الكلام- أيدك الله- يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخيّر لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه «١» أعجازه بهواديه «٢»، وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلّة ضروراته، بل عدمها أصلا، حتى لا يكون لها فى الألفاظ أثر؛ فتجد المنظوم مثل المنثور فى سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه؛ وكمال صوغه وتركيبه.
فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقا، وبالتحفظ خليقا؛ كقول الأول:
هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا
وقول معن بن أوس «٣»:
لعمرك ما أهويت كفّى لريبة ولا حملتنى نحو فاحشة رجلى
ولا قادنى سمعى ولا بصرى لها ولا دلّنى رأيى عليها ولا عقلى
وأعلم أنّى لم تصبنى مصيبة من الدّهر إلّا قد أصابت فتى قبلى
ولست بماش ما حيبت لمنكر «٤» من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلى
[ ٥٥ ]
ولا مؤثرا نفسى على ذى قرابة «١» وأوثر ضيفى- ما أقام- على أهلى
وقول الآخر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
وقال الآخر «٢»:
ذرينى أسيّر فى البلاد لعلّنى أصيب غنى فيه لذى الحقّ محمل «٣»
فإن نحن لم نسطع دفاعا لحادث تجىء به الأيّام فالصبر أجمل
أليس كثيرا أن تلمّ ملمّة وليس علينا فى الحقوق معوّل!
ومما هو فصيح فى لفظه جيد فى رصفه قول الشنفرى «٤»:
أطيل مطال «٥» الجوع حتى أميته وأضرب عنه القلب صفحا فيذهل
ولولا اجتناب العار لم يلف مشرب يعاش به إلّا لدىّ ومأكل
ولكن نفسا مرّة ما تقيمنى على الضّيم إلّا ريثما أتحوّل
وقول الآخر:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأىّ الناس تصفو مشاربه
وقول الآخر:
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ولكن بأوفى للطّعان وأكرما
وقال دعبل:
وإنّ امرءا أمست مساقط رحله بأسوان لم يترك له الحزم معلما «٦»
[ ٥٦ ]
حللت محلّا يقصر الطّرف دونه ويعجز عنه الطّيف أن يتجشما «١»
وقول النابغة «٢»:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعت، أىّ الرجال المهذّب؟
وليس لهذا البيت نظير فى كلام العرب. وقال بعضهم: نظيره قول أوس بن حجر:
ولست بخابىء أبدا طعاما حذار غد، لكلّ غد طعام
وهذا وإن كان نظيره فى التأليف فإنه دونه لما تكرّر فيه من لفظ «غد» .
فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة، والجزالة، والسهولة، والرّصانة، مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرّونق والطّلاوة، وسلم من حيف «٣» التأليف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يردّه، وعلى السّمع المصيب استوعبه ولم يمجّه؛ والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق من الجاسى «٤» البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسّه تسكن إلى ما يوافقه، وتنفر عمّا يضادّه ويخالفه؛ والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح؛ والأنف يرتاح للطيب، وينغر «٥» للمنتن؛ والفم يلتذّ بالحلو، ويمجّ المرّ؛ والسمع يتشوّف للصواب الرائع وينزوى عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم باللّين، وتتأذّى بالخشن؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخّر عن الجافى الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب، والرويّة الفاسدة.
وليس الشأن فى إيراد المعانى، لأنّ المعانى يعرفها العربىّ والعجمىّ والقروى
[ ٥٧ ]
والبدوى، وإنما هو فى جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه؛ وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السّبك والتركيب، والخلوّ من أود «١» النّظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التى تقدّمت.
ألا ترى إلى قول حبيب «٢»:
مستسلم لله سائس أمة بذوى تجهضمها له استسلام
فإنه صواب اللفظ، وليس هو بحسن ولا مقبول- (الجهضمة، الوثوب والغلبة) .
وقال أبو داود: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر الألفاظ؛ والمحبّة مقرونة بقلّة الاستكراه. وأنشد:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحى الملاحظ خشية الرّقباء
ومن الدليل على أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ أنّ الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعانى فقط؛ لأنّ الردىء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها فى الإفهام، وإنما يدلّ حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مطالعه، وحسن مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه على فضل قائله، وفهم منشئه.
وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعانى. وتوخّى صواب المعنى أحسن من توخّى هذه الأمور فى الألفاظ. ولهذا تأنّق الكاتب فى الرسالة، والخطيب فى الخطبة، والشاعر فى القصيدة. يبالغون فى تجويدها، ويغلون فى ترتيبها؛ ليدلّوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم؛ ولو كان الأمر
[ ٥٨ ]
فى المعانى لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدّا كثيرا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا.
ودليل آخر؛ إنّ الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا، وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل فى جملة الجيّد، وجرى مع الرائع النادر؛ كقول الشاعر «١»:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ومسّح بالأر كان من هو ماسح
وشدّت على حدب المهارى رحالنا ولم «٢» ينظر الغادى الّذى هو رائح
أخذنا بأطراف «٣» الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى، وهى رائقة معجبة، وإنما هى: ولمّا قضينا الحجّ ومسحنا الأركان وشدّت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا جعلنا نتحدّث وتسير بنا الإبل فى بطون الأودية.
وإذا كان المعنى صوابا، واللفظ باردا وفاترا؛ والفاتر شرّ من البارد، كان مستهجنا ملفوظا، ومذموما مردودا، والبارد من الشعر قول عمرو بن معدى يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ما قطّر الفارس إلّا أنا «٤»
شككت بالرّمح سرابيله والخيل تعدو زيما حولنا «٥»
وقول الفند الزمانى:
أيا تملك يا تمل وذات الطوق والحجل
ذرينى وذرى عذلى فإنّ العذل كالقتل
وقول النمر:
يهينون من حقروا شيبه وإن كان فيهم يفى أو يبر
[ ٥٩ ]
وقول أبى العتاهية:
مات والله سعيد بن وهب رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عينى يا أبا عثمان أوجعت قلبى
والبارد فى شعر أبى العتاهية كثير؛ والشعر كلام منسوج، ولفظ منظوم، وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن لفظه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام، فيكون جلفا بغيضا، ولا السّوقىّ من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا؛ فالبغيض كقول أبى تمام «١»:
جعل «٢» القنا الدرجات للكذجات ذا ت الغيل والحرجات والأدحال «٣»
قد كان حزن الخطب فى أحزانه «٤» فدعاه داعى الحين للأسهال «٥»
وقوله «٦»:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد «٧» أضججت هذا الأنام من خرقك
ولا خير فى المعانى إذا استكرهت قهرا، والألفاظ إذا اجترّت قسرا، ولا خير فيما اجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا فى غرابة المعنى إلّا إذا شرف لفظه مع وضوح المغزى، وظهور المقصد.
وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ، ويستفصحونه «٨» إذا وجدوا ألفاظه كزّة غليظة، وجاسية غريبة، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا؛ ولم يعلموا أنّ السهل أمنع جانبا، وأعزّ مطلبا؛ وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا.
[ ٦٠ ]
ولهذا قيل: أجود الكلام السهل الممتنع.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى، قال: حدّثنا أحمد بن إسماعيل، قال:
وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس؛ ومن بلاغته أنّ كلّ أحد يظنّ أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذّرت عليه.
وأخبرنا أيضا قال: أخبرنا أبو بكر قال: حدّثنى عبد الله بن الحسين قال:
حدّثنا الحسن بن مخلد، قال: أنشدنا إبراهيم بن العباس لخاله العباس ابن الأحنف «١»:
إليك أشكو ربّ ما حلّ بى من صدّ هذا التائه المعجب «٢»
إن قال لم يفعل وإن سيل لم يبذل وإن عوتب لم يعتب «٣»
صب بعصيانى ولو قال لى لا تشرب البارد لم أشرب
ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللّفظ، العذب المستمع، القليل النظير، العزيز الشّبيه، المطمع الممتنع، البعيد مع قربه، الصّعب فى سهولته قال: فجعلنا نقول: هذا الكلام والله أبلغ من شعره.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الغلابى عن طائع وهو العباس بن ميمون، من غلمان ابن ميثم، قال: قيل للسيد: ألا تستعمل الغريب فى شعرك. فقال: ذاك عىّ فى زمانى، وتكلّف منّى لو قلته، وقد رزقت طبعا واتّساعا فى الكلام، فإنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير. ثم أنشدنى:
أيا ربّ إنى لم أرد بالذى به مدحت عليّا غير وجهك فارحم
فهذا كلام عاقل يضع الشىء موضعه، ويستعمله فى إبانه، ليس كمن قال وهو فى زماننا «٤»:
[ ٦١ ]
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم «١»
فأشمت عدوّه بنفسه.
ومن الكلام المطبوع السهل ما وقّع به علىّ بن عيسى: قد بلّغتك أقصى طلبتك، وأنلتك غاية بغيتك، وأنت مع ذلك تستقلّ كثيرى لك، وتستقبح حسنى فيك، فأنت كما قال رؤبة:
كالحوت لا يكفيه شىء يلهمه يصبح ظمآن وفى البحر فمه
ومن المنظوم المطمع الممتنع قول البحترى «٢»:
أيّها العاتب الذى ليس يرضى نم هنيئا فلست أطعم غمضا
إنّ لى من هواك وجدا قد استه لك نومى ومضجعا قد أقضّا «٣»
فجفونى فى عبرة ليس ترقا وفؤادى فى لوعة ما تقضّى
يا قليل الإنصاف كم أقتضى عن دك وعدا إنجازه ليس يقضى
أحينى بالوصال إن كان جودا وأثبنى بالحبّ إن كان قرضا
بأبى شادن تعلّق قلبى بجفون فواتر اللّحظ مرضى
لست أنساه إذ بدا من قريب يتثنّى تثنّى الغصن غضّا
واعتذارى إليه حين تجافى لى عن بعض ما أتيت وأغضى
واعتلاقى تفّاح خدّيه تقبي لا ولثما طورا وشمّا وعضّا
أيّها الرّاغب الذى طلب الجو د فأبلى كوم المطايا وأنضى «٤»
رد حياض الإمام تلق نوالا يسع الرّاغبين طولا وعرضا
فهناك العطاء جزلا لمن را م جزيل العطاء والجود محضا
هو أندى من الغمام وأوحى وقعات من الحسام وأمضى
[ ٦٢ ]
يتوخّى الإحسان قولا وفعلا ويطيع الإله بسطا وقبضا
فضّل الله جعفرا بخلال جعلت حبّه على النّاس فرضا
ومنها يقول فيه:
وأرى المجد بين عارفة من ك ترجّى وعزمة منك تمضى
وقوله «١»:
يتأبّى منعا «٢» وينعم إسعا فا ويدنو وصلا ويبعد صدّا
أغتدى راضيا وقد بتّ غضبا ن وأمسى مولى وأصبح عبدا
رقّ لى من مدامع ليس ترقا وارث لى من جوانح ليس تهدا
أترانى مستبدلا بك ما عش ت بديلا أو واجدا منك بدّا
حاش لله أنت أفتن ألحا ظا وأحلى شكلا وأحسن قدّا
خلق الله جعفرا قيّم الدّن يا سدادا وقيّم الدّين رشدا
أكرم الناس شيمة وأتمّ الن ناس حلما وأكثر الناس رفدا «٣»
هو بحر السّماح والجود فازدد منه قربا تزدد من الفقر بعدا
يا ثمال «٤» الدّنيا عطاء وبذلا وجمال الدّنيا ثناء ومجدا
فابق عمر الزّمان حتى نؤدّى شكر إحسانك الذى لا يؤدّى
ومما هو أجزل من هذا قليلا وهو من المطبوع قول ابن وهب «٥»:
مازال يلثمنى مراشفه ويعلّنى الإبريق والقدح
حتى استردّ الليل خلعته ونشا خلال سواده وضح
وبدا الصّباح كأنّ غرّته وجه الخليفة حين يمتدح
أنت الّذى بك ينقضى فرجا ضيق البلاد لنا وينفسح
[ ٦٣ ]
نشرت بك الدّنيا محاسنها وتزيّنت بصفاتك المدح
ومن السهل المختار الجيّد المطبوع قول الآخر:
صرفت القلب فانصرفا ولم ترع الّذى سلفا
وبنت فلم أذب كمدا عليك ولم أمت أسفا
كلانا واجد فى النا س ممن ملّه خلفا
وقول الآخر:
أما والحلق السّود على سالفة الخشف «١»
وحسن الغصن المهتز ز بين النّحر والرّدف
لقد أشفقت أن يجر ح فى وجنتها طرفى
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبل أزاله من مقرّه النّظر
وما كان لفظه سهلا، ومعناه مكشوفا بيّنا فهو من جملة الردىء المردود، كقول الآخر:
يا ربّ قد قلّ صبرى وضاق بالحبّ صدرى
واشتدّ شوقى ووجدى وسيّدى ليس يدرى
مغفّل عن عذابى وليس يرحم ضرّى
إن كان أعطى اصطبارا فلست أملك صبرى
أنا الفدا لغزال دنا فقبّل نحرى
وقال لى من قريب: يا ليت بيتك قبرى
وإذا لان الكلام حتى يصير إلى هذا الحد فليس فيه خير، لا سيّما إذا ارتكب فيه مثل هذه الضّرورات.
وأما الجزل والمختار من الكلام فهو الذى تعرفه العامّة إذا سمعته، ولا
[ ٦٤ ]
ولا تستعمله فى محاوراتها. فمن الجيّد الجزل المختار قول مسلم:
وردن رواق الفضل فضل بن خالد فحطّ الثناء الجزل نائله الجزل
بكفّ أبى العبّاس يستمطر الغنى وتستنزل النّعمى ويسترعف «١» النّصل
ويستعطف الأمر الأبىّ بحزمه إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا فتل
ومما هو أجزل من هذا قول المرار الفقعسى:
فقال يدير الموت فى مرجحنة تسفّ العوالى وسطها وتشول «٢»
وكائن تركنا من كرائم معشر لهنّ على إبائهنّ عويل «٣»
على الجرد يعلكن الشّكيم كأنّها إذا ناقلت بالدارعين وعول «٤»
على كلّ جيّاش إذا ردّ غربه يقلّب نهد المركلين رجيل «٥»
مجنبة قبل»
العيون كأنّها قسىّ بأيدى العاطفين عطول «٧»
فللأرض من آثارهنّ عجاجة وللفجّ من تصهالهنّ صليل «٨»
[ ٦٥ ]
منعت بنجد ما أردت غلبّة وبالغور لى عزّ أشمّ طويل «١»
فهذا وإن لم يكن من كلام العامّة فإنهم يعرفون الغرض فيه، ويقفون على أكثر معانيه؛ لحسن ترتيبه، وجودة نسجه. وقول المرار أيضا:
لا تسألى القوم عن مالى وكثرته قد يقتر المرء يوما وهو محمود
أمضى على سنّة من والدى سلفت وفى أرومته «٢» ما ينبت العود
ومن النثر قول يحيى بن خالد: أعطانا الدهر فأسرف، ثم عطف علينا فعسف.
وقول سعيد بن حميد: وأنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يلتمس رضاك إلّا من جهته، ولا يستدعى برّك إلّا من طريقته، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذّنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم؛ نبت بى عنك غرّة «٣» الحداثة، وردّتنى إليك الحنكة، وباعدتنى منك الثقة بالأيام، وقادتنى إليك الضرورة. فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدّد النّعمة باطّراح الحقد- فإنّ قديم الحرمة، وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة. فإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة- فعلت.
وفى هذا الكلام وما قبله قوة فى سهولة.
ومما هو أجزل من هذا قول الشعبى للحجاج- وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث: أجدب بنا الجناب «٤»، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا «٥» الحذر،
[ ٦٦ ]
واكتحلنا السّهر، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.
فعفا عنه.
وأجود الكلام ما يكون جزلا سهلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودا مستكرها، ومتوعّرا متقعّرا، ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من الرّثاثة.
والكلام إذا كان لفظه غثّا، ومعرضه رثّا كان مردودا، ولو احتوى على أجلّ معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله. كقوله:
لما أطعناكم فى سخط خالقنا لا شك سلّ علينا سيف نقمته
وقول الآخر:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا وما أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما اس تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
لا يدخل هذا فى جملة المختار، ومعناه- كما ترى- نبيل فاضل جليل.
وأما الجزل الردىء الفجّ الذى ينبغى ترك استعماله فمثل قول تأبّط شرّا «١»:
إذا ما تركت صاحبى لثلاثة أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا «٢»
ولما سمعت العوض «٣» تدعو تنفّرت عصافير «٤» رأسى من نوى فعوائنا «٥»
وحثحثت مشعوف الفؤاد فراعنى أناس بفيفان فمزت القرائنا «٦»
فأدبرت لا ينجو نجائى نقنق يبادر فرخيه شمالا وداجنا
[ ٦٧ ]
من الحصّ هزروف يطير عفاؤه إذا استدرج الفيفاء مدّ المغابنا «١»
أزجّ زلوج هزرفىّ زفازف هزفّ يبذّ النّاجيات الصّوافنا «٢»
فهذا من الجزل البغيض الجلف، الفاسد النّسج، القبيح الرّصف، الذى ينبغى أن يتجنّب مثله.
وتمييز الألفاظ شديد. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن فضل اليزيدى، عن إسحق الموصلى عن أيوب بن عباية «٣»: أن رجلا أنشد ابن هرمة قوله:
بالله ربك إن دخلت فقل لها هذا ابن هرمة قائما بالباب
فقال: ما كذا قلت؛ أكنت أتصدّق؟ «٤» قال: فقاعدا. قال: كنت أبول؟
قال: فماذا؟ قال: واقفا. ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى.
ولولا كراهة الإطالة وتخوّف الإملال لزدت من هذا النوع، ولكن يكفى من البحر جرعة. وقالوا: خير الكلام ما قلّ وجلّ، ودلّ ولم يملّ. وبالله التوفيق.
[ ٦٨ ]