فنقول: البلاغة كلّ ما تبلّغ به المعنى قلب السامع فتمكّنه فى نفسه كتمكّنه فى نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن.
وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا فى البلاغة؛ لأنّ الكلام إذا كانت عبارته رثّة ومعرضه خلقا لم يسمّ بليغا، وإن كان مفهوم المعنى، مكشوف المغزى.
ألا ترى إلى معنى الكاتب الذى كتب إلى بعض معامليه: قد تأخّر الأمر فيما وعدت حمله ضحوة النهار، والقوم غير مقيمين، وليس لهم صبرى، وهم فى الخروج آنفا؛ فإن رأيت فى إزاحة العلّة مع الجهبذ «١» فعلت إن شاء الله. فمعناه مفهوم ومغزاه معلوم، وليس كلامه ببليغ.
فهذا يدلّ على أنّ من شرط البلاغة أن يكون المعنى مفهوما واللفظ مقبولا على ما قدمناه.
ومن قال: إن البلاغة إنما هى إنهام المعنى فقط، فقد جعل الفصاحة، واللّكنة، والخطأ، والصواب، والإغلاق، والإبانة سواء.
وأيضا فلو كان الكلام الواضح السهل، والقريب السّلس الحلو بليغا، وما خالفه من الكلام المستبهم المستغلق والمتكلّف المتعقد أيضا بليغا لكان كلّ ذلك محمودا وممدوحا مقبولا، لأنّ البلاغة اسم يمدح به الكلام.
فلمّا رأينا أحدهما مستحسنا، والآخر مستهجنا علمنا أنّ الذى يستحسن البليغ، والذى يستهجن ليس ببليغ.
[ ١٠ ]
وقال العتّابى: كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ. وإنما عنى: إن أفهمك حاجته بالألفاظ الحسنة، والعبارة النيّرة فهو بليغ.
ولو حملنا هذا الكلام على ظاهره للزم أن يكون الألكن بليغا؛ لأنه يفهمنا حاجته؛ بل ويلزم أن يكون كلّ الناس بلغاء حتى الأطفال، لأنّ كلّ أحد لا يعدم أن يدلّ على غرضه بعجمته أو لكنته أو إيمائه أو إشارته؛ بل لزم أن يكون السّنّور بليغا؛ لأنّا نستدلّ بضغائه «١» على كثير من إرادته. وهذا ظاهر الإحالة.
ونحن نفهم رطانة السّوقى «٢» . وجمجمة «٣» الأعجمى للعادة التى جرت لنا فى سماعها. لا لأنّ تلك بلاغة؛ ألا ترى أنّ الأعرابى إن سمع ذلك لم يفهمه؛ إذ لا عادة له بسماعه.
وأراد رجل أن يسأل بعض الأعراب عن أهله فقال: كيف أهلك؟ بالكسر.
فقال له الأعرابى: صلبا؛ إذ لم يشكّ أنه إنما يسأله عن السبب الذى يهلك به.
وقال الوليد بن عبد الملك لأعرابى شكا إليه ختنا «٤» له، فقال: من ختنك؟ ففتح النون. فقال: معذر «٥» فى الحى؛ إذ لم يشكّ فى أنه إنما يسأله عن خاتنه.
وقال رجل لأعرابى: ألقى عليك بيتا. فقال: ألق على نفسك. وسمع أعرابىّ قصيدة أبى تمام «٦»:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا «٧»
فقال: إنّ فى هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها؛ فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه. ونحن نفهم
[ ١١ ]
معانى هذه القصيدة بأسرها؛ لعادتنا بسماع مثلها، لا لأنّا أعرف بالكلام من الأعراب.
ومما يؤيّد ما قلنا من أنّ البلاغة إنما هى إيضاح المعنى وتحسين اللفظ قول بعض الحكماء: البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. إلى غير ذلك مما سنذكره ونفسّره فى هذا الباب إن شاء الله.
وقال محمد بن الحنفية ﵁: البلاغة قول تضطرّ العقول إلى فهمه بأسهل العبارة؛ فقوله: «تضطر العقول إلى فهمه» عبارة عن إيضاح المعنى، وقوله: «بأسهل العبارة» تنبيه على تسهيل اللفظ وترك تنقيحه. ومثل ذلك من النثر قول بعضهم لأخ له:
ابتدأتنى بلطف من غير خبرة، ثم اعقبتنى جفا من غير هفوة، فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك من وفائك؛ فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأى فى أمرك عن عزيمة الشكّ فى حالك؛ فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
وقول الآخر: لم يدع انقباضك عن الوفاء، وانجذابك مع سوء الرأى فى ملاحظة الهجر، والاستمرار على العذر، محرّكا من القلب عليك، ولا خاطرا يومى إلى حسن الظنّ بك. هيهات انقضت مدّة الانخداع لك حين أخلفت عدة الأمانى فيك، وما وجدنا ساترا من تأنيب النّصحاء فى الميل إليك، والتوفّر عليك؛ إلا الإقرار بطاعة الهوى، والاعتراف بسوء الاختيار.
وكتب بعض الكتّاب إلى أخ له: تأخرت عنى كتبك تأخّرا ساء له ظنى، إشفاقا من الحوادث عليك، لا توهّما للجفاء منك؛ إذ كنت أثق من مودّتك بما يغنينى عن معاتبتك.
ومما هو فى هذه الطريقة، وهو أجزل مما تقدّم ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى بكر ابن دريد، عن عبد الرحمن، عن عمه، قال: وقف علينا أعرابى ونحن برملة اللّوى،
[ ١٢ ]
فقال: رحم الله امرأ لم تمجّ أذناه كلامى، وقدم معاذه «١» من سوء مقامى؛ فإنّ البلاد مجدبة، والحال مسغبة «٢»، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين؛ فرحم الله امرءا أمر بمير «٣»، أو دعا بخير.
وقول بعضهم- يمدح رجلا: كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بهمّته حيث أشار الكرم، يصافح عن صاحبه نوب الزمان، ويتحسّى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب، ويعطفهم منه على ما جد ندب «٤» .
[ ١٣ ]