إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، وتنوّق له كرائم اللفظ، واجعلها على ذكر منك؛ ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلّبها، واعمله ما دمت فى شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخوّنك الملال فأمسك؛ فإنّ الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضّجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شىء بعد شىء، فتجد حاجتك من الرّى، وتنال أربك من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلّ عنك غناؤها.
وينبغى أن تجرى مع الكلام معارضة، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلّقت بذيله، وتحذّر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت فى تتبّعه، ونصبت فى تطلّبه؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدأب؛ وقد قال الشاعر:
إذا ضيّعت أول كل أمر أبت أعجازه إلّا التواء
وقالوا: ينبغى لصانع الكلام ألّا يتقدّم الكلام تقدما، ولا يتبع ذناباه تتبّعا، ولا يحمله على لسانه حملا؛ فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه. وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه جياده وغرره؛ وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه فى محاسنه.
[ ١٣٣ ]
ولكنه يجرى معه فلا تندّ عنه نادّة معجبة سمنا إلّا كبحها، ولا تتخلّف عنه مثقلة هزيلة إلّا أرهقها. فطورا يفرّقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر، ويتناول اللفظ من تحت لسانه، ولا يسلّط الملل على قلبه ولا الإكثار على فكره. فيأخذ عفوه، ويستغزر درّه، ولا يكره أبيّا، ولا يدفع أتيا.
وقال بشر بن المعتمر «١»: خذ من نفسك ساعة لنشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها لك؛ فإنّ قلبك فى تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرق حسنا، وأحسن فى الأسماع، وأحلى فى الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل غرّة من لفظ كريم، ومعنى بديع.
واعلم أنّ ذلك أجدى عليك ممّا يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطالبة والمجاهدة والتكلّف والمعاودة؛ ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا؛ وكما خرج عن ينبوعه، ونجم من معدنه.
وإياك والتوعّر؛ فإن التوعّر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذى يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما ويفسدهما ويهجنهما، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة، وترتهن نفسك فى ملابستهما، فكن فى ثلاث منازل:
فأوّل الثلاث أن يكون لفظك شريفا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا. فإن كانت هذه لا تواتيك، ولا تسنح لك عند أوّل خاطر، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتّصل بسلكها، وكانت قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب
[ ١٣٤ ]
الأماكن، والنزول فى غير أوطانها؛ فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم، ولم تتكلّف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد، وإن تكلّفته ولم تكن حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك بصيرا عابك من أنت أقلّ عيبا منه، وزرى عليك من هو دونك.
فإن ابتليت بتكلّف «١» القول، وتعاطى الصناعة، ولم تسمح لك الطبيعة فى أوّل وهلة، وتعصّى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل، ودعه سحابة يومك ولا تضجر، وأمهلة سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن «٢» كانت هناك طبيعة وجريت من الصناعة على عرق؛ وهى- المنزلة الثانية.
فإن تمنّع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر، وطول الإمهال، فالمنزلة «٣» الثالثة أن تتحوّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك؛ فإنك لم تشتهها إلّا وبينكما نسب، والشىء لا يحنّ إلا إلى ما شاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون فى طبقات؛ فإنّ النفوس لا تجود بمكنونها، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود مع الرّغبة والمحبّة.
وينبغى أن تعرف أقدار المعانى، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين أقدار الحالات؛ فتجعل لكلّ طبقة كلاما، ولكلّ حال مقاما، حتى تقسم أقدار المعانى على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات.
واعلم أنّ المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكلّ مقام من المقال؛ فإن كنت متكلّما، أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد، فتخطّ ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض والكون والتأليف والجوهر، فإنّ ذلك هجنة.
[ ١٣٥ ]
وخطب بعضهم فقال: إنّ الله أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّنهم ثم لا شاهم، فضحكوا منه؛ وقال بعض المتأخرين:
نور تبين فيه لاهوتيه فيكاد يعلم علم ما لن يعلما
فأتى من الهجنة بما لا كفاء له، وكذلك كن أيضا إذا كنت كاتبا.