت ازورارًا من أخي ثقة ضاقت علي برحب الأرض أوطاني
وما صدود ذوات الدل أرمضني لكنما الهجر عندي هجر إخواني
فإنت صدفت بوجهي كي أجازيه فالعين غضبي، وقلبي غير غضبان
أخبرنا المرزباني أبو عبد الله، حدثنا الصولي، حدثنا أبو العيناء قال: كان ابن أبي داود يقول: لو أراد العباس بن الأحنف بقوله:
المرء قد يرزق أعداؤه منه ويشقى بالصديق الصديق
إصلاحًا بين قبيلتين من العرب، أو إقامة لخطبة، أو إرسالًا لمثل وحكمة لكان أبلغ وأحسن.
وله أيضًا:
إذا امتنع القريب فلم تنله على قرب فذاك هو البعيد
أخبرنا القاضي أبو السائب، حدثنا ابن أبي طاهر، قال الكندي:
[ ١٧٥ ]
العباس - والله - ظريف، مليح، حكيم، وشعره جزل، وكان قليلًا ما يرضى الشعر فكان ينشد هذا كثيرًا له:
ألا تعجبون كما أعجب صديق يسيء ولا يعتب
وأبغي رضاه على سخطه فيأبى علي ويستصعب
فياليت حظي إذا ما أس ات أنك ترضى ولا تغضب
وقال لنا الناقط: كتب أبو الحوراء إلى صديق له: الله يعلم أنك ما خطرت ببالي في وقت من الأوقات إلا مثل الذكر منك لي محاسن تزيدني صبابة إليك، وضنًا بك، واغتباطًا بإخائك.
أخبرنا ابن سحرة، حدثنا أبو إسماعيل الحريمي قال: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكنت قد تأخرت عنه فقال:
رأيت جفاء الدهر بي فجفوتني كأنك غضبان علي مع الدهر
فقلت: أيها الأمير لو علمت أني أسمع هذا لأعددت له جوابًا يناضل عني في الاعتذار، ويتقدمني بطلائع الشوق إليك، ويقوم لي مقام العذر قبلك، ولقد بدهتني بمفحمة، وتركبتني بمظلمة، وبالله الذي أسأله الزلفة عندك إني ما تأخرت إلا لعذر خافيه كالشمس وضوحًا، وغائبه كالحاضر عيانًا، ومظنونه كالمشاهد يقينًا، ومع ذلك فلم أخل من خاطر شوق كالسنان، ونزاع نفس كالجمة، وتبرم بالعيش كالحمام، أفأنا أجفوك مع الدهر، وأكون ألبًا له عليك، وأنا ألحاه على جفائه لك، إنحائه
[ ١٧٦ ]
على إرادتك بما خالف هواك، كلا، والذي شق البصر، وجعلك الوزر والعصر. فقال لي هذا جوابك عما لم تعد له، فكيف بنا لو غمرتنا منك سحابتك الغداقة: ومزنتك الدفاقة، لله درك بادهًا ومرويًا، وسابقًا، ومصليًا.
آخر:
غير ما طالبين ذحلًا ولكن مال دهر على أناس فمالوا
الخليع:
لا تعجبن لملة صرفت وجه الأمير فإنه بشر
وإذا نبا بك في سريرته عقد الضمير نبا بك النظر
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي قال: حدثنا أبو داود الطائي قال: جاء رجل إلى حماد بن زيد فقال له: يا أبا سعيد اطلب لي رفيقًا إلى مكة، ما بينك وبين سنة، فلما جاء الحول جاء رجل إلى حماد فقال: أنا أطلب رفيقًا إلى مكة مذ سنة فجمع بينهما فمضيا إلى ابن عون فودعاه وقالا له: أوصنا، قال: أوصيكما بخصلتين، قالا: وما هما،
[ ١٧٧ ]
قال: كظم الغيظ، وبذل المال، قال: فأتى أحدهما في منامه أن ابن عون أهدى لهما حلتين.
وقال الزبرقان:
ومن الموالي موليان فمنهما معطي الجزيل وباذل النضر
ومن الموالي ضب جندلة لحز المروءة ظاهر الغمر
يجني عليك إذا استطاع ولا يعيطك عند غنى ولا فقر
وإذا حباك الله أرغمه ودعا لتصبح غير ذي وفر
آخر:
ومولى كداء البطن لو كان قادرًا على الدهر أفنى الدهر أهلي وماليا
آخر:
ومولى قد رعيت الغيب فيه ولو كنت المغيب ما رعاني
آخر:
فما حياة امرىء أضحت مدامعه مقسومة بين أحياء وأموات؟
قيل لابن المقفع: بأي شيء يعرف الأخ؟ قال: أن ترى وجهه
[ ١٧٨ ]
منبسطًا، ولسانه بمودته ناطقًا، وقلبه ببشره ضاحكًا، ولقربه في المجلس معجبًا، وعلى مجاورته في الدار حريصًا، وله فيما بين ذلك مكرمًا.
شاعر:
لهفي لأيام مضت مشغولة بك فرغا
آخر:
وبي برح شوق لو فرشتك كنهه لأيقنت أني في ودادك مخلص
ولا تأس من روح اجتماع يضمنا إلى برد أيام بقربك يخلص
آخر:
أتاني عنك ما ليس على مكروهه صبر
فأغضيت على عمد وقد يغضي الفتى الحر
وأدبتك بالهجر ولما ينفع الهجر
فلما زادني المك روه واشتد بي الأمر
تناولتك من شري بما ليس له قدر
فحركت جناح ال ذل لما مسك الضر
إذا لم يصلح الخير امرءًا أصلحه الشر
[ ١٧٩ ]
آخر:
ولما رأيتك لا فاسقًا تهاب ولا أنت بالزاهد
وليس عدوك بالمتقى وليس صديقك بالحامد
أتيت بك السوق سوق الرقيق فناديت هل فيك من زائد؟
على رجل غادر بالصديق كفور لنعمائه جاحد
فما جاءني رجل واحد يزيد على درهم واحد
سوى رجل حان منه الشقاء وحلت به الدعوة الوالد
فبعتك منه بلا شاهد مخافة ردك بالشاهد
وأبت إلى منزلي سالمًا وحل البلاء على الناقد
آخر:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه يلون ألوانًا علي خطوبها
إذا عبت منه خلة فهجرته دعتني إليه خلة لا أعيبها
[ ١٨٠ ]
وكان المهلبي يعجب من أبيات المثقب العبدي على ما حدثني به ابن البقال الشاعر:
فأما أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني عدوًا أتقيك وتتقيني
فإني لو تخالفني شمالي خلافك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني
وقال آخر:
بلوتهم واحدًا واحدًا فكلهم ذلك الواحد
وكلهم خيره ناقص وكلهم شره زائد
قال النبي ﷺ فيما رواه لنا ابن شاهين: تصافحوا فإن التصافح يذهب غل الصدور، وتهادوا فإن الهدية تذهب السخيمة.
قال أعرابي: البشر سحر، والهدية سحر، والمساعدة سحر.
وقال الأحوص:
[ ١٨١ ]
فإن تشبعي مني وتروي ملالةفإنيوربي منك أروى وأشبع
شاعر:
إذا كتب الصديق إلى صديق فقد وجب الجواب عليه فرضا
آخر:
وصاحب سلفت منه إلي يد أبطت عليه مكافاتي فعاداني
لما تيقن أن الدهر حاربني أبدي التندم في ما كان أولاني
أفسدت بالمن ما أوليت من حسن ليس الكريم إذا أولى بمنان
أبو السائل مولى بني كهلان:
أرى فيك أخلاقًا حسانًا قبيحة وأنت صديق كالذي أنا واصف
قريب، بعيد، أبله، ذو فطانة سخي، بخيل، مستقيم، مخالف
كذاك لساني شاتم لك مادح كما أن قلبي جاهل بك عارف
تلونت حتى لست أدري من العمى أريح جنوب أنت أم أنت عاصف
ولست بذي غش ولست بناصح وإني لمن جهل بشانك واقف
أظنك كالستوق ما فيك فضة فإن كنت مغشوشًا فإنك زائف
آخر:
أأمنحه ودي ويمنحني الأذى لحى الله من ترضى بهذا خلائقه
آخر:
[ ١٨٢ ]
بنفسي من إن قال خيرًا وفى به وإن قال شرًا قاله وهو مازح
آخر:
يرانا سواء فيعطي السواء على كل حال وإن زدت زادا
آخر:
وقد تتعايش الأقوام حينًا بتلفيق التصنع والنفاق
آخر:
أراني إذا عاديت قومًا وددتهم وأنأى بود القلب عمن أقاربه
ويأتيك ودي وهو سهب وقد أبى فؤادك إلا النأي ما لم يغالبه
فصلني فإني من جناحك منكب وما خير رشد بان منه مناكبه
وقال فيلسوف: خير الأصحاب من ستر ذنبك فلم يقرعك ومعروفه عندك فلم يمنن عليك.
وقال فيلسوف: اجتنب مصاحبة الكذاب، فإن اضطررت إليها فلا تصدقه، ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن ودك ولا ينتقل عن طبعه.
وقال فيلسوف: حسبك من عدوك كونه في قدرتك.
وقال فيلسوف: لا تقطع أحدًا إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه، ولا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فينسد طريقه عن الرجوع إليك، فلعل التجارب ترده إليك، وتصلحه لك.
[ ١٨٣ ]
وقال فيلسوف: لا يزال الإخوان مسافرين في المودة حتى يبلغوا الثقة، فتطمئن الدار، ويقبل وفود التناصح، وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتحل عقد التحفظ.
وقال فيلسوف: إخوان السوء ينصرفون عند النكبة، ويقبلون مع النعمة، ومن شأنهم التوسل بالإخلاص والمحبة إلى أن يظفروا بالأنس والأمن والثقة؛ ثم يوكلون الأعين بالأفعال، والأسماع بالأقوال، فإن رأوا خيرًا ونالوه لم يذكروه ولم يشكروه، وإن رأوا شرًا أظنوه أذاعوه ونشروه، فإن أدمت مواصلتهم فهو الداء المعضل المخوف على المقاتل، وإن استرحت إلى مصارمتهم ادعوا الخبرة بك لطول العشرة لك، فكان كذب حديثهم مصدقًا، وباطلهم محققًا.
شاعر:
إني لآمل أن ترتد ألفتنا بعد النذائر والبغضاء والإحن
قال أفلاطون: صديق كل امرىء عقله، وعدوه جهله.
قال سقراط: لا تكون كاملًا حتى يأمنك عدوك، فكيف بك إذا كنت لا يأمنك صديقك.
وقال أفلاطون: عمر الدنيا أقصر من أن تطاع فيها الأحقاد.
قال الشاعر:
والعمر أقصر مدة من أن يمحق بالعتاب
[ ١٨٤ ]
وقال أفلاطون: إذا صحبت حازمًا فأرضه في إسخاط حاشيته، وإذا صحبت أحمق فأسخطه في رضتء حاشيته.
قيل لديوجانس: ما الذي ينبغي للمرء أن يتحفظ منه؟ قال: من حسد إخوانه، ومكر أعوانه.
وقال أفلاطون: الأشرار يتتبعون مساوىء الناس، ويتركون محاسنهم كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد ويترك الصحيح.
وقيل لأبارينوس: ما لفلان أعرض عنك؟ فقال: ما أشبه إقباله بإدباره، ومن زعم أنه يضرني فلينفع نفسه.
وقيل لثيفانون: من صديقك؟ قال: الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشد مسارعة إلى قضائها مني إلى طلبها.
وقال انكساغورس: إن الشدائد التي تنزل بالمرء محنة إخوانه.
وقال أفلاطون: لا ينبغي للعاقل أن يتمنى لصديقه الغنى فيزهى عليه، ولكن يتمنى له أن يساويه في الحال.
قيل لبشار: ما تقول في العتاب؟ قال: هو من الرجال خير، ومن النساء شر.
وقال أعرابي: ما افترق متعاتبان قط إلا على حسيكة.
وقال الأحنف: ما عاتبت أحدًا إلا وما انثال علي منه أكثر مما عاتبته عليه.
[ ١٨٥ ]
وقال ابن همام السلولي: ما عاتبت أحدًا إلا وهو مغيظ مزهو، وما اعتذر إلا وهو ذليل مقفو، فإذا كان العذر لا يسلم من الكذب، فكيف يسلم العتاب من الحقد؟ وسمعت ذا الكفايتين بمدينة السلام يقول لابن فارس: ما عاتبت أحدًا إلا بلسان يخرج عن طبع صحيح، وقلب نصيح، وفؤاد سجيح.
شاعر:
خليل لي جزاه الله خيرًا كلما ذكرا أطاع بهجرنا قومًا أطاروا بيننا شررا
وقال العتابي: قلت لأعرابي قح: إني أريد أن أتخذ صديقًا فابعثه
[ ١٨٦ ]
لي حتى أطلبه قال: لا تبعث فإنك لا تجده، قلت: فابعثه كيفما كان حتى أتمناه وإن كنت لا ألقاه، قال: اتخذ من ينظر بعينك، ويسمع بأذنك، ويبطش بيدك، ويمشي بقدمك، ويحط في هواك، ولا يراه سواك، اتخذ من إن نطق فعن فكرك يستملي، وإن هجع فبخيالك يحلم، وإن انتبه فبك يلوذ، وإن احتجت إليه كفاك، وإن غبت عنه ابتداك، يستر فقره عنك لئلا تهتم له، ويبدي يساره لك لئلا تنقيض عنه.
قالت امرأة عبد الله بن مطيع لعبد الله: ما رأيت ألام من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال: هذا من كرمهم، يغشوننا في حال القوة منا عليهم، ويفارقوننا في حال العجز منا عنهم.
وقلت للعباداني: من الصديق؟ قال: من شهد طرفه لك عن ضميره بالوفاء والود، فإن العين أنطق من اللسان، وأوقد من النيران.
شاعر:
أصد صدود امرىء مجمل إذا حال ذو الود عن حاله
ولست بمستعتب صاحبًا إذا جعل الصرم من باله
[ ١٨٧ ]
ولكنني صارم حبله وذلك فعلي بأمثاله
ومهما أدل بحق له عرفت له حق إدلاله
وإني على كل حال له من إدبار ود وإقباله
لراع لأحسن ما بيننا بحفظ الإخاء وإجلاله
وكتب الزهيري إلى ابن السكن في آخر كتابه، وابن السكن إذ ذاك بالأهواز، والزهيري ببغداد:
لئن غاب عن عيني شخصك بالنوى لما غاب عن قلبي المصافاة والود
ولا نسيتك النفس مني ساعة ولا انتقض الميثاق والود والعقد
وأنشدنا علي بن هارون سنة خمسين وثلاثمائة ومات سنة ستين:
لئن غبت عن عيني بالبعد والنوى لما غبت عن فكري وعن ناظر القلب
أراك على بعد المسافة بيننا كما تبصر العينان مني على القرب
وقال روح أبو همام:
وعين السخط تبصر كل عيب وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى
ولو يمنى يدي تكرهتني إذًا لحسمتها بالنار حسما
[ ١٨٨ ]
وقال ابن هبيرة في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من جليس مغر، وصديق مطر، وعدو مسر، وأعوذ بك من أرجام النوكى، وكل ما أوجب ملابسة الحمقى، وأعوذ بك من أدب التجار، ومن أخلاق الصغار، ومن خلطة كل محرم تصعب رياضته، وكل حريص يغره حرصه، ونعوذ بالله من صحبة من غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستسيره، وأستعيذ بالله ممن لا يلتمس خالص مودتك، إلا بالتأتي لمواقع شهوتك، وأعوذ بالله ممن يساعدك على ساعتك، ولا يفكر في حوادث غدك، ولا يبالي في أي أقطارها نزلت، ومن أي أعيانها سقطت، ولذلك قالوا: صاحب السوء قطعة من النار، ولذلك قال
[ ١٨٩ ]
القائل: ما رأينا في كل خير وشر خيرًا من صاحب. وكان يقول: اللهم احفظني من بوائق الثقات، وعداوة ذوي القرابات.
شاعر:
إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي يكون قليلًا لم تشاركه في الفضل
آخر:
إذا قل مال المرء قل صديقه وضاقت عليه أرضه وسماؤه
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازمًا أقدامه خير له أم وراؤه
آخر:
ستذكرني إذا جربت غيري وتعلم أنني لك كنت كنزا
بذلت لك الصفاء بكل ود وكنت كما هويت فصرت جبزا
وهنت إذا عززت وكنت ممن يهون إذا أخوه عليه عزا
فرحت بمدية فحززت حبلي بها مودتي بيديك حزا
فلم تترك إلى صلح مجازًا ولا فيه لمطلب مهزا
ستنكت نادمًا في الأرض بعدي وتعلم أن رأيك كان عجزا
آخر:
أخوك الذي لو جئت بالسيف قاصدًا لتضربه لم يستغشك في الود
ولو جئت تدعوه إلى الموت لم يكن يردك إشفاقًا عليك من الرد
[ ١٩٠ ]
يرى أنه في ذاك وان مقصر على أنه قد آد جهدًا على جهد
وقال رجل من بني نهشل بن دارم:
إذا مولاك كان عليك عونًا أتاك القوم بالعجب العجيب
فلا تخنع إليه ولا ترده ورام برأسه عرض الجنوب
فما لشئافة في غير ذنب إذا ولى صديقك من طبيب
قال أبو سعيد السيرافي إمام الدنيا: يقال: شئفت الرجل أشائفه شأفًا وشأفة، ويقال أيضًا: شئفته وشئفت له.
قال عبد الله بن جعفر لصديق له: إن لم تجد من صحبة الرجال بدا فعليك بصحبة من إذا صحبته زانك، وإن خففت له صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن رأى منك خلة سدها، أو حسنة عدها، وإن وعدك لم يخرصك، وإن كبرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاك، وإن أمسكت عنه ابتداك.
وقال دعبل في معاذ بن سعيد الحميري:
[ ١٩١ ]
فإذا جالسته صدرته وتنحيت له في الحاشيه
وإذا سايرته قدمته وتأخرت مع المستأنيه
وإذا ياسرته صادفته سلس الخلق سليم الناحية
وإذا عاشرته ألفيته شرس الرأي أبيًا داهيه
فأحمد الله على صحبته وأسأل الرحمن منه العافيه
وأتى رجل الحج فأتى شعبة بن الحجاج فودعه فقال له شعبة: أما إنك إن لم تر الحلم ذلًا، والسفه أنفًا سلم حجك.
وقال كثير:
ولست براض من خليل بنائل قليل ولا راض له بقليل
وليس خليلي بالملول ولا الذي إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يدوم وصاله ويحفظ سري عند كل دخيل
آخر:
لا تثقن بأمري طويته غش ويندي اللسان بالملق
فربما يلبس الجديد لأ ن يستر ما تحت ما الخلق
[ ١٩٢ ]
شاعر:
ولربما غفل الفتى عن نفسه ولحاظ عين عدوه ترعاه
حتى إذا ظفر العدو بفرصة نفث الذي في بغضه أرداه
شاعر:
تغربت أسأل من قد أرى من الناس هل من صديق صدوق
فقالوا: عزيزان لن يوجدا صديق صدوق وبيض الأنوق
وقال ثا مسطيوس: الإنسان بلا أصدقاء كالشمال بلا يمين.
وقال أرسطوطاليس: أخلص الإخوان مودة من لم تكن مودته عن رغبة ولا رهبة.
وقال هرمس: القرابة تحتاج إلى المودة، والمودة لا تحتاج إلى القرابة.
وقال سقراط: مما يدل على عقل صديقك ونصيحته أنه يدلك على عيوبك، وينفيها عنك، ويعظك بالحسنى، ويتعظ بها منك، ويزجرك عن السيئة، وينزجر عنها لك.
وقال خالد بن صفوان يصف رجلًا: ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية.
شاعر:
ومما يسكن قلب الغريب رفيق تطيب به الصحبه
آخر:
[ ١٩٣ ]
فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى حليمًا حين آخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ما شاه
وفي الشيء من الشيء مقاييس واشباه
عبد الرحمن بن حسان:
ومتخذ ودًا لمن لا يوده كمعتذر عذرًا إلى غير عاذر
المتلمس:
احفظ نصيحة من بدا لك نصحه وكذاك رأي الحر جهدك فاقبل
للقطامي:
لعلك إن رددت علي نصحي سيندمك الذي عملت يداكا
وأنشدنا أبو الفتح بندار بن غانم الكاتب، وكان عامل حلوان، هذين البيتين:
[ ١٩٤ ]
يختار عمرو عداوتي سفهًا وأبتغي سلمه ويمتنع
كله إلى بغيه سيصرعه والدهر بيني وبينه جدع
كان يبلغ محمد بن الحنفية عن عبد الله بن الزبير ما يكره فقال له أصحابه: إن إمساكك عنه يجرئه عليك، قال: ليس بحكيم من لم يعاشر من لا يجد بدًا من معاشرته بالمعروف حتى يجعل الله له منه فرجًا ومخرجًا، وقد يدفع الله باحتمال المكروه مكروهًا أعظم منه.
أنشدنا أبو علي النحوي الشاعر:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما يزرع الود في فؤاد الكريم
شاعر:
ومن الناس من يودك حقًا صافي الود ليس بالتكدير
فإذا ما سألته دفع فلس ألحق الود باللطيف الخبير
آخر:
فلا تغرزك خلة من تواخي فما لك عند نائبة خليل
آخر:
ومن شيمتي أني إذا المرء ملني وأظهر إعراضًا ومال إلى الغدر
أطلت له فيما يحب عتابه وفارقته في حسن مس وفي ستر
فإن عاد في ودي رجعت لوده وإن لم يعد أهملت ذاك إلى الحشر
[ ١٩٥ ]
لولا شماتة أقوام ذوي حسك أو اغتمام صديق كان يرجوني
لما خطبت إلى الدنيا مطامعها ولا بذلت لها نفسي ولا ديني
آخر:
أحب من الإخوات كل مؤات وكل غضيض الطرف عن عثراتي
يساعدني في كل أمر أحبه ويحفظني حيًا وبعد وفاتي
فمن لي بهذا ليت أني وجدته فقاسمته مالي من الحسنات
شاعر:
كريم له من نفسه بعض نفسه وسائر للحمد والشكر أجمع
آخر:
لم يبق مما فاتني كسبه إلا فتى يسلم لي قلبه
ينأى فلا يفسده نأيه عني ولا يصلحه قربه
يكون حسبي من جميع الورى وفي كل حال وأنا حسبه
شاعر:
عتبي عليك مقارن العذر قد ذاد عنك حفيظتي صبري
فمتى هفوت فأنت في سعة ومتى جفوت فأنت في عذر
ترك العتاب إذا استحق أخ منك العتاب ذريعة الهجر
آخر:
اقبل معاذير من يلقاك معتذرًا إن بر عندك فيما قال أو فجرا
خير القرينين من أغضى لصاحبه ولو أراد انتصارًا منه لانتصرا
[ ١٩٦ ]
آخر:
صديقك حين يذخر عنك خيرًا وآخر لست تعرفه سواء
آخر:
فإن تنأ عنا لا تضرنا وإن تعد تجدنا على العهد الذي كنت تعلم
آخر:
بلوت الناس قرنًا بعد قرن فلم أر غير خلان المقال
ولم أر في الخطوب أشد هولًا وأصعب من معاداة الرجال
وذقت مرارة الأشياء طرًا فما طعم أمر من السؤال
آخر:
فإنك لن ترى طردًا لحر كإلصاق طرف الهوان
ولم تجلب مودة ذي وفاء بمثل البذل أو لطف اللسان
وقال فيلسوف: من لم يرض من أخيه بحسن النية لم يرض منه بحسن العطية.
وقال أعرابي: الحفاظ عمود الإخاء.
وقال فيلسوف: لكل جليلة دقيقة، ودقيقة الموت الهجر.
شاعر:
إذا أنت لم تترك أخاك لزلة إذا زلها أوشكتما أن تفرقا
آخر:
[ ١٩٧ ]
إذا أنت لم تغفر ذنوبًا كثيرة تريبك لم يسلم لك الدهر صاحب
ومن لا يغمض عينه عن صديقه وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
آخر:
أردت لكيما لا ترى لي زلة ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
ومن يسأل الأيام نأى صديقه وصرف الليالي يعط ما كان يسأل
آخر:
نضع الزيارة حيث لا يزري بنا كرم المزور ولا يعاب الزور
آخر:
قل للذي لست أدري من تلونه أناصح أم على غش يداجيني
إني لأكثر مما سمتني عجبًا يد تشج وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني في آخرين وكل عنك يأتيني
هذان أمران شتى بون بينهما فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني
آخر:
كل يوازيك المودة بالسوا يعطي ويأخذ منك بالميزان
فإذا رأى رجحان حبة خردل مالت مودته مع الرجحان
آخر:
[ ١٩٨ ]
والصدق أفضل ما لفظت به إن النفاق سجية تردي
إني وإن أظهرت شكركم أخفي وأضمر غير ما أبدي
لا مرحبًا بوصال ذي ملق يكدي مودته ولا يجدي
وإذا الصديق ذممت خلته صيرت قطع حباله وكدي
حتى أرى رجلًا يعاشرني بمودة أطرى من الورد
وله أيضًا:
فلو أن كفي غير نافعتي لقطعتها بالفأس من زندي
عيني إذا قذيت ضحرت بها فأود لو سالت على خدي
أنا عبد من أرضى مودته ثم الخليفة بعد ذا عبدي
وأفر ممن خانني فرقًا إن الخيانة علة تعدي
قال ديوجانس للإسكندر لما ملك: أيها الملك، إني إلى اليوم كنت أخًا، وأنا اليوم تابع، وشتان بين الأخ والتابع، فقال الإسكندر: إن الأخوة قبل اليوم كانت أنعم بك، وهذه الحال اليوم أرفع لك، وإذا كنت تباطنني على ما تعهدناه قديمًا لم يضرك أن يكون تظاهرك على ما نستديم به أنسنا حديثًا.
شاعر:
لعمري لئن ريح المودة أصبحت شمالًا لقد بدلت وهي جنوب
آخر:
وإني لمكرام لمكرم نفسه وأبتذل المرء الذي لا يصونها
[ ١٩٩ ]
متى ما تهن نفسي على من أوده أهنه ولا يكرم علي مهينها
آخر:
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
فالويل للعهد منه كيف ينقضه والويل للود منه كيف يفنيه
آخر:
وعين الفتى تبدي الذي في ضميره ويعرف بالفحوى الحديث المغمس
وقال أعرابي: عاشر أخاك بالحسنى.
وقال أعرابي: أوحش قريبك إذا كان في إيحاشه أنسك.
شاعر:
فلا أدع ابن العم يمشي على شفًا وإن بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه لترجعه يومًا إلي الرواجع
وحسبك من ذل وسوء صنيعة مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
آخر:
فلا تغترر برواء الرجال وإن زخرفوا لك أو موهوا
فكم من فتى يعجب الناظرين له ألسن وله أوجه
[ ٢٠٠ ]
ينام إذا حضر المكرمات وعند الدناءة يستنبه
الخليل النحوي: رغبتك في الزاهد فيك ذل نفس، وزهدك في الراغب فيك قصر همة.
شاعر:
تنكرت حال الصديق فبعده عني ومضحره لدي سواء
وبدت علي من الأعادي رقة ومن الصديق فظاظة وجفاء
وألفت ضنك العيش عندك فاس توت عندي به السراء والضراء
وعلى الليالي أن تلم صروفها وعلى الكريم تحمل وعزاء
قال مالك بن دينار: نقل الحجارة مع الأبرار أنفع لك من أكل الخبيص مع الفجار.
وقال النبي صلى الله عليه وآله: " تهادوا تحابوا ".
وقال الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا وتبسم كل واحد منهما لصاحبه تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر فقلت: إن هذا ليسير، فقال: لا تقل ذلك فإن الله يقول:
[ ٢٠١ ]
" لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم "، فعلمت أنه أفقه مني.
قال ثابت البناني: جالست الناس خمسين سنة فما جالست أحدًا إلا وهو يحب أن تنقاد الناس لهواه، وإن الرجل ليخطئ فيحب أن تخطئ الناس كلهم.
التقى يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم ﵉ فتبسم يحيى في وجه عيسى، وقطب عيسى في وجه يحيى فقال عيسى ليحيى: أتبتسم كأنك آمن، فقال له يحيى: أتعبس كأنك قانط، فأوحى الله: إن ما فعله يحيى أحب إلي.
شاعر:
عمرت مع الناس دهرًا طويلًا وعاشرت شبانهم والكهولا
وجربت أحوالهم في الخطوب فشرًا كثيرًا وخيرًا قليلا
آخر:
إلى الله أشكو من خليل أوده ثلاث خلال كلها لي غائض
فمنهن ألا يجمع الدهر تلعة بيوتًا لنا يا تلع سيلك غامض
ومنهن ألا أستطيع كلامه ولا وده حتى يزول عوارض
[ ٢٠٢ ]
ومنهن ألا يجمع الغزو بيننا وفي الغزو ما يلقى العدو المباغض
كفى بالفتور صارمًا لو رعيته ولكن ما أعلنت باد وخافض
وقال مبذول العذري:
ومولى كضرس السوء يؤذيك مسه ولا بد إن آذاك أنك فاقره
دوي الجوف إن ينزع يسؤك مكانه وإن يبق تصبح كل يوم تحاذره
يسر لك البغضاء وهو مجامل وما كل من يجني عليك تناكره
فلا يك أدنى الناس منك محلة جوى الصدر يخفي غشه ويكاشره
وما كل من مددت ثوبك دونه لتستره مما أتى أنت ساتره
آخر:
فأبلغ مصعبًا عني رسولًا وقد يلقى النصيح بكل واد
تعلم أن أكثر من تناجي وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
آخر:
إنما شيب الذؤابة مني وبراني مقاطع الإخوان
[ ٢٠٣ ]
آخر:
عليك سلام الله أما قلوبنا فمرضى وأما ودنا فصحيح
آخر:
عزمت على هجر فلما أبى الهوى رجعت إلى قلب عليك شفيق
فلا يمكن الهجران من ذات بيننا فيعيى صديق عن لقاء صديق
آخر:
لعمرك إنني وأبا رباح على طول التجاور منذ حين
ليبغضني وأبغضه وأيضًا يراني دونه وأراه دوني
آخر:
وأصبح عمي بعد ود كأنه إلي من البغضاء شهباء ماحض
آخر:
متحت لنا سجل العداوة معرضًا كأنك عما يحدث الدهر غافل
آخر:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
آخر:
[ ٢٠٤ ]
إذا أقبلت منه المودة أقبلت وإن غمزت منه القناة اكفهرت
شاعر من الأعراب:
إني وإن كان ابن عمي غائبًا لمقاذف من دونه وورائه
وأعده نصري وإن كان امرءًا مترجرجًا في أرضه وسمائه
ومتى أجده في الشدائد مرملًا ألق الذي في مزودي بوعائه
وإذا تتبعت الجلائف ماله خلطت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا ى من وجهة بطريفة لم أطلع مما وراء خبائه
وإذا اكتسى لونًا جميلًا لم أقل يا ليت أن علي حسن ردائه
وإذا غدا يومًا ليركب مركبًا صعبًا قعدت له على سيسائه
وإذا استراش وفرته وحمدته وإذا تصعلك كنت من قرنائه
[ ٢٠٥ ]
السيساء: فقار الظهر هكذا قال أبو سعيد السيرافي الإمام.
وقال آخر:
حباك خليلك القسري قيدًا لبئس على الصداقة ما حباكا
آخر:
ومولى أمتنا داءه تحت جنبه فلسنا نجازيه ولسنا نعاقبه
رأى الله أعطاني فأغلق صدره على حسد الإخوان فازور جانبه
فويل لهذا ثم ويل لأمه علينا إذا ما حربتنا حواربه
مطيع بن إياس:
ليس من يظهر المودة إفكًا وإذا قال خالف القول فعله
وصله للصديق يوم وإن طا ل فيومان ثم ينبت حبله
وقال العرجي:
ولا بعدي يغير حال ودي عن العهد الكريم ولا اقترابي
[ ٢٠٦ ]
ولا عند الرخاء أخوان يومًا ولا في فاقة دنست ثيابي
ولا يغدو علي الجار يشكو أذاتي ما بقيت ولا اغتيابي
وما الدنيا لصاحبها بحظ سوى حظ البنان من الخضاب
إذا ما الخصم جار فقل صوابًا فإن الجور يدمغ بالصواب
فإني لا يغول النأي ودي ولو كنا بمنقطع التراب
وقال آخر:
فلولا أن فرعك حين ينمي وأصلك منتمي فرعي وأصلي
وإني إن رميت رميت عظمي ونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتني إنكار خوف يضم حشاك عن شتمي وأكلي
المتلمس:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلا مثل قاطع كفه بكف له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه فلم تجد الأخرى عليها مقدما
[ ٢٠٧ ]
فلما استفاد الكف بالكف لم يجد له دركًا في أن تبينا فأحجما
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغًا لنابيه الشجاع لصمما
آخر:
وإذا شنئت فتى شنئت حديثه وإذا سمعت غناءه لم أطرب
آخر:
له خلائق بيض لا يغيرها صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
آخر:
سبكناه ونحسبه لجينا فأبدى الكير عن خبث الحديد
النابغة:
ولست بمستبق أخًا لا تلمه على شعث: أي الرجال المهذب؟
ولما جفت سعد سيدها الأضبط بن قريع تحول عنهم إلى قبيلة أخرى فظلموه وآذوه فقال: بكل واد بنو سعد.
شاعر:
[ ٢٠٨ ]
إني ليردعني عن ظلم ذي رحم لب أصيل، وحلم غير ذي وصم
إن لأن لنت وإن دبت عقاربه ملأت كفيه من صفح ومن كرم
آخر:
ولو أخاصم أفعى نابها لبق أو الأساود من صم الأهاضيب
لكنتم معها إلبًا وكان لها ناب بأسفل ساق أو بعرقوب
آخر:
أذيتم بقربي منكم ومودتي فأغتيت عنكم ما أذيتم به مني
وأصبحت عنكم غانيًا في عدوكم وأغناكم تقصير رأيكم عني
آخر:
لعمرك لو أني أخاصم حية إلى فقعس ما أنصفتني فقعس
آخر:
أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى علي سبيلًا غير أنك حاسد
وإنا لموسومان كل بوسمة أقر مقر أم أبى جاحد
آخر:
بني عمنا لا تقربوا البطل إنه يضيق وأن الحق مأتاه واسع
فلا الضيم أعطيكم لطول وعيدكم ولا الحق من بغضائكم أنا مانع
[ ٢٠٩ ]
آخر:
لقد زادني حبًا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وإني شقي باللئام ولا ترى شقيًا بهم إلا كريم الشمائل
إذا ما رآني قطع الطرف بينه وبيني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتى كأنها من الضيق في عينيه كفة حابل
أكل امرئ ألفى أباه مقصرًا معاد لأهل المكرمات الأوائل
آخر:
ومولى كولى الزبرقان دملته كما دملت ساق يهاض بها كسر
ترى الشر قد أفنى دوائر وجهه كضب الكدى أفنى براثنه الحفر
تراه كأن الله يجدع أنفه وأذنيه إن مولاه ناب له وفر
آخر:
إخوة ما شهدت سرون برون ف إن غبت فالذئاب الجياع
لا لسوء البلاء مني ولكن ظهرت نعمة علي فلاعوا
[ ٢١٠ ]
آخر:
ستعلم أينا أبذى وأفرى وأقول للعظيم ولا يبالي
ومن بتواتر السبات أحرى إذا نحن ارتمينا في النضال
ومن أخلاقه قذع ولؤم ومن يرمي بأمثال الجبال
الخريمي:
فلم أجزه إلا المودة جاهدًا وحسبك مني أن أود فأجهدا
مسكين الدارمي:
ولا تحمد المرء قبل البلاء ولا يسبق السيل منك المطر
وإني لأعرف سيما الرجال كما يعرف القائفون الأثر
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد: إن الله إذا أحب عبدًا حببه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن مالك عند الله
[ ٢١١ ]
مثل ما لله عندك. وقالوا: إذا أحب الله عبدًا ألقى مودته على الماء فلم يشرب منه أحد إلا أحبه، وإذا أبغض الله عبدًا ألقى بغضه على الماء فلم يشرب منه أحد إلا أبغضه.
وسمعت ابن سمعون الصوفي يقول: ما يقف البشر على بعد غور قول الله تعالى لكليمه: " وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني "، فإن في هاتين الكلمتين ما لا يبلغ كنهه، ولا ينال آخره، ولو أن أرق الناس لسانًا، وألطفهم بيانًا أراد أن يتوسط حقيقة هذا القول لم يستطع وعاد حسيرًا، ونكص بهيرًا، وبقي عاجزًا. ثم قال: اللهم حبب بعضنا إلى بعض، واجمع شملنا إلى رضاك عنا مع إحسانك إلينا، إنك أهل ذلك، والجواد به.
وقال بعض السلف الصالح: خير الناس خير الناس للناس.
وقال آخر: من أحب الناس صنع ما يحبه الناس.
وقال رجل من قريش: خالطوا الناس مخالطة إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم.
[ ٢١٢ ]
وقال بكر بن عبد الله المزني: لو كان هذا المسجد، يعني مسجد البصرة، مفعمًا بالرجال ثم قيل: من خيرهم؟ لقلت: أخيرهم لهمز وقال معاذ بن جبل: خير الرجال الألوف وشرهم العزوف.
شاعر:
وما الود إلا عند من هو أهله وما الشر إلا عند من هو حامله
وقال ابن دارة:
إذا أنت لم تستبق يومًا صحابة على عتبة أكثرت بث المعاتب
آخر:
أخي وصفيي فرق الدهر بيننا بكره ولكن لا عتاب على الدهر
تصبر على جنب الخوان مبصرًا تصبر بحاجات المجاور والصهر
آخر:
[ ٢١٣ ]
إذا أنت أكثرت الأخلاء صادفت بهم حاجة بعض الذي أنت مانع
إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة وتحمل أخرى افدحتك الودائع
آخر:
ومحتمل ضغنًا علي وشامت شديد اللسان ود لو أتضعضع
ملأت عليه الأرض حتى كأنما يضيق عليه عرضها حين أطلع
آخر:
عجبت لبعض الناس يبذل وده ويمنع ما ضمت عليه الأصابع
إذا أنا أعطيت الخليل مودتي فليس لما لي بعد ذلك مانع
آخر:
وكم من أخ فارقت لو كان أمره إلي طوال الدهر لم نتفرق
آخر:
أنا ابن عمك إن نابتك نائبة ولست ذاك إذا ما نعتك اعتدلا
آخر:
إذا شئت أن لا يبرح الود دائمًا كأفضل ما كانت تكون أوائله
فآخ فتى لا المقرفات ولدنه كريمًا كنصل السيف حلوًا شمائله
[ ٢١٤ ]
فذاك الذي يرضيك صارم حده ويكفيك من لهو الكواعب باطله
آخر:
ومولى كداء البطن ليس بزائل تدب أفاعيه لنا والعقارب
دملت على أشياء منه لو أنها تنم لم يسلم عليهن صاحب
أمولاي إني لا تكون عداوتي عليك ولكني بوترك طالب
آخر:
فتب واتخذني جنة تتقي بها عدوك إن نابت عليك النوائب
آخر:
إني ليحمدني الخليل إذا احتوى مالي ويكرهني ذوو الأضغان
آخر:
إني تودكم نفسي وأمنحكم حبي ورب حبيب غير محبوب
آخر:
[ ٢١٥ ]
أجامل ذا الضغن المبين ضغنه وأضحك حتى يبدو الناب أجمع
وأهديه عمدًا بالمقول ولو يرى سريرة ما أخفي لظل يفزع
آخر:
وما المرء إلا بإخوانه كما تقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة ولا خير في الساعد الأجذم
آخر وهو جاهلي:
إني لأبذل للخليل إذا دنا ما لي وأترك ماله موفورًا
وإذا أردت ثواب ما أعطيته فكفى بذلك نائلًا تكديرا
آخر:
تبغ ابن عم الصدق حيث لقيته فإن ابن عم السوء أوغر جانبه
تبغيته حتى إذا ما وجدته أراني نهار الصيف تجري كواكبه
ورب ابن عم تدعيه ولو ترى خبيئته يومًا لساءك غائبه
فإن يك خيرًا فالبعيد يناله وإن كان شرًا فابن عمك صاحبه
ألا رب من يغشى الأباعد نفعه ويشقى به حتى الممات أقاربه
فخل ابن عم السوء والدهر إنه ستدركه أيامه ونوائبه
[ ٢١٦ ]
آخر:
أواخي كرام القوم ثم أحوطهم ولست بمذق القول مستطرف الوصل
ومالي من ذنب إليك فلا تكن إلي شيء كأنشوطة الحبل
فلا مرحبًا بالسخط منك وبالقلى فكل الذي يرضيك بالرحب والسهل
آخر:
وإني أخوهم عند كل ملمة إذا مت لم يلقوا أخًا لهم مثلي
ومولى دفعت الدر عنه تكرمًا ولو شئت أمسى وهو مغض على تبل
آخر:
تواصل أحيانًا وتصرم تارة وشر الأخلاء الحبيب الممزح
آخر:
كم من عدو أخي ضعن يجاملني يخفي عداوته أن لا يرى طمعا
آخر:
وكم تورعت من مولى تعرض لي رفهت عنه ولو أتعبته ضلعا
[ ٢١٧ ]
آخر:
كالتمر أنت إذا ما حاجة عرضت وحنظل كلما استغنيت للجاني
تنأى بودك ما ساغنيت عن أحد وما افتقرت فأنت الواغل الداني
آخر:
فيا قومنا لا خير في كل صاحب إذا اصطنع المعروف من وعددا
آخر:
متى ما يشا ذو الوصل يصرم خليله ويغضب عليه لا محالة ظالما
آخر:
أخوك الذي إن تدعه لملمة يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
آخر:
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر من الود قد بالت عليه الثعالب
فأصبح باقي الود بيني وبينه كأن لم يكن، والدهر فيه العجائب
فما أنا بالباكي عليه صبابة ولا بالذي ملتك منه المثالب
إذا المرء لم يجبك إلا تكرهًا بدا لك من أخلاقه ما يغالب
[ ٢١٨ ]
فدعه فصرم المرء أهون حادث وفي الأرض للمرء الكريم مذاهب
آخر:
فإن تترك يومًا أخًا لك صالحًا ففي الأرض منأى عن بلادك واسع
آخر:
ولي ابن عم لو أن الناس في كبد لظل محتجرًا بالنبل يرميني
إني لعمركما بابي بذي غلق عن الصديق ولا خيري بممنون
آخر:
إذا افتقرت نأى واشتد جانبه وإن رآك غنيًا لان واقتربا
وإن أتاك لمال أو لتنصره أثنى عليك الذي يهوى وإن كذبا
مدلي القرابة عند النيل يطلبه وهو البعيد إذا نال الذي طلبا
حلو اللسان بعيد القلب مشتمل على العداوة لابن العم ما اصطحبا
آخر:
ويزعم لي الواشون أني فاسد عليك وإني لست مما عهدتني
وما فسدت لي يعلم الله نيةعليك بل استفسدتني فاتهمتني
غدرت بودي جاهدًا فأخفتني فخفت ولو آمنتني لأمنتني
إلى الله أشكو لا إليك وطالما شكوت الذي ألقاه منك فزدتني
آخر:
[ ٢١٩ ]
ولست بذي لونين يهفو ولا الذي إذا ما خليلي بان منه تقلبا
ولكن خليلي من يدوم وصاله على كل حال إن نأى أو تقربا
آخر:
ألين لذي القربى مرارًا وتلتوي بأعناق أعدائي حبالي فتمرث
قال فعنت:
ما بال قوم صديقًا ثم ليس لهم عهد وليس لهم دين إذا أئتمنوا
إن يسمعوا رية طاروا بها فرحًا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وإن بطنت أرجي ودهم ظهروا وإن ظهرت للقيا فيهم بطنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهم مروءة أو تقى لله ما فطنوا
وقد علمت على أني أعايشهم لا تبرح الدهر فيما بيننا إحن
كل يداجي على البغضاء صاحبه ولن أعالنهم إلا كما علنوا
شبه العصافير أحلامًا ومقدرة لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوهم لبئست الخلتان: الجهل والجبن
[ ٢٢٠ ]
كغارز رأسه لم يدنه أحد بين القرينين حتى لزه القرن
آخر:
البس قرينك إن أخلاقك فحشت فلا جديد لمن لا يلبس الخلقا
وقال زياد الأعجم:
أخ لك لا تراه الدهر إلا على العلات بسامًا جوادا
أخ لك ليس خلته بمذق إذا ما عاد فقر أخيه عادا
آخر:
أحذر وصال اللئيم إن له عضهًا إذا حبل وصله انقطعا
آخر:
[ ٢٢١ ]
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عني لمختلف جدًا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن زجروا طيرًا بنحس تمر بي زجرت لهم طيرًا تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وإن أجمعوا صرمي معًا وقطعيتي جمعت لهم مني مع الصلة الودا
أجود بمالي خشية أن يعمروا إذا ما هم شدوا على الصور العقدا
لهم جل ما لي إن تتابع لي غنى وإن قل مالي لم أكفهم رفدا
وتقدم خصمان إلى المغيرة بن شعبة فقال أحدهما: إن هذا يدل علي بمعرفة بك، قال: صدق وإنها لتنفعه. قال: كيف أتضلع علي في الحكم؟ قال: لا، ولكن أنظر فإن توجه الحق له أخذته منك عنف، وإن توجه الحق لك عليه قضيت عنه إليك، إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور فكيف عند الرجل الحر.
شاعر:
لي صاحب قد كنت آمل نفعه سبقت صواعقه إلي صبيبه
يا من بذلت له المودة مخلصًا في كل أحوالي وكنت حبيبه
أيام نسرح في مراد واحد للعلم تنتجع القلوب عريبه
[ ٢٢٢ ]
ونظل نشرع في غدير واحد نصف الصفاء لوارديه وطيبه
ما هكذا يرعى الصديق صديقه وحبيبه وقرينه ونسيبه
قال الفضل صلى الله عليه وآله: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس.
وقال شاعر:
زادني قرب صديقي فاقة أورثت من بعد فقري مسكنه
آخر:
وإن أخاك الكاره الود وارد وأنت بمرأى من أخيك ومسمع
وآخر:
الله يعلم أن فرقة بيننا فيما أرى خطب علي يهون
آخر:
إلفان داما على ودادهما قد أمكنا الحب من قيادهما
تحالفا إن صفا الهوى لهما أن يحفظاه إلى معادهما
ما من محبين جاهرًا بهوى إلا سعى الناس في فسادهما
آخر:
وإني لأستحيي من الله أن أرى رديفًا لوصلي أو على رديف
[ ٢٢٣ ]
وإن أرد الماء الموطأ ورده وأتبع ود المرء وهو ضعيف
بشار:
وكاشح معرض عني هممت به ثم ارعويت وقلت: الناس بالناس
آخر:
ولا خير في قربى لغيرك نفعها ولا في صديق لا تزال تعاتبه
آخر:
تبدل فما لي من هواك بديل ولا لكعندي في الأنام عديل
وكن قاطعًا إن شئت أو كن مواصلًا فأنت هوى لي كيف شئت وسول
رجائي وإن قصرت فيك طويل وصبري وإن أعرضت عنك قليل
آخر:
إني لأبغض كل مصطبر عن إلفه في الوصل والهجر
آخر:
فإن يك من لقائك غاب وجهب فلم تغب المودة والإخاء
ولم يغب الثناء عليك مني بظهر الغيب يتبعه الدعاء
وما زالت تتوق إليك نفسي على الحالات يحددها الوفاء
آخر:
من أين لي في سائر الناس صاحب إذا صد عني رده النظم والنثر
[ ٢٢٤ ]
آخر:
وإذا سمعت نميمة فتعدها وتحفظن من الذي أنباكها
وذر النميمة لا تكن من أهلها وتجنبن من صاغها أو حاكها
وكتب ابن ثوابة إلى ابن فراس الكاتب: