عهدي بك يا سيدي يتطوع بنافلة لابتداء، فكيف تخل بفريضة الجواب، وهل يرضى الصديق منك أن تبره قريبًا، وتجفوه بعيدًا، وتذيقه حلاوة الوصل دانئًا، وتجرعه مرارة القطيعة نائيًا، وما عليك لو رضيت بالبين فاجعًا، واكتفيت بالدهر قاطعًا:
والدهر ليس بمعتب من يجزع والبين بالشمل لمجمع مولع
فما ظنك بمن يجري ذوي المروءة مجرى سائر من يرى باطنه يخالف ظاهره، وتأويله ينافي تنزيله، وهذا هزل يترجم عن جد، والضد يبرز حسنه الضد، أودعتني، إذا ودعتني:
شوقًا إليك تفيض منه الأدمع وجوى عليك تضيق عنه الأضلع
فكم أتلهف على ما أنفدناه في حال الاجتماع من عيش رخي، ويوم فتي، وسرور امتدت ظلاله، وليل غاب عذاله، فارغب إلى الله في إعادة تلك العهود، إنه فعال لما يريد.
شاعر:
يا ذا الذي ألف القطيعة دهره إن القطيعة موضع الريب
إن كان ودك كامنًا في نية فاطلب صديقًا عالمًا بالغيب
[ ٢٢٥ ]
سمعت أبا سعيد السيرافي الإمام يقول: العرب تقول: أوصل الناس أوضعهم للصرم في موضعه.
شاعر:
وما كل من يظنني أنا معتب ولا كل ما يروى علي أقول
آخر:
رب ابن عم ليس بابن عم داني الأذاة ضيق المجم
وإن أتى يوم شديد الغم لم يك قرن المقطع المهم
وقال بشار:
أراك اليوم لي وغدًا لغيري وبعد غد لأقربنا إليكا
إذا آخيت ذا فارقت هذا كأن فراقه حتم عليكا
فأقدمهم أخسهم جميعًا وأحدثهم أحثهم لديكا
وكلهم وإن طرمذت فيه ستتركه وشيكًا من يديكا
أبو الأسود الدؤلي:
وما ساس أمر الناس إلا مجرب حليم ولا صافيت مثل كريم
فما لحليم واعظ مثل نفسه ولا لسفيه واعظ كحليم
آخر:
[ ٢٢٦ ]
وأعرض عن ذي المال حتى يقال لي قد أحدث هذا جفوة وتعظما
وما بي جفاء عن صديق ولا أخ ولكنه فعلي إذا كنت معدما
آخر:
وإن أمانتي لا يحتويها خليل في زيال واجتماع
سأرعاها وإن هو غاب عنها لكل أمانة بالغيب راع
آخر:
وذي حسد يغتابني حين لا يرى مكاني ويثني صالحًا حين أسمع
تورعت أن أغتابه من ورائه وما هو إذ يغتابني متورع
آخر:
وسوء ظنك بالأذنين داعية بأن يخونك من قد كان مؤتمنا
آخر:
احفظ نصيحة من بدا لك نصحه ولرأي أهل الخير جهدك فاقبل
القطامي:
لعلك إن رددت علي نصحي ستندمك الذي عملت يداكا
أبو الأسود:
ألا رب نصح يغلق الباب دونه وغش إلى جنب السرور يقرب
[ ٢٢٧ ]
عبد الرحمن بن حسان:
ومتخذ ودًا لمن لا يوده كمعتذ عذرًا إلى غير عاذر
ومستوقد حربًا على غير ثروة كمقتحم في اليم ليس بماهر
وعاش بعينيه لمن لا يباله كساع برجليه لإدراك طائر
وقال أعرابي: بالمداراة تستخرج الحية من جحرها، وتستنزل الطائر من الهواء، وتقنص الوحش من البيداء.
شاعر:
أخو البشر محمود على حسن بشره ولن يعدم البغضاء من كان عابسًا
وقال أسماء بن خارجة:
أردت مساتي فاعتمدت مسرتي وقد يحسن الإنسان يومًا ولا يدري
وقيل لقس بن ساعدة: صف لنا صديقك فقال:
رحيب الذراع بالذي لا يشينه وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
[ ٢٢٨ ]
وقال قيس بن الخطيم:
فإن ضيع الإخوان سرًا فإنني كتوم لأسرار العشير أمين
وعندي له يومًا إذا ما ائتمنته مكان بسوادء الفؤاد مكين
وقيل للحراني: بينك وبين سهل بن هارون صداقة فانعته لنا كي نعرف فقال: هو كالخير، وازن العلم، واسع الحلم، إن فوخر لم يكذب، وإن موزح لم يغضب، كالغيث أين وقع نفع، وكالشمس حيث أوفت أحيت، وكالأرض ما حملتها حملت، وكالماء طهور لملتمسه، وناقع لغلة من احتر إليه، وكالهواء الذي نقطف منه الحياة بالتنسم، وكالنار التي يعيش بها المقرور، وكالسماء التي قد حسنت بأصناف النور.
شاعر:
غمست نفسك في خضراء مغدقة وغيرتك على إخوانك النعم
آخر:
لقد أتاك العدى عنا بمنكرة فرددوها بإسراف وتكثير
لا تسمعن بنا إفكًا ولا كذبًا يا ذا الفواضل والنعماء والخير
آخر:
[ ٢٢٩ ]
كأني وشبلًا لم نبت ليلة معًا ولم نصطحب خدنين قبل التفرق
ولم نتماحض صادق الود بيننا ولم نبتعد يومًا لخير فنلتقي
حليم إذا ما الجهل أنصل نبله وحص أثيث الريش عن كل أفوق
سجيه حلم صاغها الله شيمة فتمت على ما قال غير التخلق
آخر:
ومن يتخذ جلى إخائك جنة وممتنعًا لا تلقه الدهر معورا
آخر:
وقد كنت جارًا للشباب وصاحبًا فكيف ولم أغدر به ملء جانبي
وغني على ما فات منه لقائل عليك السلام من خليل وصاحب
آخر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضًا ليدفع معورًا عن معور
آخر:
[ ٢٣٠ ]
ذهب الذين إذا رأوني مقبلًا هشوا وقالوا: مرحبًا بالمقبل
وبقيت في خلف كأن حديثهم ولغ الكلاب تهارشت في منهل
آخر:
ألا ربما كان الشفيق مضرة عليك من الإشفاق وهو ودود
قالت عائشة: كنت أرى امرأة تدخل على النبي صلى الله عليه وآله، وكان يقبل عليها بحفاوة فشق ذاك علي فعلم ذاك مني فقال: يا عائشة هذه كانت تغشانا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان.
وأروي هنا ذراوة من كلام أرباب الحذق والخرق فإن فيه فائدة حسنة لا أرى الإضرار عنه، والإخلال به.
سمعت ابن السراج الصوفي يقول: قلت لأبي الحسن البوشنجي: من أصحب؟ قال: من يصفو كدرك بصفائه، ولا يكدر صافيك بكدره.
وقلت لغلام ابن بابويه القمي: من أعاشر؟ فقال: من إذا أحسنت
[ ٢٣١ ]
قال: الحمد لله الذي وفق هذا لم أرى، وإذا أسأت قال: الحمد لله الذي لم نبله بأشد مما أرى.
وقال أبو المتيم الرقي: قلت لابن الموله: من أخلص إليه، وأشتمل بسري وعلانيتي عليه قال: من إذا لم يكن لنفسك كان لك، وإذا كنت لنفسك كان معك، يجلو صدأ جهلك بعلمه، ويحسم مادة غيك برشده، وينفي عنك غش صدرك بنصحه، اصحب من إن قلت صدقك، وإن سكت عذرك، وإن بذلت شكرك، وإن منعت سلم لك، قلت يا سيدي من لي بمن هذا نعته؟ قال: كن أنت ذاك تجدك على ذاك، ويجدك مثلك على ذاك، كأنك إنما تحب أن يكون غيرك لك، ولا تحب أن تكون أنت لغيرك.
وقيل لبرهان الصوفي: من الصديق؟ قال: يا هذا من بضع نصفه معدوم عليك فاطلب من يسعك بخلقه، ويؤنسك بنفسه، ويواسيك من قليله، إن رضي عنك لم يغلظك، وإن سخط عليك لم يمقتك، يبدي لك خيره لتقتدي به، ويواري عنك شره لئلا تستوحش منه، فأما من تكون مثال نفسه في كل حال تلون به الدهر، وهم صدره في كل أمر، يقلب به الليل والنهار، يقدم حظك على حظه، ولا يسارق النظر بلحظه، ولا يغلظ القول بلفظه، ولا يتغير لك في غيبه، ولا يحول عما عهدته في شهادته، يعانق مصلحتك بالاهتمام، ويثبت قدمك عند الإقدام
[ ٢٣٢ ]
والإحجام فذاك شيء قد سد الناس دونه كل باب، وقصر الطمع فيه عن كل قاب، فليس له شبح إلا في الوهم، ولا خيال إلا في التمني والسلام.
وقلت لجعفر بن حنظلة: من أصحب؟ قال: أخطأت، قل لي من لا أصحب، فإني إن حصرت لك من لا تصحب فقد أرشدتك إلى من تصحب، فإني إن حصرت لك من لا تصحب فقد أرشدتك إلى من تصحب، قال: فمن لا أصحب؟ قال: لا تصحبني ولا تصحب من كان مثلي، وما زادني على هذا، ولحقني من هذا الكلام كرب وصرف الزما، فرأيته بمدينة السلام سنة ثمان وخمسين وهو متوجه إلى الحج فقلت له: أيها الشيخ لقد جرحت سري بكلامك في وقت كذا وكذا، ولعلك ذاكر مما كان هناك، قال: أردت بتنفيرك مني إغراءك بي، وهذا من خدع المشايخ للمريدين.
وحدثني ابن السراج الصوفي قال: كنت بالشام عند الروبذباري أبي عبد الله، فكتب إلى المهلبي، وكان من مشايخ الشام، كتابًا فيه شوق وعتب يقول في فصل منه: أراحك الله يا سيدي من شوق من لا تشتاق غليه، وعتب من لا تغتابه، فإنه إذا أجاب هذا الدعاء حرس وقتك لك، وأفرغ بالك عليك، وكنت في زينة حالك ساعيًا، ولحقائق سرك وعلانيتك راعيًا، ولكن لو رحمت أصدقاءك في شوقهم إليك، صنتهم وغياك عن عتبهم عليك، وليس بضائر أن تجعل اهتمامك بهم، وطلوعك عليهم، وتجديدك العهد بناسمتهم في عرض ما تتقرب إلى الله به إن كان حسنًا، أو في جملة ما تسغفر الله منه إن كان قبيحًا. وبعد فليس كل من أوتي الصبر، وأعين بالجلد، وكان له من نفسه داع إلى الجفاء، ومجيب إلى الهجر، أكمل ذلك كله في البعد هن خلانه، والبراءة من خلصانه، والله
[ ٢٣٣ ]
الذي هو مالك همنا، والسابح في سرائرنا، لولا أنك أحلى من زلال الحياة إذا طابت، وأطيب من العيشة إذا لذت، وأعذب من الزلال على الحرة، وأدب في الضمائر من الخواطر، وأعلق بالعيون من النواظر، ما اهتززنا مشتاقين إليك، ولا الهبنا متهالكين عليك، ولكنك الروح، والصبر عن الروح معوز، والحياة والبقاء مع فقد الحياة معجز، فإن فاء بك رأيي في الانكفاء إلى أحداق طامحة نحوك، وهمم طائحة في الوجد بك، ومجالس خضرة نضرة بأحاديثك، ومسامع صاغية إلى لذيذ لفظك، وشهي جدك وهزلك، فتصدق علينا بنفسك إن الله يجزي المتصدقين.
سالم بن وابصة:
ونيرب من موالي السوء ذي حسد يقتات لحمي ولا يشفيه من قرم
داويت صدرًا طويلًا غمره حقدًا منه وقلمت أظفارًا بلا جلم
كقنفذ الرمل ما تخفى مدارجه خب إذا نام عنه البوم لم ينم
ملازم لخداع ما يفارقه يبدي لنا الغش والعوراء في الكلم
كأن سمعي إذا ما قال مخفظة أصم عنه وما بالسمع من صمم
حتى اطبى وده رفقي به ولقد نسيته الحقد حتى عاد كالحلم
[ ٢٣٤ ]
إن من الحلم ذلا أنت عارفه والحلم عن قدرة صنف من الكرم
آخر:
فمن شاء رام الصرم أو قال ظالمًا لذي وده ذنب وليس له ذنب
آخر:
وهون وجدي أنه ليس واجدًا من الناس إلا قد أصيب بصاحب
آخر:
وما زال يدعوني إلى الهجر ما أرى فإني وتثنيني عليك الحفائظ
وأنتظر العتبي وأغضي على القذى وأصبر حتى أوجعتني المغائظ
آخر:
ولي صديق عدمت عقلي إن قلت: إني له صديق
ما نلتقي في الزمان حتى يجمع ما بيننا الطريق
آخر:
نشدتك بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من لؤي بن غالب
فإنك قد جربتني هل وجدتني أعينك في الجلى وأحميك جانبي
وإن معشر دبت إليك عداوة عقاربهم دبت إليهم عقاربي
[ ٢٣٥ ]
آخر:
من لم يردك فلا ترده لتكن كمن لم تستفده
آخر:
إذا كنت تحصي ذنوب الص ديق وتنسى ذنوبك بالواحده
فإنك أنبل أهل الز مان طرًا على هذه القاعده
وكتب بعض آل ثوابه إلى صديق له: