فحقيقة البلاغة هى ما ذكرته. وقد جاء عن الحكماء فيه ضروب أنا ذاكرها ومفسّرها لتكمل فائدة الكتاب إن شاء الله.
قال إسحق بن حسان: لم يفسر أحد البلاغة تفسير ابن المقفّع؛ إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجرى فى وجوه كثيرة؛ منها ما يكون فى السكوت، ومنها ما يكون فى الاستماع، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا، وربّما كانت رسائل. فعامّة ما يكون من هذه الأبواب فالوحى فيها والإشارة إلى المعنى أبلغ، والإيجاز هو البلاغة.
فقوله: «منها ما يكون فى السكوت»، فالسكوت يسمّى بلاغة مجازا، وهو فى حالة لا ينجع فيها القول ولا ينفع فيها إقامة الحجج. إما عند جاهل لا يفهم الخطاب، أو عند وضيع لا يرهب الجواب، أو ظالم سليط يحكم بالهوى، ولا يرتدع بكلمة التقوى. وإذا كان الكلام يعرى من الخير، أو يجلب الشّرّ فالسكوت أولى؛ كما قال أبو العتاهية «١»:
ما كلّ نطق له جواب جواب ما يكره السكوت
وقال معاوية ﵁ لابن أوس: ابغ لى محدّثا. قال: أو تحتاج معى إلى محدّث؟ قال: أستريح منه إليك، ومنك إليه، وربما كان صمتك فى حال أوفق من كلامك.
وله وجه آخر؛ وهو قولهم: كلّ صامت ناطق من جهة الدلالة، وذلك أنّ دلائل الصنعة فى جميع الأشياء واضحة، والموعظة فيها قائمة.
وقد قال الرقاشىّ: سل الأرض؛ من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا «٢» أجابتك اعتبارا.
[ ١٤ ]
ولما مات الإسكندر وقف عليه بعض اليونانيين فقال: قد طالما وعظنا هذا الشخص بكلامه، وهو اليوم لنا بسكوته أوعظ، فنظم هذا الكلام أبو العتاهية فى قوله:
وكانت فى حياتك لى عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وأحسن من هذا الكلام كلّه وأبلغ قول الله ﷿: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ
. معناه يدلّ على الله بصنعته فيه؛ فكأنه يسجد، وإن لم يسجد ولم يقرّ بذلك. وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
. وقوله سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
. أى لا تفهمونه من جهة السمع، وإن كنتم تفهمونه من جهة العقل.
وقد قال بعض الهند: جمّاع «١» البلاغة: البصر بالحجّة، والمعرفة بمواقع الفرصة. ومن البصر بالحجّة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان طريق الإفصاح وعرا؛ وكانت الكناية أحصر «٢» نفعا. وذلك مثل ما أخبرنا به أبو أحمد، عن أبيه، عن عسل بن ذكوان، قال: دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على عبد الملك بن مروان، وأراد أن يقعد معه على سريره، فقال له عبد الملك: ما بال العرب تزعم أنّك لا تشبه أباك؟ قال: والله لأنا أشبه بأبى من اللّيل بالليل، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت خبّرتك عمّن لا يشبه أباه! قال: من ذاك؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام.
قال: ومن ذاك؟ قال: سويد بن منجوف. قال عبد الملك: أكذاك أنت يا سويد؟
قال: نعم. فلما خرجا قال عبيد الله لسويد: وريت بك زنادى، والله ما يسرّنى بحلمك عنى حمر النعم! قال سويد: وأنا والله ما يسرّنى أنك نقصته حرفا، وإن لى سود النعم «٣» .
[ ١٥ ]
وإنما كان عرّض بعبد الملك وكان ولد لسبعة أشهر.
وربما كانت البلاغة سببا للحرمان. وأسباب الأمور طريفة والاتفاقات عجيبة:
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: كتب بعضهم إلى المنصور كتابا حسنا بليغا يستمنحه فيه. فكتب إليه المنصور: البلاغة والغنى إذا اجتمعا لامرىء أبطراه؛ وأمير المؤمنين مشفق عليك من البطر، فاكتف بأحدهما.
وقوله «١»: «ربما كانت البلاغة فى الاستماع»، فإنّ المخاطب إذا لم يحسن الاستماع لم يقف على المعنى المؤدّى إليه الخطاب. والاستماع الحسن عون للبليغ على إفهام المعنى.
وقال إبراهيم الإمام: حسبك من حظّ البلاغة ألّا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. وقال الهندى أيضا: البلاغة وضوح الدّلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقول عبيد الله بن عتبة: البلاغة دنوّ المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير.
فأما البصر بالحجّة فمثل ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال: قال الهيثم بن عدى: أنبأنى عطاء بن مصعب، قال: كان أبو الأسود شيعة لعلىّ بن أبى طالب ﵁، وكان جيرانه عثمانية فرموه يوما؛ فقال: أترموننى؟ قالوا:
بل الله يرميك. قال: كذبتم، إنكم تخطئون، وإنّ الله لو رمانى لما أخطأ. وقال بعضهم لأبى على محمد بن عبد الوهاب: ما الدليل على أنّ القرآن مخلوق؟ قال: إن الله قادر على مثله. فما أحار السائل جوابا.
ومثل ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب ﵁- وهو يومئذ خليفة وكان على المنبر يخطب فى يوم جمعة، فدخل عثمان بن عفّان ﵁ عليه. فقال عمر:
ما بال أقوام يسمعون الأذان ويتأخّرون؟ فقال عثمان: والله ما تأخّرت إلّا ريثما توضّأت.
فقال عمر: وهذا أيضا، أما سمعت أن رسول الله ﷺ قال «من أتى الجمعة فليغتسل» .
[ ١٦ ]
ومثله قول أبى يوسف بعرفة وقد صلى خلف الرّشيد فلما سلّم فى الرّكعتين- قال: يأهل مكة؛ أتمّوا صلاتكم فإنا قوم سفر «١» . فقال بعض أهل مكة: من عندنا خرج العلم إليكم. فقال أبو يوسف: لو كنت فقيها لما تكلمت فى الصلاة.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان؛ قال: أقام شاعر بباب معن بن زائدة حولا لا يصل إليه، فكتب إليه رقعة ودفعها إليه «٢»:
إذا كان الجواد له حجاب فما فضل الجواد على البخيل!
فكتب معن فيها (٣):
إذا كان الجواد قليل مال ولم يعذر تعلّل بالحجاب
فانصرف الرجل يائسا؛ ثم حمل إليه معن عشرة آلاف درهم.
ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال: بلغ على ابن الحسين ﵄ أن عروة بن الزبير وابن شهاب الزهرى يتناولان عليا ويعبثان به؛ فأرسل إلى عروة؛ فقال: أما أنت فقد كان ينبغى أن يكون فى نكوص أبيك يوم الجمل وفراره ما يحجزك عن ذكر أمير المؤمنين، والله لئن كان علىّ على باطل لقد رجع أبوك عنه، ولئن كان على حقّ لقد فرّ أبوك منه.
وأرسل إلى ابن شهاب، فقال: وأما أنت يا بن شهاب فما أراك تدعنى حتى أعرفك موضع كير «٣» أبيك.
ومن وضوح الدلالة وقرع الحجة قول الله سبحانه: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ. قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
[ ١٧ ]
فهذه دلالة واضحة على أن الله تعالى قادر على إعادة الخلق، مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها؛ لأن الإعادة ليست بأصعب فى العقول من الابتداء. ثم قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
؛ فزادها شرحا وقوة، لأنّ من يخرج النار من أجزاء الماء، وهما ضدان، ليس بمنكر عليه أن يعيد ما أفناه.
ثم قال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ.
فقوّاها أيضا، وزاد فى شرحها، وبلغ بها غاية الإيضاح والتوكيد؛ لأنّ إعادة الخلق ليست بأصعب فى العقول من خلق السموات والأرض ابتداء.
وحضر أبو الهذيل جنازة فلما دفن الميت قال رجل: يا أبا الهذيل؛ الإيمان برجوع هذا صعب. فقال أبو الهذيل: يعيده الذى أنشأه أول مرة، إنه على رجعه لقادر.
وأما انتهاز الفرصة فمثاله أيضا قول أبى يوسف مع أكثر ما جرى فى هذا الفصل.
ومنه ما أخبرنى به أبو أحمد قال أخبرنى الحلوانى «١»، قال حدثنى محمد بن زكريا، قال حدثنا محمد بن عبد الله الجشمى، عن المدائنى، قال: دخل عمرو ابن العاص على معاوية وهو يتغدّى فقال له: هلم يا عمرو. فقال: هنيئا يا أمير المؤمنين، أكلت آنفا. فقال: أما علمت يا عمرو أنّ من شراهة المرء ألّا يدع فى بطنه مستزادا لمستزيد! فقال: قد فعلت يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك لمن بقّيته؟ ألمن هو أوجب حقّا من أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن لمن لا يعذر عذر أمير المؤمنين.
قال: فلا أراك إلّا ضيعت حقا لحقّ لعلك لا تدركه. فقال عمرو: ما لقيت منك يا معاوية! ثم دنا فأكل.
وقال أبو العيناء لابن ثوابة: بلغنى ما خاطبت به أبا الصقر، وما منعه من استقصاء الجواب إلّا أنه لم ير عرضا فيمضغه، ولا مجدا فيهدمه. وبعد فإنه عاف لحمك أن
[ ١٨ ]
يأكله، وسهك «١» دمك أن يسفكه، فقال: ما أنت والكلام يا مكدى «٢»؟
فقال: لا ينكر على ابن ثمانين سنة، قد ذهب بصره، وجفاه سلطانه، أن يعوّل على إخوانه؛ فيأخذ من أموالهم، ولكن أشد من هذا أن تتنزل ماء أصلاب الرجال فتستفرغه فى حقيبتك. فقال ابن ثوابة: الساعة آمر أحد غلمانى بك. فقال: أيهما؟
الذى إذا خلوت ركب، أم الذى إذا ركبت خلا؟ فقال ابن ثوابة: ما تسابّ اثنان إلّا غلب ألأمهما. قال أبو العيناء: بها غلبت أبا الصقر.
فانظر إلى انتهاز الفرصة فى قوله: بها غلبت أبا الصقر.
ومنه أن بعض الكتاب لقى أبا العيناء فى السّحر، فجعل يتعجّب من بكوره؛ فقال: أتشار كنى فى الفعل وتنفرد بالتعجّب.
وقالت له قينة: هب لى خاتمك أذكرك به. قال: اذكرينى بالمنع.
وقيل له: لا تعجل فإنّ العجل «٣» من عمل الشيطان. فقال: لو كانت من عمل الشيطان لما قال موسى ﵇: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى.
وقال عبيد الله بن سليمان: إنّ الأخبار المذكورة فى السخاء وكثرة العطاء من تصنيف الورّاقين وأكاذيبهم. فقال أبو العيناء: ولم لا يكذبون على الوزير أيّده الله! وأما الإشارة فسنذكرها فى موضعها إن شاء الله.
وقال حكيم الهند: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة. ويكون فى قواه التصرف فى كل طبقة، ولا يدقّق المعانى كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح، ويصفّيها كلّ التصفية، ويهذّبها
[ ١٩ ]
كلّ التهذيب؛ ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، وفيلسوفا عظيما، ومن تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ؛ ونظر فى صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة فيها، لا على جهة الاستطراف والتطرّف لها.
قال: واعلم أنّ حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا «١»، وتلك الحال له وفقا، ولا يكون الاسم فاضلا، ولا مقصّرا، ولا مشتركا، ولا مضمّنا؛ ويكون تصفّحه لمصادر كلامه بقدر تصفّحه لموارده؛ ويكون لفظه مونقا، ومعناه نيّرا واضحا.
ومدار الأمر على إفهام كلّ قوم بقدر طاقتهم، والحمل عليهم على قدر منازلهم؛ وأن تواتيه آلته، وتتصرف معه أداته، ويكون فى التهمة لنفسه معتدلا، وفى حسن الظن بها مقتصدا؛ فإنه إن تجاوز الحقّ فى مقدار حسن الظن أودعها تهاون الآمنين، وإن تجاوز بها مقدار الحقّ فى التهمة ظلمها وأودعها ذلّ المظلومين. ولكلّ ذلك مقدار من الشغل، ولكلّ شغل مقدار من الوهن، ولكل وهن مقدار من الجهل.
فقوله «٢»: «أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة» وأول آلات البلاغة جودة القريحة وطلاقة اللسان. وذلك من فعل الله تعالى؛ لا يقدر العبد على اكتسابه لنفسه واجتلابه لها.
ومن الناس من إذا خلا بنفسه وأعمل فكره أتى بالبيان العجيب، والكلام البديع المصيب، واستخرج المعنى الرائق، وجاء باللفظ الرائع. وإذا حاور أو ناظر قصّر وتأخّر. فحقّ هذا ألّا يتعرض لارتجال الخطب، ولا يجارى أصحاب البدائه فى ميدان القريض، ويكتفى بنتائج فكره.
والناس فى صناعة الكلام على طبقات: منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد، وإذا كتب وأملى أخلّ وتخلّف. ومنهم من إذا أملى برّز، وإذا حاور أو كتب
[ ٢٠ ]
قصّر. ومنهم من إذا كتب أحسن، وإذا حاور وأملى أساء. ومنهم من يحسن فى جميع هذه الحالات. ومنهم من يسىء فيها كلّها.
فأحسن حالات المسىء الإمساك، وأحسن حالات المحسن التوسّط؛ فإنّ الإكثار يورث الإملال، وقلّما ينجو صاحبه من الزّلل والعيب والخطل «١» .
وليس ينبغى للمحسن فى أحد هذه الفنون المسىء فى غيرها أن يتجاوز ما هو محسن فيه إلى ما هو مسىء فيه؛ فإن اضطر فى بعض الأحوال إلى تجاوزه فخير سبله فيه قصد الاختصار، وتجنّب الإكثار والإهذار؛ ليقلّ السقط فى كلامه، ولا يكثر العيب فى منطقه.
وقيل لابن المقفّع: لم لا تطيل القصائد؟ قال: لو أطلنها عرف صاحبها.
يريد أن المحدث يتشبّه بالقديم فى القليل من الكلام، فإذا أطال اختلّ، فعرف أنه كلام مولّد. على أن السابق فى ميادين البلاغة إذا أكثر سقط، فكيف المقصّر عن غايتها، والمتخلّف عن أمدها؟
ومن تمام آلات البلاغة التوسّع فى معرفة العربية، ووجوه الاستعمال لها؛ والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها، ومتخيّرها، ورديئها؛ ومعرفة المقامات، وما يصلح فى كل واحد منها من الكلام، إلى غير ذلك مما سنذكره فى الباب الثانى عند ذكر صنعة الكلام إن شاء الله.
وقوله «٢»: وهو «أن يكون الخطيب رابط الجأش» ساكن النفس جدا؛ لأنّ الحيرة والدّهش «٣» يورثان الحبسة والحصر «٤»؛ وهما سبب الإرتاج والإجبال «٥» .
[ ٢١ ]
وقد بلغك ما أصاب عثمان بن عفّان ﵁ أول ما صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إن اللّذين كانا قبلى كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وستأتيكم الخطبة على وجهها. ثم نزل.
وصعد بعض العرب منبرا بخراسان فأرتج عليه، فقال حين نزل «١»:
لئن لم أكن فيكم خطيبا فإننى بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب
ومن حسن الاعتذار عند الإرتاج ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: أخبرنا الشطنى:
قال: أخبرنا الغلابى قال: أخبرنا العتبى عن أبيه؛ قال: خطب داود بن على، فحمد الله جلّ وعزّ وأثنى عليه وصلّى على النبى ﷺ فلما قال: «أما بعد»، امتنع عليه الكلام، ثم قال: أمّا بعد فقد يجد المعسر، ويعسر الموسر، ويفلّ الحديد، ويقطع الكليل،؛ وإنّما الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام. وقد يعزب البيان، ويعتقم الصّواب؛ وإنما اللسان مضغة من الإنسان. يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنا لا ننطق بطرا، ولا نسكت حصرا؛ بل نسكت معتبرين، وننطق مرشدين، ونحن بعد أمراء القول، فينا وشجت «٢» أعراقه، وعلينا عطفت أغصانه، ولنا تهدّلت ثمرته. فنتخيّر منه ما احلولى وعذب، ونطّرح منه ما املولح وخبث، ومن بعد مقامنا هذا مقام، وبعد أيامنا أيام، يعرف فيها فضل البيان، وفصل الخطاب، والله أفضل مستعان» .
ثم نزل «٣» .
وعلامة سكون نفس الخطيب ورباطة جأشه هدوءه فى كلامه، وتمهّله فى منطقه.
[ ٢٢ ]
وقال ثمامة: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهّل، والجزالة والحلاوة. ولو كان فى الأرض ناطق يستغنى عن الإشارة لكانه.
وقوله «١»: «متخيّر الألفاظ» . فمدار البلاغة على تخيّر اللفظ؛ وتخيّره أصعب من جمعه وتأليفه. وسنشبع الكلام فى هذا إن شاء الله.
وقوله: «يكون فى قواه فضل التصرف فى كل طبقة»، وهو أن يكون صائغ الكلام قادرا على جميع ضروبه، متكّنا من جميع فنونه، لا يعتاص «٢» عليه قسم من جميع أقسامه. فإن كان شاعرا تصرّف فى وجوه الشعر؛ مديحه وهجائه ومراثيه وصفاته ومفاخره، وغير ذلك من أصنافه.
ولاختلاف قوى الناس فى الشعر وفنونه ما قيل: كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
وكذلك الكاتب ربما تقدّم فى ضرب من الكتابة وتأخّر فى غيره، وسهل عليه نوع منها وعسر نوع آخر.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال:
حدثنا إبراهيم بن العباس، قال: سمعت أحمد بن يوسف يقول: أمرنى المأمون أن أكتب إلى النواحى فى الاستكثار من القناديل فى المساجد فى شهر رمضان، فبتّ لا أدرى كيف أحتذى، فأتانى آت فى منامى فقال: قل: «فإنّ فى ذلك عمارة للمساجد، وأنسا للسابلة «٣»، وإضاءة للمتهجّدين، ونفيا لمكامن الرّيب، وتنزيها لبيوت الله جلّ وعزّ عن وحشة الظّلم» . فانتبهت وقد انفتح لى ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت عليه.
والمقدّم فى صنعة الكلام هو المستولى عليه من جميع جهاته، المتمكّن من
[ ٢٣ ]
جميع أنواعه، وبهذا فضّلوا جريرا على الفرزدق. وقالوا: كان له فى الشعر ضروب لا يعرفها الفرزدق. وماتت امرأته النّوار فناح عليها بشعر جرير «١»:
لولا الحياء لها جنى استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار
وكان البحترى يفضّل الفرزدق على جرير، ويزعم أنه يتصرّف من المعانى فيما لا يتصرّف فيه جرير، ويورد منه فى شعره فى كلّ قصيدة خلاف ما يورده فى الأخرى. قال: وجرير يكرّر فى هجاء الفرزدق ذكر الزبير، وجعثن، والنوار «٢»، وأنه قين مجاشع. لا يذكر شيئا غير هذا.
وسئل بعضهم عن أبى نواس ومسلم؛ فذكر أن أبا نواس أشعر؛ لتصرّفه فى أشياء من وجوه الشعر وكثرة مذاهبه فيه، قال: ومسلم جار على وتيرة واحدة لا يتغيّر عنها.
وأبلغ من هذه المنزلة أن يكون فى قوة صائغ الكلام أن يأتى مرّة بالجزل، وأخرى بالسهل؛ فيلين إذا شاء، ويشتدّ إذا أراد. ومن هذا الوجه فضّلوا جريرا على الفرزدق، وأبا نواس على مسلم. قال جرير «٣»:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعى بسلام
تجرى السّواك على أغرّ كأنه برد تحدّر من متون غمام
فانظر إلى رقّة هذا الكلام. وقال أيضا «٤»:
وابن اللّبون إذا مالزّ فى قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس «٥»
فانظر إلى صلابة هذا الكلام.
[ ٢٤ ]
والفرزدق يجرى على طريقة واحدة، والتصرف فى الوجوه أبلغ.
وقال أبو نواس «١»:
قل لذى الوجه الطّرير «٢» ولذى الرّدف الوثير «٣»
ولمغلاق همومى ولمفتاح سرورى
يا قليلا فى التّلاقى وكثيرا فى الضّمير
فانظر إلى سلاسة هذا الكلام وسهولته، وقال «٤»:
ما هوى إلّا له سبب يبتدى منه وينشعب «٥»
فتنت قلبى محجبّة برداء الحسن تنتقب
خلّيت والحسن تأخذه تنتقى منه وتنتخب
فانتقت منه طرائفه واستزادت فضل ما تهب
صار جدّا «٦» ما مزحت به ربّ جدّ جرّه اللعب
فهذا أجزل من الأول قليلا. وقال فى صفة الكلب «٧»:
أنعت كلبا جال فى رباطه جول مصاب فرّ من إسعاطه «٨»
[عند طبيب خاف من سياطه] هجنا به وهاج من نشاطه
كالكوكب الدّرّى فى انحطاطه «٩» عند تهاوى الشدّ وانبساطه
يقحّم «١٠» القائد فى حطاطه «١١» وقدّه البيداء فى اغتباطه «١٢»
[ ٢٥ ]
لمّا رأى العلهب فى أقواطه سابحه ومرّ فى التباطه «١»
كالبرق يقرى المرو بالتقاطه مثل قلىّ طار فى أنفاطه «٢»
وانصاع يتلوه على قطاطه أغضف لا ييأس من خلاطه «٣»
يصيد بعد البعد وانبساطه إن لم يبتّ القلب من نياطه «٤»
فلم يزل يأخذ فى لطاطه كالصّقر ينقضّ على غطاطه «٥»
يقشر جلد الأرض من بلاطه «٦» بأربع يذهب فى إفراطه
لشدّة الجرى ولاستحطاطه ما أن يمسّ الأرض فى أشواطه
قد خدشت رجلاه فى آباطه وخرق الأذنين بانتشاطه «٧»
خلج ذراعيه إلى ملاطه ينقدّ عند الضّيق بانعطاطه «٨»
فى هبوات الضّيق أو رياطه فأدرك الظّبى ولم يباطه «٩»
ولفّ عشرين إلى أشراطه فلم نزل نقرن فى رباطه
[ ٢٦ ]
ويعجل «١» الشّاوون من خماطه ويطبخ الطابخ من أسقاطه «٢»
حتى علا فى الجوّ من شياطه «٣»
فانظر إليه كيف يتصرّف بين الشدّة واللّين، ويضع كلّ واحد منهما فى موضعه، ويستعمله فى حينه.
وقوله: «ولا يكلم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة» . لأنّ ذلك جهل بالمقامات، وما يصلح فى كلّ واحد منهما من الكلام. وأحسن الذى قال: لكلّ مقام مقال. وربما غلب سوء الرأى، وقلة العقل على بعض علماء العربية؛ فيخاطبون السّوقىّ والمملوك والأعجمىّ بألفاظ أهل نجد، ومعانى أهل السراة؛ كأبى علقمة إذ قال لحجّامه: اشدد قصب الملازم «٤»، وأرهف ظباة المشارط، وأمرّ المسح، واستنجل الرشح «٥»، وخفّف الوطء، وعجّل النّزع، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تمنعنّ أتيّا. فقال له الحجّام: ليس لى علم بالحروب.
ورأى الناس قد اجتمعوا عليه، فقال: ما لكم تكأ كأتم علىّ كأنكم قد تكأ كأتم على ذى جنّة، افرنقعوا «٦» عنى.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن على بن محمد الأسدى، عن محمد بن أبى المغازل الضبى، عن أبيه، قال: كان لنا جار بالكوفة لا يتكلّم إلا بالغريب، فخرج إلى ضيعة له على حجر «٧» معها مهر، فأفلتت، فذهبت ومعها مهرها، فخرج يسأل
[ ٢٧ ]
عنها، فمر بخيّاط، فقال: يا ذا النّصّاح «١»، وذات السّمّ «٢»؛ الطاعن بها فى غير وغى، لغير عدى؛ هل رأيت الخيفانة القبّاء «٣»، يتبعها الحاسن المسرهفّ «٤» .
كأنّ غرّته القمر الأزهر، ينير فى حضره كالخلّب الأجرد. فقال الخيّاط:
اطلبها فى تزلخ «٥» . فقال: ويلك. وما تقول قبّحك الله؟ فما أعلم رطانتك. فقال:
لعن الله أبغضنا لفظا، وأخطأنا منطقا.
ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى بكر الصولى قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال حدثنى سعيد بن حميد، قال: نظر رجل إلى أبى علقمة، وتحته بغل مصرى حسن المنظر؛ فقال: إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل. فقال أبو علقمة: والله لقد خرجت عليه من مصر، فتنكّبت الطريق، مخافة السّراق، وجور السلطان؛ فبينما أنا أسير فى ليلة ظلماء قتماء طخياء «٦» مدلهمّة حندس «٧» داجية، فى صحصح «٨» أملس، إذ أحسّ بنبأة «٩» من صوت نغر «١٠»، أو طيران ضوع «١١»، أو نغض سبد «١٢»؛ فحاص عن الطريق متنكّبا لعزّة نفسه، وفضل قوّته، فبعثته باللّجام فعسل «١٣»، وحرّكته بالركاب فنسل «١٤» . وانتعل الطريق يغتاله معترما، والتحف الليل لا يهابه مظلما. فو الله ما شبهته إلا بظبية نافرة، تحفزها «١٥» فتخاء شاغية «١٦» . قال الرجل: ادع الله وسله أن يحشر هذا البغل
[ ٢٨ ]
معك يوم القيامة، قال: ولم؟ قال: ليجيزك الصّراط بطفرة «١» .
وقال أبو علقمة لطبيب: أجد رسيسا فى أسناخى «٢»، وأرى وجعا فيما بين الوابلة إلى الأطرة «٣» من دايات العنق. فقال الطبيب: هى هى هذا وجع القرشى، قال: وما يبعدنا منهم يا عدىّ نفسه؟ نحن من أرومة واحدة، ونجل واحد. قال الطبيب: كذبت، وكلما خرج هذا الكلام من جوفك كان أهون لك، قال:
بل لك الهوان والخسار والحقارة والسباب، اخرج عنى قبّحك الله.
وقال لجارية كان يهواها: يا خريدة، قد كنت إخالك عروبا، فإذا أنت نوار «٤»، مالى أمقك وتشنئينى! قالت: يا رقيع، ما رأيت أحدا يحبّ أحدا فيشتمه! وإذا كان موضوع الكلام على الإفهام فالواجب أن تقسّم طبقات الكلام على طبقات الناس، فيخاطب السّوقى بكلام السّوقة، والبدوىّ بكلام البدو، ولا يتجاوز به عما يعرفه إلى ما لا يعرفه؛ فتذهب فائدة الكلام، وتعدم منفعة الخطاب.
وقوله: «ولا يدقق المعانى كلّ التدقيق» . لأنّ الغاية فى تدقيق المعانى سبيل إلى تعميته، وتعمية المعنى لكنة؛ إلا إذا أريد به الإلغاز وكان فى تعميته فائدة، مثل أبيات المعانى، وما يجرى معها من اللّحون التى استعملوها وكنّوا بها عن المراد لبعض الغرض.
فأمّا من أراد الإبانة فى مديح، أو غزل، أو صفة شىء فأتى بإغلاق دلّ ذلك على عجزه عن الإبانة، وقصوره عن الإفصاح، كأبى تمام حيث يقول «٥»:
خان الصفاء أخ خان الزمان أخا عنه فلم يتخوّن جسمه الكمد «٦»
[ ٢٩ ]
وقوله «١»:
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا خاض الهوى بحرى حجاه المزيد
وقوله «٢»:
وإنّ نجريّة بانت جأرت لها إلى يدى جلدى فاستوهك الجلد «٣»
وقوله «٤»:
جهميّة «٥» الأوصاف إلّا أنّهم قد لقّبوها جوهر الأشياء
وقوله: «ولا تنقّح الألفاظ كل التنقيح» . وتنقيح اللفظ أن يبنى منه بناء لا يكثر فى الاستعمال. كما قال بعضهم لبعض الوزراء: أحسن الله إبانتك. فقال له الوزير: عجّل الله إماتتك.
ويدخل فى تنقيح اللفظ استعمال وحشيّه وترك سلسله وسهله. وقد أخذ الرواة على زهير «٦» قوله:
نقىّ تقىّ لم يكثر غنيمة بنهكة ذى القربى ولا بحقلّد
فاستبشعوا الحقلّد وهو السيىء الخلق. وقالوا: ليس فى لفظ زهير أنكر منه.
وقال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته إليه: أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلّها وتضهلها.
الشكر: الرضاع. والشّبر: النّكاح. وتطلّها: تسعى فى بطلان حقها.
وتضهلها: تعطيها الشىء القليل.
[ ٣٠ ]
قال أبو عثمان: رأيتهم يديرون فى كتبهم هذا الكلام، فإن كانوا إنما رووه ودوّنوه لأنه يدلّ على فصاحة وبلاغة فقد باعده الله من صفة الفصاحة والبلاغة؛ وإن كانوا فعلوا ذلك لأنه غريب فأبيات من شعر العجاج، وشعر الطرماح، وأشعار هذيل، يأتى لهم مع الرصف الحسن على أكثر من ذلك. ولو خاطب أحد الأصمعىّ بمثل هذا الكلام لظننت أنه سيجهل بعضه. وهذا خارج عن عادة البلغاء.
وقوله: «ويصفّيها كلّ التصفية، ويهذّبها كل التهذيب» . فتصفيته تعريته من الوحشىّ، ونفى الشواغل عنه. وتهذيبه تبرئته من الردىّ المرذول، والسوقىّ المردود.
فمن الكلام المهذّب الصافى قول بعض الكتاب: مثلك أوجب حقا لا يجب عليه، وسمح بحقّ وجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك.
ومثله قول آخر: ما أنتهى إلى غاية من شكرك إلّا وجدت وراءها حادثا من برّك؛ فلا زالت أياديك ممدودة بين آمل فيك تبلّغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى «١» من الأعمار أطولها، وتنال من الدرجات أفضلها.
وقول أحمد بن يوسف: يومنا يوم ليّن الحواشى وطىء النّواحى، وهذه سماء قد تهلّلت بودقها «٢»، وضحكت بعابس غيمها ولا مع برقها، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تغب عنا فنقلّ، ولا تفردنا فنستوحش؛ فإن الحبيب بحبيبه كثير، وبمساعديه جدير.
وقوله: ولا يفعل ذلك حتى يلقى حكيما، وفيلسوفا عليما، ومن تعوّد حذف فضول الكلام، ومشتركات الألفاظ، ونظر فى المنطق على جهة الصناعة فيها،
[ ٣١ ]
لا على جهة الاستطراف والتظرّف لها.
يقول: ينبغى أن يتكلّم بفاخر الكلام، ونادره ورصينه ومحكمه عند من يفهمه عنه، ويقبله منه، ممن عرف المعانى والألفاظ علما شافيا؛ لنظره واللغة والإعراب والمعانى على جهة الصناعة، لا كمن استطرف شيئا منها؛ فنظر، به نظرا غير كامل، أو أخذ من أطرافه، وتناول من أطراره «١»، فتحلّى باسه، وخلا من وسمه. فإذا سمع لم يفقه، وإذا سئل لم ينقه. وإذا تكلّم عند من هذه صفته ذهبت فائدة كلامه، وضاعت منفعة منطقه؛ لأنّ العامىّ إذا كلمته بكلام العلية سخر منك، وزرى عليك؛ كما روى عن بعضهم أنه قال لبعض العامّة: بم كنتم تنتقلون البارحة؟ يعنى على النبيذ. فقال: بالحمّالين. ولو قال له: أى شىء كان نقلكم «٢» لسلم من سخريته. فينبغى أن يخاطب كلّ فريق بما يعرفون، ويتجنّب ما يجهلون.
وأما قوله: «من تعوّد حذف فضول الكلام» . فحذف فضول الكلام هو أن يسقط من الكلام ما يكون الكلام مع إسقاطه تامّا غير منقوص، ولا يكون فى زيادته فائدة.
وذلك مثل ما روى عن معاوية أنه قال لصحار العبدى: ما البلاغة؟ فقال: أن تقول فلا تخطى، وتسرع فلا تبطىء. ثم قال: أقلنى؛ هو ألّا تخطىء ولا تبطىء. فألقى اللفظتين؛ لأنّ فى الذى أبقى غنى عنهما، وعوضا منهما.
فأما إذا كان فى زيادة الألفاظ وتكثيرها، وترديدها وتكريرها، زيادة فائدة فذلك محمود، وهو من باب التذييل. ونشرحه فى موضعه إن شاء الله.
وقوله: ومشتركات الألفاظ؛ وقول جعفر بن يحيى: وتخرجه من الشركة؛ فهو أن يريد الإبانة عن معنى فيأتى بألفاظ لا تدلّ عليه خاصة؛ بل تشترك معه فيها معان أخر، فلا يعرف السامع أيها أراد. وربما استبهم الكلام فى نوع من هذا الجنس
[ ٣٢ ]
حتى لا يوقف على معناه إلا بالتوهّم. فمن الجنس الأول قول جرير «١»:
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
فوجه الاشتراك فى هذا أنّ السامع لا يدرى إلى أىّ شىء أشار من أفعاله فى قوله: «فعلت ما لم أفعل» . أراد أن يبكى إذا رحلوا، أو يهيم على وجهه من الغمّ الذى لحقه، أو يتبعهم إذا ساروا، أو يمنعهم من المضىّ على عزمة الرحيل، أو يأخذ منهم شيئا يتذكّرهم به، أو يدفع إليهم شيئا يتذكرونه به، أو غير ذلك، مما يجوز أن يفعله العاشق عند فراق أحبته، فلم يبن عن غرضه؛ وأحوج السامع إلى أن يسأله عما أراد فعله عند رحيلهم.
وليس هذا كقولهم: لو رأيت عليا بين الصفين؛ لأن دليل البسالة والنكاية فى هذا الكلام بيّن؛ وأمارة النقصان فى بيت جرير واضحة؛ فمن يسمعه وإن لم يكن من أهل البلاغة يستبرده ويستغثّه، ويسترجع الآخر ويستجيده.
ومثله قول سعد بن مالك الأزدى:
فإنك لو لاقيت سعد بن مالك للاقيت منه بعض ما كان يفعل
فلم يبن عما أراد بقوله يلقى. أخيرا أراد أم شرّا؟ إلا أن يسمع ما قبله أو ما بعده؛ فيتبيّن معناه، وأمّا فى نفس البيت فلا يتبيّن مغزاه.
ومثله قول أبى تمّام «٢»:
وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى به ما يقال فى السحابة تقلع
فقول الناس فى السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة؛ فمنهم من يمدحه، ومنهم من يذمّه، ومنهم من كان يحبّ إقلاعه، ومنهم من يكره إقشاعه «٣»، على حسب ما كانت حالاتها عندهم، ومواقعها منهم؛ فلم يبن بقوله ما يقال فى السحابة تقلع معنى يعتمده السامع. وأبين منه قول مسلم:
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة أثنى عليها السّهل والأوعار
[ ٣٣ ]
على أنّ المحتج له لو قال: إن أكثر العادة فى السحاب أن يحمد أثره، ويثنى عليه بعده لما كان مبعدا. ولم أزد عيب أبى تمام بما قلت، وإنما أردت الإخبار عن وجوه الاشتراك، وذكر ما يتشعّب منه، وما يقرب من بابه، وينظر إليه من قريب أو بعيد.
ومثل قول أبى تمام قول ابن قيس الرقيات:
إن تعش لا نزل بخير وإن ته لك نزل مثل ما يزول العماء
والعماء: السّحاب. بل هذا أجود من بيت أبى تمام وأبين.
ومن اللفظ المشترك قول أبى نواس:
وخبن ما يخبن من آخر منه وللطّابن أمهار «١»
الأمهار هاهها جمع مهر، من قولهم: مهر يمهر مهرا. والمصادر لا تجمع، ولا يشكّ سامع هذا الكلام أنه يريد جمع مهر فيشكل المعنى عليه.
وخطب بعض المتكلّمين، فقال فى صفة الله تعالى: لا يقاس بالقياس، ولا يدرك بالالماس. أراد جمع لمس؛ فأصاب السجع وأخطأ المعنى.
وأمّا ما يستبهم فلا يعرف معناه إلا بالتوهّم فهو مثل قول أبى تمام «٢»:
جهميّة الأوصاف إلّا أنهم قد لقّبوها جوهر الأشياء
فوجه الاشتراك فى هذا: أن لجهم مذاهب كثيرة، وآراء مختلفة متشعّبة، لم يدلّ فحوى كلام أبى تمام على شىء منها يصلح أن يشبّه به الخمر وينسب إليه، إلا أن يتوهّم المتوهم فيقول: إنما أراد كذا وكذا، من مذاهب جهم، من غير أن يدلّ الكلام منه على شىء بعينه.
ولا يعرف معنى قوله: «قد لقّبوها جوهر الأشياء» إلا بالتوهّم أيضا.
ومن الكلام الخالى من الاشتراك قول بعضهم لأخ له أراد فراقه: لما تصفّحت أخلاقك فوجدتها مباينة لمشاكلتى، زائغة عن قصد طريقتى- صبرت عليها؛ رياضة لنفسى على الصبر لمساوى أخلاق المعاشرين، ولعلمى بكامن العدوان فى جميع العالمين، والذى رجوت من مذمّة خصالك بما أقابلها به من التجاوز، وأسحب على سوء آثارها
[ ٣٤ ]
أذيال التّغاضى، وأنت مع ذلك دائب لا تقوّم اعوجاج مذاهبك، ولا يعطف بك الرأى إلى رشدك؛ فلمّا فنيت جيلتى فيك، وانقطعت أسباب أملى منك، ورأيت الداء لا يزيد على التعهّد بالدواء إلّا فسادا، والخرق على التّرقيع إلا اتّساعا قدّمت اليأس منك على الرجاء فيك، واحتسبت أيّامى السالفة فى استصلاحى لك.
وقوله: وحقّ المعنى أن يكون له الاسم طبقا؛ أى يكون الاسم طبقا للفّظ بقدر المعنى غير زائد عليه، ولا ناقص عنه. وكأن ذلك من قول امرىء القيس «١»:
طبق الأرض تحرّى وتدرّ
أى هى على الأرض كالطّبق على الإناء لا ينقص منه شىء. وسنأتى بالكلام على هذا فى فصل الإيجاز إن شاء الله.
وقوله: ولا يكون الاسم فاضلا ولا مقصّرا. فهذا داخل فى الأوّل من قوله:
وحق المعنى أن يكون الاسم له طبقا.
ومثال الفاضل من اللفظ عن المعنى قول عروة بن أذينة «٢»:
واسق العدوّ بكأسه واعلم له بالغيب أن قد كان قبل سقاكها
واجز الكرامة من ترى أن لوله يوما بذلت كرامة لجزاكها
ومعنى هذا الكلام محصور تحت ثلاث كلمات: أجز كلّا بفعله. وكان السكوت لعروة خيرا منه.
ومن الكلام الفاضل لفظه عن معناه قول أبى العيال الهذلى»
:
ذكرت أخى فعاودنى صداع الرأس والوصب
فذكر الرأس مع الصداع فضل.
وقول أوس بن حجر «٤»:
وهم لمقلّ المال أولاد علّة وإن كان محضا فى العمومة مخولا
فقوله: «المال» مع «المقلّ» فضلة.
[ ٣٥ ]
والمقصّر من الكلام: مالا ينبيك بمعناه عند سماعك إيّاه ويحوجك إلى شرح؛ كبيت الحارث بن حلّزة «١»:
والعيش خير فى ظلا ل النّوك ممّن رام كدّا
وسنذكر وجه العيب فيه بعد هذا.
وقوله: ولا مضمّنا: التضمين أن يكون الفصل الأوّل مفتقرا إلى الفصل الثانى، والبيت الأول محتاجا إلى الأخير كقول الشاعر:
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى بليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح
فلم يتمّ المعنى فى البيت الأول حتى أتمّه فى البيت الثانى، وهو قبيح.
ومثاله من نثر الكتاب قول بعضهم: وجعل سيدنا آخذا من كل ما دعى ويدعى به فى الأعياد، بأجزل الأقسام وأوفر الأعداد.
وقد تسمى استعارتك الأنصاف والأبيات من شعر غيرك، وإدخالك إيّاه فى أثناء أبيات قصيدتك تضمينا؛ وهذا حسن وهو كقول الشاعر:
إذا دلّه عزم على الحزم لم يقل «غدا غدها إن لم تعقها العوائق»
ولكنّه ماض على عزم يومه فيفعل ما يرضاه خلق وخالق
فقوله: «غدا غدها إن لم تعقها العوائق» من شعر غيره وهو هاهنا مضمّن.
وكقول الآخر:
عوّذ لمّا بتّ ضيفا له أقراصه بخلا بياسين
فبتّ والأرض فراشى وقد غنّت «قفانبك» «٢» مصارينى
وقول الآخر:
ولقد سما للخرّمىّ ولم يقل بعد الوغا «لكن تضايق مقدمى» «٣»
[ ٣٦ ]
وقول ابن الرّومى فى مغنّ:
مجلسه مأتم اللذاذة وال قصف وعرس الهموم والسقم
ينشدنا اللهو عند طلعته «من أوحشته الديار لم يقم»
وكقول جحظة:
أصبحت بين معاشر هجروا الندى وتقبّلوا الأخلاق عن أسلافهم
قوم أحاول نيلهم فكأنّما حاولت نتف الشّعر من آنافهم
هات اسقينها بالكبير وغنّنى «ذهب الذين يعاش فى أكنافهم»
وباقى كلامه يتضمّن صفة المتكلم لا صفة الكلام. إلا قوله: ويكون تصفّحه لموارده بقدر تصفّحه لمصادره. وسنأتى على الكلام فى هذا ونستقصيه فى فصل المقاطع والمبادى.
وقال بعض الحكماء: البلاغة قول يسير، يشتمل على معنى خطير. وهذا مثل قول الآخر: البلاغة حكمة تحت قول وجيز. وقول الآخر: البلاغة علم كثير فى قول يسير.
ومثاله قول الأعرابى، وقد سئل عن مال يسوقه، لمن هو؟ فقال: لله فى يدى. فأىّ شىء لم يدخل تحت هذا الكلام القليل من الفوائد الخطيرة، والحكم البارعة الجسيمة.
وقال الله ﷿ اسمه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
. قد دخل تحت قوله: فهو حسبه من المعانى ما يطول شرحه من إيتاء ما يرجى، وكفاية ما يخشى.
وهذا مثل قوله ﷿: وفيها ما تشتهى الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ.
وسئل بعض الأوائل: ما كان سبب موت أخيك؟ قال: كونه. فأحسن ما شاء.
[ ٣٧ ]
وقد تنازع الناس فى هذا المعنى. أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشى، قال: قيل لأعرابى: كيف حالك؟ فقال: ما حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه.
وأخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا الغلابى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قلت لأبى: حدّثنى حماد بن سلمة، عن حميد بن ثابت، عن أنس والحسن، أنّ النبى ﷺ قال: كفى بالسّلامة داء. قال: يا بنى، ولا أراه إلا مسندا؛ فقد قال حميد بن ثور «١»:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال آخر:
كانت قناتى لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربّى بالسلامة جاهدا ليصحنى فإذا السلامة داء
وأوّل من نطق بهذا المعنى النّمر بن تولب فى الجاهلية «٢»:
يودّ الفتى طول السلامة والغنى وكيف يرى طول السلامة تفعل
يردّ الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال آخر «٣»:
ما حال من آفته بقاؤه نغّص عيشى كلّه فناؤه
وقال ابن الرومى «٤»:
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة إذا زال عن نفس البصير غطاؤها
وكيف بقاء العيش فيها وإنما ينال بأسباب الفناء بقاؤها
ونقله إلى موضع آخر فقال «٥»:
[ ٣٨ ]
فإنّ الداء أكثر ما تراه من الأشياء تحلو فى الحلوق
وقريب من ذلك قول محمد بن على ﵄: مالك من عيشك إلّا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقرّبك من يومك، فأية أكلة ليس معها غصص، وشربة ليس معها شرق؛ فتأمّل أمرك؛ فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، أو الخيال المخترم. وقال أبو العتاهية:
أسرع فى نقص امرىء تمامه
ومن الأمثال: كلّ من أقام شخص، وكلّ من زاد نقص، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء. وقال آخر:
إذا تمّ أمر دنا نقصه توقّع زوالا إذا قيل تم
وقلت:
ما خير عيش صفوه يكدّره لا بدّ أن يشكوه من يشكره
والمرء ينسى والمنايا تذكره يميته بقاؤه فيقبره
وكسره منه الذى لا يجبره يطويه من مداه ما لا ينشره
فى كلّ مجرى نفس يكرّره يهدم من عمرك مالا تعمره
وقلت:
قد قرب الأمر بعد بعده وأسعف الإلف بعد صدّه
وبعد بؤس وضيق عيش صرت إلى خفضه ورغده
لكنّه ملبس معار لا بدّ من نزعه وردّه
وهل يسرّ الفتى بحظّ وجوده علّة لفقده
وقال الرومى: البلاغة حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة عند الإطالة.
الاقتضاب: أخذ القليل من الكثير؛ وأصله من قولهم: اقتضبت الغصن
[ ٣٩ ]
إذا قطعته من شجرته. وفيه معنى السرعة أيضا؛ فيقول: البلاغة إجادة فى إسراع، واقتصار على كفاية.
فمن البديهة الحسنة ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا إبراهيم بن محمد الشطنى قال: حدثنى أحمد بن يحيى ثعلب قال: دخل المأمون ديوان الخراج فمرّ بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه ما رأى من حسنه؛ فقال: من أنت يا غلام؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، الناشىء فى دولتك، وخرّيج أدبك، والمتقلّب فى نعمتك، الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان فى البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر أن يرفع عن مرتبة الديوان ويعطى مائة ألف درهم.
ومن الاقتضاب الجيد: ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبو أحمد الواذارى عن شيخ له قال: قال أبو حاتم: سمعت أبا عبيدة يقول: استفتحت غلامين فى الصبا. فزكنت «١» منهما بلوغ الغاية، فجاءا كما زكنت: بلغنى أن النظام يتعاطى علم الكلام فمرّ وهو غلام على حمار يطير به، فقلت له: يا غلام؛ ما عيب الزّجاج؟ فالتفت إلىّ وقال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر. وبلغنى أنّ أبا نواس يتعاطى قرض الشّعر، فتلقّانى وهو سكران ملتخ «٢»، وما طرّ شاربه بعد؛ فقلت له: كيف فلان عندك؟ فقال: ثقيل الظل، جامد النّسيم. فقلت:
زد. فقال: مظلم الهواء، منتن الفناء. فقلت: زد. فقال: غليظ الطّبع، بغيض الشّكل. فقلت: زد. فقال: وخم الطلعة، عسر القلعة. قلت: زد.
قال: نابى الجنبات، بارد الحركات. ثم قال: زدنى سؤالا أزدك جوابا. فقلت:
كفى من القلادة ما أحاط بالعنق.
ومن جيد البدائه ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عسل بن ذكوان قال:
[ ٤٠ ]
قال المأمون ليحيى بن أكثم: صف لى حالى عند الناس. فقال: يا أمير المؤمنين! قد انقادت لك الأمور بأزمّتها، وملّكتك الأمة فضول أعنّتها؛ بالرغبة إليك والمحبة لك، والرّفق منك، والعياذ بك، بعد لك فيهم، ومنّك عليهم، حتى لقد أنسيتهم سلفك، وآيستهم خلفك. فالحمد لله الذى جمعنا بك بعد التقاطع، ورفعنا فى دولتك بعد التواضع.
فقال: يا يحيى، أتحبيرا، أم ارتجالا؟ قال: قلت: وهل يمتنع فيك وصف، أو يتعذّر على مادحك قول، أو يفحم فيك شاعر، أو يتلجلج فيك خطيب؟
وقدم على المهدىّ رجل من أهل خراسان، فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين؛ إنّا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا، وما فيه مصلحتنا؛ فيكتفى منا باليسير عن الكثير، ويقتصر على ما فى الضمير دون التفسير. فقال المهدى: أنت أخطب من سمعته.
وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد الكاغذى، قال: أخبرنا أبو بكر العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر الخراز، قال: أخبرنا المدائنى: أن أعرابيا دخل على المنصور فتكلّم؛ فأعجب بكلامه، فقال له: سل حاجتك، فقال: يبقيك الله، ويزيد فى سلطانك. فقال: سل حاجتك، فليس فى كلّ وقت تؤمر بذاك. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك؛ وإنّ سؤالك لشرف، وإن عطاءك لزين، وما بامرىء بذل وجهه إليك نقص ولا شين.
أخذ المعنى الأخير من أمية بن الصلت فى عبد الله بن جدعان «١»:
عطاؤك زين لامرىء إن حبوته بسيب وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجهه إليك، كما بعض السؤال يشين
[ ٤١ ]
وقال جعفر بن يحيى: البلاغة أن يكون الاسم يحيط بمعناك؛ ويجلّى عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سليما من التكلّف، بعيدا من سوء الصّنعة؛ بريّا من التعقيد، غنيّا عن التأمّل.
قوله: أن يكون الاسم يحيط بمعناك. فالاسم هاهنا: اللّفظ؛ أى يحصر اللفظ جميع المعنى ويشتمل عليه. فلا يشذّ منه شىء يحتاج أن يعرف بشرح، أو تفسير؛ فإذا سمعت اللفظ عرفت أقصى المعنى، هذا مثل قول الآخر: البليغ من طبّق المفصل فأغناك عن المفسر «١» .
ولا يكون الكلام بليغا مع ذلك حتى يعرى من العيب، ويتضمّن الجزالة والسهولة وجودة الصنعة، كما ذكرنا قبل.
ومثال ذلك ما كتب بعضهم إلى أخ له: أما بعد فإنّ المرء ليسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه؛ فليكن سرورك فيما قدمت من خير، وأسفك على ما فاتك من برّ.
وقول أعرابى لابنه: يا بنىّ؛ إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، فالهرب قبل العطب. فقد أذنتك ببين، وانطوت لك على حين. قال الشاعر:
حلال لليلى أن تروع فؤاده يهجر ومغفور لليلى ذنوبها
تطلّع من نفسى لليلى نوازع عوارف أنّ اليأس منك نصيبها
وزالت زوال الشمس عن مستقرّها فمن مخبرى فى أىّ أرض غروبها
وقال آخر:
وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا سوى أن يقولوا إنّنى لك عاشق
أجل صدق الواشون أنت حبيبة إلىّ وإن لم تصف منك الخلائق
وقوله: ويجلّى عن مغزاك. أى يوضّح مقصدك، ويبيّن للسامع مرادك؛ ينهى عن التعمية والإغلاق.
[ ٤٢ ]
وقوله: ويخرجه من الشّركة. فقد مضى تفسيره.
وقوله: ولا يستعين عليه بطول الفكرة. هذا لأنّ الكلام إذا انقطعت أجزاؤه، ولم تتّصل فصوله ذهب رونقه، وغاض ماؤه، وإنما يروق الكلام إذا جرى جريان السيل، وانصبّ انصباب القطر.
وقال ثمامة: ما رأيت أحدا إذا تكلّم لا يتحبّس، ولا يتوقّف، ولا يتلفّف، ولا يتلجلج، ولا يتنحنح، ولا يترقّب لفظا استدعاه من بعد، ولا يتلمّس التخلّص إلى معنى قد اعتاص عليه بعد طلبه، إلا جعفر بن يحيى.
فمن الكلام الجارى مجرى السيل قول بعض العرب لبعض ملوك بنى أميّة: أقطعت فلانا أرضا، وسط محلّتنا، وسواء خطّتنا، ومركز رماحنا، ومبرك لقاحنا، ومخرج نسائنا، ومنقلب إمائنا، ومسرح شائنا، ومندى بهمنا «١»، ومحلّ ضيفنا، ومشرق شتائنا، ومصبحنا فى صيفنا. فقال: تكفون.
وعوّضه عنها وردّها عليهم.
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عن عسل بن ذكوان أن الحسن بن على ﵄ خطب فقال: اعلموا أنّ الحكمة زين، والوقار مروءة، والصلة نعمة، والإكثار صلف، والعجلة سفه، والسّفه ضعف، والغلق ورطة، ومجالسة أهل الدّناءة شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة.
فهذه هى البلاغة التامة، والبيان الكامل.
وكما قال بعضهم: البلاغة صواب، فى سرعة جواب؛ والعىّ إكثار فى إهذار، وإبطاء يردفه أخطاء.
وقال بعضهم: لست ممن يتوهّم بجهله، ويظن بقلة عقله، أن الديانة، والأمانة، والنزاهة، والصيانة، إنما هى فى تشمير ثوبه، وإحفاء شاربه، وكشفه
[ ٤٣ ]
عن ساقه، وزهوه بأطماره، وإنعال خفّه، وترقيع ثوبه، وإظهار سجّادته؛ وتعليق سبحته، وخفض صوته، وخشوع جسمه دون قلبه، واختلاس مشيته، وخفّة وطئه بين قومه. ولا يرتشى فى حكمه، ويأخذ على علمه، ويطلب الدنيا بدينه، ولا يرفع طرفه من عظمته وكبريائه، ولا يكلّم الناس من تصنعه وريائه.
فهذا الكلام وأمثاله فى طول النّفس يدل على اقتدار المتكلم، وفضل قوّته فى التصرّف.
وقوله: ويكون سليما من التكلّف. فالتكلّف طلب الشىء بصعوبة للجهل بطرائق طلبه بالسهولة. فالكلام إذا جمع وطلب بتعب وجهد، وتنولت ألفاظه من بعد فهو متكلّف. مثاله قول بعضهم فى دعائه: اللهم ربّنا وإلهنا، صلّ على محمد نبيّنا؛ ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به، وأرسخه فيه كرسوخ السّجّيل على أصحاب الفيل، وانصرنا على كلّ باغ وحسود، كما انتصرت لناقة ثمود.
وقوله: برّيا من سوء الصّنعة. فسوء الصنعة يتصرّف على وجوه: منها سوء التقسيم وفساد التفسير، وقبح الاستعارة والتطبيق، وفساد النّسج والسّبك.
وسنذكر المحمود من هذه الأبواب، والمذموم منها فيما بعد إن شاء الله.
وروى أنه قال: بريّا من الصنعة. فالصّنعة النقصان عن غاية الجودة، والقصور عن حدّ الإحسان. وهو مثل قول العائب فى هذا الأمر- بعد عمل- معناه أنه لم يحكم.
ولمّا دخل النابغة يثرب «١» وغنى بقوله «٢»:
أمن آل ميّة رائح أو مغتدى
ومن هذه القصيدة «٣»:
[ ٤٤ ]
عنم «١» يكاد من اللّطافة يعقد
وعرف أنه عيب «٢» خرج وهو يقول: دخلت يثرب فوجدت فى شعرى صنعة، فخرجت منها وأنا أشعر العرب؛ أى وجدت نقصانا عن غاية التمام.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: كان ابن الأعرابى يأمر بكتب جميع ما يجرى فى مجلسه، قال: فأنشده رجل يوما أرجوزة أبى تمام فى وصف السحاب على أنها لبعض العرب:
سارية لم تكتحل بغمض كدراء ذات هطلان محض
موقرة من خلّة وحمض تمضى وتبقى نعما لا تمضى
قضت بها السماء حقّ الأرض «٣»
فقال ابن الأعرابى: اكتبوها، فلمّا كتبوها قيل له: إنها لحبيب بن أوس؛ فقال: خرّق خرّق «٤»، لا جرم إن أثر الصّنعة فيها بيّن.
وقال الفرزدق القصائد تصنّعا؛ أى معابا ومنقصة عن حدّ الإحسان.
وقوله: بعيدا عن التعقيد. والتعقيد، والإغلاق، والتقعير سواء. وهو استعمال الوحشىّ، وشدة تعليق الكلام بعضه ببعض؛ حتى يستبهم المعنى. وقد ذكرنا أمثلة ذلك فيما تقدّم، ونذكر هاهنا منها شيئا:
فمثال الوحشىّ قول بعض الأمراء وقد اعتلّت أمّه فكتب رقاعا وطرحها فى المسجد الجامع بمدينة السلام: صين امرؤ ورعى، دعا لامرأة إنقحلة «٥» مقسئنّة، قد منيت بأكل الطّرموق؛ فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمنّ الله عليها
[ ٤٥ ]
بالاطرغشاش، والابرغشاش. فكلّ من قرأ رقعته دعا عليها، ولعنه ولعن أمه.
الطّرموق «١»؛ الطين. والاستمصال: الإسهال، واطرغش، وابرغش: إذا أبلّ وبرأ.
ومثال الشديد التعليق بعض ألفاظه ببعض حتى يستبهم المعنى، كقول أبى تمام «٢»:
جارى إليه البين وصل خريدة ماشت إليه المطل مشى الأكبد «٣»
يا يوم شرّد يوم لهوى لهوه بصبابتى وأذلّ عزّ تجلّدى
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
جعل الحجا مزبدا.
وقوله أيضا «٤»:
والمجد لا يرضى بأن ترضى بأن يرضى المعاشر منك إلّا بالرّضا «٥»
وبلغنا أنّ إسحاق بن إبراهيم سمعه ينشد هذا وأمثاله عند الحسن بن وهب؛ فقال: يا هذا، لقد شدّدت على نفسك. والكلام إذا كان بهذه المثابة كان مذموما.
وقوله: غنيّا عن التأمل؛ أى هو مستغن لوضوحه عن تأمّل معانيه، وترديد النّظر فيه. كقول بعضهم لصديق له: وجدت المودّة منقطعة، ما دامت الحشمة عليها مسلّطة، ولا يزال سلطان الحشمة إلا بملكة المؤانسة.
ومما يؤيّد ما قلناه قول الجاحظ: من أعاره الله ﷿ من معونته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا «٦»، حبّب إليه المعانى، وسلّس «٧» له نظام
[ ٤٦ ]
اللّفظ. وكان قبل قد أعفى المستمع من كدّ التلطّف، وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهّم.
وقال العربى: البلاغة التقرّب من المعنى البعيد؛ والتباعد من حشو الكلام؛ وقرب المأخذ؛ وإيجاز فى صواب؛ وقصد إلى الحجّة؛ وحسن الاستعارة.
ومثله قول الآخر: البلاغة تقريب ما بعد من الحكمة بأيسر الخطاب.
والتقرّب من المعنى البعيد، وهو أن يعمد إلى المعنى اللّطيف فيكشفه، وينفى الشواغل عنه؛ فيفهمه السامع من غير فكر فيه، وتدبّر له. مثل قول الأول فى امرأة:
لم ندر ما الدّنيا وما طيبها وحسنها حتى رأيناها
إنك لو أبصرتها ساعة أجللتها أن تتمنّاها
وقال بعضهم لملك من الملوك: أمّا التعجّب من مناقبك فقد نسخه تواترها؛ فصارت كالشىء القديم الذى قد كسى به؛ أى ألف لا كالشىء البديع الذى يتعجّب منه. ومن هذا أخذ أبو تمام قوله «١»:
على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقول آخر لبعض الملوك أيضا: أخلاقك تجعل العدوّ صديقا، وأحكامك تصير الصديق عدوا، ويشهد عدم مثلك فيما يكون.
وقال بعض القدماء: لكل جليلة دقيقة ودقيقة الموت الهجر.
وقلت:
اسم التفرّق بيّن لكنّ معناه موت
وجداننا كلّ شىء إذا تباعدت فوت
والرواية الصحيحة أن العربى قال: البلاغة التقرب من المعنى البعيد؛ ولكن
[ ٤٧ ]
رأيته فى بعض أصولى كما ذكرته قبل، فأوردته هاهنا، وفسّرته على ما رأيته فى الأصل.
وقوله: والتباعد من حشو الكلام. فالحشو على ثلاثة أضرب: اثنان منها مذمومان، وواحد محمود:
فأحد المذمومن هو إدخالك فى الكلام لفظا لو أسقطته لكان الكلام تاما، مثل قول الشاعر:
أنعى فتى لم تذرّ الشمس طالعة يوما من الدهر إلّا ضرّ أو نفعا
فقوله: يوما من الدّهر حشو لا يحتاج إليه؛ لأن الشمس لا تطلع ليلا.
وقول بعض بنى عبس: أنشدنا أبو أحمد عن الصولى عن ثعلب عن ابن الأعرابى:
أبعد بنى بكر أومّل مقبلا من الدهر أو آسى على إثر مدبر
وليس وراء الفوت شىء يردّه عليك إذا ولّى سوى الصّبر فاصبر
أولاك بنو خير وشرّ كليهما جميعا ومعروف أريد ومنكر
قوله: أريد حشو وزيادة. وقوله: كليهما يكاد يكون حشوا، وليس به بأس، وباقى الكلام متوازن الألفاظ والمعانى، لا زيادة فيه ولا نقصان. وهذا الجنس كثير فى الكلام.
والضرب الآخر العبارة عن المعنى بكلام طويل لا فائدة فى طوله ويمكن أن يعبّر عنه بأقصر منه. مثل قول النابغة «١»:
تبيّنت آيات لها فعرفتها لستّة أعوام وذا العام سابع
كان ينبغى أن يقول لسبعة أعوام ويتمّ البيت بكلام آخر يكون فيه فائدة، فعجز عن ذلك، فحشا البيت بما لا وجه له.
وأما الضرب المحمود فكقول كثيّر:
لو أنّ الباخلين وأنت فيهم رأوك تعلّموا منك المطالا «٢»
[ ٤٨ ]
قوله: «وأنت فيهم» حشو إلّا أنه مليح. ويسمّى أهل الصنعة هذا الجنس اعتراض كلام فى كلام.
ومنه قول الآخر، وهو جرير «١»:
إنّ الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وسنأتى على هذا الباب فيما بعد إن شاء الله.
ومن الكلام الذى لا حشو فيه قول صبرة بن شيمان حين دخل على معاوية مع الوفود فتكلّموا فأكثروا، فقال صبرة: يا أمير المؤمنين، إنّا حىّ فعال، ولسنا حىّ مقال، ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم.
فقال معاوية: صدقت.
ومن هذا قول الشاعر:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم
وكتب رجل إلى أخ له: ثقتى بكرمك تمنع من اقتضائك، وعلمى بشغلك يحدو على ادّ كارك.
وقال آخر: فى الناس طبائع سيئة وحسنة، فارتبط بمن رجحت محاسنه.
وقال الحسن: نعم الله على العبد أكثر من أن تشكر، إلّا أن يعان عليها.
وذنوبه أكثر من أن يسلم منها، إلا أن يعفى له عنها.
وأما قرب المأخذ فهو أن تأخذ عفو الخاطر، وتتناول صفو الهاجس، ولا تكدّ فكرك، ولا تتعب نفسك. وهذه صفة المطبوع.
وروى أن الرشيد، أو غيره، قال لندمائه- وقد طلعت الثريّا: أما ترون الثريّا؟
فقال بعضهم: كأنها عقد ريا.
[ ٤٩ ]
وقال بعضهم لأبى العتاهية:
عذب الماء فطابا
فقال أبو العتاهية:
حبّذا الماء شرابا
وقال بشار، وقد حبسه يعقوب بن داود على بابه:
طال الثّواء على رسوم المنزل
فرفع إليه قوله، فقال:
فإذا تشاء أبا معاذ «١» فارحل
ومن قرب المأخذ أنّ الجاحظ أو غيره قال للجماز: أريد أن أنظر إلى الشيطان، فقال: انظر فى المرآة.
وقال بعض الولاة لأعرابى: قل الحقّ وإلا أوجعتك ضربا! فقال الأعرابى:
وأنت أيضا فاعمل به، فو الله لما أوعدك الله به منه أعظم مما أوعدتنى به منك.
ومنه أن المأمون قال لأمّ الفضل بن سهل بعد قتله إياه: أتجز عين ولك ولد مثلى؟
قالت: وكيف لا أجزع على ولد أفادنيك.
وهذا على حسب ما قال أبو حنيفة: إذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها.
ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد قال حدثنا الجوهرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا مهدى بن سابق، قال: حدثنا عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان، قال:
دعا عبد الملك بن مروان يوما بالغداء وبحضرته رجل فدعاه إلى غدائه، فقال ليس:
بى غداء يا أمير المؤمنين، قد تغدّيت. فقال عبد الملك: أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يكون فيه فضل للطعام. فقال: يا أمير المؤمنين، فىّ فضل، ولكن أكره أن آكل فأصير إلى ما استقبحه أمير المؤمنين.
و[أمّا] قوله: «إيجاز فى صواب»، فسنذكره فى بابه. و[أمّا] الاستعارة فسنضعها فى مواضعها.
[ ٥٠ ]
وأما قوله: «وقصد إلى الحجّة»، فقد ذكرنا الكلام فيه.
وقال محمد بن على ﵄: البلاغة قول مفقه «١» فى لطف؛ فالمفقه: المفهم، واللّطيف من الكلام: ما تعطف به القلوب النافرة، ويؤنس القلوب المستوحشة، وتلين به العريكة الأبيّة المستصعبة، ويبلغ به الحاجة، وتقام به الحجّة؛ فتخلص نفسك من العيب، ويلزم صاحبك الذنب، من غير أن تهيجه «٢» وتقلقه، وتستدعى غضبه، وتستثير حفيظته.
كقول بعض الكتّاب لأخ له: أنفذ إلىّ أبو فلان كتابا منك؛ فيه ذرّ «٣» من عتاب، كان أحلى عندى من تعريسة الفجر «٤»، وألذّ من الزّلال العذب، ولك العتبى داعيا مستجابا له، وعاتبا معتذرا إليه. ولو شئت مع هذا أن أقول: إنّ العتب عليك أوجب، والاعتذار لك ألزم لفعلت، ولكنى أسامحك ولا أشاحك «٥»، وأسلّم إليك ولا أرادّك؛ لأنّ أفعالك عندى مرضية، وشيمك لدىّ مقبولة، ولولا أنّ للحجّة موقعها لأعرضت عما أو مأت إليه وما عرضت مما بدأت به، وقلت:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
فانظر كيف خلّص نفسه من الجرم، وأوجبه لصاحبه فى ألطف وجه، وألين مسّ.
ومن الكلام الذى يعطف القلوب النافرة قول آخر لأخ له: زيّن الله ألفتنا بمعاودة صلتك، واجتماعنا بترادف زيارتك، وأيامنا الموحشة- لغيبتك- برؤيتك؛ توعّدتنى بالانتقام على إخلالى بمطالعتك، وحسبى من عقوبتك ما ابتليت به من عدم مشاهدتك.
وقال علىّ بن أبى طالب ﵁: البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف
[ ٥١ ]
عوّار «١» الجهالات، بأسهل ما يكون من العبارات.
وقريب منه قول الحسن بن على ﵄: البلاغة تقريب بعيد الحكمة بأسهل العبارة.
ومثله قول محمد بن على ﵄: البلاغة تفسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ. وقد مضى فيما تقدّم من كلامنا ما يكون مثالا لهذه الفصول.
وأنا أورد هاهنا فصلا ينشرح به أبوابها، ويتّضح وجوهها. أخبرنى أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: قال المأمون لمرتدّ عن الإسلام إلى النصرانية: أى شىء أوحشك من الإسلام فتركته؛ قال: أوحشنى ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم. فقال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا فى الأذان، وتكبير الجنائز، والاختلاف فى التشهد، وفى صلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك. وليس هذا باختلاف؛ وإنما ذلك توسعة وتخفيفا من المحنة. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا فى تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الخبر عن نبيّنا ﵊، مع إجماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر.
فإن كان الذى أوحشك هو هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فينبغى أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متّفقا على تأويله، كما يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين النصارى اختلاف فى شىء من التأويلات. ولو شاء الله أن ينزّل كتبه ويجعل كلام أنبيائه، وورثة رسله كلاما لا يحتاج إلى التفسير لفعل؛ ولكننا لم نر شيئا من الدّين والدنيا دفع إلينا على الكفاية. ولو كان الأمر كذلك لسقطت المحنة والبلوى، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل؛ وليس على هذا بنى الله الدنيا.
[ ٥٢ ]
فقال المرتدّ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد، وأن المسيح عبد الله، وأن محمدا ﷺ صادق، وأنك أمير المؤمنين حقّا.
وقال ابن المقفّع: البلاغة كشف ما غمض «١» من الحقّ، وتصوير الحقّ فى صورة الباطل.
والذى قاله أمر صحيح لا يخفى موضع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز والتحصيل؛ وذلك أنّ الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادى على نفسه بالصحّة، ولا يحوج إلى التكلّف لصحّته حتى يوجد المعنى فيه خطيبا.
وإنما الشأن فى تحسين ما ليس بحسن، وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتحيّل «٢»، ونوع من العلل والمعاريض «٣» والمعاذير، ليخفى موضع الإشارة، ويغمض موقع التقصير؛ وما أكثر ما يحتاج الكاتب إلى هذا الجنس عند اعتذاره من هزيمة، وحاجته إلى تغير رسم؛ أو رفع منزلة دنىء له فيه هوى؛ أوحطّ منزلة شريف استحقّ ذلك منه، إلى غير ذلك من عوارض أموره.
فأعلى رتب البلاغة أن يحتجّ للمذموم حتى يخرجه فى معرض المحمود، وللمحمود حتى يصيّره فى صورة المذموم. وقد ذمّ عبد الملك بن صالح المشورة، وهى ممدوحة بكل لسان، فقال: ما استشرت أحدا إلا تكبر على وتصاغرت له، ودخلته العزّة ودخلتنى الذّلة؛ فعليك بالاستبداد فإن صاحبه جليل فى العيون، مهيب فى الصدور؛ وإذا افتقرت إلى العقول حقرتك العيون، فتضعضع شأنك، ورجفت «٤» بك أركانك، واستحقرك الصغير، واستخفّ بك الكبير، وما عزّ سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصائحه.
ومدح بعضهم الموت فقال:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا فى الموت ألف فضيلة لا تعرف
[ ٥٣ ]
فيه أمان لقائه بلقائه وفراق كلّ معاشر لا ينصف
فالمتمكّن من نفسه يضع لسانه حيث يريد.
ومثل هذا كثير لا وجه لا ستيفائه فى مثل هذا الموضع.
ذكرت فى هذا الباب- وهو ثلاثة فصول- من نعوت البلاغة، ووجوه البيان والفصاحة ما فيه كفاية؛ وأتيت من تفسير مشكلها على ما فيه مقنع، ولم يسبقنى إلى تفسير هذه الأبواب وشرح وجوهها أحد، وإنما اقتصر من كان قبلى على ذكر تلك النعوت عارية مما هى مفتقرة إليه من إيضاح غامضها، وإنارة مظلمها؛ فكان المنفعة بها للعالم دون المتعلّم، والسابق دون اللاحق؛ وربما اعترض الشكّ فيها للعالم المبرّز، فسقطت عنه معرفة كثير منها. وأنت أيّدك الله تعتمد ما ذكرته من ذلك، وتأتمّ بما شرحته منه، وتستدلّ به على ما ألفيته من جنسه إذا عثرت به، لتستغنى عن جميع ما صنّف فى البلاغة، وسائر ما ذكر من أصناف البيان والفصاحة إن شاء الله.
[ ٥٤ ]