ومما فى كلام النبى ﷺ، والصحابة ﵃، ونثر الأعراب، وفصول الكتاب من الاستعارة قوله ﷺ: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وقال طفيل:
وللخيل أيّام فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها الخير تعقب
وقول النبى ﷺ: «كلّما سمع هيعة «١» طار إليها» . وقوله ﷺ: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» . وقال ﵊:
«البلاء موكّل بالمنطق» . ورأى عليّا مع فاطمة ﵄ فى بيت فردّ عليهما الباب وقال: «جدع الحلال أنف الغيرة» .
وقال علىّ ﵁: السفر ميزان القوم. وقوله: فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرىء وما يختار. وقوله لابن عباس ﵁: ارغب راغبهم، واحلل عقدة الخوف عنهم. وقوله: العلم قفل ومفتاحه المسألة. وقوله: الحلم والأناة توأمان، نتيجتهما علوّ الهمة. وقوله لبعض الخوارج: والله ما عرفته حتى فغر الباطل فمه، فنجمت نجوم قرن الماعزة. وقال فى بعض خطبه يصف الدنيا: إن امرأ لم يكن منها فى فرحة، إلا أعقبته بعدها ترحه؛ ولم يلق من سرّائها بطنا، إلا منحته من ضرّائها ظهرا؛ ولم تظله فيها غيابة رخاء، إلا هبّت عليه مزنة بلاء، ولم يمس منها فى جناح أمن، إلا أصبح منها على قوادم خوف.
وقال أبو بكر ﵁: إن الملك إذا ملك زهده الله فى ماله، ورغبه فيما
[ ٢٧٧ ]
فى يدى غيره، وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل، ويسخط الكثير، جذل الظاهر، حزين الباطن. فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظلّه، حاسبه الله ﷿ فأشد حسابه، وأقل عفوه.
وكتب خالد بن الوليد ﵁ إلى مرازبة فارس: الحمد لله الذى فضّ خدمتكم «١»، وفرّق كلمتكم.
وقالت عائشة ﵂: كان عمل رسول الله ﷺ ديمة «٢» .
وقال الحجاج: دلونى على رجل سمين الأمانة، أعجف الخيانة. وقال عبد الله بن وهب الراسبى لأصحابه: لا خير فى الرأى الفطير، والكلام العضيب «٣»؛ فلما بايعوه، قال: دعوا الرأى يغبّ فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه. وقيل لأعرابى: إنك لحسن الكدنة؛ «٤» قال: ذاك عنوان نعمة الله عندى. وقال أكثم بن صيفى: الحلم دعامة العقل. وسئل عن البلاغة فقال: دنوّ المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير. وقال خالد بن صفوان لرجل: رحم الله أباك، فإنه كان يقرى العين جمالا، والأذن بيانا. وقيل لأعرابية: أين بلغت قدرك، قالت: حين قام خطيبها. وقيل لأعرابية: كم أهلك؟
قالت: أب وأم وثلاثة أولاد، أنا سبيل عيشهم. وقيل لرؤبة: كيف تركت ما وراك؟ قال: التراب يابس، والمال عابس. وقال المنصور لبعضهم: بلغنى أنك يخيل، فقال: ما أجمد فى حق، ولا أذوب فى باطل. وقال إبراهيم الموصلى: قلت للعباس بن الحسن: إنى لأحبك قال: رائد ذاك عندى. وقال بعضهم: الاستطالة لسان الجهالة. وقال يحيى بن خالد: الشكر كفء النعمة. وقال أعرابى: خرجت فى ليلة حندس، ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان؛ فما كنا نتعارف
[ ٢٧٨ ]
إلا بالآذان. وقال أعرابى لآخر: يسار النفس خير من يسار المال، ورب شبعان من النّعم، غزثان «١» من الكرم. وغزت نميرا حنيفة فاتبعتهم نمير، فأتوا عليهم، فقيل لرجل: كيف كان القوم؟ فقال: اتبعوهم والله رفدا حقبوا كل جماليّة خيفانة، فما زالوا يحصفون آثار المطى بحوافر الخيل؛ فلما لقوهم جعلوا المرّان أرشية الموت، فاستقوا بها أرواحهم «٢» . وقال آخر: فلان أملس، ليس فيه مستقر لخير، ولا لشر.
وقال أحمد بن يوسف وقد شتمه «٣» رجل بين يدى المأمون: رأيته يستملى ما يلقانى به من عينيك. وقيل لأعرابى: أى الطعام أطيب؟ قال: الجوع أبصر. ومدح أعرابى رجلا فقال: كان يفتح من الرأى أبوابا منسدة، ويغسل من العار وجوها مسودّة. ومدح أعرابى رجلا فقال: كان والله إذا عرضت له زينة الدنيا هجّنتها زينة الحمد عنده؛ وإن للصنائع لغارة على أمواله كغارة سيوفه على أعدائه. ومدح أعرابى قوما فقال: أولئك غرر تضىء من ظلم الأمور المشكلة، قد صغت آذان المجد إليهم.
وقال أعرابى يمدح رجلا: إنه ليطعى عطاء من يعلم أن مادته. ومدح أعرابى رجلا، فقال: لسانه أحلى من الشهد، وقلبه سجن للحقد. ومدح أعرابى رجلا فقال:
إن أسأت إليه أحسن، وكأنه المسىء، وإن أجرمت إليه غفر، وكأنه المجرم، اشترى بالمعروف عرضه من الأذى؛ فهو وإن كانت له الدنيا بأسرها فوهبها، رأى بعد ذلك عليه حقوقا؛ لا يستعذب الخنا، ولا يستحسن غير الوفا «٤» .
وذم أعرابى رجلا فقال: يقطع نهاره بالمنى، ويتوسد ذراع الهمّ إذا أمسى.
وذم أعرابى رجلا فقال: إن فلانا ليقدم على الذنوب إقدام رجل قدم فيها نذرا، أو يرى أنّ فى إتيانها عذرا. وقال أعرابى لرجل: لا تدنس شعرك بعرض فلان؛
[ ٢٧٩ ]
فإنه سمين المال، مهزول المعروف، قصير عمر المنى، طويل حيات الفقر. وسأل أعرابى فقيل له: عليك بالصيارف، فقال: هناك قرارة اللؤم. وذكر أعرابى قوما فقال: أولئك قوم قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت جلودهم باللؤم؛ فلباسهم فى الدنيا الملامة، وزادهم فى الآخرة الندامة. وذمّ أعرابى قوما فقال: هم أقل دنوا إلى أعدائهم، وأكثر تجرّما على أصدقائهم، يصومون عن المعروف ويفطرون على الفحشاء. وذمّ أعرابى رجلا فقال: ذاك رجل تعدو إليه مواكب الضلالة، ويرجع من عنده ببدر الآثام، معدم مما يحب، مثر مما يكره.
وقال أعرابى: ما أشدّ جولة الهوى! وفطام النفس عن الصّبا، ولقد تصدعت نفسى للعاشقين؛ لوم العاذلين قرطة فى آذانهم، ولوعات الحب نيران فى أبدانهم.
وقال أعرابى: ما رأيت دمعة ترقرق فى عين، وتجرى على خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبى. وقال أعرابى- وذكر قوما زهّادا- فاز قوم أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذى قطع به الناس مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال، تركوا النعيم ليتنعموا؛ لهم عبرات متدافعة؛ لا تراهم إلا فى وجه عند الله وجيها. ووصف أعرابى واليا فقال: كان إذا ولّى طابق من جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو شاهد معهم، غائب عنهم، فالمحسن آمن، والمسىء خالف. ووصف أعرابى دارا فقال: هى والله معتصرة الدموع، جرّت بها الرياح أذيالها، وحلّت بها السحاب أثقالها. وذكر أعرابى رجلا فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب منه ذا لسانين؛ لم أر أحدا كان أرتق لخلل الرأى منه، كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بطرفه حيث أشار الكرم، يتحسّى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب. ووصف أعرابى قومه فقال: كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام سفرت بينهم السهام، بوقوف الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها، فكم من يوم عارم قد أحسنوا أدبه،
[ ٢٨٠ ]
وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم، وخطب شين «١»، قد ذللوا مناكبه؛ إنما كانوا كالبحر الذى لا ينكش «٢» غماره؛ ولا ينهنه تيّاره. وقيل لأعرابى: يزعم فلان أنه كساك ثوبا، فقال: إن المعروف إذ أمرّ كدّر، وإذا محض أمرّ؛ ومن ضاق قلبه اتسع لسانه.
وذكر أعرابى رجلا فقال: كلامه منقوض آثار القطا؛ وهو مع ذا رثّ عقال المودة، مسودّ وجه الصداقة؛ ولئن كان لبنى الآدميين سباخ إنه لمن سباخ بنى آدم.
وقيل لأعرابى: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلى.
وقال معاوية: العيال أرضة المال. وقال خالد بن صفوان: إياكم ومجانيق الضعفاء «٣» .
وقال: لا تضع معروفك عند فاجر، ولا أحمق، ولا لئيم، فإن الفاجر يرى ذلك ضعفا، والأحمق لا يعرف ما أوتى إليه فيشكره على مقدار عقله، واللئيم سبخة لا ينبت شيئا ولا يثمر؛ ولكن إذا رأيت الثرى فازرع المعروف تحصد الشكر، وأنا الضامن.
وأهدت امرأة من العجم إلى هوى لها فى يوم نوروز وردا وكتبت إليه: هذا اليوم أحد «٤» فتيان الدهر وشاب «٥» أقسامه، والقصف فيه عروس، والورد فى البرد كالدر فى النّحر؛ وقد بعثت إليك منه مهرا ليومك، فزوّج السرور من النفس، والطرب من القلب، ولا تستقل برا، فإنا لا نستكثر على قبوله شكرا.
وقال آخر فى رجل: ماذا تثير الخبرة من دفأن كرمه. وقال أعرابى لخصمه: أما والله لئن هملجت إلى الباطل، إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عنه لتسر عن إليه؛ فاعلم أنه إن لم يعد لك الحق عدلك الباطل، والآخرة من ورائك. وقال آخر: الخط مركب البيان. وقال آخر: القلم لسان اليد. وسمعت بعض الأطباء يقول: الماء مطية الطعام.
وقال الحسن بن وهب لكاتبه: لا ترق ماء معروفى بالمن؛ فإن اعتدادك بالعرف
[ ٢٨١ ]
يعقل لسان الشكر.