الإيغال
وهو أن يستوفى معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه؛ ثم يأتى بالمقطع فيزيد معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا، وأصل الكلمة من قولهم:
أوغل فى الأمر إذا أبعد الذهاب فيه.
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولى عن المبرّد عن التّوّزى، قال: قلت للأصمعى:
من أشعر الناس؟ فقال: من يأتى بالمعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا، أو ينقضى كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قال: قلت: نحو من؟ قال: قول ذى الرّمة حيث يقول «١»:
قف العيس فى أطلال مية فاسأل رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل
فتم كلامه «بالرداء» قبل المسلسل، ثم قال «المسلسل»؛ فزاد شيئا بالمسلسل.
ثم قال:
أظن الذى يجدى عليك سؤالها دموعا كتبذير الجمان المفصّل
فتم كلامه، بالجمان، ثم قال: المفصل، فزاد شيئا. قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى حيث يقول «٢»:
كناطح صخرة يوما ليفلقها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فتم كلامه «بيضرها، فلما احتاج إلى القافية قال: وأوهى قرنه الوعل؛ فزاد معنى. قلت: وكيف صار الوعل مفضّلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحطّ من قلة الجبل على قرنيه فلا يضيره.
وكتب بعض الكتاب: نبوّ الطرف من الوزير دليل على تغير الحال عنده،
[ ٣٨٠ ]
ولا صبر على الجفاء ممّن عود الله منه البرّ، وقد استدللت بإزالة الوزير إياى عن المحل الذى كان يحلنيه بتطوّله على ما سؤت له ظنا بنفسى، وما أخاف عتبا لأنى لم أجن ذنبا، فإن رأى الوزير أن يقوّمنى لنفسى، ويدلّنى على ما يراد منى فعل. تم كلامه عند قوله له «يقومنى» ثم جاء بالمقطع وهو قوله: «لنفسى» فزاد معنى.
وممن زاد توكيدا امرؤ القيس حيث يقول «١»:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب
قوله: «لم يثقب» يزيد التشبيه توكيدا؛ لأن عيون الوحش غير مثقبة.
وزهير حيث يقول «٢»:
كأنّ فتات العهن «٣» فى كلّ منزل نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم
القنا إذا كسر ابيض. والفنا: شجر الثعلب «٤» . ومن الزيادة قول امرىء القيس «٥»:
إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه تقول هزيز الريح مرّت بأثأب «٦»
فالتشبيه قد تم عند قوله «هزيز الريح» وزاد بقوله «مرت بأثأب»: لأنه أخبر به عن شدة حفيف الفرس، وللريح فى أغصان الأثاب حفيف شديد. والأثأب: شجر.
وقول أبى نواس:
ذاك الوزير الذى طالت علاوته كأنه ناظر فى السّيف بالطّول
فقوله «بالطول» أنفى للشبهة.
وقول راشد الكاتب:
كأنه ويد الحسناء تغمزه سير الإداوة لما مسّه البلل
فقوله: «لما مسه البلل» تأكيد، ويدخل أكثر هذا الباب فى التتميم؛ وإنما يسمى إيغالا إذا وقع فى الفواصل والمقاطع.
[ ٣٨١ ]