التجنيس أن يورد المتكلم كلمتين تجانس كلّ واحدة منهما صاحبتها فى تأليف حروفها على حسب ما ألّف الأصمعى كتاب الأجناس. فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى لفظا واشتقاق معنى، كقول الشاعر:
يوما خلجت على الخليج نفوسهم عصبا وأنت لمثلها مستام
خلجت: أى جذبت، والخليج: بحر صغير يجذب الماء من بحر كبير؛ فهاتان اللفظتان متفقتان فى الصيغة واشتقاق المعنى والبناء «١»، ومنه ما يجانسه فى تأليف الحروف دون المعنى، كقول الشاعر «٢»:
فأرفق به ان لوم العاشق اللّوم
وشرط بعض الأدباء من هذا الشرط فى التجنيس وخالفه فى الأمثلة فقال:
وممّن جنس تجنيسين فى بيت زهير، فى قوله «٣»:
بعزمة مأمور مطيع وآمر مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل
وليس المأمور والآمر والمطيع وآمر مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل
وليس المأمور والآمر والمطيع المطاع من التجنيس، لأن الاختلاف بين هذه الكلمات لأجل أنّ بعضها فاعل، وبعضها مفعول به؛ وأصلها إنما هو الأمر والطاعة.
وكتاب الأجناس الذى جعلوه لهذا الباب مثالا إنما يصف على هذه السبيل، ويكون المطيع مع المستطيع، والآمر مع الأمير تجنيسا. وجعل أيضا من التجنيس قول الآخر:
ذو الحلم منّا جاهل دون ضيفه وذو الجهل منا عن أذاه حليم
(٢١- الصناعتين)
[ ٣٢١ ]
ليس بتجنيس، وكذلك قول خداش بن زهير:
ولكن عايش ما عاش حتى إذا ما كاده الأيام كيدا
وقال الشّنفرى «١»:
وإنى لحلو إن أريد حلاوتى ومرّ إذا النفس العزوف أمّرت «٢»
وقال العجير السّلولى «٣»:
يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما وكلّ الذى حملته فهو حامله
وقول الآخر:
وساع مع السلطان يسعى عليهم ومحترس من مثله وهو حارس
وقول تأبط شرا «٤»:
يرى الوحشه الأنس الأنيس ويهتدى بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك «٥»
وقول الآخر:
صبّت عليه ولم تنصبّ من كثب إن الشقاء على الأشقين مصبوب
ليس فى هذه الألفاظ تجنيس؛ وإنما اختلفت هذه الكلم للتصريف.
فمن التجنيس فى القرآن قول الله تعالى: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ.
وقوله ﷿: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ.
وقوله تعالى: تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ.
وقوله ﷾: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ.
وقوله تعالى: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.
وقوله ﷿: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ
، الرّوح: الراحة، والريحان: الرزق.
[ ٣٢٢ ]
وقوله سبحانه: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ.
وقوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ
، الآزفة: اسم ليوم القيامة.
فهذا كقول امرىء القيس:
لقد طمح الطّماح «١»
وليس هذا كقولهم: «أمر الأمر» . هذا ليس بتجنيس.
وفى كلام النبىّ ﷺ: «عصيّة عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» «٢» . وقوله ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة» .
أخذه أبو تمام، فقال «٣»:
جلا ظلمات الظلم عن وجه أمة أضاء لها من كوكب العدل آفله
وقيل له ﷺ: من المسلم؟ فقال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» .
وقال معاوية لابن عباس ﵃: ما بالكم يا بنى هاشم تصابون فى أبصاركم؟ فقال: كما تصابون فى بصائركم يا بنى أمية!. وقال صدقة بن عامر- وقد مات له بنون سبعة فرآهم قد سجّوا: اللهم إنى مسلم مسلم. وقال رجل من قريش لخالد بن صفوان: ما اسمك؟ قال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: إنّ اسمك لكذب، ما خلّد أحد، وإن أباك لصفوان وهو حجر، وإن جدّك لأهتم وإن الصحيح خير من الأهتم. قال خالد: من أىّ قريش أنت؟ قال: من بنى عبد الدار، قال: فمثلك يشتم تميما فى عزّها وحسبها، وقد هشمتك هاشم، وأمّتك أمية، وجمحت بك جمح، وخزمتك مخزوم، وأقصتك قصىّ، فجعلتك عبد دارها وموضع شنارها، تفتح لهم الأبواب إذا دخلوا، وتغلقها إذا خرجوا.
وقال رسول الله ﷺ: «لا يكون ذو الوجهين عند الله وجيها» .
[ ٣٢٣ ]
وكتب بعض الكتاب: العذر مع التّعذّر واجب. وقيل لبعضهم: ما بقى من نكاحك؟
قال: ما يقطع حجّتها ولا يبلغ حاجتها. وروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: هاجروا ولا تهجّروا، أى لا تشبّهوا بالمهاجرين من غير إخلاص.
وكتب بعض الكتّاب: قد رخصت الضرورة فى الإلحاح، وأرجو أن تحسن النظر، كما أحسنت الانتظار.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: حكى لى محمد بن يحيى عن عبد الله بن المعتز، قال: قدّم فى بعض المجالس إلىّ صديق لنا بخورا، فقال له صاحب المجلس: تبخّر، فإنه ندّ «١»، فلما استعمله لم يستطبه، فقال: هذا ندّ عن النّدّ.
ومثله ما حكى لنا أبو أحمد عن الصّولى أن إبراهيم بن المهدى زار صديقا له استدعى زيارته، فوجده سكران، فكتب فى رقعة جعلها عند رأسه:
رحنا إليك وقد راحت بك الراح
وروى بعضهم أن عبد الله بن إدريس سئل عن النبيذ، فقال: جلّ أمره عن المسئلة، أجمع أهل الحرمين على تحريمه. وذم أعرابى رجلا فقال: إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، يحسد على الفضل، ويزهّد فى الإفضال.
وكتب العتابى إلى مالك بن طوق: أما بعد فاكتسب أدبا، تحى نسبا، واعلم أن قريبك من قرب منك خيره، وأن ابن عمّك من عمّك نفعه، وأن أحبّ الناس إليك أجداهم بالمنفعة عليك. وقال آخر: اللهى تفتح اللها «٢» .
وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم الكاغدى، قال: أخبرنا أبو بكر العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر الخراز، قال: دخل فيروز حصين على الحجاج- وعنده الغضبان بن القبعثرى- فقال له الحجاج: زعم الغضبان أن قومه خير من قومك، فقال: أكذاك يا غضبان؟، قال: نعم، فقال فيروز: أصلح الله الأمير!
[ ٣٢٤ ]
اعتبر قومى وقومه بأسمائهم، هذا غضبان، غضب الله عليه، والقبعثرى اسم قبيح من بنى ثعلبة شرّ السباع، ابن بكر شرّ الإبل، ابن وائل له الويل؛ وأنا فيروز فيروز به، حصين حصن وحرز، والعنبر ريح طيبة، من بنى عمرو، عمارة وخير، من تميم تمّ، فقومى «١» خير من قومه وأنا خير منه.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن أبى حاتم عن الأصمعى، قال سمعت الحىّ يتحدّثون أن جريرا، قال: لولا ما شغلنى من هذه الكلاب «٢» لشبّبت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى شبابها.
ومن أشعار المتقدمين فى التجنيس قول امرىء القيس «٣»:
لقد طمح الطّماح من بعد أرضه ليلبسنى من دائه ما تلبّسا «٤»
وأخذه الكميت فقال «٥»:
ونحن طمحنا لامرىء القيس بعد ما رجا الملك بالطّماح نكبا على نكب
وقال الفرزدق- وذكر واديا «٦»:
خفاف أخفّ الله عنه سحابة وأوسعه من كلّ ساف وحاصب
وقال زهير «٧»:
كأنّ عينى وقد سال السّليل بهم وجيرة «٨» ما هم لو أنّهم أمم «٩»
وقال الفرزدق «١٠»:
قد سال فى أسلاتنا أو عضّه عضب بضربته الملوك تقتّل
[ ٣٢٥ ]
وقال النابغة «١»:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية «٢»
وقال غيره «٣»:
على صرماء فيها أصرماها وخرّيت الفلاة بها مليل «٤»
وقال قيس بن عاصم «٥»:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا «٦»
وقال «٧»:
وقاظ أسيرا هانىء وكأنما مفارق مفروق تغشين عند ما
وقال أمية بن أبى الصلت:
فما أعتبت فى النائبات معتّب ولكنّها طاشت وضلّت حلومها
وقال أوس بن حجر:
قد قلت للركب لولا أنهم عجلوا عوجوا علىّ فحيوا الحى أو سيروا
وفيها:
عرّ عرائر أبكار نشأن معا خشن الخلائق عمّا يتّقى زور
وفيها:
لكن بفرتاج فالخلصاء أبت بها فحنبل فعلى سراء مسرور «٨»
[ ٣٢٦ ]
وفيها:
حتى أشب لهن الثور من كثب فأرسلوهنّ لم يدروا بما ثيروا
وقال الكميت «١»:
فقل لجذام قد جذمتم وسيلة إلينا كمختار الرداف على الرّحل
وقال طرفة «٢»:
بحسام سيفك أو لسانك وال كلم الأصيل كأرغب الكلم
وقال القحيف:
بخيل من فوارسها اختيال
وقال النعمان بن بشير لمعاوية «٣»:
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا وليلك عمّا ناب قومك نائم
وقال العبسى «٤»:
أبلغ لديك بنى سعد مغلغلة أنّ الذى ينهها قد مات أو دنفا
وذاكم أنّ ذلّ الجار حالفكم وأن آنفكم لا يعرف الأنفا
وقال جليح بن سويد:
أقبلن من مصر يبارين البرا
وقال ذو الرّمة «٥»:
كأنّ البرى والعاج عيجت متونه على عشر نهّى به السيل أبطح
وقال حيان بن ربيعة الطائى: «٦»
لقد علم القبائل أنّ قومى لهم حدّ إذا لبس الحديد
[ ٣٢٧ ]
وقال القطامى:
فلما ردّها فى الشول شالت بذيّال يكون لها لفاعا
وقال جرير «١»:
وما زال معقولا عقال عن الندى وما زال محبوسا عن الخير حابس «٢»
وقال امرؤ القيس «٣»:
بلاد عريضة وأرض أريضة مدافع غيث فى فضاء عريض
وقال آخر:
وطيب ثمار فى رياض أريضة
وقال حميد الأرقط:
مرتجز فى عارض عريض
ومن أشعار المحدثين قول الشاعر «٤»:
وسميته يحيى ليحيى ولم يكن إلى رد أمر الله فيه سبيل
تيممت فيه الفأل حين رزقته ولم أدر أنّ الفأل فيه يفيل
وقال البحترى «٥»:
نسيم الروض فى ريح شمال وصوب المزن فى راح شمول
وهذا من أحسن ما فى هذا الباب، وقال أبو تمام «٦»:
سعدت غربة النوى بسعاد فهى طوع الإتهام والإنجاد
وهذا من الابتداءات المليحة، وقال فيها:
عاتق معتق من اللّوم إلا من معاناة مغرم أو نجاد «٧»
[ ٣٢٨ ]
مليتك الأحساب أىّ حياة وحيا أزمة وحيّة واد
لو تراخت يداك عنها فواقا «١» أكلتها الأيام أكل الجراد
كادت المكرمات تهدّ لولا أنها أيّدت بحىّ إياد
وقال البحترى «٢»:
راحت لأربعك الرياح مريضة وأصاب مغناك الغمام الصّيّب
وقال مسلم بن الوليد:
لعبت بها حتى محت آثارها ريحان رائحتان باكرتان
وقال آخر:
لا تضغ للوم إن اللّوم تضليل واشرب ففى الشرب للاحزان تحليل
فقد مضى القيظ واحتثّت رواحله وطابت الراح لمّا آل أيلول
لم يبق فى الأرض نبت يشتكى مرها إلّا وناظره بالطّلّ مكحول
وقال اليزيدىّ للأصمعى:
وما أنت هل أنت إلا امرؤ إذا صح أصلك من باهله
وللباهلىّ على خبزه كتاب لآكله الآكله
وقال آخر:
قد بلغت الأشدّ لاشدك الل هـ وجاوزته وأنت مليم «٣»
وقال مسلم:
يورى بزندك أو يسعى بمجدك أو يفرى بحدّك كلّ غير محدود
وقال:
وليس يبالى حين يحتكّ جمرها صدود صداء «٤» واجتناب بنى جنب «٥»
[ ٣٢٩ ]
وقال البحترى «١»:
لولا علىّ بن مرّ لاستمرّ بنا خلف من العيش فيه الصّاب والصّبر
برد الحشا وهجير الروع محتفل ومسعر «٢» وشهاب الحرب يستعر
ألوى إذا شابك الأعداء كرّهم حتى يروح وفى أظفاره الظّفر
جافى المضاجع ما ينفك فى لجب يكاد يقمر من لألائه القمر
وقال «٣»:
حيا الأرض ألقت فوقه الأرض ثقلها وهول الأعادى فوقه الترب هائل
ستبكيه عين لا ترى الخير بعده إذا فاض منها هامل عاد هامل
وقال الطائى:
ورمى بثغرته الثّغور فسدّها طلق اليدين مؤمّلا مرهوبا
وأنشدنى العتبى:
دنس القميص غليظه من غير لحمته سداه
وشعاره من شعره فكأنه من مسك «٤» شاه
وجنس أبو تمام أربع تجنيسات فى بيت واحد، ولعله لم يسبق إليه وهو قوله «٥»:
بحوافر حفر وصلب صلّب وأشاعر شعر وخلق أخلق «٦»
وقوله أيضا:
لسلمى سلامان وعمرة عامر وهندبنى هند وسعدى بنى سعدى
ومما جنس فيه تجنيسين، قوله «٧»:
ففصلن منه كلّ مجمع مفصل وفعلن فاقرة بكل فقار «٨»
[ ٣٣٠ ]
ومن التجنيس ضرب آخر، وهو أن تأتى بكلمتين متجانستى الحروف؛ إلا أن فى حروفها تقديما وتأخيرا، كقول أبى تمام «١»:
بيض الصفائح لا سود الصحائف فى متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وقلت فى حية:
منقوشة تحكى صدور صحائف إبّان يبدو من صدور صفائح
وقيل لابنة الخسّ: كيف زنيت مع عقلك؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد.
ومن التجنيس نوع آخر يخالف ما تقدم بزيادة حرف أو نقصانه، وهو مثل قول الله ﷿: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
. وقوله تعالى: كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
. وقوله جل ذكره: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ.
وقوله سبحانه: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ.
وكتب عبد الحميد: الناس أخياف مختلفون، وأطوار متباينون؛ منهم علق مضنّة لا يباع، ومنهم غلّ مظنّة لا يبتاع.
ورفع رجل هاشمى يسمى عبد الصمد صوته فى مجلس المأمون عند مناظرة، فقال المأمون:
لا ترفعنّ صوتك يا عبد الصمد إن الصواب فى الأسدّ لا الأشدّ
وكتب كافى الكفاة ﵀: فأنت أدام الله عزّك، وأن طويت عنّا خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأنباؤك تأتينا، كما وشى بالمسك ريّاه، ودلّ على الصّبح محياه.
وقال علىّ ﵁: كل شىء يعز حين ينزر، والعلم يعز حين يغزر
[ ٣٣١ ]
وقال بعضهم: عليك بالصبر، فإنه سبب النصر، ولا تخض الغمر، حتى تعرف الغور. وقال آخر: راش سهامه بالعقوق، ولوى ماله عن الحقوق.
وقال النبىّ ﷺ: «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
ودعا على بن عبد العزيز المافروخى صاعد بن مخلد فى يوم مطير، فتخلف عنه واعتذر إليه. فكتب إليه علىّ: ما شقّ طريق هدى إلى صديق. وإنما جعلت المماطر، لليوم الماطر. فركب إليه. ومن المنظوم قول الأعشى»
:
رب حىّ أشقاهم آخر الده وحىّ سقاهم بسجال
وقوله «٢»:
بلبون المعزابة المعزال «٣»
وقول أوس بن حجر «٤»:
أقول فأما المنكرات فأتّقى وأما الشّذا عنّى الملمّ فأشذب «٥»
وقال امرؤ القيس «٦»:
بسام ساهم الوجه حسّان
وقال ابن مقبل:
يمشين هيل «٧» النّقا مالت جوانبه ينهال حينا وينهاه الثّرى حينا
[ ٣٣٢ ]
وقال زهير «١»:
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا لا ينكلون إذ ما استلحموا وحموا «٢»
وقال:
فى متناه متناه كوكبه
وقال الحطيئة «٣»:
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
وقال آخر:
مطاعين فى الهيجا مطاعيم فى القرى
وقال أبو ذؤيب «٤»:
إذا ما الخلاجيم العلاجيم نكّلوا وطال عليهم حميها وسعارها «٥»
وقال آخر:
على الهام منها قيض بيض مفلّق «٦»
وقال:
كفّاه مخلفة ومتلفة وعطاؤه متخرق جزل
ومن شعر المحدثين قول البحترىّ «٧»:
من كل ساجى الطرف أغيد أجيد ومهفهف الكشحين أحوى أحور
وقوله «٨»:
فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا وسر مبعدا عنهنّ إن كنت عاذلا
وقوله «٩»:
سنان أمير المؤمنين وسيفه وسيب أمير المؤمنين ونائله
[ ٣٣٣ ]
وقوله «١»:
هل لما فات من تلاف تلاف أو لشاك من الصّبابة شاف
وقول أبى تمام «٢»:
يمدّون من أيد عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب «٣»
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعوا صدور العوالى فى صدور الكتائب «٤»
وقوله «٥»:
ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه مغارم فى الأقوام وهى مغانم
وقول الآخر:
لله ما صنعت بنا تلك المحاجر فى المعاجر
أمضى وأنفذ فى القلو ب من الخناجر فى الحناجر
وقلت:
عذيرى من دهر موار موارب له حسنات كلّهنّ ذنوب
وقلت:
آفة السر من جفو ن دوام دوامع
كيف يخفى مع الدمو ع الهوامى الهوامع
وقلت أيضا:
خليفة شهم كلما اسمحت محت معالم جدب لم يطق محوها المطر
ومما عيب من التجنيس قول أبى تمام «٦»:
أهيس أليس لجاء إلى همم تغرّق الأسد فى آذيها الليسا «٧»
ومما عيب من التجنيس الأول قول أبى تمام «٨»:
خان الصفا أخ خان الزمان أخا عنه فلم تتخون جسمه الكمد
[ ٣٣٤ ]
وقوله «١»:
قرت بقرّان عين الدين وانشترت بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما «٢»
فهذا مع غثاثة لفظه وسوء التجنيس فيه يشتمل على عيب آخر، وهو أن انشتار العين لا يوجب الاصطلام، وقوله «٣»:
إن من عقّ والديه لملعو ن ومن عقّ منزلا بالعقيق
وقوله «٤»:
خشنت عليه أخت بنى خشين
وهذا فى غاية الهجانة والشناعة.
وقد جاء فى أشعار المتقدمين من هذا الجنس نبذ يسير منه قول امرىء القيس «٥»:
وسنّ كسنّيق سناء وسنّما ذعرت بمدلاج الهجير نهوض «٦»
ولم يعرف الأصمعى وأبو عمرو معنى هذا البيت، وقال الأعشى «٧»:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى شاو مشلّ شلول شلشل شول
تبعه مسلم بن الوليد، فقال «٨»:
سلّت وسلت ثم سلّ سليلها فأتى سليل سليلها مسلولا
وقال أبو الغمر يصف السحاب:
نسجته الجنوب وهى صناع فترقّى كأنه حبشىّ
وقرى كل قرية كان يقرو ها قرى لا يجف منه قرىّ
وهذا مستهجن لا يجوز لمتأخر أن يجعله حجة فى إتيان مثله؛ لأن هذا وأمثاله شاذ معيب، والعيب من كل أحد معيب، وإنما الاقتداء فى الصواب لا فى الخطأ.
[ ٣٣٥ ]
وقد قال بعض المتأخرين ما هو أقبح من جميع مامر فى قوله وليس من التجنيس «١»:
ولا الضّعف حتى يتبع الضّعف ضعفه ولا ضعف ضعف الضّعف بل مثله ألف
وقوله «٢»:
فقلقلت بالهمّ الّذى قلقل الحشا قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل
وقيل لأبى القمقام: ألا تخرج إلى الغزاة بالمصّيصة؟ فقال: أمصّنى الله إذا بظر أمى! ومن التجنيس المعيب قول بعض المحدثين، أنشده ابن المعتز:
أكابد منكم أليم الألم وقد أنحل الجسم بعد الجسم
وقول الآخر:
كم رأس رأس بكى من غير مقلته دما وتحسبه بالقاع مبتسما
وقول إبراهيم أبو الفرج البندنيجى فى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
هى الجآذر إلّا أنّها حور كأنها صور لكنّها صور
نور الحجال ولكن من معايبها إذا طلبت هواها أنها نور
غيداء لو بلّ طرف البابلىّ بها لارتدّ وهو بغير السّحر مسحور
إن الرواح جلا روح العراق لنا أصلا وقد فصلت من مكّة العير
تشكو العقوق وقد عقّ العقيق لها وأرض عروة من بطحان فالنّير
يحتثّها كلّ زول دأبه دأب من طول شوق وهجّيراه تهجير
مقوّرة الآل من خوض الفلاة إذا ما اعتمّ بالآل فى أرجائها القور
هذا البيت قريب من قول أبى تمام «٣»:
أحطت بالحزم «٤» حيزوما أخاهمم كشّاف طخياء لا ضيقا ولا حرجا
وقال المخزومى «٥» فى طاهر بن الحسين:
ولو رأى هرم معشار نائله لقيل فى هرم قد جنّ أو هرما
[ ٣٣٦ ]