والقول القصد أنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما فى جميع الكلام وكلّ نوع منه؛ ولكلّ واحد منهما موضع؛ فالحاجة إلى الإيجاز فى موضعه كالحاجة إلى الإطناب فى مكانه؛ فمن أزال التدبير فى ذلك عن جهته، واستعمل الإطناب فى موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز فى موضع الإطناب أخطأ.
كما روى عن جعفر بن يحيى أنه قال مع عجبه بالإيجاز: متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا. ومتى كانت الكناية فى موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا.
وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا فى معنى واحد، فأطال أحدهما، واختصر الآخر؛ فقال للمختصر- وقد نظر فى كتابه: ما أرى موضع مزيد. وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان.
وقال غيره: البلاغة الإيجاز فى غير عجز، والإطناب فى غير خطل. ولا شكّ فى أنّ الكتب الصادرة عن السلاطين فى الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم النّعم الحادثة، والترغيب فى الطاعة، والنّهى عن المعصية، سبيلها أن تكون مشبعة مستقصاة، تملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب؛ ألا ترى أنّ كتاب المهلب إلى الحجاج فى فتح الأزارفة:
[ ١٩٠ ]
الحمد لله الذى كفى بالإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متّصلا بنعمته، وقضى ألّا ينقطع المزيد من فضله، حتى ينقطع الشكر من خلقه، ثم إنّا كنا وعدوّنا على حالتين مختلفتين، نرى فيهم ما يسرّنا أكثر مما يسوءنا، ويرون فينا ما يسوءهم أكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم؛ ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم، حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله؛ فقطع دابر القوم الذى ظلموا والحمد لله ربّ العالمين.
وإنما حسن فى موضعه ومع الغرض الذى كان لكاتبه فيه؛ فأما إن كتب مثله فى فتح يوازى ذلك الفتح فى جلالة القدر وعلوّ الخطر، وقد تطلّعت أنفس الخاصة والعامة إليه وتصرّفت فيه ظنونهم، فيورد عليهم مثل هذا القدر من الكلام فى أقبح صورة وأسمجها وأشوهها وأهجنها كان حقيقا أن يتعجّب منه.
وكذلك لو كتب عن السلطان فى العذل والتوبيخ وما تجب القلوب منه من التغيير والتنكير بمثل ما روى أنّ الوليد بن يزيد كتب إلى والى العراقين حين عتب عليه: إنى أراك تقدّم فى الطاعة رجلا وتؤخّر أخرى، فاعتمد على أيتهما شئت، والسلام.
وبمثل ما كتب جعفر بن يحيى إلى عامل شكى: قد كثر شاكوك، وقلّ شاكروك؛ فإمّا عدلت، وإما اعتزلت.
ومثل هذا ما كتب به بعض الكتّاب إلى عامله على الخراج، وقد وقع عليه تحامل على الرعيّة «١»: إنّ الخراج عمود الملك، وما استغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور.
فهذا الكلام فى غاية الجودة والوجازة، ولكن لا يصلح من مثل صاحبه وبالإضافة إلى حاله؛ فالإطناب بلاغة؛ والتطويل عىّ؛ لأن التطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب. والإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيد نزه يحتوى على زيادة فائدة.
[ ١٩١ ]
وقال الخليل: يختصر الكتاب ليحفظ، ويبسط ليفهم. وقيل لأبى عمرو ابن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم؛ كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها.
والإطناب إذا لم يكن منه بدّ إيجاز؛ وهو فى المواعظ- خاصّة- محمود؛ كما انّ الإيجاز فى الإفهام محمود ممدوح.
والموعظة كقول الله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. فتكرير ما كرّر من الألفاظ هاهنا فى غاية حسن الموقع.
وقيل لبعضهم: متى يحتاج إلى الإكثار؟ قال: إذا عظم الخطب. وأنشد:
صموت إذا ما الصّمت زيّن أهله وفتّاق أبكار الكلام المحبّر
وقال آخر:
يرمون بالخطب الطّوال وتارة وحى الملاحظ خشية الرّقباء
وقال بعضهم:
إذا ما ابتدى خاطبا لم يقل له أطل القول أو قصّر
طبيب بداء فنون الكلا م لم يعى يوما ولم يهذر
فإن هو أطنب فى خطبة قضى للمطيل على المقصر
وإن هو أوجز فى خطبة قضى للمقلّ على المكثر
ووجدنا الناس إذا خطبوا فى الصّلح بين العشائر أطالوا؛ وإذا أنشدوا الشّعر بين السّماطين «١» فى مديح الملوك أطنبوا؛ والإطالة والإطناب فى هذه المواضع إيجاز.
وقيل لقيس بن خارجة: ما عندك فى حمالات «٢» داحس؟ قال: عندى قرا
[ ١٩٢ ]
كلّ نازل، ورضا كلّ ساخط، وخطبة من لدن مطلع الشّمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتّواصل وأنهى عن التقاطع. فقيل لأبى يعقوب الخريمى: هلّا اكتفى بقوله: «آمر فيها بالتواصل» عن قوله: «وأنهى عن التقاطع»؟ فقال: أو ما علمت أنّ الكناية والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشيف.
وقد رأينا الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحى؛ وإذا خاطب بنى إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا.
فمما خاطب به أهل مكّة قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
. وقوله تعالى: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
. وقوله تعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
؛ فى أشباه لهذا كثيرة.
وقل ما تجد قصة لبنى إسرائيل فى القرآن إلا مطوّلة مشروحة ومكرّرة فى مواضع معادة؛ لبعد فهمهم كان، وتأخّر معرفتهم.
وكلام الفصحاء إنما هو شوب الإيجاز بالإطناب والفصيح العالى بما دون ذلك من القصد المتوسّط؛ ليستدلّ بالقصد على العالى، وليخرج السامع من شىء إلى شىء فيزداد نشاطه وتتوفّر رغبته، فيصرفوه فى وجوه الكلام إيجازه وإطنابه، حتى استعملوا التكرار ليتوكّد القول للسامع.
وقد جاء فى القرآن وفصيح الشعر منه شىء كثير، فمن ذلك قوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
. وقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
. فيكون للتوكيد كما يقول القائل: ارم ارم، واعجل اعجل.
وقد قال الشاعر:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكم كانت وكم
(١٣- الصناعتين)
[ ١٩٣ ]
وقال آخر «١»:
هلّا سألت جموع كند ة يوم ولوا أين أينا