وأمثال هذا كثير فى منثور الكلام وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
فأما الاستعارة من أشعار المتقدمين فمثل قول امرىء القيس «١»:
وليل كموج البحر مرخ سدوله علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل
وقال زهير «٢»:
صحا القلب عن ليلى وأقصر باطله وعرّى أفراس الصّبا ورواحله
وقول امرىء القيس «٣»:
فبات عليه سرجه ولجامه وبات بعينى قائما غير مرسل
أى كنت أراه وأحفظه؛ وعلى هذا مجاز قوله ﷿: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا.
وقال زهير «٤»:
إذا سدّت به لهوات ثغر يشار إليه جانبه سقيم «٥»
وقال النابغة «٦»:
وصدر أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «٧»
وفى هذا البيت ماء وطلاوة ليس مثله فى بيت زهير. وقال عنترة «٨»:
جادت عليه كلّ بكر حرّة فتركن كلّ قرارة كالدّرهم «٩»
وقال مهلهل:
تلقى فوارس تغلب ابنة وائل يستطعمون الموت كل همام
[ ٢٨٢ ]
وقال زهير «١»:
إذا لقحت حرب عوان مضرّة ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل «٢»
أخذه من قول أوس بن حجر «٣»:
وإنى امرؤ أعددت للحرب بعد ما رأيت لها نابا من الشّرّ أعصلا
وقال المسيّب بن علس «٤»:
وإنهم قد دعوا دعوة سيتبعها ذنب أهلب «٥»
أراد جيشا كثيفا.
وقال الأسود بن يعفر:
فأدّ حقوق قومك واجتنبهم ولا يطمح «٦» بك العز الفطير
أراد عزّا ليس بالمحكم كفطير العجين، والفطير من الجلد: ما لم يدبغ.
وقال طفيل الغنوى «٧»:
وجعلت كورى فوق ناجية يقتات «٨» شحم سنامها الرّحل
وقال الحرث بن حلزة «٩»:
حتى إذا التفع الظباء بأطرا ف الظّلال وقلن فى الكنّس «١٠»
الالتفاع: لبس اللفاع وهو اللّحاف. ومثله قول الشّماخ «١١»:
إذا الأرطى توسّد أبرديه خدود جوازىء بالرمل عين «١٢»:
[ ٢٨٣ ]
أبرداه: ظلّ الغداة والعشىّ. توسدته: جعلته بمنزلة الوسادة.
وقال آخر:
ومهمه فيه السراب يسبح يدأب فيه القوم حتى يطلحوا «١»
ثم يبيتون كأن لم يبرحوا كأنما أمسوا بحيث أصبحوا
وقال عمرو بن كلثوم «٢»:
ألا أبلغ النّعمان عنّى رسالة فمجدك حولىّ ولؤمك قارح «٣»
وقال الحطيئة «٤»:
ألا يالقلب عارم «٥» النظرات
وقال الجعدىّ:
فإن يطف أصحابه يرسب
وقال أبو ذؤيب «٦»:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
وقال أبو خراش الهذلىّ «٧»:
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه وأوثر غيرى من عيالك بالطعم «٨»
وقال لبيد «٩»:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضّحى واجتاب أردية السراب إكامها «١٠»
[ ٢٨٤ ]
وقال أيضا «١»:
وغداة ريح قد كشفت وقرّة إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
وقال أوس بن مغراء:
يشيب على لؤم الفعال كبيرها ويغذى بثدى اللؤم منها وليدها
وقال الأخطل:
وأهجر هجرانا جميلا وينتحى لنا من ليالينا العوازم أول
وقال آخر «٢»:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات «٣» ووحدانا
وقال:
هم ساعد الدهر الّذى يتقّى به وما خير كفّ لا تنوء بساعد
وقال آخر:
سأبكيك للدّنيا وللدّين إننى رأيت يد المعروف بعدك شلّت
وقال المقنّع «٤»:
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيعوا ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدّا
وقال آخر:
وذاب للشمس لعاب فنزل
أخذه من قول النابغة «٥»:
إذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
[ ٢٨٥ ]
وقال آخر «١»:
جاء الشّتاء واجثألّ القبّر وطلعت شمس عليها مغفر
جعل قطعة السحاب إلى جانب الشمس مغفرا لها، واجثأل: انتفش «٢» .
وقال الحطيئة:
وما خلت سلمى قبلها ذات رحلة إذا قسورىّ الليل جيبت سرابله
وقال أيضا:
ولّوا وأعطونا الذى سئلوا من بعد موت ساقط أزره
إنا لنكسوهم «٣» وإن كرموا ضربا يطير خلاله شرره
وقال أبو دواد:
وقد اغتدى فى بياض الصّباح وأعجاز ليل مولّى الذّنب
وقال الأفوه «٤»:
عافوا الإتاوة واستقت أسلافهم حتى ارتووا عللا بأذنبة الردى «٥»
وقال ابن مناذر:
بأرشية أطرافها فى الكواكب
وقال الأخطل:
حتى إذا افتض ماء المزن عذرتها راح الزجاج وفى ألوانه صهب
وقال غيره «٦»:
وجيش يظلّ البلق فى حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافر «٧»
[ ٢٨٦ ]
وقال ذى الرّمة:
سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه لدين الكرى من آخر الليل ساجد
قوله: «سقاه الكرى» جيد. وقوله: «لدين الكرى» بعيد عندى.
وقال مضرس ابن ربعىّ:
أذود سوام الطرف عنك وماله على أحد إلّا عليك طريق
وقال تأبط شرا «١»:
ويسبق وفد الرّيح من حيث تنتحى بمنخرق من شدّه المتدارك «٢»
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل له كالىء من قلب شيحان فاتك «٣»
ويجعل عينيه ربيئة قلبه إلى سلّة من صارم الغرب باتك «٤»
إذا هزّه فى عظم قرن تهللت نواجذ أفواه المنايا الضواحك
فى كل بيت من هذه الأبيات استعارة بديعة، وقد أخذ رؤبة قوله: «ويسبق وفد الريح» فقال «٥»:
يسبق وفد الريح «٦» من حيث انخرق
وقال الراعى:
يدعو أمير المؤمنين ودونه خرق «٧» تجرّ به الرياح ذيولا
وقال أوس:
ليس الحديث ينهى بينهنّ ولا سرّ يحدّثنه فى الحىّ منشور
[ ٢٨٧ ]