الأرداف والتوابع
الأرداف والتوابع: أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدالّ عليه، الخاص به، ويأتى بلفظ هو ردفه وتابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذى أراده، وذلك مثل قول الله تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ
، وقصور الطرف فى الأصل موضوعة للعفاف على جهة التوابع والأرداف؛ وذلك أن المرأة إذا عفّت قصرت طرفها على زوجها، فكان قصور الطرف ردفا للعفاف، والعفاف ردف وتابع لقصور الطرف.
وكذلك قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
، وذلك أنّ الناس يتكافّون عن الحرب من أجل القصاص فيحيون فكأن حياتهم ردف للقصاص الذى يتكافّون عن القتل من أجله؛ ونحوه قول الشاعر:
وفى العتاب حياة بين أقوام
ومن ذلك قول رسول الله ﷺ وقد سئل عن الفرع، فقال:
«حق، وإن تتركه حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون خير من أن تكفىء إناءك، وتولّه ناقتك؛ وتدعه يلصق لحمه بوبره» «١» .
الفرع: أول شىء تنتجه الناقة، وكانوا يذبحونه لله ﷿. فقال: هو حق، إلا أنه ينبغى أن يترك حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون فيصير للحمه طعم، وقال «هو خير من أن تكفىء إياءك» فهذه من الإرداف أراد أنك إذا ذبحته حين تضعه أمّه بقيت الأم بلا ولد ترضعه فانقطع لبنها؛ فردف ذلك أن يخلو إناؤك من اللبن، فكأنك قد كفأته. ومثله قول امرىء القيس «٢»:
[ ٣٥٠ ]
وأفلتهنّ علباء جريضا ولو أدركنه صفر الوطاب «١»
أى لو أدركنه- يعنى الخيل- قتلنه، واستقن إبله فصفرت وطابه؛ ومن ذلك قول الأعشى:
ربّ رفد هرقنه ذلك اليو م وأسرى من معشر أقيال
الرّفد: القدح العظيم الضخم، يقول: استقت الإبل فخلا الرّفد، فكأنك قد هرقته.
ومن الأرداف قول المرأة لمن سألته: أشكو إليك قلة الجرذان، وذلك أن قلّة جرذان البيت ردف لعدم خيره؛ ويقولون: فلان عظيم الرماد، يريدون أنه كثير الإطعام للأضياف؛ لأن كثرة الإطعام يردف كثرة الطبخ؛ ومن المنظوم قول التغلبى «٢»:
وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب
أراد أن يذكر عزّ قومه، فذكر تسريح الفحل فى المرعى، والتوسيع له فيه؛ لأن هذه الحال تابعة للعزّة رادفة للمنعة، وذلك أن الأعداء لعزهم لا يقدمون عليهم فيحتاجون إلى تقييد فحلهم، مخافة أن يساق فيتبعه السّرح؛ ومن ذلك قول الآخر:
ومهما فىّ من عيب فإنى جبان الكلب مهزول الفصيل
يعنى أن كلبه يضرب إذا نبح على الأضياف، فيردف ذلك جبنه عن نبحهم؛ وأن اللبن الذى يسمن به الفصيل يجعل للأضياف فيردف ذلك هزال الفصيل.
وقول الآخر:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفرّ منها الأنامل
يعنى الموت، فعبر عنه باصفرار الأنامل، لأنها تصفر من الميت، فكان اصفرارها ردف؛ وقول امرىء القيس «٣»:
[ ٣٥١ ]
وتضحى فتيت المسك فوق فراشها نئم الضحا لم تنتطق عن تفضل
أراد أنها مكفّية؛ ونئومة الضحا وترك الانتطاق للخدمة يردفان الكفاية؛ فعبر بهما عنها وأراد أنها من أهل الترفّه والنعمة فتستعمل المسك الكثير فينتثر فى فراشها وهذه الحال تردف الترف والنعمة؛ وقول عمر بن أبى ربيعة «١»:
بعيدة مهوى القرط أما لنوفل أبوها وأما عبد شمس وهاشم
فأراد أن يصف طول عنقها فأتى بما دلّ عليه من طول مهوى القرط، وبعد مهوى القرط ردف لطول العنق. وقول الخنساء «٢»:
ومخرّق عنه القميص تخاله بين البيوت من الحياء سقيما
أرادت وصفه بالجود فجعلته مخرّق القميص، لأن العفاة يجذبونه؛ فتمزيق قميصه ردف لجوده. وقول الشاعر «٣»:
طويل نجاد السيف لا متضائل ولا رهل لبّاته وبآدله «٤»
أراد وصفه بطول القامة، فذكر طول نجاده، لأن طوله ردف لطول القامة.
وقد أدخل بعض من صنّف فى هذا أمثلة باب الأرداف فى باب المماثلة، وأمثلة باب المماثلة فى باب الأرداف، فأفسد البابين جميعا، فلخصت ذلك وميّزته وجعلت كلّا فى موضعه، وفيه دقّة وإشكال.
[ ٣٥٢ ]